دخول الإمام الحسين عليه السلام إلى كربلاء كان بداية كسر سيطرة ظلمة بني أمية
المؤلف: حامد صارم

تناول موقع النبأ العظيم في ملاحظة له وجوه تميّز أرض كربلاء، وأبعاد دخول الإمام الحسين عليه السلام إلى هذه الأرض ونتائجه.
كربلاء محل قرب جميع أولياء الله الخواص
كربلاء أشهر أرض في التاريخ؛ لأنها واد مقدس كان سبباً في ترقّي خواص حضرة الحق. إنها الأرض المقدسة التي مرّ بها عظماء تاريخ البشرية ومختارو الخالق المتعال، فبكوا على ساكنها وواسوا الإمام الحسين عليه السلام في طريق القرب من معبودهم. كربلاء هي الأرض التي أخبر جبرئيل آدم بأحداثها، فحديث عطش أهل كربلاء أبكى آدم وصار جسراً لكماله. وكربلاء هي الواقعة التي بكى إبراهيم الخليل على مصيبتها، وكان قتل ابن نبي آخر الزمان أشد عليه وأوجع من ذبح ولده بيده، ورفعت كربلاء إبراهيم إلى مقام أعلى؛ إذ بسبب بكائه على أبي عبد الله عليه السلام خاطبه الله تعالى بقوله: «وفديناه بذبح عظيم». (١) وكربلاء هي التراب الذي مرّ به أمير المؤمنين عليه السلام وبكى على قتلى واقعة الطف. وهي الموضع الذي وعد فيه رسول الله سبطه سيد الشهداء بالشهادة في تلك الأرض. وكربلاء أرض ثقلت مصيبتها على أهل السماوات والأرض، والجن والملائكة، فهم يبكون على دم الله الذي أريق في كربلاء.
كربلاء أرض بسعة التاريخ
ليست كربلاء أرضاً بين الأراضي. كربلاء أرض بسعة التاريخ؛ تاريخ بدأ ببكاء آدم، واستمر بمواساة الأنبياء، وسيمتد إلى نداء الثأر لبقية الله عجل الله فرجه الشريف. ولكربلاء سعة تساوي كل العالم الذي منحه الله تعالى الوجود؛ إذ لا يمكن لأحد أن يكون بلا موقف تجاه كربلاء. فالذين قبلوا ولاية الله يجب أن يكونوا كربلائيين؛ ولذلك تبكي الملائكة على الإمام الحسين عليه السلام، وقد بكى أولو العزم من الأنبياء على سيد الشهداء عند مرورهم بكربلاء. كربلاء نور أشرق في عالم الوجود كله، وكل من تمسك بهذا النور فقد وجد جهة الرقي والكمال والقرب إلى الله؛ لأن نور كربلاء يحطم ظلمة الشرك والكفر والطاغوت، وينير الطريق لعباد الله.
كربلاء النور الذي كسر ظلمة بني أمية
نعم، إن سامريي هذه الأمة صنعوا من شياطينهم أصناماً؛ أصناماً سدت طريق الهداية على جماعة كما سد عجل السامري في زمن هارون طريق الهداية. لكن عجل السامريين هذه المرة صنع ظلمة شديدة، ظلمة يصفها القرآن بقوله: «أو كظلمات في بحر لجي يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور». (٢) وقد قال الإمام الصادق عليه السلام في هذه الآية: «... أو كظلمات: الأول وصاحبه؛ يغشاه موج: الثالث فوقه؛ ظلمات: ذلك الموج الثاني؛ بعضها فوق بعض: معاوية لعنه الله وفتن بني أمية؛ إذا أخرج يده لم يكد يراها: حال المؤمن في ظلمة فتنة بني أمية؛ من لم يجعل الله له نوراً: أي ليس له إمام من ولد فاطمة عليها السلام؛ فما له من نور: لا يكون له إمام يوم القيامة. وفي قوله تعالى: نورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم، قال: يوم القيامة تسعى أئمة المؤمنين بين أيدي المؤمنين وعن أيمانهم حتى يدخلوهم منازل أهل الجنة». (٣) كان استيلاء ظلمة بني أمية شديداً إلى حد أن من أراد أن يسلك طريق الهداية لم يكن قادراً على ذلك. وكانت كربلاء النور الذي حطم ظلمة بني أمية وكشف طريق الهداية. فكربلاء تعني الانتصار التاريخي للنور الإلهي على ظلمة بني أمية.
دخل سيد الشهداء كربلاء ليحيي المعروف المنسي، وجاء العدو الأموي ليبقي المنكر حياً إلى الأبد
كربلاء موضع فتح أبي عبد الله وانتصاره، لا موضع مباغتته. إن دخول الإمام الحسين عليه السلام إلى كربلاء، وإن كان مقروناً بحزن وألم عظيمين، كان دخولاً واعياً بوعي يمتد بسعة التاريخ كله. دخل أبو عبد الله عليه السلام كربلاء ليحيي المعروف الذي نُسي، وجاء عدوه الأموي إلى كربلاء ليبقي المنكر حياً إلى الأبد. كان الأمويون يعلمون جيداً أن قتل أبي عبد الله ستكون له كلفة ثقيلة عليهم، لكنهم، كي لا يُحيا المعروف وكي يوسعوا ظلمتهم حتى يبايع سيد الشهداء الطاغوت، فعلوا كل شيء: من منع الماء عن أبي عبد الله عليه السلام إلى قتل طفله ذي الأشهر الستة. وفي كل هذه المراحل قاوم أبو عبد الله عليه السلام الكفر والطغيان؛ غلبه العطش واستشهد رضيعه، لكنه لم يقبل قط ولاية طاغوت زمانه. ولا ينبغي الغفلة عن علم الإمام الحسين عليه السلام بما سيقع في كربلاء. فعندما دخل الإمام الحسين عليه السلام أرض كربلاء قال: «انزلوا، هاهنا والله محط ركابنا وسفك دمائنا، هاهنا والله مخط قبورنا، وهاهنا والله سبي حريمنا، بهذا حدثني جدي». (٤) كان سيد الشهداء عليه السلام يعرف كربلاء، ويعرف موضع قبره وقبور أصحابه جيداً، وصرّح بأن جده رسول الله صلى الله عليه وآله أخبره بذلك. كربلاء حرب بين المعروف والمنكر، وقد خرج الإمام الحسين عليه السلام بأهل بيته وأنصاره لاستقبال الشهادة لأن المعروف صار منكراً. ذلك المنكر الذي أقامه بنو أمية مكان المعروف. قال الإمام الصادق عليه السلام: «المعروف ما عُرف في أهل السماوات، وهو أمير المؤمنين علي عليه السلام». فسئل: فما المنكر؟ فقال: «اللذان ظلماه حقه، وابتزاه أمره، وحملا الناس على كتفه». (٥) لذلك كان دخول الإمام الحسين إلى كربلاء بداية كسر سيطرة ظلمة بني أمية. وقد تلقت بنو أمية من جبهة الحق ضربة ثقيلة، حتى إن كربلاء بعد أكثر من ألف عام على عاشوراء ما تزال تشرق وتنير، وما يزال بنو أمية وخلفهم عاجزين أمام كربلاء، ولم ينقص تخريب قبور الأئمة المعصومين عليهم السلام ولا قتل الشيعة وإبادتهم شيئاً من إشراق كربلاء.
الهوامش
١- عيون أخبار الرضا عليه السلام، ج ١، ص ٢٠٩
٢- النور: ٤٠
٣- أصول الكافي، ترجمة مصطفوي الفارسية، ج ١، ص ٢٧٩
٤- اللهوف، ترجمة مير أبو طالبي الفارسية، ص ١٢٢
٥- «المعروف يا أبا حنيفة المعروف في أهل السماء، المعروف في أهل الأرض، وذاك أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ع. قال: جعلت فداك فما المنكر؟ قال: اللذان ظلماه حقه وابتزاه أمره وحملا الناس على كتفه». بحار الأنوار، طبعة بيروت، ج ٢٤، ص ٥٨
٢- النور: ٤٠
٣- أصول الكافي، ترجمة مصطفوي الفارسية، ج ١، ص ٢٧٩
٤- اللهوف، ترجمة مير أبو طالبي الفارسية، ص ١٢٢
٥- «المعروف يا أبا حنيفة المعروف في أهل السماء، المعروف في أهل الأرض، وذاك أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ع. قال: جعلت فداك فما المنكر؟ قال: اللذان ظلماه حقه وابتزاه أمره وحملا الناس على كتفه». بحار الأنوار، طبعة بيروت، ج ٢٤، ص ٥٨
المؤلف: حامد صارم
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد.