مقارنة غيبة النبي آدم(ع) بغيبة الإمام المهدي(عج)

الغيبة من السنن الإلهية التي وقعت أيضاً في شأن الأنبياء السابقين. ومن أمثلتها غيبة النبي آدم(ع)، التي كانت أشد من غيبة الإمام المهدي(عج).
الغيبة هي أهم امتحان لأمة النبي في آخر الزمان؛ لأن الإيمان بإمام حاضر ومشهود يتحول إلى الإيمان بإمام حاضر ولكنه غائب. والإيمان بشيء خارج عن الحواس الظاهرية للإنسان ليس عملاً صعباً فحسب، بل هو أيضاً موضع لإثارة الشبهات وعبث الشياطين. ولهذا يعرّف القرآن الكريم «الإيمان بالغيب» بأنه من صفات المتقين الذين أنزل القرآن لهدايتهم (سورة البقرة، الآيتان ٢ و٣). حتى إن دعوة الناس إلى الإيمان بالحقائق الغائبة عن حواسهم كانت من أصعب أعمال الأنبياء.
ومن أمثلة الإيمان بالغيب الدعوة إلى عبادة إله لا يُرى، ويجب إثبات وجوده وكونه بعين العقل.

غياب حجة الله أفضل مجال لإثارة إبليس والشياطين للشبهات
والإيمان بالحجة الغائبة من سنن الله أيضاً بين مخلوقاته؛ أي إن الإيمان بحجة مستترة عن الأبصار يحتاج إلى بصيرة وإيمان راسخ، لأن غياب حجة الله أفضل مجال لإثارة إبليس والشياطين للشبهات. فهل يمكن حقاً الإيمان بحجة لا تُرى؟ وهل ابتلي الموحدون الذين عاشوا في الأمم الماضية بمثل هذا الامتحان العسير؟
ولأن غيبة حجة الله تثير دائماً أسئلة واستفهامات مختلفة، فإن الشياطين تستغل هذا المجال وتنشر الشبهات؛ لكن ما دام المؤمنون أنساً بالقرآن وروايات أهل البيت، فلن يصل كيد الشياطين إلى نتيجة.
في الآية الشريفة: «وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً» حجة ودليل قوي على صحة الغيبة في الإمامة؛ إذ بهذه العبارة: «إني وضعت خليفتي في الأرض»، وجب على الملائكة أن يعتقدوا أن ذلك الخليفة حجة الله وأن طاعته واجبة. وحتى عدو الله إبليس آمن بهذه الحجة الغائبة، وإن كان ذلك عن نفاق.
وتشير هذه الآية الشريفة إلى غيبة الحجة عن المخلوقات؛ إذ كان على الملائكة أن يؤمنوا بالنبي آدم قبل خلقه، والغيبة قبل الوجود أرفع وأشد، لأن الملائكة لم يروا خليفة الله في الأرض قبل آدم. أما البشر، فقد سبق غيبة الإمام المهدي(عج) حضور الأئمة والأنبياء السابقين، وهو ما يدل عليه القرآن وتواتر الروايات وأخبار السابقين.
لذلك كانت هذه الغيبة أشد على الملائكة من الغيبة على الشيعة في زمن غيبة الإمام الثاني عشر. كما أن غيبة آخر حجة لله وقعت بسبب كثرة الأعداء وخوف القتل (١)، بينما غياب آدم عن الملائكة كان من عند الله ووقع من دون عداوة جماعة من الظالمين.
ورد في الروايات الشيعية أن سبعمائة سنة مضت بعد هذا القول الإلهي إلى أن خُلق النبي آدم في الأرض. وفي هذه المدة كان على الملائكة أن يؤمنوا بهذه الحجة الإلهية ويعتقدوا بها؛ ولذلك كان آدم في غيبة سبعمائة سنة، ومنح الله الملائكة في هذه المدة ثواب الإيمان بالغيب.
وإذا لم يقبل أحد المخالفين رواية الفاصل الزمني البالغ سبعمائة سنة بين إعلان الرب للملائكة، فيمكن الاستدلال على غيبة النبي آدم(ع) بظاهر الآية نفسها، من دون اعتبار الرواية.
وبيان ذلك أن بين لحظة إخبار الله للملائكة بأنه يريد أن يجعل في الأرض خليفة، وبين وقت خلقه للنبي آدم، لا بد من فاصلة ولو بمقدار ساعة أو ساعتين. فالغيبة قد وقعت ولو في ساعة واحدة؛ أي إن الاعتقاد بالحجة كان واجباً على الملائكة، في حين كانت الحجة وراء ستر الغيبة، وكان على الملائكة أن يؤمنوا بالحجة الغائبة في تلك المدة، وإن قصرت.
والنتيجة أن آيات القرآن تشير بوضوح إلى سنة الله؛ وهي سنة يخفى بموجبها الحجة والإمام عن أعين المأمومين والشيعة، وقد جرت هذه السنة في الإمام الثاني عشر للشيعة.
مقتبس من مقدمة كتاب كمال الدين للشيخ الصدوق، ج ١، ص ١١.
١. من حكم الغيبة حفظ حياة الإمام المهدي.
المؤلف: حامد صارم
مقالات مشابهة
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد.