ما الآثار المعاصرة للجرائم العلمية لمعاوية وأتباعه؟

إن أعظم عدو لكل دين ومذهب إلهي هو البدعة؛ فالبدعة خطيرة إلى حد يمكنها أن تهدم الدين. وللبدع وظيفة رئيسية واحدة، وهي إيجاد الانحراف؛ فقد لا تبدو البدعة في زمانها أمراً مهماً، لكنها مع مرور الزمن وفي المستقبل تُحدث انحرافات كبيرة. ومن هنا فإن فحص العقائد والتعاليم وتوثيق المعارف الدينية في كل زمان عمل بالغ الأهمية، لكي يبقى الدين دائماً محفوظاً من البدعة.
عمل يُعد سعياً في هدم الدين
البدعة هي أصل جميع الانحرافات والاختلافات في دين الإسلام وفي كل الأديان. وكان للحكام الغاصبين بعد النبي، ثم لبني أمية من بعدهم، النصيب الأكبر، بل النصيب كله، في إيجاد البدع المختلفة. وكلما مر الزمن ظهرت شؤم البدعة وآثارها الخبيثة في المجتمع أكثر فأكثر. ومن هنا قال الإمام الصادق عليه السلام: «من مشى إلى صاحب بدعة فوقّره فقد سعى في هدم الإسلام» (١)
البدعة لها دائماً مظهر إيماني، لكنها في حقيقتها ضلالة
مع أن هذه الرواية تشتمل، لمن يتدبر فيها، على نكات كثيرة ثمينة، إلا أننا نشير هنا إلى نكتتين مهمتين جداً: ١- من أجل حفظ الدين يجب فضح المبتدع في المجتمع، وهذا من أعظم واجبات خواص كل مجتمع، وقد أدّى الشيعة هذه المهمة جيداً على امتداد التاريخ. ٢- العدو يقدّم الكفر دائماً لأهل الإيمان في لباس الإسلام؛ ولذلك يكون للبدعة دائماً ظاهر إيماني، لكن الإمام الصادق عليه السلام قال: «كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة سبيلها إلى النار.» (٢)
البدعة، بأي صورة كانت، تدفع المجتمع نحو طريق الضلالة، ونهاية طريق الضلالة هي النار. وبما أن الحكام الغاصبين بعد النبي، الذين سموا أنفسهم بغير حق خلفاء، ثم بنو أمية من بعدهم، قد أحدثوا أكثر البدع، بل كادوا يحدثون جميع البدع في دين الإسلام، فإن دراسة آثار هذه البدع في روح المجتمع الإسلامي المعاصر وفكره أمر بالغ الأهمية. حقاً، بعد مرور أكثر من ألف عام على بدع معاوية ومن سبقوه، ما آثار تلك البدع اليوم والآن؟ هل كانت البدع ذات قيمة في زمانها فقط، ثم أصبح بحثها بعد القرون بلا فائدة؟
أنواع الآثار
يمكن تقسيم آثار البدعة إلى قسمين:
بدعة تحريم الزواج المؤقت
١- يمكن العثور على النموذج الواضح لآثار هذا النوع من البدع، وهي آثار محسوسة جداً في مجتمع العالم الإسلامي اليوم وتسببت في مشكلات كثيرة، في البدعة التي أسسها الخليفة الثاني؛ فقد حرّم الزواج المؤقت بدعةً. ومع أن بدعته لم تلق قبول الناس في زمانه، وكان صحابة رسول الله صلى الله عليه وآله يعملون سنوات طويلة بهذه السنة من سنن رسول الله (٣)، إلا أن المتعصبين للغاصب الثاني في القرون اللاحقة عملوا بهذه البدعة، فصار الزواج المؤقت عملياً في حكم الحرام القطعي.
وقد سرى هذا السم المهلك، مع كامل الأسف، إلى المجتمع الشيعي أيضاً، فتعطل هذا الحكم الإلهي عملياً. وفي الزمن الحاضر، حيث تُحس ضرورة هذه المسألة في المجتمع أكثر من الماضي، وحيث ارتفع سن الزواج عند الفتيات والفتيان كثيراً، وازدادت الأفلام والمواقع المهينة والمضادة للأخلاق التي تستهدف إثارة الشباب جنسياً من أجل تدمير المجتمع، أصبحت الحاجة إلى الزواج المؤقت ضرورة مهمة جداً في مجتمع اليوم؛ إلا أن بدعة تحريم هذا العمل المقدس لا تزال، كصنم كبير، تلقي بظلها المشؤوم على مجتمعنا.
تقصير المجتمع في تناول حكم شرعي
مع أن أحداً في المجتمع الشيعي لا يحكم بالحرمة، إلا أن التعامل العملي مع هذا الحلال، الذي صار اليوم لكثير من الشباب بمنزلة الواجب، يجعله كأنه في رتبة الزنا أو فعلاً أقبح من الزنا. وحتى الكتب التي بحثت هذا الموضوع ودرسته بقيت غالباً في حدود البحث الكلامي، ولم تتناول البحث الأشد ضرورة والأكثر عملية، أي مباحثه الفقهية؛ لأن مسألة مثل الزواج المؤقت إذا طُبقت في المجتمع واجهت مشكلات كثيرة، ومن اللازم أن يبيّن الفقهاء للمجتمع أحكام هذه المشكلات؛ مثل زواج البكر المؤقت من دون إذن الأب، ومعنى كون الفتاة رشيدة، والطرق الشرعية لفتاة تريد الزواج المؤقت، وأسئلة كثيرة أخرى تخطر في أذهان كثيرين ممن يريدون الفرار من نار الزنا الشيطانية. وهذا أثر واحد فقط من ألف أثر لبدعة واحدة، وهو من الآثار المحسوسة لنا في مجتمع اليوم.
قتل الشيعة
٢- وهناك طائفة من البدع لا تُظهر نفسها بوضوح في حياتنا اليومية، لكن آثارها في العالم الإسلامي شملت جميع المسلمين. فكثير من الانحرافات الاعتقادية الموجودة اليوم ليست محسوسة كثيراً وتحتاج إلى مزيد من التدقيق. وبناء على هذه البدع نشأت في المجتمعات غير الشيعية فرق تكفيرية تكفّر مسلماً آخر بسهولة، ولا تكتفي بهذا القدر، بل تستحل دمه وماله وعرضه؛ أي إن مجتمعنا الشيعي أيضاً يتأثر بهذه الآفات الاعتقادية.
واليوم نرى نتيجة مثل هذه الاعتقادات في قتل شيعة باراچنار في باكستان جماعياً، أو في الهجمات الإرهابية على عزّاء الإمام الحسين عليه السلام في مناطق مختلفة من العالم، أو في تخريب البقاع المباركة للأئمة المعصومين عليهم السلام، أو في نشوء فرق كثيرة ومتعددة تدّعي، رغم كل هذا التفرق والاختلاف، الإسلام واتباع القرآن.
إمام الزمان هو مدمّر البدع
البدعة سم مهلك وقع اليوم في جسد الإسلام. وقد ورد في روايات كثيرة أن إمام الزمان عليه السلام يأتي بدين جديد وكتاب جديد؛ فكيف يمكن للإمام الذي يريد أن يحكم على أساس القرآن والسنة النبوية أن يكون له دين جديد وكتاب جديد؟ هذه الروايات إنذار باتساع البدع في أعتاب الظهور. وفي الحقيقة، ليس دين إمام الزمان وكتابه جديدين بالنسبة إلى دين النبي والكتاب الذي تركه النبي لهداية المسلمين، بل إن هذه الروايات الشريفة وصفت دين إمام الزمان وكتابه بصفة «الجديد» بالنسبة إلى المجتمع الإسلامي في أعتاب الظهور. وبهذا البيان يتضح أمران:
مجتمع أعتاب الظهور وخطر التدين على محور البدعة
١- المجتمع في أعتاب الظهور مجتمع مملوء بالبدع؛ وتدين مجتمع آخر الزمان يتمحور حول البدع. وهذا إنذار لنا بأن الحياة في مجتمع آخر الزمان من دون معرفة البدع والسنن ووجه الامتياز بينهما ستكون حياة على أساس الجاهلية، وأن التدين في هذا المجتمع من دون معرفة «البصيرة» وموازين «البصيرة» سيجلب الضلال معه.
الجواب عن شبهة الدين الجديد
٢- وهذا البيان جواب عن شبهات بعض عميان القلوب الذين تمسكوا بهذه الروايات لإنكار أصل المهدوية، فيقولون ويكتبون إن المهدي عجل الله تعالى فرجه، بحسب رأي الشيعة، موهوم؛ لأنه شخص يهدم الدين ويأتي بدين جديد، ويهدم القرآن النازل على النبي ويأتي بقرآن جديد، ويعارض سنة النبي؛ ومثل هذا المهدي كذب، ولذلك فالشيعة في دعوى المهدوية واقعون في الوهم.
هذه الروايات ناظرة إلى الأجواء المملوءة بالبدع في أعتاب الظهور. نعم، إن إمام الزمان لا يقبل ديناً صار أداة في يد المستبدين؛ وسوف يواجه قرآناً فُسّر على مباني بني أمية التفسيرية، ويبيّن تفسيراً يكشف الإرادة الإلهية من الآيات الشريفة، لا ما أراده الأمويون. وسيحيي سنة هي في الحقيقة سنة النبي، لا سنة جُعلت وفق مصلحة بضعة حكام طلاب دنيا. ومن هنا فإن المهدي الموعود حقيقة عذبة لطالبي الحق، وحقيقة مرة لطالبي البدعة.
يتناول هذا المقال آثار البدع التي أدخلها بنو أمية، وخصوصاً معاوية، في الدين؛ ومع أن بعض هذه البدع غير موجود في المجتمع الإسلامي اليوم، فإن آثارها المشؤومة لا تزال موجودة. فبدعة سب أمير المؤمنين ولعن خير البشر، وإن لم تكن موجودة الآن، فإن آثارها القبيحة لا تزال قائمة.
ما آثار الجرائم العلمية لمعاوية وأتباعه اليوم؟ وما البلايا التي جرّها اتحاد بني أمية مع اليهود عبر التاريخ على المسلمين اليوم؟ أليست الفرقة الوهابية المشؤومة اليوم نتيجة لهذا الاتحاد النحس بين بني أمية واليهود؟ ومن هنا فإن دراسة هذه الآثار بعد دراسة بدع بني أمية وأتباع بني أمية أمر بالغ الأهمية.
البدع كانت حرباً في الجبهة الثقافية
وبالطبع لا ينبغي أن نغفل عن هذه الحقيقة، وهي أن أكثر هذه البدع كانت تصدر عن وعي وعلم بحقيقة القضية، ولم يكن إيجاد البدعة مجرد هوى وشهوة عمياء في لحظة معينة. فشخص مثل معاوية، وهو بطل الشياطين في إيجاد البدع، كان يمتلك في إنتاج البدعة حدة نظر وبعد نظر ملحوظين، وفي الحقيقة كانت بدعته حرباً في الجبهة الثقافية.
وبدراسة بدعه وآثار هذه البدع يتضح لماذا فضّل الإمام الصادق والإمام الباقر عليهما السلام، مع أنهما كانا في الظاهر يملكان القدرة والظروف للقيام المسلح، أن ينصرفا إلى تربية تلامذة العلوم الدينية؛ ولعل أحد أسباب ذلك هو مواجهة الآثار التخريبية لبدع بني أمية، وهي فرصة لم تكن لتتاح لهما لو شكّلا حكومة.
ولما قيل لمعاوية: لقد بلغت ما أردت من الحكم والسلطة، فدع لعن علي عليه السلام، أجاب: «لا والله، لا أزال على هذا العمل حتى يكبر عليه الصغير، ويهرم عليه الكبير - كناية عن الشيخوخة وكبر السن - وحتى لا يذكر أحد علياً عليه السلام.» (٤)
في الحقيقة، أحرق معاوية الأجيال القادمة عمداً في نار الحسد والحقد والبغض لأمير المؤمنين؛ كان هدفه أن يصنع جيلاً محترقاً. ومن أجل أن يعلّم الناس منذ الطفولة العداء للحق أسس هذه البدعة، وما أسرع ما حصل على النتيجة.
لقد استطاع، على الأقل، أن يملأ الشام بشياطين فرحوا ورقصوا لأسر أبناء النبي في كربلاء؛ لأنهم كانوا جيلاً نشأ على بغض أمير المؤمنين. ومن هنا وصف الإمام السجاد عليه السلام مدينة الشام بأنها أشد المدن بلاءً وعذاباً على قافلة السبايا؛ لأن أطفال الشام نشأوا على بغض علي عليه السلام، وكبارهم شاخوا على هذا الأساس.
فالبدع الاعتقادية هي في الحقيقة صناعة ثقافية سلبية للأجيال القادمة، ومن هذه الجهة فإن دراسة آثار البدعة في المجتمع أمر ضروري جداً.
الهوامش
١- الكافي، ج ١، ص ٥٤، باب البدع والرأي والمقاييس
٢- الكافي، ج ١، ص ٥٦، باب البدع والرأي والمقاييس
٣- السنة لا تعني كل عمل قام به النبي، بل المقصود كل عمل حكم به النبي أو شرّعه أو أمر به أو نهى عنه.
٤- الأربعين في حب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) - علي أبو معاش، ج ٤، ص ٣٠٤ - ٣٠٦
٢- الكافي، ج ١، ص ٥٦، باب البدع والرأي والمقاييس
٣- السنة لا تعني كل عمل قام به النبي، بل المقصود كل عمل حكم به النبي أو شرّعه أو أمر به أو نهى عنه.
٤- الأربعين في حب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) - علي أبو معاش، ج ٤، ص ٣٠٤ - ٣٠٦
المؤلف: حامد صارم
مقالات مشابهة
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد.