نبأ العظيم
المقالاتفيديوالصوتالصور
نبأ العظيم

منصة بحثية وإعلامية لتاريخ الإسلام ومعارف الشيعة والإجابة الموثقة عن أسئلة اليوم.

الوصول
المقالاتالبحث
الموضوعات
الإمامةتاريخ الإسلامالرد على الشبهات
اللغات
فارسیالعربيةEnglish
24 شهرفار 1405 ه‍.شالحديثعبقات الأنوارالكتب الكلامية

من التمسك إلى العصمة من الضلال بعد النبي؛ إعادة قراءة الوجه الثالث من دلالة حديث الثقلين في عبقات الأنوار

نمادی از حدیث ثقلین کتاب الله و عترتی
إذا كان حديث الثقلين مجرد وصية بمحبة أهل البيت، فلماذا ربطه النبي بـ«عدم الضلال من بعده»؟ يقول عبد العزيز الدهلوي، سعيًا إلى فصل هذا الحديث عن مسألة الإمامة: ليس كل ما يُتمسَّك به صاحبَ زعامة كبرى بالضرورة. لكن السؤال الأساسي هنا هو: هل يمكن فصل «التمسك بالعترة» عن المكانة التي رسمها الحديث نفسه لها في هداية الأمة بعد النبي؟ ينطلق الوجه الثالث من عبقات الأنوار من هذه النقطة تحديدًا؛ حيث لم يعد النزاع حول لفظة واحدة، بل حول الوظيفة التي حدّدها النبي للقرآن والعترة في مستقبل الأمة.

الملخص

يُعدّ حديث الثقلين من أهم المستندات التي تستند إليها الإمامية في بحث مكانة أهل البيت بعد النبي الأكرم صلى الله عليه وآله. ويقرّ عبد العزيز الدهلوي في التحفة الاثني عشرية بأصل وجوب التمسك بأهل البيت، لكنه يدّعي أن هذا الحديث لا صلة له بمسألة الزعامة الكبرى والإمامة؛ لأن مجرد كون الشيء متمسَّكًا به لا يستلزم امتلاكه مقام القيادة والإمامة. وقد طرح مير حامد حسين في عبقات الأنوار وجوهًا متعددة لنقد هذا الرأي، يركّز ثالثها على الصلة بين التمسك بالقرآن والعترة وعدم الضلال بعد النبي.
تبحث هذه الدراسة، بالمنهج الوصفي التحليلي، الوجه الثالث من عبقات الأنوار، وتسعى إلى بيان أن محور هذا الوجه ليس مجرد إثبات معنى التمسك أو وجوب الاتباع، بل دراسة الوظيفة الهدايتية لهذا التمسك في بنية الحديث: «ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي». وفي هذا السياق، تُحلَّل أولًا البنية الشرطية للحديث ودور ضمير التثنية في عوده إلى القرآن والعترة؛ ثم تُدرَس شواهد من علماء أهل السنة، مثل الملا علي القاري، وعبد الرؤوف المناوي، ومحمد بن عبد الباقي الزرقاني، وحسام الدين السهارنفوري، وثناء الله الباني بتي.
تُظهر نتائج الدراسة أن صاحب عبقات الأنوار لا يبني استدلاله في هذا الوجه على مجرد قبول علماء أهل السنة بمباني الإمامية، بل يستفيد من العناصر المشتركة في أقوالهم لإلزام الخصم وتعزيز ظهور الحديث. وتُبيّن هذه الشواهد أن التمسك بالعترة، في فهم عدد من شرّاح أهل السنة، يرتبط بمفاهيم مثل الاهتداء، والاقتداء، والقدوة، والاستمساك في الدين، والاتباع بعد وفاة النبي. وبناءً على ذلك، فإن دعوى انعدام الصلة تمامًا بين حديث الثقلين ومسألة المرجعية الهدايتية بعد النبي لا يمكن الدفاع عنها، بالنظر إلى البنية الداخلية للحديث والقرائن التفسيرية المتاحة؛ وإن كان إثبات سائر المباحث التفصيلية للإمامة يتطلب دراسة وجوه مستقلة أخرى من عبقات الأنوار.
الكلمات المفتاحية: حديث الثقلين؛ عبقات الأنوار؛ مير حامد حسين؛ عبد العزيز الدهلوي؛ التمسك بالعترة؛ أهل البيت؛ الإمامة؛ المرجعية الهدايتية؛ وجوب الاتباع.

١. المقدمة: موقع الوجه الثالث في مشروع الوجوه الستة والستين

هذا البحث امتداد مباشر للمقالتين السابقتين بشأن الوجوه الدلالية الأولى لحديث الثقلين في عبقات الأنوار. ففي المقالة الأولى، بعنوان «هل حديث الثقلين غير مرتبط بالإمامة؟»، جرى بحث الوجه الأول، وكانت حصيلته أن «التمسك بالعترة» في كلمات عدد من علماء أهل السنة لا يُختزل في مجرد المحبة والتكريم، بل يشمل أيضًا مفاهيم كالاهتداء والاقتداء والمتابعة والتعلّم وأخذ العلم. أما المقالة الثانية، بعنوان «من المتمسَّك به إلى اتباعهم كاتباع القرآن»، فقد بحثت الوجه الثاني بحثًا مستقلًّا، وبيّنت أن صاحب عبقات يجعل موضوع الاستدلال في هذه المرحلة مرتبة اتباع العترة وكيفيته الإلزامية، لا أصل اتباعها؛ بمعنى أن اتباع العترة يقع، من حيث الوجوب واللزوم، إلى جانب اتباع القرآن.
فهرس المحتويات
  1. الملخص
  2. ١. المقدمة: موقع الوجه الثالث في مشروع الوجوه الستة والستين
  3. ٢. مصدر البحث ومنهجه
  4. ٣. كلام عبد العزيز الدهلوي ومدخل الوجه الثالث
  5. ٤. النص الكامل للوجه الثالث في عبقات الأنوار
  6. «الوجه ٣: دلائل إرشاد النبي إلى وجوب اتباع أهل البيت من كلمات العلماء، وملازمة ذلك للإمامة
  7. ٥. إعادة قراءة كلام صاحب عبقات
  8. ٦. صياغة استدلال صاحب العبقات
  9. ٧. الشاهد الأول: الملا علي القاري (ت. ١٠١٤هـ)؛ من المحبة إلى الاهتداء
  10. ترجمة سلسة
  11. نكتة دلالية
  12. ٨. الشاهد الثاني: عبد الرؤوف المناوي (ت. ١٠٣١هـ)؛ التمسك والقدوة والاستمساك في الدين
  13. ترجمة سلسة
  14. نكتة دلالية
  15. ترجمة سلسة
  16. نكتة دلالية
  17. ٩. الشاهد الثالث: محمد بن عبد الباقي الزرقاني (ت. ١١٢٢هـ)؛ «بعد وفاتي؛ هل تتبعونهما؟»
  18. ترجمة سلسة
  19. نقطة دلالية
  20. ١٠. الشاهد الرابع: حسام الدين السهارنفوري؛ شاهد من النص المناهض للشيعة «مرافض الروافض»
  21. ترجمة سلسة
  22. نكتة دلالية
  23. ١١. الشاهد الخامس: ثناء الله الباني بتي (ت. ١٢٢٥هـ)؛ الرجوع إلى «نائب النبي»
  24. ترجمة سلسة
  25. نكتة دلالية
  26. ١٢. الحيثية المستقلة للوجه الثالث: من معنى التمسك إلى وظيفته في الهداية
  27. ١٢–١. اختلاف الوجه الثالث عن الوجهين السابقين
  28. ١٢–٢. البنية الشرطية للحديث: «إن تمسكتم بهما» و«لن تضلوا»
  29. ١٢ـ٣. الضمير في «بهما»: وحدة متعلَّق التمسك في حديث الثقلين
  30. ١٢ـ٤. قيد «بعدي»: الأفق الزمني للاستدلال
  31. ١٣. البعدان الإثباتي والسلبي للوجه الثالث
  32. ١٣ـ١. ما يثبته هذا الوجه للعترة
  33. ١٣ـ٢. ما يُنفى من دعوى الدهلوي
  34. ١٤. توضيح تكميلي في نفحات الأزهار
  35. ١٥. الخاتمة
  36. المصادر والمراجع:
الوسوم:wp-tag-1565حامد صارممیرحامد حسین هندینباالعظیم

مقالات مشابهة

نمادی از حدیث ثقلین کتاب الله و عترتی
29 شهرفار 1405 ه‍.ش
من «الثقلين» إلى وجوب الأخذ بالعترة والعمل بها: تحليل الوجه الرابع لدلالة حديث الثقلين في عبقات الأنوار ونقد ادعاء عبد العزيز الدهلوي
المؤلف: حامد صارم
الإمامةالحديثعبقات الأنوارالوهابيةالكتب الكلامية
#حامد صارم#عبقات الانوار#میرحامد حسین هندی
نمادی از حدیث ثقلین کتاب الله و عترتی
26 مرداد 1405 ه‍.ش
«حديث الثقلين بين الكتمان والاستقصاء العلمي؛ نقد مقارن لمنهجَي عبد العزيز الدهلوي ومير حامد حسين في عبقات الأنوار»
المؤلف: حامد صارم
الإمامةالحديثعبقات الأنوارغديرنقد الأفكارالوهابيةأربعة عشر بريئا عليهم السلامالكتب الكلامية
#wp-tag-1563#wp-tag-1565#اهل سنت

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد.

تختص المقالة الحاضرة بالوجه الثالث وحده. وهذا التحديد للموضوع ضروري لفهم البناء الاستدلالي لعبقات الأنوار فهمًا دقيقًا؛ إذ إن الوجوه الستة والستين التي يقيمها مير حامد حسين في دلالة حديث الثقلين ليست تكرارات لفظية لاستدلال واحد، بل يكشف كل منها عن حيثية مستقلة أو مكمّلة من دلالة الحديث. وتستند بعض هذه الوجوه إلى مقدمات سابقة، لكنها تختبر دعوى عبد العزيز الدهلوي العامة من زاوية جديدة. ومن ثم، فإن المباحث المتعلقة بعنوان «الثقلين»، و«الاعتصام»، وعدم الافتراق، والعصمة، والأعلمية، وسائر الدلالات التي يتابعها صاحب عبقات في الوجوه اللاحقة، ينبغي أن تُبحث في مواضعها مع الحفاظ على استقلالها الاستدلالي.
تتضح ضرورة البحث المستقل في هذا الوجه من أن الحكم على نسبة حديث الثقلين إلى الإمامة لن يكون حكمًا مكتملًا من دون تحليل جميع القرائن الدلالية الموجودة في الحديث نفسه. ولا سيما حين تُطرح دعوى «عدم مساس» الحديث بالإمامة، إذ ينبغي النظر بصورة مستقلة في كل قرينة تبيّن طبيعة علاقة الأمة بالعترة بعد النبي، وتقييمها.
السؤال الرئيس في الوجه الثالث هو: بعد أن اتضح في الوجه الأول أن التمسك بالعترة ينطوي على مضمون هدايي واقتدائي، وقيسَت في الوجه الثاني مرتبة هذا الاتباع من حيث الوجوب واللزوم باتباع القرآن، فما المعطى الجديد الذي تضيفه عبارة «ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي» إلى الاستدلال؟ يرتكز جواب صاحب عبقات على عنصرين مترابطين: «الوظيفة الهداية» للتمسك و«أفقه الزمني». ففي هذا البناء، يربط النبي الأكرم التمسك بالقرآن والعترة ببقاء الأمة مصونة من الضلال، ويمدّ هذه الوظيفة إلى مرحلة ما بعده بقيد «بعدي». وعليه، فليس الكلام عن أصل التمسك أو وجوب الاتباع فحسب؛ بل عن مرجعية يفضي التمسك بها، إلى جانب القرآن، في بنية الحديث نفسه إلى عدم الضلال بعد النبي. وهذه الحيثية المستقلة هي التي تميّز الوجه الثالث من الوجهين السابقين، وينبغي تقييمها على نحو منفصل في مواجهة دعوى الدهلوي.
تزداد أهمية هذه النقطة عند الالتفات إلى صيغة جواب الدهلوي. فهو يدّعي أن حديث الثقلين «لا مساس له» بمدّعى الشيعة بشأن الإمامة؛ غير أن مثل هذا النفي العام لا يتمتع بقوة علمية إلا إذا بُحثت جميع القرائن المؤثرة في دلالة الحديث، ولا سيما القرائن الموجودة في النص نفسه، وأُجيب عنها. فتعابير مثل «التمسك»، وضمير التثنية «بهما»، والنتيجة «لن تضلوا»، والقيد «بعدي»، ليست عناصر خارجية أو إضافات كلامية للإمامية، بل هي أجزاء من الحديث نفسه، ولها دور مباشر في تحديد طبيعة علاقة الأمة بالقرآن والعترة. ومن ثم، لا يمكن استبعادها من البنية الفعلية للحديث، ثم اختزال «المتمسَّك به» في مفهوم عام ومحايد، والاستنتاج بناءً على هذه الصيغة المختزلة أن الحديث غير مرتبط بمسألة الإمامة والمرجعية.
في النقد العلمي، ولا سيما النقد الموجَّه إلى أسس مدرسة كلامية، يتعيّن على الناقد أن ينظر في أهم القرائن التي يستند إليها الطرف المقابل، وأن يجيب عن أقوى صيغة لحجته. وإذا أُغفلت القرائن الصريحة الكامنة في النص والمؤثرة في الاستدلال، لم تعد المسألة مجرد اختلاف في الاستنتاج، بل أصبحت كفاية منهج البحث موضع تساؤل أيضًا. ومثل هذا الوضع يدل إما على قصور جاد في استقصاء الأدلة، وإما على حذف انتقائي ومنهجي للقرائن التي لا تنسجم مع النتيجة المقبولة سلفًا؛ وفي كلتا الحالتين، لا يمكن قبول دعوى «عدم مساس» بوصفها حصيلة تقييم شامل ومنهجي من دون فحص هذه القرائن. وينطلق الوجه الثالث في عبقات الأنوار من هذه النقطة تحديدًا، ويسعى إلى بيان أن البنية الهَدْيية لعبارة «ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي» لا يمكن إغفالها عند الحكم على صلة حديث الثقلين بالإمامة.

٢. مصدر البحث ومنهجه

المصدر الرئيس لهذا البحث هو نص الوجه الثالث من وجوه دلالة حديث الثقلين في المجلد العشرين من عبقات الأنوار، الصفحات ٣٣ إلى ٣٧ من الطبعة المطبوعة، وهي تقابل الصفحات ٤٤ إلى ٤٨ من ملف PDF المستخدم. ولا يُعدّ عبقات الأنوار في هذه المقالة مجرد مصدر لنقل بضع عبارات أو شواهد تاريخية، بل هو النص المحوري للبحث والموضوع الرئيس لإعادة القراءة. ومن الخصائص التي منحت مباحث حديث الثقلين في هذا الأثر مكانة خاصة: سعة التتبع، والرجوع إلى مؤلفات عديدة لعلماء أهل السنة، ونقل عباراتهم ضمن الاستدلال، والسعي إلى إلزام الخصم بالاستناد إلى المصادر والمباني المقبولة لديه.
لا يكتفي مير حامد حسين في عبقات، في الغالب، بطرح دعوى وذكر بضعة مؤيدات، بل يبني استدلاله من مجموعة من النقول والإقرارات والتفسيرات الحديثية ولوازمها الدلالية. ومن ثم، فإن الفهم الدقيق لاستدلاله يقتضي دراسة الشواهد لا بوصفها مفردات معزولة ومنفصلة، بل في صلتها بالدعوى الرئيسة والدور الذي يؤديه كل منها في مجموع الاحتجاج. وتسعى هذه المقالة أيضًا إلى اتباع هذا المسار، والحفاظ، قدر الإمكان، على ترتيب استدلال صاحب عبقات ومنطقه الداخلي.
ومع ذلك، فإن لغة عبقات الأنوار، وطريقة تأليفه، وكثافة النقول فيه، جعلت الوصول المباشر إلى الصورة الكاملة للاستدلال غير يسير لكثير من قراء اليوم. ومن أهداف هذه السلسلة من المقالات عرض مباحث هذا الأثر بصورة أوضح وأيسر تناولًا، من دون الإخلال بالدقة العلمية، ومن دون فصل الشواهد عن سياقها الاحتجاجي. وعلى هذا الأساس، تُنقل عبارات صاحب عبقات الأصلية والشواهد التي يستند إليها، ثم تُشرح بنية الاستدلال، وصلة المقدمات بالنتيجة، وموقع كل شاهد، بلغة أكثر سلاسة وملاءمة لأسلوب الكتابة البحثية المعاصرة.
ولا تعني إعادة القراءة هذه إحلال صياغة كاتب المقالة محل كلام صاحب عبقات. وإنما يُسعى إلى إبقاء الحدود بين «النقل» و«التوضيح» و«التحليل» واضحة: فيُعرض أولًا كلام مير حامد حسين ومستنداته؛ ثم، في المواضع التي يستدعي فيها إيجاز العبارة، أو تعدد النقول، أو أسلوب الاحتجاج توضيحًا، تُعاد صياغة بنية الاستدلال وتُحلَّل. كذلك، حيثما لا ينسجم أحد الشواهد التي يستخدمها صاحب عبقات مع جميع مباني الإمامية، لا يُخفى هذا الاختلاف؛ لأن قيمة مثل هذا الشاهد في مقام الاحتجاج لا تكمن في قبوله جميع مباني الإمامية، بل في قبوله المقدمة بعينها التي يوظفها صاحب عبقات في نقد دعوى المخالف.
وفي نقل النص أيضًا، الأصل هو الحفاظ على المحتوى وترتيب العبارات، ولا تُعدَّل المسافات وعلامات الترقيم إلا عند الحاجة إلى زيادة الوضوح وسهولة القراءة. كما يُستعان بمصادر مثل نفحات الأزهار عند الحاجة إلى توضيح تقرير الاستدلال أو رفع الإبهام، غير أن الأساس الرئيس للتحليل يظل نص عبقات الأنوار نفسه.

٣. كلام عبد العزيز الدهلوي ومدخل الوجه الثالث

يكتب عبد العزيز الدهلوي، ردًّا على استدلال الإمامية بحديث الثقلين:
«وهذا الحديث أيضًا، شأنه شأن الأحاديث السابقة، لا مساس له بالمدَّعى؛ إذ لا يلزم أن يكون المتمسَّك به صاحب الزعامة الكبرى».
عبقات الأنوار، ج٢٠، ص٢٦؛ PDF: ٣٧.
يتمثّل جوهر جواب الدهلوي في هذه العبارة في تحويل المورد الخاص لحديث الثقلين إلى قضية عامة: فلا يمكن استنتاج «الزعامة الكبرى» من مجرد «كون الشيء متمسَّكًا به». وهذه القضية، إذا نُظر إليها بصورة مجردة ومن دون مراعاة خصوصيات المورد، ليست بالضرورة موضع نزاع؛ إذ ليس كل ما يقع متعلَّقًا للتمسّك على نحو ما صاحبَ مقام الزعامة بالضرورة. لكن المسألة الأساسية هي: هل «المتمسَّك به» في حديث الثقلين أيضًا مجرد متعلَّق للتمسّك على نحو مطلق، خالٍ من قرائن أخرى، أم أن نص الحديث يبيّن له أوصافًا ووظائف يجب أخذها في الحسبان عند إصدار الحكم النهائي؟
تبدأ النقطة المحورية في نقد صاحب عبقات من هنا تحديدًا. فلا يمكن لجواب الدهلوي أن يدفع الاستدلال بأكمله إلا إذا لم تكن لخصوصيات هذا «المتمسَّك به» بعينه مدخلية في النتيجة؛ في حين يسعى مير حامد حسين إلى بيان أن حديث الثقلين لا يقدّم العترة بوصفها مجرد شيء يمكن التمسك به، بل يضع هذا التمسك ضمن مجموعة من القرائن الهِدائية. ومن ثم، لا يصح حذف هذه القيود أولًا، والنظر إلى مفهوم «المتمسَّك به» بوصفه عنوانًا عامًا، ثم تطبيق حكم ذلك العنوان العام على المورد الخاص في الحديث.
وقد كشف الوجهان السابقان عن بعض هذه القيود. فقد بيّن الوجه الأول أن «التمسك بالعترة» يقترن، في تفسير عدد من علماء أهل السنة، بالاهتداء والاقتداء والاتباع. وخطا الوجه الثاني خطوة أبعد، فبيّن أن هذا الاتباع، في تقرير صاحب عبقات، يقع إلى جانب اتباع القرآن من حيث الوجوب واللزوم. ويُدخل الوجه الثالث الآن قرينة أخرى في الاستدلال: فالتمسك بالقرآن والعترة مرتبط، في بنية الحديث نفسه، بـ«عدم الضلال بعد النبي».
ومن هذا المنظور، يمكن صياغة سؤال الوجه الثالث على نحو أدق كما يأتي: هل يمكن أن يُجرى على «متمسَّك به» عرّف النبي التمسك به، مع القرآن، بوصفه وسيلة لصون الأمة من الضلال بعده، الحكمُ نفسه الذي يصدق على أي متعلق آخر للتمسك؟ وبعبارة أخرى، لم يعد محل البحث هو «كون الشيء متمسَّكًا به» على نحو مطلق، بل «كونه متمسَّكًا به ضمن البنية الهِدائية لعدم الضلال بعد النبي».
وعليه، فليس الوجه الثالث تكرارًا لبحث معنى «التمسك» في الوجه الأول، ولا إعادةً للمقارنة بين اتباع العترة واتباع القرآن في الوجه الثاني. وإنما تتمثل الجهة الجديدة في هذا الوجه في الصلة بين «التمسك» و«عدم الضلال»، وكذلك في امتداد هذه الوظيفة إلى مرحلة «ما بعد النبي». ثم يعزّز صاحب عبقات هذه الدلالة بعدة مؤيدات: كثرة الطرق المشتملة على لفظ «التمسك»، وقبول الدهلوي نفسه بوجوب التمسك، وتفسير عدد من شُرّاح أهل السنة الذين شرحوا التمسك بالعترة بالاهتداء والاقتداء والاستمساك في الدين والاتباع بعد وفاة النبي.
إذن، ليست نقطة الخلاف الأساسية هي ما إذا كان كل «متمسَّك به» صاحبَ الزعامة الكبرى بالضرورة؛ فهذه القضية ليست أصلًا موضع استدلال صاحب عبقات. وإنما المسألة هي ما إذا كان يمكن اختزال المتمسَّك به الخاص في حديث الثقلين، مع وجود مجموعة القيود والوظائف التي يرسمها له الحديث نفسه، إلى «متمسَّك به» عام ومحايد. ويسعى الوجه الثالث إلى بيان أن جواب الدهلوي، ما لم يفسّر هذه الخصوصيات، لا يكون قد تناول استدلال الحديث بصورته الكاملة.

٤. النص الكامل للوجه الثالث في عبقات الأنوار

يطرح صاحب عبقات الأنوار الوجه الثالث بعنوان «دلائل إرشاد النبي إلى وجوب اتباع أهل البيت من كلمات العلماء، وملازمة ذلك للإمامة». ويُنقل نص هذا القسم من عبقات الأنوار دون تغيير:

«الوجه ٣: دلائل إرشاد النبي إلى وجوب اتباع أهل البيت من كلمات العلماء، وملازمة ذلك للإمامة

الوجه الثالث هو أن جناب الرسول، صلى الله عليه وآله الأنجاب، قد أظهر وأبان لأرباب الأفهام وأصحاب الأحلام، في هذا الحديث الشريف، بقوله البليغ: «ما إن تمسکتم بهما لن تضلوا بعدی»، وجوب اتباع أهل البيت عليهم السلام. ووجوب الاتباع دليل متين وبرهان رصين على إمامة هؤلاء الأجلاء وخلافتهم؛ وتراب الذلة والهلاك على رؤوس مخالفي هذه النفوس القدسية. وطرق هذا الحديث الشريف المشتملة على لفظ التمسك أكثر من أن تُحصى؛ وقد سبق عرض شطر منها ضمن تخريجات الحفاظ الثقات وتنبيهات الأثبات من أهل السنة. وبحمد الله، فإن شاه صاحب أيضًا، مع كل تعصباته الشنيعة، يعترف بأن هذا الحديث الشريف دليل على وجوب التمسك بأهل البيت عليهم السلام، كما لا يخفى على ناظر كلماته في هذا الكتاب، والله الواقي عن التبار والتباب.
أما كون لفظ التمسك في هذا الحديث الشريف يفيد معنى الاتباع، فهو، بحمد الله، واضح وجلي من إفادات كبار المحققين والأحبار المدققين من أهل السنة؛ وقد مرّ شطر من عبارات أعلام علماء أهل السنة المتعلقة بمعنى التمسك في الوجه الأول، وتُذكر هنا أيضًا بعض العبارات.» إعادة صياغة سلسة للوجه الثالث في عبقات الأنوار
الوجه الثالث هو أن النبي الأكرم صلى الله عليه وآله قد أوضح لأصحاب الفهم والفكر، في هذا الحديث الشريف، وجوب اتباع أهل البيت عليهم السلام، بتعبيره الواضح والبليغ حين قال: «ما دمتم متمسكين بهما فلن تضلوا بعدي». ويرى صاحب عبقات الأنوار أن وجوب الاتباع هذا يُعدّ بحد ذاته دليلًا راسخًا وبرهانًا محكمًا على إمامتهم وخلافتهم.
ثم يذكّر بأن طرق رواية هذا الحديث الشريف التي ورد فيها لفظ «التمسك» كثيرة إلى حدّ يتعذر معه إحصاؤها جميعًا. وقد سبق بيان بعض هذه الروايات ضمن الدراسات الحديثية وتخريجات الحفاظ والعلماء المعتبرين من أهل السنة. وإضافة إلى ذلك، يرى صاحب عبقات أن عبد العزيز الدهلوي أيضًا، رغم معارضاته، قد أقرّ بأن هذا الحديث يدل على وجوب التمسك بأهل البيت عليهم السلام.
ثم ينتقل صاحب عبقات إلى بيان معنى «التمسك»، ويقول: إن دلالة لفظ التمسك في هذا الحديث على الاقتداء والاتباع تتضح أيضًا من كلمات كثير من المحققين وكبار علماء أهل السنة. وقد ورد بعض كلامهم بشأن معنى التمسك سابقًا في الوجه الأول، وستُنقل هنا أيضًا نماذج أخرى من هذه العبارات.

٥. إعادة قراءة كلام صاحب عبقات

يتخذ صاحب عبقات الأنوار في مستهل الوجه الثالث من العبارة النبوية «ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي» نقطة انطلاق له. ومن منظوره، لا يقتصر هذا التعبير الصادر عن النبي الأكرم على بيان توصية أخلاقية بشأن محبة أهل البيت أو احترامهم، بل ينطوي على بُعد هدايي؛ إذ يرتبط التمسك بالقرآن والعترة في هذا الحديث بنتيجة محددة، هي «عدم الضلال بعد النبي».
وعلى هذا الأساس، يرى مير حامد حسين أن وجوب اتباع أهل البيت يتضح من بنية هذا الكلام النبوي نفسه. فعندما يعرّف النبي الأكرم التمسك بالقرآن والعترة بأنه وسيلة لصيانة الأمة من الضلال بعده، لا يمكن أن تكون العترة في هذا البيان مجرد موضوع للمحبة والتكريم، بل سيكون لها دور خاص في منظومة الهداية الدينية للأمة.
وبعد بيان هذا الأصل، يتناول صاحب عبقات مسألة معنى «التمسك». ويصرّح بأن حديث الثقلين قد رُوي بلفظ «التمسك» من طرق كثيرة، ثم يرجع إلى كلمات علماء أهل السنة لتوضيح معنى هذا التعبير. وليس الهدف من هذه النقول إثبات جميع مباني الإمامية من كلماتهم، بل المقصود بيان أن تفسير التمسك بمعنى الهداية والاتباع والاقتداء ليس تفسيرًا غريبًا عن سياق الحديث.
وعليه، فإن للشواهد الواردة عن أهل السنة في هذا الوجه وظيفتين أساسيتين: الأولى إلزام الخصم؛ إذ لا يستطيع الدهلوي، بعد قبول أصل وجوب التمسك، أن يجرّد هذا التمسك من كل معنى هدايي. والثانية بيان أن فهم صاحب عبقات لحديث الثقلين ليس تفسيرًا بعيدًا عن الظاهر وقائمًا على افتراضات مسبقة خارجية، بل ينسجم أيضًا مع فهم عدد من شُرّاح الحديث وعلماء المسلمين.
من هذه الجهة، لا تمثّل أقوال علماء أهل السنة في الوجه الثالث الأساس الرئيس للاستدلال، بل تُستخدم لتعزيز ظهور الحديث والرد على دعوى الدهلوي. فأصل استدلال صاحب العبقات ينطلق من بنية الحديث نفسه: إذ جُمع بين التمسك بالثقلين، وجُعلت نتيجته العصمة من الضلال بعد النبي.

٦. صياغة استدلال صاحب العبقات

يمكن تقرير استدلال صاحب العبقات في الوجه الثالث على النحو الآتي:
المقدمة الأولى: قرن النبي الأكرم في حديث الثقلين التمسك بالقرآن والعترة بنتيجة هي ألا تقع الأمة في الضلال بعده: «ما إن تمسکتم بهما لن تضلوا بعدی».
المقدمة الثانية: إن وضع العترة إلى جانب القرآن في توجيه إرشادي جُعلت نتيجته عدم الضلال بعد النبي يدل على أن للعترة في هذا الحديث دورًا يتجاوز مجرد المحبة والتكريم، وأن لها مكانة خاصة في هداية الأمة بعد النبي.
النتيجة: بناءً على هذا الظهور للحديث، فإن للعترة شأنًا هدايتيًا بعد النبي؛ ويرى صاحب العبقات أن وجوب الاتباع والمرجعية الهدايتية على هذا النحو يرتبطان ارتباطًا مباشرًا بمسألة إمامة أهل البيت وخلافتهم.
إلى جانب هذا الاستدلال الرئيس، يستعين صاحب عبقات بمجموعة من الشواهد أيضًا. ولا يُستخدم نقل أقوال علماء أهل السنة بشأن معنى التمسك، ومنها تفسيره بالاهتداء والاقتداء والاتباع، بوصفه مقدمة مستقلة لإثبات أصل المدعى؛ بل يتمثل دوره في إظهار أمرين: أولهما أن فهم حديث الثقلين من جهة الهداية ليس فهمًا خاصًّا ولا مفروضًا على النص؛ وثانيهما أن دعوى الدهلوي عدم ارتباط الحديث بمسألة الإمامة لا يمكن أن تكون حكمًا شاملًا على دلالة الحديث من دون الإجابة عن هذه القرائن.
وعليه، فإن المحور الرئيس للوجه الثالث ليس مجرد لفظ «التمسك»، ولا وجوب الاتباع وحده، بل الرابطة الخاصة التي يقيمها الحديث بين التمسك بالقرآن والعترة وصون الأمة من الضلال بعد النبي. واستنادًا إلى هذه الرابطة، يطرح صاحب عبقات السؤال الآتي: هل يمكن اعتبار المرجع الذي عرّف النبي التمسك به إلى جانب القرآن وسيلةً للوقاية من الضلال منفصلًا عن أي صلة بالمرجعية والقيادة الدينية بعد النبي؟

٧. الشاهد الأول: الملا علي القاري (ت. ١٠١٤هـ)؛ من المحبة إلى الاهتداء

الملا علي القاري الهروي (المتوفى سنة ١٠١٤هـ) من أبرز علماء أهل السنة ومحدّثيهم في القرن الحادي عشر الهجري، ومن فقهاء الحنفية. وأهم آثاره الحديثية مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح، وهو من الشروح الحديثية المشهورة. وهو يخالف آراء الشيعة في مسائل كلامية مهمة كالإمامة، غير أن صاحب عبقات الأنوار يستفيد من بعض تصريحاته بشأن معنى التمسك بالعترة لإثبات ظهور هذا التعبير في حديث الثقلين في معنى الهداية.
يكتب الملا علي القاري في مرقاة المفاتيح، في شرح حديث الثقلين:
«قال ابن الملك: التمسك بالكتاب: العمل بما فيه، وهو الائتمار بأوامر الله والانتهاء بنواهيه، ومعنى التمسك بالعترة محبتهم والاهتداء بهديهم وسيرتهم. زاد سيدي جمال الدين: إذا لم يكن مخالفاً للدين. قلت: في إطلاقه صلى الله عليه وسلم إشعار بأن من يكون من عترته في الحقيقة لا يكون هديه وسيرته إلا مطابقاً للشريعة والطريقة.»

ترجمة سلسة

يقول ابن الملك: التمسك بالكتاب هو العمل بما فيه؛ أي امتثال أوامر الله واجتناب نواهيه. ومعنى التمسك بالعترة كذلك محبتهم والاهتداء بهديهم وسيرتهم. وأضاف السيد جمال الدين أن هذا المعنى إنما يكون إذا لم يكن هديهم وسيرتهم مخالفين للدين. وأقول أنا (الملا علي القاري): إن إطلاق كلام النبي صلى الله عليه وسلم يدل على أن من كان مرادًا حقًّا من العترة، فلن يكون هديه وسيرته إلا موافقين للشريعة والطريقة.

نكتة دلالية

محور هذه العبارة هو تعبير «الاهتداء بهديهم وسيرتهم». فالملا علي القاري لا يقصر التمسك بالعترة على محبتهم وتعظيمهم، بل يُدخل الاهتداء بطريقتهم وسيرتهم في معنى هذا التمسك.
تكمن أهمية هذا الشاهد لدى صاحب عبقات الأنوار في أنه يُظهر أن تفسير التمسك بالعترة بمعنى الاهتداء ليس فهمًا خاصًّا بالإمامية ومصوغًا على أساس مبانيهم؛ بل إن هذا المعنى حاضر أيضًا في كلام أحد شُرّاح أهل السنة المهمين. وبالطبع، لا تثبت هذه العبارة وحدها جميع مباحث الإمامة، لكنها شاهد جدير بالاعتبار في رد الرأي القائل بإمكان اختزال التمسك بأهل البيت في مجرد المحبة والاحترام.

٨. الشاهد الثاني: عبد الرؤوف المناوي (ت. ١٠٣١هـ)؛ التمسك والقدوة والاستمساك في الدين

عبد الرؤوف المناوي (المتوفى سنة ١٠٣١هـ) من أبرز محدّثي أهل السنة وشرّاح الحديث في القرن الحادي عشر الهجري، ومن علماء الشافعية. وأهم آثاره فيض القدير شرح الجامع الصغير، وهو من شروح الحديث المطوّلة والمشهورة. وهو لا يوافق مبنى الإمامية في مسألة الإمامة وعصمة أهل البيت، ويصرّح بأن أهل البيت ليسوا معصومين كعصمة الأنبياء؛ ومع ذلك، يستفيد صاحب عبقات الأنوار من بعض كلامه الدالّ على دور العترة في الهداية والاقتداء في حديث الثقلين.
ينقل المناوي في فيض القدير، في شرح حديث الثقلين، عن الحكيم الترمذي:
«قال الحكيم: حث على التمسك بهم؛ لأن الأمر لهم معاينة، فهم أبعد من المحنة، وهذا عام أريد به خاص، وهم العلماء العاملون منهم، فخرج الجاهل والفاسق، وهم بشر لم يعروا عن شهوات الآدميين ولا عصموا عصمة النبيين، وكما أن كتاب الله منه ناسخ ومنسوخ فارتفع الحكم بالمنسوخ، هكذا ارتفعت القدوة بغير علمائهم الصلحاء...»

ترجمة سلسة

يقول الحكيم الترمذي: لقد حثّ النبي على التمسك بهم؛ لأن أمر الهداية أوضح لهم، وهم أبعد عن الابتلاءات. وهذا التعبير، وإن كان عامًا في ظاهره، فإن المراد به فئة خاصة، أي العلماء العاملون من أهل البيت. وبذلك يخرج الجاهل والفاسق من هذا المعنى. فهم بشر، وليسوا خالين من الميول البشرية، وليسوا معصومين كعصمة الأنبياء. وكما أن بعض الأحكام في كتاب الله ينتهي بقدوم حكم ناسخ، فكذلك يُترك هنا الاقتداء بمن ليس من علمائهم الصالحين.

نكتة دلالية

النقطة المهمة في هذه العبارة هي بقاء مفهوم «القدوة» في تفسير المناوي. فهو، وإن كان يقصر المراد بالعترة على العلماء العاملين، ويتبنى في مسألة العصمة رأيًا يختلف عن رأي الإمامية، فإنه يحافظ على أصل دور العترة في الهداية والاقتداء. ولذلك، فإن التمسك بالعترة في هذا التفسير أيضًا لا يقتصر على مجرد المحبة أو الاحترام، بل يرتبط بوضعهم في مقام الأسوة والقدوة.
تكمن أهمية هذا الشاهد بالنسبة إلى المنهج الاحتجاجي لصاحب عبقات الأنوار في هذه النقطة تحديدًا. فهو لا ينقل أقوال علماء أهل السنة نقلًا انتقائيًا مع حذف الأجزاء المخالفة لمباني الإمامية، بل يورد النص بقيوده وحدوده نفسها، ويستفيد من القدر المشترك فيه. ومن ثم، لا تكمن قيمة هذا النقل في أن المناوي قد أقر بعصمة أهل البيت أو بجميع مباني الإمامة عند الإمامية، بل تكمن في أنه، حتى مع الإقرار بالاختلاف في مسألة العصمة، يظل يفسر التمسك بالعترة في إطار الهداية والاقتداء.
ويكتب المناوي في موضع آخر من فيض القدير بشأن حديث الثقلين:
«وفي هذا مع قوله أولاً: إني تارك فيكم، تلويح بل تصريح بأنهما كتوأمين خلّفهما ووصّى أمته بحسن معاملتهما وإيثار حقهما على أنفسهم والاستمساك بهما في الدين... قال الحكيم: والمراد بعترته هنا العلماء العاملون منهم، إذ هم الذين لا يفارقون القرآن.»

ترجمة سلسة

يقول المناوي: إن هذا الكلام، مقترنًا بتعبير النبي الأول الذي قال فيه: «إني تارك فيكم»، يتضمن إشارة تقارب التصريح بأن القرآن والعترة قد تُركا بين الأمة كتوأمين، وأن النبي أوصى الأمة بأن تحسن معاملتهما، وأن تقدم حقهما على أنفسها، وأن تتمسك بهما في الدين. وقال الحكيم الترمذي أيضًا إن المقصود بالعترة هنا العلماء العاملون منهم؛ لأنهم هم الذين لا يفارقون القرآن.

نكتة دلالية

العبارة الحاسمة في هذا المقطع هي «الاستمساك بهما في الدين». فالمناوي يضع التمسك بالعترة صراحةً في نطاق الدين؛ ومن ثمّ، فليس الحديث عن علاقة عاطفية أو اجتماعية فحسب، بل عن التمسك بوصفه أمراً دينياً وهدايياً.
كما أن تعبير «خلّفهما»، أي «تركهما من بعده»، يدل على أن البحث مطروح في سياق ما بعد النبي. وهذا التعبير وحده لا يعني، بالطبع، الخلافة السياسية، ولا ينبغي تأويله بما يتجاوز ما يحتمله؛ لكنه يدل على أن المناوي أيضاً يفهم حديث الثقلين على أنه يتناول حال الأمة بعد وفاة النبي وكيفية علاقتها بالقرآن والعترة.
ومن هذه الجهة، يرتبط هذا المقطع من كلام المناوي ارتباطاً مباشراً بمحور الوجه الثالث: فإذا كان النبي قد أبقى القرآن والعترة بين الأمة وأوصى بالتمسك بهما في الدين، فلا يمكن، من دون دراسة هذه المكانة الهدايية، عدّ حديث الثقلين منفصلاً عن أي بحث في المرجعية الدينية بعد النبي.

٩. الشاهد الثالث: محمد بن عبد الباقي الزرقاني (ت. ١١٢٢هـ)؛ «بعد وفاتي؛ هل تتبعونهما؟»

محمد بن عبد الباقي الزرقاني (المتوفى سنة ١١٢٢هـ) محدّث وشارح مالكي، وصاحب شرح المواهب اللدنية. ويُعدّ من أبرز علماء الحديث لدى أهل السنة في القرن الثاني عشر الهجري. ويستفيد صاحب عبقات الأنوار من شرحه لحديث الثقلين؛ ولا سيما العبارة التي يوضح فيها مسألة علاقة الأمة بالقرآن والعترة في سياق ما بعد وفاة النبي، وفي إطار «الاتباع».
يكتب الزرقاني في شرحه لحديث الثقلين:
«وأكد تلك الوصية وقواها بقوله: فانظروا بما تخلفوني فيهما بعد وفاتي، هل تتبعونهما فتسروني أو لا فتسيئوني.»

ترجمة سلسة

وأكد تلك الوصية وقوّاها بهذا القول: فانظروا كيف تتصرفون بشأنهما بعد وفاتي؛ هل تتبعونهما فتُسرّونني، أم لا تفعلون ذلك فتُحزنونني؟

نقطة دلالية

النقطة المهمة في هذه العبارة هي التعبيران «بعد وفاتي» و«هل تتبعونهما». فالزرقاني، في شرحه لحديث الثقلين، ينقل المسألة إلى مرحلة ما بعد وفاة النبي، ويشرح الوصية بالثقلين من خلال مفهوم «الاتباع».
تكمن أهمية هذا الشاهد للوجه الثالث في أن شارحًا من أهل السنة يعيد صياغة السؤال نفسه الذي يتمحور حوله استدلال صاحب العبقات، بعبارة أخرى: مكانة القرآن والعترة بعد النبي وكيفية تعامل الأمة معهما. وهذه العبارة وحدها لا تثبت جميع أسس نظرية الإمامة عند الإمامية، لكنها تكتسب أهمية خاصة في مواجهة دعوى الدهلوي أن حديث الثقلين لا صلة له إطلاقًا بمسألة المرجعية بعد النبي؛ إذ تُظهر أن فهم هذا الحديث لدى بعض علماء أهل السنة أيضًا كان مطروحًا في أفق «ما بعد وفاة النبي» و«اتباع الثقلين».
وبالطبع، فإن الزرقاني، في مواضع أخرى من هذا التقرير نفسه، يقصر المراد بالعترة على العلماء العاملين، شأنه في ذلك شأن بعض الشراح الآخرين. ولا يغفل صاحب العبقات هذا القيد؛ إذ ليس هدفه إثبات أن كل عالم من أهل السنة قد قبل جميع أسس الإمامية، بل مقصوده استخراج القدر الكافي لنقد دعوى الدهلوي. ولذلك، فإن الاختلاف في تحديد مصداق العترة أو حدودها لا يمنع الاستفادة من هذا القدر المشترك، أي الإقرار بدور العترة في الهداية والاقتداء.

١٠. الشاهد الرابع: حسام الدين السهارنفوري؛ شاهد من النص المناهض للشيعة «مرافض الروافض»

حسام الدين بن محمد بايزيد السهارنفوري، صاحب كتاب «مرافض الروافض»، من الكتّاب الذين أُلّفت أعمالهم في سياق نقد آراء الشيعة والرد عليها. وهذا الموقع نفسه يمنح نقله أهمية من جهة الاحتجاج؛ إذ يصدر كلامه عن عالم لا ينتمي إلى بيئة مؤيدة لأسس الإمامية، لكنه يصرّح، في توضيح معنى التمسك بالعترة، ببُعده الهدايتي.
يكتب السهارنفوري في شرح حديث الثقلين:
«التمسك بكتاب الله عبارة عن العمل بمقتضى أحكامه، والتمسك بالعترة كناية عن محبتهم وحفظ حرمتهم والاهتداء بهديهم وسيرتهم... وقد قال الملا علي القاري: إن في إطلاقه صلى الله عليه وسلم إشعارًا بأن العترة في الحقيقة مَن لا تخالف سيرته الشريعة.»

ترجمة سلسة

التمسك بكتاب الله هو العمل بأحكامه، والتمسك بالعترة كناية عن محبتهم، ورعاية حرمتهم، والاهتداء بهديهم وسيرتهم. كما قال الملا علي القاري إن إطلاق كلام النبي صلى الله عليه وسلم يشير إلى أن الفرد الحقيقي من العترة هو من لا تخالف سيرته وطريقته الشريعة.

نكتة دلالية

أهم جزء في هذه العبارة بالنسبة إلى الوجه الثالث هو تعبير «الاهتداء بهديهم وسيرتهم». فالسهارنفوري، الذي أُلّف كتابه في سياق نقد الشيعة، يرى أن التمسك بالعترة يحمل معنى الهداية، على الرغم من اختلافه الجوهري مع مباني الإمامية، ولا يحصره في المحبة ورعاية الحرمة.
وهنا تكمن أهمية هذا الشاهد في المنهج الاحتجاجي لصاحب عبقات الأنوار. فهو لا يستعين بكلام السهارنفوري لإثبات جميع مباني الإمامية؛ لأن السهارنفوري لا يقبل عصمة أهل البيت بالمعنى الذي تقول به الإمامية، ولا يقبل جميع لوازم نظرية الإمامة. وإنما يُستفاد هنا من مقدمة مشتركة واحدة، وهي أن التمسك بالعترة في حديث الثقلين يتضمن معنى الهداية والاتباع.
ومن هذه الجهة، تزداد قيمة هذا الشاهد؛ إذ يبيّن أن المعنى الهدايتي للتمسك بالعترة ليس مجرد تفسير داخلي في المذهب الإمامي يمكن تنحيته جانبًا من دون بحث، بل تظهر هذه الدلالة أيضًا في كلام عالم كان بصدد الرد على الشيعة.

١١. الشاهد الخامس: ثناء الله الباني بتي (ت. ١٢٢٥هـ)؛ الرجوع إلى «نائب النبي»

كان القاضي ثناء الله الباني بتي (المتوفى سنة ١٢٢٥هـ) من أبرز الفقهاء والمفسرين والعلماء الحنفية في شبه القارة الهندية، وهو صاحب التفسير المظهري. ويُعدّ من علماء النقشبندية ذوي النفوذ في الهند، وتحظى مؤلفاته في التفسير والعلوم الدينية بشهرة واسعة. وينقل صاحب عبقات الأنوار من خاتمة كتابه سيف مسلول عبارةً تتميز، بين شواهد هذا الوجه، بمزيد من الصراحة في ربط حديث الثقلين بمسألة المرجعية بعد النبي.
وبعد أن يبيّن الباني بتي رأيه في إثبات إمامة الأئمة الاثني عشر عن طريق الكشف والإلهام، يصرّح بأن هذا المعنى نفسه يمكن استنباطه أيضًا من الكتاب والحديث، ثم يستشهد بحديث الثقلين:
«... والحكمة في ذلك أن شرائع الأنبياء السابقين كانت تُنسخ بعد وفاتهم، وهذه الشريعة مؤبدة؛ فلا بد للأمة، إلى يوم القيامة، من الرجوع بعد رحيل النبي إلى نائب النبي. ولهذا أرشد ذلك السيد، عليه السلام، شفقةً على أمته، إلى محبة آله، وأشار إلى التمسك بأذيالهم الطاهرة، فهم ورثة النبي وباب علومه. ولهذا قال عليه السلام: تركت فيكم الثقلين: كتاب الله وعترتي...»

ترجمة سلسة

يقول الباني بتي: إن الحكمة من هذا الأمر هي أن شرائع الأنبياء السابقين كانت تُنسخ بعد رحيلهم، أما هذه الشريعة فهي خالدة وباقية إلى يوم القيامة؛ ولذلك يجب على الأمة أن ترجع دائمًا، بعد رحيل النبي، إلى نائب النبي. ومن هنا أرشدهم، شفقةً على أمته، إلى محبة أهل بيته، وأشار إلى التمسك بأذيالهم الطاهرة؛ لأنهم ورثة النبي وأبواب علومه. ولهذا قال: «تركت فيكم شيئين نفيسين: كتاب الله وعترتي».

نكتة دلالية

يتقدم هذا الشاهد، مقارنة بالشواهد السابقة، خطوة أكثر صراحة في الاتجاه الذي يقصده الوجه الثالث. فالباني بتي يحلل حديث الثقلين في إطار مسألة ما بعد وفاة النبي، ويربط المسألة بتعبير «رجوع الأمة إلى نائب النبي». كما يعرّف العترة بأنهم «ورثة النبي» و«باب علومه»؛ وهي تعبيرات تتجاوز مجرد علاقة عاطفية أو تاريخية، وتدل على مكانتهم في الهداية.
ومن هذه الجهة تحديدًا تبرز أهمية هذه العبارة في نقد رأي الدهلوي. فالدهلوي يدفع استدلال الإمامية بالجواب القائل إن مجرد كون الشخص متمسَّكًا به لا يستلزم الزعامة الكبرى. غير أن الباني بتي، وهو نفسه من علماء أهل السنة، يفسر حديث الثقلين في سياق موضوعه حاجة الأمة إلى مرجع بعد وفاة النبي ورجوعها إلى نائبه. وعليه، فإن دعوى انعدام الصلة تمامًا بين الحديث ومسألة المرجعية بعد النبي، مع وجود مثل هذه التقريرات، تحتاج إلى استدلال يتجاوز قاعدة عامة بشأن معنى التمسك.
وبالطبع، لا يعني هذا الشاهد قبول الباني بتي بجميع مباني الإمامية. فهو لا يثبت في هذه العبارة جميع لوازم نظرية الإمامة لدى الإمامية، مثل عصمة الأئمة وتعيينهم الإلهي. وإنما تتمثل القيمة الاحتجاجية لكلامه في هذا القدر، وهو أنه يفسر حديث الثقلين في صلته بهداية الأمة بعد النبي والرجوع إلى مرجع ديني.
وثمة نكتة منهجية مهمة أيضًا، وهي أن صاحب عبقات الأنوار لا يعتمد على الجزء المتعلق بالكشف والإلهام في كلام الباني بتي بوصفه دليله الرئيس، بل يكتفي بنقل ذلك الجزء. وإنما موضع استناده هو تصريح الباني بتي بأن هذا المعنى نفسه يمكن استنباطه من الكتاب والحديث أيضًا، ثم توظيفه حديث الثقلين في سياق بيان حاجة الأمة إلى الهداية بعد النبي.

١٢. الحيثية المستقلة للوجه الثالث: من معنى التمسك إلى وظيفته في الهداية

١٢–١. اختلاف الوجه الثالث عن الوجهين السابقين

يتابع صاحب عبقات الأنوار في الوجهين الأولين سؤالين تمهيديين. يتناول الوجه الأول مسألة معنى «التمسك بالعترة» في حديث الثقلين، ويبيّن، بالاستناد إلى أقوال عدد من علماء أهل السنة، أن هذا التعبير يقترن بمفاهيم مثل الاهتداء والاقتداء والاتباع، ولا يدل على مجرد المحبة والاحترام. ويخطو الوجه الثاني خطوة أبعد، فيتناول مرتبة هذا الاتباع؛ أي إنه يبيّن أن اتباع العترة في حديث الثقلين قد وُضع، من حيث الوجوب واللزوم، إلى جانب اتباع القرآن.
أما الوجه الثالث فلا يرمي إلى تكرار هذين البحثين. فالمسألة الجديدة في هذا الوجه ليست أصل معنى التمسك، ولا مجرد وجوب الاتباع، بل العلاقة بين التمسك والنتيجة التي بيّنها النبي الأكرم نفسه له. ففي جملة «ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي»، يقع التمسك بالقرآن والعترة موقع الشرط، ويُطرح عدم الضلال بعد النبي بوصفه نتيجته.
وعليه، يمكن بيان الحيثية المستقلة للوجه الثالث على النحو الآتي: وقوع التمسك بالعترة ضمن البنية الهَدْيية التي رسمها النبي لصون الأمة من الضلال بعده. وهذه الجهة بعينها هي التي تميّز هذا الوجه عن الوجهين السابقين.

١٢–٢. البنية الشرطية للحديث: «إن تمسكتم بهما» و«لن تضلوا»

يقوم استدلال صاحب العبقات في هذا الوجه على الالتفات إلى بنية الحديث نفسه. ففي عبارة «إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي»، تمثّل جملة «إن تمسكتم بهما» الشرط، وتمثّل جملة «لن تضلوا بعدي» نتيجته. وبناءً على هذه البنية، يطرح النبي الأكرم التمسك بالقرآن والعترة في ارتباط بتحقق أمر هَدْيي، وهو الصون من الضلال بعده.
بالطبع، لا ينبغي أن يُستنتج من هذه الصيغة الشرطية وحدها أنه لا يوجد أي طريق آخر للهداية على أي مستوى؛ إذ لا يُستفاد مثل هذا الحصر من مجرد الصيغة الشرطية للحديث. غير أن هذا القدر يكفي لإثبات المدعى في الوجه الثالث: فالعترة في هذا الحديث، إلى جانب القرآن، تقع ضمن علاقة هداية، ويرتبط التمسك بهما بعدم الضلال بعد النبي.
وعلى هذا الأساس، لا يبني صاحب عبقات استدلاله على الصيغة الشرطية للحديث وحدها، بل يجمع عدة قرائن: أولًا، إقرار الدهلوي بأصل وجوب التمسك؛ وثانيًا، تفسير التمسك بمعنى الاهتداء والاقتداء والاستمساك في كلمات شُرّاح أهل السنة؛ وثالثًا، الربط الصريح في متن الحديث بين هذا التمسك وعدم الضلال بعد النبي. ومن ثم، فإن استدلال الوجه الثالث يتألف من مجموع هذه العناصر المترابطة، وليس مجرد فهم لغوي للفظ التمسك.

١٢ـ٣. الضمير في «بهما»: وحدة متعلَّق التمسك في حديث الثقلين

من النقاط الجديرة بالانتباه في صياغة الحديث استخدام ضمير التثنية في تعبير «بهما». ويعود هذا الضمير إلى الثقلين، أي القرآن والعترة، ويدل على أن كليهما يقع ضمن العلاقة نفسها التي بيّن النبي نتيجتها بقوله: «لن تضلوا بعدي».
بالطبع، لا يعني هذا التعبير مساواة القرآن والعترة في جميع الأوصاف والخصائص، وإثبات مثل هذه الأمور يحتاج إلى دراسة الوجوه الأخرى للحديث. والدلالة المقصودة هنا أضيق نطاقًا: فلا يمكن عدّ أحد الثقلين داخلًا في البنية الهداية للحديث، وإخراج الآخر من العلاقة نفسها من دون دليل.
ومن ثم، فإن النقطة الأساسية في نطاق الوجه الثالث هي أن العترة، إلى جانب القرآن، متعلَّق للتمسك نفسه الذي ربطه النبي بعدم الضلال بعده.

١٢ـ٤. قيد «بعدي»: الأفق الزمني للاستدلال

يُعدّ قيد «بعدي» أحد أهم عناصر هذا الوجه؛ لأنه يمدّ نتيجة الحديث إلى مرحلة ما بعد النبي. فلا يقتصر كلام الحديث على علاقة المسلمين بأهل البيت في حياة رسول الله، بل يتناول الوضع الذي ينشأ للأمة بعد رحيله.
وعلى هذا الأساس، يلفت حديث الثقلين، في الوجه الثالث، الانتباه إلى مسألة تتعلق بمرحلة ما بعد النبي: بماذا يجب أن تتمسك الأمة لتكون بمنأى عن الضلال بعد رحيل النبي؟ وجواب الحديث هو التمسك بالقرآن والعترة.
وهذه النقطة نفسها تُظهر صلة هذا الوجه بمسألة المرجعية الدينية بعد النبي. وقد يكون ثمة اختلاف في الرأي بشأن حدود هذه المرجعية أو مصاديقها أو لوازمها الكلامية؛ ولكن لنفي أي صلة للحديث بمسألة الهداية والقيادة بعد النبي، لا بد من بيان كيف يمكن فصل مرجعٍ عُرِّف التمسك به، في نص الحديث، بأنه وسيلة للوقاية من الضلال بعد النبي، عن أي دور هدايتي بعده.

١٣. البعدان الإثباتي والسلبي للوجه الثالث

١٣ـ١. ما يثبته هذا الوجه للعترة

يثبت الوجه الثالث للعترة، في حدود استدلاله، مكانةً هاديةً بعد النبي. ويستند هذا الإثبات إلى بنية حديث الثقلين نفسه: فقد ربط النبي التمسك بالقرآن والعترة بنتيجة «لن تضلوا بعدي»؛ أي إن التمسك بهذين الثقلين يرتبط، في منظور الحديث، بصون الأمة من الضلال بعد رحيل النبي.
وتعزز هذا الاتجاه الشواهد التي ينقلها صاحب عبقات الأنوار عن علماء أهل السنة. فهؤلاء العلماء، وإن اختلفوا مع مباني الإمامية في تعيين مصداق العترة أو في بعض المسائل الكلامية، فقد شرحوا التمسك بالعترة في كثير من المواضع بمفاهيم مثل الاهتداء والاقتداء والقدوة والاستمساك في الدين. ويعبّر الزرقاني أيضًا عن هذا المعنى في الأفق الزمني لما بعد النبي، بعبارة «الاتباع بعد الوفاة»، ويورد الباني بتي حديث الثقلين في مبحث رجوع الأمة إلى نائب النبي.
وبحسب المنطق الاحتجاجي لصاحب عبقات، تكفي هذه القرائن مجتمعةً لإظهار الملازمة بين وجوب الاتباع والمكانة الهادية لأهل البيت بعد النبي؛ إذ إن ما عرّفه النبي، إلى جانب القرآن، وسيلةً لمنع ضلال الأمة من بعده لا يمكن أن يبقى مجرد موضوع للمحبة والاحترام.

١٣ـ٢. ما يُنفى من دعوى الدهلوي

لا يسعى الجانب السلبي من الوجه الثالث، خلافًا لبعض الوجوه الأخرى، إلى المقارنة المباشرة بين العترة وسائر الخلفاء، أو إلى بحث جميع مسائل الإمامة؛ بل تتمثل نقطته الأساسية في نقد صياغة الدهلوي للمسألة.
يقرّ الدهلوي بوجوب التمسك، لكنه يسعى إلى ألّا تُستخلص من هذا الوجوب نتيجةٌ بشأن المرجعية والزعامة بعد النبي. وجواب الوجه الثالث هو أن «المتمسَّك به» في حديث الثقلين ليس عنوانًا عامًا ومحايدًا، بل يرد ضمن بنية محددة: فقد جُعل التمسك بالقرآن والعترة شرطًا لعدم الضلال بعد النبي. وإضافةً إلى ذلك، شرح شُرّاح أهل السنة وعلماؤهم هذا التمسك أيضًا بمفاهيم مثل الاتباع والاهتداء والاستمساك في الدين.
وعليه، فإن ما يثبته هذا الوجه في مقابل الدهلوي هو، على أقل تقدير، بطلان دعوى «انعدام الصلة تمامًا» بين حديث الثقلين ومسألة المرجعية في الهداية بعد النبي. غير أن هذه النتيجة لا تعني حسم جميع مباحث الإمامة؛ إذ إن الإثبات التفصيلي لمسائل مثل العصمة، واستمرار وجود مصداق للعترة، والأعلمية، أو غيرها من صفات الإمام، يتطلب دراسة وجوه مستقلة يطرحها صاحب عبقات الأنوار لاحقًا.
ويحفظ هذا التفريق النطاق العلمي للوجه الثالث، كما يبيّن أن نقد الدهلوي في هذه المرحلة يتناول دعوى محددة: هل يمكن عدّ حديث يربط التمسك بالعترة بعدم الضلال بعد النبي منفصلًا على نحو مطلق عن أي صلة بمسألة الهداية والمرجعية بعد النبي؟

١٤. توضيح تكميلي في نفحات الأزهار

اختار نفحات الأزهار، في تلخيص هذا الوجه نفسه، عنوان «اتباع أهل البيت فرض على الأمة»، وقدّم تقريرًا أكثر إيجازًا لمنطقه. وبناءً على هذا التقرير، فإن مفاد عبارة «ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي» هو وجوب اتباع أهل البيت؛ لأن النبي قدّم هذا الاتباع بوصفه سبيلًا إلى الحيلولة دون ضلال الأمة من بعده.
ولا يقدّم هذا البيان دليلًا مستقلًا منفصلًا عن عبقات الأنوار، بل يعكس بصورة أكثر صراحة العلاقة نفسها القائمة في الوجه الثالث بين التمسك وعدم الضلال؛ أي إن المحور الأساسي للاستدلال يظل بنية الحديث نفسها والصلة بين التمسك بالثقلين والهداية بعد النبي. (نفحات الأزهار، ج٢، ص٢٥٠؛ PDF: ٢٩٤.)

١٥. الخاتمة

لا ينبغي عدّ الوجه الثالث في عبقات الأنوار تكرارًا لبحث وجوب الاتباع في الوجهين السابقين؛ إذ تكمن جهة استقلاله في البنية الخاصة لحديث الثقلين، أي عبارة «ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي». ففي هذه البنية، جُمع القرآن والعترة بضمير التثنية في علاقة واحدة من التمسك، وعُرّفت نتيجة هذا التمسك بأنها «عدم الضلال»، ويمدّ قيد «بعدي» هذه الوظيفة الهدايتية إلى مرحلة ما بعد النبي.
أظهر بحث هذا الوجه أن صاحب عبقات الأنوار لا يبني استدلاله على قرينة منفردة، بل يجمع بين مجموعة من العناصر: البنية الداخلية للحديث، وإقرار الدهلوي بأصل وجوب التمسك، وكثرة طرق رواية الحديث بلفظ «التمسك»، وتفسير عدد من علماء أهل السنة الذين شرحوا التمسك بالعترة بمفاهيم مثل الاهتداء، والاقتداء، والقدوة، والاستمساك في الدين، والاتباع بعد وفاة النبي.
يمكن تلخيص النتائج الرئيسية لهذا البحث في النقاط الآتية:
    ١. استقلال الوجه الثالث عن الوجوه السابقة: لا يسعى الوجه الثالث إلى إثبات معنى التمسك من جديد، ولا يقتصر على إثبات وجوب الاتباع؛ بل تتمثل جهته الجديدة في بحث الوظيفة التي بيّنها النبي لهذا التمسك؛ أي الصلة بين التمسك بالقرآن والعترة والعصمة من الضلال بعد النبي.
    ٢. تركيز الاستدلال على بنية الحديث نفسه: تتمثل النقطة الأساسية في احتجاج صاحب عبقات في بنية العبارة النبوية، لا في مجرد أقوال الشراح. فالشرط «إن تمسكتم بهما»، والنتيجة «لن تضلوا»، والقيد الزمني «بعدي»، تدل على أن الحديث يقيم علاقة هدايتية بين التمسك بالثقلين وحال الأمة بعد النبي.
    ٣. المنهج الاحتجاجي لصاحب عبقات في استخدام مصادر المخالف: أظهر فحص شواهد مثل أقوال المناوي والزرقاني والسهارنفوري أن صاحب عبقات لا يدّعي، في مقام الاحتجاج، أن هؤلاء العلماء قد قبلوا جميع مباني الإمامية؛ بل يستخرج من أقوالهم ذلك القدر المشترك الذي يكفي لنقد دعوى الخصم. وحتى حين يختلف هؤلاء العلماء مع الإمامية في مسائل مثل العصمة أو تحديد مصداق العترة، يظل في أقوالهم إثبات دور للعترة في الهداية والاقتداء.
٤. المنهج العلمي في نقد الدهلوي: يتوجه النقد الأساسي في الوجه الثالث إلى أن الدهلوي، بتحويله حالة خاصة إلى قاعدة عامة، يتجاهل الخصائص القائمة في بنية حديث الثقلين. وجواب صاحب العبقات هو أن البحث لا يدور حول كل «متمسَّك به» على نحو مطلق، بل حول متمسَّك به خاص عرّفه النبي، إلى جانب القرآن، بوصفه وسيلة للوقاية من الضلال بعده.
٥. محدودية نتيجة الوجه الثالث وتجنب التوسع بما يتجاوز قدرة الدليل على الإثبات: لا يثبت هذا الوجه وحده جميع المباحث التفصيلية للإمامة، كالعصمة، واستمرار وجود مصداق للعترة، والأعلمية، وسائر خصائص الإمام؛ إذ جرى تناول كل واحد من هذه المباحث في وجوه مستقلة أخرى في عبقات الأنوار. وتتمثل حصيلة هذا الوجه في إثبات المكانة الهَدْيية للعترة بعد النبي، وردّ دعوى انعدام الصلة تمامًا بين حديث الثقلين ومسألة المرجعية الدينية.
٦. أهمية شاهد ثناء الله الپاني پتي: من بين الشواهد المدروسة، يقدم كلام الپاني پتي أصرح بيان للصلة بين حديث الثقلين ومسألة ما بعد وفاة النبي؛ إذ يطرحه في إطار حاجة الأمة إلى الرجوع إلى نائب النبي. غير أن قيمة هذا الشاهد لا تكمن في قبوله جميع مباني الإمامية، بل في إظهاره أن الصلة بين حديث الثقلين وهداية الأمة بعد النبي لا يمكن إقصاؤها من أفق الفهم الإسلامي.
وخلاصة نتيجة هذا البحث أن دعوى عبد العزيز الدهلوي أن حديث الثقلين لا صلة له بمسألة الإمامة والزعامة لا يمكن قبولها، بالنظر إلى البنية الداخلية للحديث والشواهد المنقولة من مصادر أهل السنة. ويبيّن الوجه الثالث من عبقات الأنوار أن المسألة الأساسية في هذا الحديث ليست مجرد وجود أمر بالتمسك، بل المكانة الهَدْيية لمتعلَّق هذا التمسك، ووظيفته في حفظ الأمة من الضلال بعد النبي.

المصادر والمراجع:

١. مير حامد حسين الهندي، عبقات الأنوار في إمامة الأئمة الأطهار، ج ٢٠، قسم حديث الثقلين، الوجه الثالث، ص ٣٣–٣٧ (PDF: ٤٤–٤٨).
٢. نفحات الأزهار في خلاصة عبقات الأنوار، ج٢، قسم وجوه دلالة حديث الثقلين، الوجه الثالث، ص٢٥٠ وما بعدها (PDF: ٢٩٤–٢٩٥).
٣. ملا علي القاري، مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح؛ النص المقتبس مأخوذ من عبقات الأنوار.
٤. عبد الرؤوف المناوي، فيض القدير شرح الجامع الصغير؛ النص المقتبس مأخوذ من عبقات الأنوار.
٥. محمد بن عبد الباقي الزرقاني، شرح المواهب اللدنية؛ النص المقتبس مأخوذ من عبقات الأنوار.
٦. حسام الدين السهارنفوري، مرافض الروافض؛ النص المقتبس مأخوذ من عبقات الأنوار. ٧. ثناء الله الباني بتي، سيف مسلول؛ النص المقتبس مأخوذ من عبقات الأنوار.
المؤلف: حامد صارم
نمادی از حدیث ثقلین کتاب الله و عترتی
24 خرداد 1405 ه‍.ش
نقد شذوذ ابن الجوزي في تضعيف حديث الثقلين: دراسة إجماع محدثي وحفاظ أهل السنة في ضوء عبقات الأنوار
المؤلف: حامد صارم
الإمامةعبقات الأنوارالكتب الكلامية
#ابن-جوزی#الضعفا#تواتر-حدیث-ثقلین