28 بهمن 1393 ه.شالسيدة فاطمة الزهراء سلام الله عليها
أفلم يكن بيت فاطمة (عليها السلام) بيتَ الوحي؟
المؤلف: حامد صارم

إنّ ريحانةَ الرسول، السيّدةَ الصدّيقةَ الكبرى فاطمة (عليها السلام)، تتمتّع بمقاماتٍ ومناقبَ رفيعة من جهاتٍ كثيرة. فهي التي كانت في خلقها النوراني مع أوّل مخلوقٍ في العالم، محمد (صلى الله عليه وآله)، وعليّ (عليه السلام). وقد بلغ علوّ مقامها أن رأى آدم اسمها على ساق العرش، فتوسّل إلى الله بها وبأبيها وزوجها وأبنائها حتى قُبلت توبته. وكانت من تلك الكلمات الإلهية التي «فتلقی آدم من ربه بکلمات فتاب علیه...»؛ إذ أجرى آدم على لسانه: «... اللهم بحق فاطمه و انت فاطر السماوات و الارض...» كما أنّ ريحانة الرسول (صلى الله عليه وآله) هي تلك المشكاة التي ضُرب بها مثل نور الله في السماوات والأرض: «... مثل نوره کمشکوه ...»
فاطمة ليست فاطمة فحسب
والحقيقة أنّه لا يمكن الاكتفاء في بيان شأنها بالقول: «فاطمة، فاطمة»؛ لأنّ فاطمة ليست فاطمة فحسب، فهي المنصورة والزهراء، وهي التي لُقّبت بـ«البتول» واشتهرت على لسان النبي بأمّ أبيها. إنّ السيّدة الزهراء (عليها السلام) سيّدة نساء العالمين، وهي التي قيل فيها: «فطم شیعتنا عن معرفتها». ومن ذا الذي يستطيع معرفة فاطمة الزهراء (عليها السلام)؟ فمن عرفها فقد أدرك ليلة القدر: «و ما ادریک ما لیله القدر»؛ وما أدراك ما ليلة القدر؟
السيّدة فاطمة سلام الله عليها جزءٌ من نور النبي
إنّ الوجود النوراني لفاطمة الزهراء (عليها السلام) قطعةٌ من نور النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله)، إذ قال: «فاطمه بضعه منی و من اذاها فقد اذانی»؛ فمن آذاها فقد آذى النبي. ومن ثمّ فإنّ مؤذيها يكون مصداقاً للآية الكريمة: «إِنَّ الَّذینَ یُؤْذُونَ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِی الدُّنْیا وَ الْآخِرَةِ وَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً مُهیناً» (الأحزاب ٥٧).
كلّ ما يصدق عليه إيذاء السيّدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) أو الإضرار بها يجعل فاعله، بحكم هذه الآية الكريمة، مؤذياً وملعوناً من الله ورسوله. ومن جملة ما سمّاه الله في القرآن من الإيذاء والأذى آياتٌ عدّة، منها: «یا أَیُّهَا الَّذینَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَکُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِیِّ وَ لا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ کَجَهْرِ بَعْضِکُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُکُمْ وَ أَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ» (الحجرات ٢). وكذلك أمر الله بشأن النبي: «یا أَیُّهَا الَّذینَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُیُوتَ النَّبِیِّ إِلاَّ أَنْ یُؤْذَنَ لَکُم... » (الأحزاب ٣)؛ فرفع الصوت فوق صوت النبي يوجب حبط الأعمال كلّها وذهابها، ولا يجوز دخول بيوت النبي إلا بإذنه، وهكذا....
إحراق بيت فاطمة سلام الله عليها هو إحراق بيت الوحي
كل هذه النقاط جارية وسارية بشأن السيدة الصديقة الكبرى (س) أيضاً. فإذا كان رفع الصوت موجباً لحبط العمل، وكان الدخول إلى بيتها من دون إذنها إيذاءً وإضراراً بالنبي، فكيف يكون حال من يجمع الحطب عند باب بيتها ويأتي بالنار ويهدد، مع جماعة من المرتزقة، بإحراق بيت السيدة الزهراء (س)؟ وهل آمن بالوحي قط من يضرم النار في باب بيت الوحي؟ أو هل يعتقد للنبي أدنى احترام أو قيمة؟ بل الكلام في أن وجوده مفعم بالبغض والحقد على النبي.
السيدة الزهراء سلام الله عليها نور هداية الله
إن اتخاذ القرار في موضع لا يعرف فيه الإنسان الحق أمر بالغ الصعوبة، بل مستحيل. والشيطان يسعى دائماً إلى إخفاء الحق لإغواء الناس. وأكبر حيله أن يُظهر الباطل في صورة الحق، ومن يُري الناس الباطل فقد سقاهم في الحقيقة نعمة الهداية جرعة جرعة؛ وقد سقت السيدة الصديقة الطاهرة (س)، باحتسائها المصائب والشدائد القاسية جرعة جرعة، الناسَ الهدايةَ جرعة جرعة، لكيلا تكون لأحد يوم القيامة حجة على الله.
نعم، لقد أنارت فاطمة، باعتراضها وبالصرخة العالية التي أطلقتها بسبب انحراف الأمة، طريق الهداية. نعم، نزعت عنه رداء الحق الذي ارتداه إبليس زمانها للتلبيس، لكي يعرف الجميع إبليس على حقيقته. ولكي يفهم الجميع أن هذا الشخص الذي يتشدق نفاقاً بخير وصلاح أمة النبي لم يكن يؤمن بالنبوة قط؛ فلو كان مؤمناً بها، فلماذا هدد بإحراق بيت الوحي؟
التحريف لتبرئة المجرم
إن المتعصبين الذين فهموا هذه النقاط فهماً جيداً، لكنهم سلكوا الطريق الخطأ وأصبحت أقلامهم في خدمة جبهة النفاق، لا يستطيعون نقل وقائع ومصائب فاطمة بشفافية إلى أجيال اليوم والمستقبل. ولذلك، وبالاستناد إلى المعتقدات المتعصبة لبعض المذاهب الإسلامية، لم يدوّنوا إلا الحوادث التي لا توجّه إصبع الاتهام لدى القارئ نحو نظام الخلافة، ولا تميل باعتقاده إلى حقانية مواقف أمير المؤمنين (ع) وفاطمة الزهراء (س).
وفي هذا المسار نواجه إما حذف كثير من الحوادث والمصائب الفاطمية، كالحوادث المرتبطة بضرب السيدة الزهراء (ع) وجرحها، وإما نوعاً خاصاً من التحريف. ففي بعض الحوادث كان نقل المؤرخين المتعصبين أقل بكثير وأضأل من الوقائع التي حدثت في التاريخ والواقع؛ مثل حادثة إحراق بيت فاطمة (س) التي رويت بصورة مخففة، أي بوصفها تهديداً بالإحراق.
ومع أنهم لجؤوا إلى الكتمان والتحريف لغسل وصمة العار عن دامن الغاصبين، فإن المقدار اليسير الذي نقلوه مع ذلك يرسّخ برهان حقانية الفكر الشيعي؛ وهو برهان تترتب عليه عدم أهلية الغاصبين للخلافة، وعدم إيمانهم بالوحي، وانتهاكهم في نهاية المطاف كثيراً من آيات القرآن التي نزلت في شأن آل رسول الله (ع). ومن هنا نرجع إلى بعض مصادر أهل العامة لدراسة المصائب الفاطمية، وبصورة خاصة «التهديد بإحراق بيت الوحي».
دراسة التهديد بإحراق بيت الوحي في مصادر العامة
ومن رواة هذه الهتك العظيم للحرمة ابن قتيبة الدينوري، إذ يقول: «سأل الخليفة الأول عن جماعة امتنعوا عن بيعته واجتمعوا حول علي، فأرسل إليهم الخليفة الثاني. فجاء الخليفة الثاني إلى بيت علي وناداهم، لكنهم لم يخرجوا، فطلب حطباً وقال: والذي نفسي بيده، لئن لم تخرجوا لأحرقن البيت على من فيه. فقيل له: أفتكون فاطمة فيه؟ فقال: حتى لو كانت فيه. فخرج الجميع إلا علياً وبايعوا.»(١)
ولا يختص تسجيل «تهديد الخليفة الثاني بإحراق بيت فاطمة (ع)» بكتاب «الإمامة و السیاسه»، بل يمكن أيضاً ملاحظة تصريحات تدل على صحة وقوع هذه الحادثة في سائر المصادر المعتبرة لمدرسة الخلفاء. ولذلك لا يبقى أي شك في «تهديد الخليفة الثاني بإحراق بيت فاطمة (س)»، ووقوع هذه الحادثة من الوقائع القطعية التي لا تقبل التردد في تاريخ الإسلام. والأشد إثارة أن هذه التصريحات قد أدرجت في مصادر ومراجع لا مجال لأي شك في نسبتها إلى مؤلفيها.(٢)
التهديد بإحراق بيت الوحي يعني إنكار الوحي
نظرًا إلى أن هذا النقل لا يشير إلا إلى التهديد بإحراق بيت الوحي، ولا يصرّح بتصاعد ألسنة النار من بيت فاطمة الزهراء (ع)، فقد اتخذ بعضهم هذه النقطة نفسها ذريعةً وحاولوا تبرئة مرتكب هذه الجريمة. وفي هذا الشأن، ينبغي الالتفات التام إلى أنه حتى لو اتخذنا معيارًا لنا الحد الأدنى مما نقله المؤرخون المتعصبون، فإن عدم أهلية من يهدد بإحراق بيت الوحي يصبح واضحًا.
وبهذا القدر القليل الذي وصل إلينا من مصادر المخالفين، تثبت هتك حرمة ابنة نبي الإسلام الكريمة، التي هي أحد المصاديق المنحصرة لآية التطهير وأحد أتم مصاديق آية المودة. وبعبارة أبسط، فإن من يهدد السيدة الزهراء (ع) ويقول: «حتى لو كانت السيدة فاطمة (ع) في البيت، لأحرقنّ البيت»، لا يمكن أن يكون قد شمّ رائحة الإيمان والاعتقاد بالقرآن. ومع ذلك، نُقلّب كتب أهل العامة بحثًا عن قرائن إحراق باب بيت السيدة الزهراء سلام الله عليها.
قرائن إحراق باب بيت فاطمة عليها السلام
١- يكتب «البلاذري(٣)، المتوفى سنة ٢٢٤»: «أرسل الأول في طلب علي ليأخذ منه البيعة، لكنه لم يبايع؛ لذلك أقبل الثاني(٤) وهو يحمل فتيلة(٥).» (٦)
٢- يكتب «أبو الفداء(٧)، المتوفى سنة ٧٣٢»: «أقبل الثاني بقبس من نار ليحرق البيت.» (٨)
وكذلك نقرأ في نقل «ابن عبد ربّه، المتوفّى سنة ٣٢٨»: «تقدّم بقطعة من النار ليحرق البيت على أهله.»(٩).
شواهد من المصادر على إحراق باب بيت فاطمة عليها السلام
يكتب «ابن أبي الحديد المعتزلي، المتوفّى سنة ٦٥٦»(١٠): «أمّا واقعة إيقاد النار... فلم ينقلها إلا الشيعة، وإن كانت جماعة من «أهل الحديث» قد رووا ما يشبهها أيضاً.»(١١)
وتابعاً لرأي ابن أبي الحديد المعتزلي، نشير إلى ما كتبه أحد الفقهاء والمتكلّمين الإمامية المشهورين: يكتب «ذوالمجدين، سماحة السيّد المرتضى عَلَم الهدى قدّس سرّه، المتوفّى سنة ٤٣٦» جواباً عن «القاضي عبد الجبّار، المتوفّى سنة ٤١٥»: «لقد بيّنّا أنّ خبر إيقاد النار قد نقله أيضاً جماعة من الرواة غير الشيعة، الذين لا يتّهمهم أهل السنّة.»(١٢)
الهوامش:
١. نقلاً عن: الإمامة والسياسة، ج ١، ص ١٢.
٢. ومن هذه المصادر: ١- «أنساب الأشراف» (تأليف: البلاذري، المتوفّى سنة ٢٧٩)، ج ١، ص ٥٨٦، رقم ١١٨٤، طبع مصر. ٢- «تاريخ الأمم والملوك» (تأليف: الطبري، المتوفّى سنة ٣١٠)، ج ٢، ص ٤٤٣، طبع بيروت. ٣- «العقد الفريد» (تأليف: ابن عبد ربّه، المتوفّى سنة ٣٢٨)، ج ٥، ص ١٣-١٤، طبع بيروت، ١٤٠٤ ق (= ج ٣، ص ٦٤، طبع مصر، ١٣٥٣ ق.)
٣. يكتب «الذهبي، المتوفّى سنة ٧٤٨» عنه: كان حافظاً لأحاديث كثيرة، عارفاً بالتاريخ، وعالماً. (تذكرة الحفّاظ، ج ٣، ص ٨٩٢)
٤. وفي وصف كيفية «مجيء عمر» نقرأ: أتى عمر إلى بيت علي ليحرق البيت على أهله. راجع: «روضة المناظر» (تأليف: ابن شحنة، المتوفّى سنة ٨٨٢)، المطبوع في هامش كتاب «الكامل» (تأليف: ابن الأثير، المتوفّى سنة ٦٣٠)، ج ١١، ص ١١٣، طبع الأفندي، ١٣٠١ ق (= ج ٧، ص ١٦٤).
٥. الفتيلة هي حبل مفتول يُشعل لإيقاد النار.
٦. أنساب الأشراف، ج ١، ص ٥٨٦.
٧. يكتب «الذهبي، المتوفّى سنة ٧٤٨» عنه: المؤيّد ]عماد الدين، أبو الفداء، إسماعيل بن علي[ كان شخصاً كريماً، فاضلاً، عارفاً بالأحكام. (سير أعلام النبلاء، ج ٢٣، ص ٢٧٤)
٨. المختصر في أخبار البشر، ج ١، ص ١٥٦.
٩. العقد الفريد، ج ٥، ص ١٣.
١٠. صرّح «الذهبي، المتوفّى سنة ٧٤٨» باعتزال «ابن أبي الحديد» وكتب: فَإنَّ الْعِزَّ مُعْتَزِلیٌّ. عزّ الدين ]عبد الحميد بن هبة الله، المشهور بابن أبي الحديد[ كان معتزلياً. (سير أعلام النبلاء، ج ٢٣، ص ٢٧٤)
١١. شرح نهج البلاغة، ج ٢، ص ٢١.
١٢. الشافي في الإمامة، ج ٤، ص ١١٩.
٢. ومن هذه المصادر: ١- «أنساب الأشراف» (تأليف: البلاذري، المتوفّى سنة ٢٧٩)، ج ١، ص ٥٨٦، رقم ١١٨٤، طبع مصر. ٢- «تاريخ الأمم والملوك» (تأليف: الطبري، المتوفّى سنة ٣١٠)، ج ٢، ص ٤٤٣، طبع بيروت. ٣- «العقد الفريد» (تأليف: ابن عبد ربّه، المتوفّى سنة ٣٢٨)، ج ٥، ص ١٣-١٤، طبع بيروت، ١٤٠٤ ق (= ج ٣، ص ٦٤، طبع مصر، ١٣٥٣ ق.)
٣. يكتب «الذهبي، المتوفّى سنة ٧٤٨» عنه: كان حافظاً لأحاديث كثيرة، عارفاً بالتاريخ، وعالماً. (تذكرة الحفّاظ، ج ٣، ص ٨٩٢)
٤. وفي وصف كيفية «مجيء عمر» نقرأ: أتى عمر إلى بيت علي ليحرق البيت على أهله. راجع: «روضة المناظر» (تأليف: ابن شحنة، المتوفّى سنة ٨٨٢)، المطبوع في هامش كتاب «الكامل» (تأليف: ابن الأثير، المتوفّى سنة ٦٣٠)، ج ١١، ص ١١٣، طبع الأفندي، ١٣٠١ ق (= ج ٧، ص ١٦٤).
٥. الفتيلة هي حبل مفتول يُشعل لإيقاد النار.
٦. أنساب الأشراف، ج ١، ص ٥٨٦.
٧. يكتب «الذهبي، المتوفّى سنة ٧٤٨» عنه: المؤيّد ]عماد الدين، أبو الفداء، إسماعيل بن علي[ كان شخصاً كريماً، فاضلاً، عارفاً بالأحكام. (سير أعلام النبلاء، ج ٢٣، ص ٢٧٤)
٨. المختصر في أخبار البشر، ج ١، ص ١٥٦.
٩. العقد الفريد، ج ٥، ص ١٣.
١٠. صرّح «الذهبي، المتوفّى سنة ٧٤٨» باعتزال «ابن أبي الحديد» وكتب: فَإنَّ الْعِزَّ مُعْتَزِلیٌّ. عزّ الدين ]عبد الحميد بن هبة الله، المشهور بابن أبي الحديد[ كان معتزلياً. (سير أعلام النبلاء، ج ٢٣، ص ٢٧٤)
١١. شرح نهج البلاغة، ج ٢، ص ٢١.
١٢. الشافي في الإمامة، ج ٤، ص ١١٩.
المؤلف: حامد صارم
مقالات مشابهة
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد.