لماذا المؤمنون بالإمام الغائب أفضل من الملائكة؟

إن الإيمان بالإمام الغائب مقام لم تستطع الملائكة أيضًا أن تنالَه، ولكن الشيعة يستطيعون ذلك.
طلب الله تعالى من عباده إيمانًا خالصًا منزّهًا عن كل شائبة. فالإيمان الذي تكون دوافعه غير عبادة الذات المقدسة للحق مردودٌ ولا يقبله الرب. والعبادة التي طلبها الله من مخلوقاته نوعان: عبادة الجوارح وعبادة الجوانح.
عبادة الجوارح هي الأعمال التي يجب على كل إنسان مكلّف أداؤها، ومن أمثلتها إقامة الصلاة، والابتعاد عن المحرّمات، واجتناب التعرّض لحقوق الآخرين، والعناية بالمبتلين والمحتاجين من الإخوة في الدين، وهي من الواجبات التي طلبها الله من عباده، وكثير من الواجبات الملقاة على عاتق كل إنسان مسلم.
أما عبادة الجوانح فتعني أن تكون اعتقاداته القلبية كما يريد الله تعالى؛ أي أن يعتقد بالتوحيد كما عرّفه الله، وأن يعتقد على النحو الذي يريده الحق سبحانه. ومن ثم فإن امتلاك الاعتقادات الحقّة والصحيحة هو عبادة الجوانح.
قد يبدو في البداية أن عبادة الجوارح، أي العبادة بالأعضاء والجوارح، عمل شديد الصعوبة؛ بمعنى أن يصعب على الإنسان أن يصوم لله في الأيام الحارة والطويلة، أو أن يفرز خُمس ماله لله ورسوله والأئمة بعنوان «الخمس»، وغير ذلك. لكن الاعتقاد بالله وبالمعارف الأخرى لا ينطوي على مشقة أو تكلّف؛ فاعتقاد الإنسان بالله لا يحتاج إلى عناء وصعوبة.
عبادة الجوانح أهم من أداء العبادات
لكن الحقيقة أن عبادة الجوانح أهم عند الله بكثير من عبادة الجوارح؛ لأن من قصّر أو فرّط في عبادة الجوانح كانت عبادة جوارحه بلا قيمة. أي إن من لم يعتقد بالله، أو اعتقد به لكنه لم يكن موحّدًا عابدًا للواحد، فإن إنفاقه أو صومه لن تكون لهما أي قيمة.
إن النقص في عبادة الجوانح يهدم عبادات الجوارح كليًا ويجردها من القيمة، أما إذا كان الشخص كاملًا في عبادة الجوانح فإن نقصه وتقصيره في عبادة الجوارح يُجبران. والاعتقاد بالتوحيد نموذج من مجموعة الاعتقادات التي ينبغي لكل مسلم أن يحملها؛ لذلك يجب على كل من يعدّ نفسه متدينًا أن يعرف ما الاعتقادات الضرورية المطلوبة منه.
الإيمان بالغيب: سمة مهمة لعبادة الجوانح
ولما كانت عبادة الجوانح ذات منزلة رفيعة، جعل الله لها خصائص معينة. ومن هذه الخصائص الاعتقاد بالغيب. فبعض المعتقدات مشهودة لنا أو في حكم المشهود، مثل الاعتقاد بالنبي وخاتم الأنبياء. وعلى الرغم من أنه لا يوجد في هذا العصر من يستطيع أن يدعي لقاءه في مكة والمدينة، فإن التقرير التاريخي القطعي، على نحو لا يشك فيه أي من فرق المسلمين، جعل هذا الاعتقاد في حكم المشهود، فلا يكون الاعتقاد به صعبًا. لكن بعض المعتقدات ليست مشهودة لنا، وينبغي أن يكون اعتقادنا بها إيمانًا بالغيب. فإذا لم يوجد الاعتقاد بالغيب الذي طلبه الله، فلن تكون لعباداتنا وأعمالنا أي قيمة عند الله.
تأكيد الدين بالإيمان بالغيب
أكد الله تعالى دينه بالإيمان بالغيب، وقال في كتابه: «هدى للمتقين، الذين يؤمنون بالغيب» (١). فالصفة والخصوصية المهمة للمتقين هي الإيمان بالغيب. والإيمان بالغيب أعظم ثوابًا للمؤمن، لأنه منزّه عن كل عيب ونقص. فإذا بايع شخص حاكمًا أو خليفة حاضرًا وأظهر الطاعة له، احتمل أن يكون قد بايع الخليفة الحاكم لطلب المنفعة أو الثروة أو خوف القتل؛ أما الإيمان بالغيب فهو طاهر ومبرأ من جميع هذه العيوب.
إن من يؤمن بالإمام الغائب ويبايعه بكل قلبه وروحه، لا تكون بيعته للإمام الغائب مشوبة بالمكر أو بطلب المنفعة والثروة، ولا تكون بيعته ناتجة من الخوف من الإمام. بل إن بيعته لإمام يعيش وراء ستر الغيبة بحكمة ومصلحة إلهيتين تنشأ من اعتقاد راسخ ومحبة خالصة لذلك الإمام الغائب. والاعتقاد بالإمام الغائب ومبايعته منزّهان عن كل شائبة، كما يقول الله: «فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به مشركين، فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا» (٢).

إيمان أعلى من إيمان الملائكة
الإيمان الذي يقبله الله ويكون ذا قيمة هو الإيمان بالغيب. ولذلك فإن الإيمان بإمام يعيش في الغيبة عند الله ذو قيمة عظيمة، وثوابه وأجره أعلى بكثير من الإيمان بإمام حاضر.
إن عبادة الله مع مبايعة إمام غائب غاب بسبب أعدائه هي بلا شك عبادة مخلصة لله. والاعتقاد والإيمان بالإمام الغائب مقام لم تستطع الملائكة أيضًا أن تناله؛ لأنه وإن كانت حجة الله، آدم، في غيبة العدم، لم يكن في غيبته ظلم الأعداء للملائكة الذين آمنوا به، وكانت غيبة آدم من قبل الرب. أما إمام الشيعة الغائب فقد قُهر، ونهبت أمواله، وسال سيل دماء شيعته على أيدي أعدائه. ومن هذه الجهة، فإن الثواب والأجر اللذين ينالهما شيعة ذلك الإمام الغائب أعلى بكثير من الأجر الذي نالته الملائكة.
إن من يعتقد اتباع ذلك الإمام الغائب شريك في أجر الجهاد مع ذلك الإمام الغائب. وللمؤمنين بالإمام الغائب أجر كثير في البراءة من أعدائه وفي محبة أصدقاء الإمام المهدي عليه السلام، وأجر هؤلاء الشيعة أعلى من جزاء الملائكة التي كانت حجتها في غيبة «العدم».
إن الشيعة وحدهم هم الذين استطاعوا أن يكون لهم إيمان بالغيب، وأن يتصفوا بوصف المتقين، وأن يتغلبوا في أزمنة الغيبة العصيبة على الشبهات والهجمات الاعتقادية للأعداء.
يكتب الشيخ الصدوق: تكلّم معي بعض المخالفين في هذه الآية، وأظهروا أن معنى قول الله تعالى: «الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ» هو أنهم يؤمنون بالحشر والنشر وأحوال يوم القيامة. فقلت له: إن في تأويلك جهلًا وفي قولك ضلالًا؛ لأن اليهود والنصارى وكثيرًا من المشركين ومخالفي الإسلام يؤمنون أيضًا بالحشر والنشر والحساب والثواب والعقاب، ولا يمدح الله تعالى المؤمنين بمدح تشاركهم فيه فرق الكفر والإلحاد، بل وصف الله تعالى المؤمنين وأثنى عليهم بوصف خاص بهم لا يشاركهم فيه غيرهم.
الهوامش
مقتبس من كتاب كمال الدين للشيخ الصدوق، ج ١، ص ٢٢–٢٤.
١. سورة البقرة، الآيتان ٢ و٣.
٢. سورة غافر، ٨٤.
المؤلف: حامد صارم
مقالات مشابهة
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد.