نبأ العظيم
المقالاتفيديوالصوتالصور
نبأ العظيم

منصة بحثية وإعلامية لتاريخ الإسلام ومعارف الشيعة والإجابة الموثقة عن أسئلة اليوم.

الوصول
المقالاتالبحث
الموضوعات
الإمامةتاريخ الإسلامالرد على الشبهات
اللغات
فارسیالعربيةEnglish
5 آيان 1394 ه‍.شالأشرار وأعداء أهل البيت عليهم السلامالشخصيات

ستة أدلة تبين أن فتنة السقيفة كانت مخططة مسبقا

المؤلف: حامد صارم
ستة أدلة تبين أن فتنة السقيفة كانت مخططة مسبقا
كلما نظر الإنسان إلى التاريخ وجد فيه درسا جديدا. فالتاريخ يبين لنا كيف تبلغ أمة ما العزة، وبالنظر الدقيق إلى التاريخ والاعتبار منه يسهل العثور على طريق النجاة في الفتن.
التاريخ مليء بأناس تلمع أسماؤهم وتفخر بهم البشرية كلها، وفي المقابل هناك من سودوا صفحات التاريخ بالظلم وسفك الدماء. كان بعضهم سفاحين وأهل فتنة، ومهدوا أرضية الفتن.
لكن التاريخ لا يمكن مراجعته ببساطة؛ لأن قلم المؤرخين كان، بحسب المسار الطبيعي، في يد أصحاب السلطة، ولم يسمحوا لمخالفيهم بالكتابة. ومن هنا فملاحظة التاريخ ليست عملا سهلا.

البحث التاريخي عمل دقيق جدا

كم من ظالم أظهر عادلا، وكم من عادل قدم ظالما. وكم بذلت الجهود كي تبقى أعمال جماعة مخفية عن أعين الآتين، أو لا يصرح بها، أو إن ذكرت وجهت بطريقة تجعلها مقبولة. لذلك، فالبحث التاريخي، مع كل محاسنه، ذو دقة عالية، وإذا لم يلتفت القارئ إلى هذه الدقائق فلن يستطيع الحكم بصورة صحيحة.
وحين تكتسب واقعة تاريخية قيمة اعتقادية من جهة مذهب واعتقاد جماعة، ينبغي النظر إليها بدقة أشد؛ لأن دوافع الكتمان والتحريف والتلبيس تصبح أقوى بكثير.

كتمان واقعة الغدير في بعض الكتب المهمة

تاريخ صدر الإسلام، وخصوصا القرن الأول منه، مليء بوقائع مؤثرة في عقائد جميع المذاهب والفرق الإسلامية. فالنتيجة التي يصل إليها الإنسان في هذا القسم من التاريخ مؤثرة تماما في الاعتقاد والمذهب الذي يختاره. وبطبيعة الحال، وقائع هذه المرحلة هي أكثر الوقائع تعرضا للتحريف والكتمان. ومن أمثلة ذلك كتمان واقعة الغدير العظيمة، التي اختصت بها آيات من القرآن.
فكتاب البخاري، وهو أهم كتاب عند عدد كبير من الفرق الإسلامية، لم يذكر هذه الواقعة أصلا، وبعض الكتب الأخرى التي ذكرتها حاولت الالتزام بأقصى درجات الاختصار. وهذا الترك أو الاختصار المفرط هو بعينه كتمان وتحريف في التاريخ.

هل يمكن أن يكون فعل الصحابي مستندا للفتوى؟

حرم بعضهم، فرارا من هذه الحقيقة ولتثبيت هذا الكتمان والتحريف، البحث والتحقيق في وقائع تلك المرحلة. فوضعوا قانون عدالة جميع صحابة النبي، وحرموا الكلام فيهم. بل جعلوا أعمالهم وأفعالهم مصدرا دينيا، أي إن فعل صحابي يمكن أن يكون مستندا لحكم شرعي، كما تكون سنة النبي أو آية القرآن مستندا للفتوى.

تحريف الطبري للوقائع التاريخية

عدالة الصحابة هي تقريبا عقيدة أكثر المؤرخين المشهورين، وهذا أحد الدوافع التي أدت إلى التحريف، ومن خلال هذا التحريف جلبوا الضلال لكثير من الناس. وعلى أي حال، فمن المسلمات أن التاريخ كتبه قرونا طويلة المنتسبون إلى بلاط الخلفاء.
وأبرزهم ابن جرير الطبري، الذي تحجج بالحياد في نقل الوقائع، فحرف الواقع وكتم الحقائق. يكتب العلامة السيد مرتضى العسكري: «لقد سبق الطبري غيره من المؤرخين في ترويج المجعولات» (١).
ينقل الطبري عن سيف بن عمر ٧٠١ حديثا، مع أن سيفا معروف عند المحققين بالكذب وصناعة الحديث (٢).
ويكتب الخطيب البغدادي: «أكذب أهل الأرض أبو معشر» (٣)، وقد أكثر الطبري في كتابه من الاعتماد على أقواله (٤).

كيف يكون كل الصحابة الذين قاتلوا بعضهم من أهل الجنة؟

ومن جهة أخرى، لم تكن حياة الصحابة خالية من خلافات عميقة أدت إلى حروب طويلة، حروب سفكت فيها دماء آلاف المسلمين، وكان أطرافها من كبار الصحابة. فكيف يمكن حقا عد كل الصحابة عدولا ومن أهل الجنة، مع أنهم شهروا السيوف بعضهم على بعض، ولم يقصروا في السعي إلى قتل بعضهم؟ هل كان الجميع في هذه الحروب على حق؟ وهل يذهب القاتل والمقتول معا إلى الجنة؟
وا أسفاه، إن جماعة على هذا الاعتقاد نفسه ليخفوا باطلهم تحت نقاب عدالة الصحابة. والأعجب من ذلك نقل حديث يتعارض مع بداهة العقل ومع محكمات آيات القرآن الشريف. فقد ادعوا أن النبي بشر عشرة بالجنة، مع أن بعض هؤلاء العشرة وقفوا في حرب الجمل بعضهم في مواجهة بعض، وجهزوا الجيوش، وأشعلوا نار الحرب، وسفكوا دماء كثيرة. ومع ذلك، فكلا الطرفين عندهم من أهل الجنة!

صحابي عادل ومن أهل الجنة ارتبط اسمه بفتنة الجمل

ويل ليوم يداس فيه أمر القرآن بالتعقل؛ ففي ذلك اليوم يجعل حديث العشرة المبشرة، بوصفه سنة نبوية، ملاكا ومعيارا. ومن الذين ذكر اسمهم في العشرة المبشرة طلحة بن عبيد الله، الذي ارتبط اسمه بفتنة الجمل، ومع ذلك لا يزال إلى اليوم يعد صحابيا عادلا ومن أهل الجنة.
لم يكن طمع الخلافة في طلحة وحده، بل كان موجودا في جماعة صاحبت النبي وكانت من البداية تضمر طمع الخلافة. وكان طلحة أحد أفراد ذلك الحزب الطامع في الخلافة، الذي استطاع أن يجذب الخلافة لمصلحته، إلا أنهم وقعوا فيما بينهم في خلاف كبير.

قتل عثمان على يد طلحة

هو نفسه الذي شد العزم على قتل الخليفة الثالث عثمان من أجل اقتناص الخلافة، وإن لم ينل من ذلك ما أراد. ثم، للوصول إلى الخلافة، أشعل نار حرب الجمل، فقتل بسببها آلاف المسلمين.
وللبحث الدقيق وفهم سبب قتل عثمان وحرب الجمل، لا بد من مراجعة موجزة لمسيرة حزب السقيفة وصراعاته الداخلية، حتى يتضح لنا سبب قتل طلحة لعثمان. لذلك يجري هنا بحث مختصر في التيارات الداخلية للسقيفة.

السقيفة لم تكن بداية انحراف أمة الإسلام

لا ينبغي عد السقيفة بداية الانحراف. فلا شك أن السقيفة كانت استمرار انحراف تشكل من قبل. ومع مرور الزمن على واقعة السقيفة، ظهرت أدلة وشواهد عدة تدل على أن الجماعة المنتصرة في السقيفة كانت منذ زمن بعيد تفكر وتخطط لاكتساب السلطة وهزيمة الخصم والدوس على الغدير.
وبصرف النظر عن النقول التي تحكي توقيع معاهدة في حياة النبي على خيانته، وبصرف النظر عن روايات اغتيال النبي، يمكن العثور على قرائن تدل على أن غصب الخلافة كان خطة محددة مسبقا.

هل نسي الناس الغدير؟

لا شك أن أهم شاهد على ذلك هو أنه، مع كل تأكيدات النبي على خلافة علي عليه السلام، وهي كثيرة في المصادر غير الشيعية، لا يمكن أن يتغير كل شيء فجأة إلى جهة أخرى ما لم تكن هناك جماعة متجذرة ومتعاونة. ألم يكن أحد من الناس يذكر الغدير؟
بلى، كانوا يذكرونه، ولم ينسوه زمنا طويلا. فبعد ذلك اليوم باثني عشر عاما، في سنة ٢٣ للهجرة، احتج علي بن أبي طالب عليه السلام على أهل الشورى والناس، وذكر أربعين منقبة له، منها الغدير وآية التطهير، ثم استشهد جميع الحاضرين على تأييد ذلك. فلم ينكره أحد إلا نفر قليل من المخالفين.

ستة أدلة تبين أن فتنة السقيفة كانت مخططة مسبقا

مع أن أدلة هذه النظرية وشواهدها كثيرة، يشار هنا إلى بعضها:
١. أول موضوع طرح في خطبة غدير خم كان التحذير من مخالفي علي بن أبي طالب وأعدائه. فقد أكد النبي أن عددهم ليس قليلا، وأنهم دائما في فكر المؤامرة ولديهم خطط للمستقبل.
٢. في المجالس العامة التي كان النبي يريد أن يذكر فيها فضائل علي عليه السلام ويتحدث عن إمامته، كانوا يثيرون الضجيج والهيجان. ومرارا ما إن كان يقول: «الأئمة بعدي اثنا عشر»، حتى يختل نظام المجلس وسكوته، ويبلغ الضجيج والحركة حدا يمنع النبي من مواصلة الكلام (٥).
٣. حين كان أبو بكر يوصي لخليفته، أغمي عليه، فكتب عثمان، بتشخيصه، اسم عمر بن الخطاب. فلما أفاق أبو بكر أقر ما كتبه ووقعه (٦). فحقا، من أين عرف عثمان ما في ضمير أبي بكر؟
٤. ومع الالتفات إلى كيفية وصية أبي بكر، فإن هذه النقطة مهمة أيضا: الحاكم الثاني عند موته قال: «لو كان أبو عبيدة حيا لسلمت إليه الخلافة من غير مشاورة أحد» (٧)، ثم عين شورى تصل في كل الأحوال بعثمان إلى الحكم. فهل يبقى مجال للشك في أن هؤلاء القلة كانوا متفقين على هذا القرار منذ سنين؟
٥. بين مخالفي علي بن أبي طالب شخصيات معروفة كانت بينها منذ سنوات علاقة صداقة وقرابة، والعجيب أن جميعهم أسلموا بدعوة أبي بكر. وهم عثمان وطلحة والزبير وسعد بن أبي وقاص وعبد الرحمن بن عوف وأبو عبيدة الجراح (٨). وباستثناء أبي عبيدة الجراح، الذي لم يكن حيا في زمن عمر، صار الخمسة الآخرون أعضاء في شورى الخلافة الستة.
٦. قالت السيدة الزهراء عليها السلام في الخطبة الفدكية: «تتربصون بنا الدوائر وتتوكفون الأخبار»؛ أي كنتم تنتظرون وقوع المصائب بنا وتترقبون الأخبار.

طلحة كان قائد دفة فتنة الجمل

وبطبيعة الحال، فالشواهد أكثر بكثير من هذه النماذج. والوقائع التي حدثت في السقيفة من هذه الشواهد، وهناك أسئلة كثيرة حول السقيفة. لكن الكلام هنا أن الجمل وصفين كانتا امتدادا لتلك التصميمات، أو بعبارة أوضح وأدق، امتدادا لخيانة تلك الجماعة ومؤامرتها. وهذه المرة في الجمل كان طلحة قائد دفة الفتنة، وبذل كل جهده ليسترجع الخلافة التي استقرت في موضعها.
الحقيقة أن هؤلاء الضالين، وإن انتصروا في المرحلة الأولى واستطاعوا بالمكر والفتن المخططة مسبقا أن يأخذوا الخلافة من وصي النبي، وقعوا في داخلهم في خلاف وصراع أدى إلى قتل كثير من أفراد حزبهم. وكان عثمان قتيل هذه الحرب الداخلية لجماعة الفتنة. ونتيجة هذا الخلاف والحرب الداخلية وصل أمير المؤمنين عليه السلام لفترة قصيرة إلى الخلافة الظاهرية.

موت أبي بكر المشبوه والمتهم الرئيسي فيه

ينبغي أن يقال باختصار إن الجماعة المخالفة لخلافة علي عليه السلام انقسمت إلى حزبين: حزب أبي بكر وقبيلته بني تميم، وحزب عمر وبني أمية. ونتيجة هذا الخلاف مات أبو بكر موتا مشبوها جدا.
واللافت أن المتهم الرئيسي في موت أبي بكر هو الحاكم الثاني. فقد كان يعد نفسه مخدوعا في السقيفة، وكان يعتقد أن أبا بكر خطف منه الخلافة خلافا لاتفاقهما السابق. وفي هذا الشأن نقل عن المغيرة بن شعبة أنه قال لعمر: حين عهد أبو بكر بالخلافة إليك، فلماذا لم تقبلها، ولماذا تنتقد الآن فعل أبي بكر في ذلك اليوم وتذكره بتأسف؟
قال عمر: كنت أعرفك من دهاة العرب. كأنك لم تكن حاضرا يومئذ لترى كيف خدعني أبو بكر. نعم، وأنا أيضا خدعته (٩). ويمكن تحليل كلام عمر، وكان سياسيا جدا، ومخاطبه المغيرة، الذي عد من دهاة العرب، بأن قرارنا السابق كان أن أكون أنا الخليفة. أما قوله: وأنا أيضا خدعته، فلا يمكن أن يعني إلا انتزاع الخلافة من أبي بكر.
وفي موضع آخر قال عمر لأبي موسى الأشعري: «والله لو أطعت أخي زيد بن الخطاب وعملت بكلامه، لما ذاق أبو بكر حلاوة الخلافة أبدا... وبعد أن أوقع الخلافة في فخه لم أر بدا من أن أصبر مدة وأنتظر رجوع الخلافة إلي» (١٠).

عملية غصب الخلافة بدأت قبل السقيفة

من الواضح أن السقيفة لم تكن بداية غصب الخلافة، بل إن عملية غصب الخلافة بدأت قبل السقيفة، وفي حياة النبي كان الخليفة قد اختير على يد السامريين، وفي السقيفة وقع النزاع والخصام بين سامريي الأمة.
بعد أن استطاع أبو بكر الغلبة في السقيفة ورسخت حكومته، بدأ الاصطفاف بين أنصار أبي بكر وأنصار عمر بجدية، وأصبح جناح عمر بعد وصول أبي بكر إلى الخلافة أكثر تماسكا وحركة غامضة (١١). فقبل وصول أول حاكم إلى السلطة كانت الظواهر الاجتماعية تسير لمصلحة الطرفين، أما بعد وصوله إلى الحكم فعمل عمر على تقوية جناحه.
الضربة الشديدة التي تلقاها عمر في السقيفة من أبي بكر جعلته يسير بعد ذلك بحذر أكبر، ويجذب إلى جناحه دهاة أذكى وأشهر. وكان عثمان بن عفان، والمغيرة بن شعبة، وعمرو بن العاص، وعبد الرحمن بن عوف، وأبو سفيان من الرجال التابعين لسياسة عمر، وكان أكثرهم أو كلهم من أنصار عمر من بني أمية.

ما كان عجيبا ومريبا في مرض أبي بكر

من عجائب مرض أبي بكر أنه بقي في عزلة مدة مرضه، ولا يعلم بدقة من كان يسمح له بالاتصال به في تلك الأيام الخمسة عشر التي كان فيها على الفراش. وفي هذين الأسبوعين لم يتشاور في الخلافة إلا مع عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف، أي رجلين من جناح عمر (١٢). وبعد وصول خبر استخلاف عمر اعترض ابن الخليفة وطلحة بن عبيد الله.

وقائع تكشف صراع جناح أبي بكر وجناح عمر

الوقائع التي حدثت بعد موت أبي بكر تكشف بشكل أوضح الصراع الخفي بين هذين الجناحين:
١. بعض أفراد جناح أبي بكر ماتوا موتا مشبوها في اليوم نفسه الذي مات فيه أبو بكر، ومن بقي منهم عزل عن منصبه عند بداية خلافة عمر، وربما مات بعد العزل موتا مشبوها. كما أن أبا بكر لم يكن ينصب أحدا من جناح عمر في عمل مهم، وكان في أواخر عمره يقول: «ليتني كما أرسلت خالدا إلى الشام، أرسلت عمر أيضا إلى منطقة بعيدة» (١٣).
٢. في زمن عمر لم يعط أي فرد من قبيلة أبي بكر، بني تميم، ولا من عائلته ومواليه، منصبا مهما.
٣. في زمن أبي بكر كان قلما يرى أحد من بني أمية، أما في جبهة عمر فكان أكثر الأفراد من بني أمية. وفي الحقيقة، كان عمر جسرا لنقل السلطة إلى بني أمية، وإلا فبنو أمية، مع وجود عثمان، لم تكن أعينهم على عمر.
بعد موت أبي بكر استمر صراع عائلته، أي عائشة وطلحة وأبناء أبي بكر، مع جناح عمر وبني أمية بشدة، حتى ضرب عمر على يد أبي لؤلؤة وعلم أنه لن يعيش طويلا.

الشورى السداسية رتبت بحيث تكون نتيجتها اختيار عثمان

لعل الصراع بين بني أمية وبني تميم كان قد بلغ ذروته في ذلك الوقت، فاختار عمر بسياسة ومكر أعضاء الشورى الستة بطريقة تجعل نتيجتها اختيار عثمان. ومع أن طلحة، وهو من بني تميم، قبيلة أبي بكر، كان يطمع في الخلافة، رتب الحاكم الثاني تركيب الشورى بحيث يرضى المخالفون ظاهرا، ويجبرون في الوقت نفسه على البيعة.
لما سمع العباس عم النبي خطة شورى الخلافة، قال فورا للإمام علي عليه السلام: لقد وضعوا هذا المخطط ليصل عثمان إلى الخلافة... (١٤). وقال ابن عباس أيضا لأبيه: واضح تماما أن الخليفة أراد أن يتولى عثمان زمام الأمور (١٥).
وفي الحقيقة، كان وصول عثمان إلى الخلافة انتصار بني أمية. وبالطبع، للشورى السداسية التي وضعها عمر جوانب كثيرة خارجة عن موضوع هذا المقال. وبناء على ما سبق، كان هناك صراع منذ خلافة أبي بكر بين بني تميم بقيادة أبي بكر وبني أمية على الاستحواذ على الخلافة. وفي النهاية استطاعت بنو أمية، بواسطة عمر، أن تجعل الخلافة لها.

عائشة أصدرت أمر قتل عثمان

في زمن خلافة عثمان كان أنصار حزب أبي بكر بقيادة عائشة وطلحة مخالفين لعثمان. وحين دخل الوضع السياسي في زمن الخلافة في أزمة، ظهرت مخالفة بني تميم بوضوح، بل كانوا أحيانا يتحدثون صراحة عن قتله، وحين توترت الأوضاع ركبوا موجة اعتراضات الناس.
قتلت بنو تميم عثمان لتعود إلى ذروة النفوذ التي كانت لها في زمن أبي بكر، وكان لعائشة وطلحة دور محوري في ذلك. أصدرت عائشة أمر القتل لتوصل طلحة إلى الخلافة، وقتل طلحة الخليفة ليمهد طريق خلافته.

مقاومة طلحة لحكم الله بتحريم الزواج من نساء النبي

حين أعلن حكم الله بأن الزواج من أزواج النبي بعده حرام، ولا يجوز لأحد أن يتزوج أزواج النبي، غضب طلحة من حكم الله هذا، وأعلن: إذا مات النبي تزوجنا أزواجه كما يتزوج النبي أزواجنا.
تألم نبي الإسلام المكرم من قول طلحة، فنزلت الآية ٥٣ من الأحزاب في ذم طلحة وتحريم العمل الذي وعد به: «وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا، إن ذلكم كان عند الله عظيما».
قال له عمر بن الخطاب: ظل النبي إلى يوم وفاته غاضبا منك بسبب الجملة التي قلتها يوم نزول آية الحجاب: ويل لمن كفره نمرود (١٦). وخاطب أمير المؤمنين طلحة أيضا فقال: «أنت الذي قلت: إذا مات النبي تزوجنا نساءه» (١٧).

كلمات عائشة ضد عثمان

بسبب عدم رضا الناس عن حكومة عثمان، طمع طلحة في الخلافة، وبمساعدة عائشة أجج الوضع الملتهب في المجتمع آنذاك. وكانت عائشة تتكلم علنا ضد عثمان بين الناس وتنتقصه.
يقول حكيم بن عبد الله: دخلت يوما مسجد المدينة، فسمعت عائشة تقول: «يا أيها الناس، لم يمض زمن طويل على حياة النبي. هذه نعلا رسول الله، وهذا قميصه، وفيكم فرعون هذه الأمة» (١٨).
ويروي حسن بن سعيد أن عائشة رفعت ورقة من القرآن، وكان عثمان قائما، وقالت: «يا عثمان، أقم ما في هذا الكتاب. هذا قميص النبي لم يتغير، وأنت قد غيرت سنة النبي، يا نعثل» (١٩).
ونقل الطبري أن عائشة كانت تقول: هذا قميص رسول الله لم يبل بعد، وعثمان غير سنة النبي. اقتلوا نعثلا، قتل الله نعثلا (٢٠).
هذه الحركات من عائشة، وسوء سلوك عثمان مع الناس، وخصوصا جساراته على أصحاب رسول الله الأجلاء مثل أبي ذر، أدت إلى ثورة في جميع البلاد الإسلامية. وركب طلحة هذه الموجة ورأى نفسه على كرسي الخلافة، لذلك سعى لأن يتصدر هذه الموجة حتى يأخذ الحكم من عثمان، أو بالأدق من بيت بني أمية، ومن هنا قرر أن ينفذ فتوى عائشة بقتل عثمان.

أشد المعارضين لعثمان

كان طلحة ممن تابعوا قتل الخليفة بإصرار وألحوا عليه. وفي الحقيقة، كان طلحة يسعى بشدة لاستخدام عدم رضا الناس للوصول إلى السلطة (٢١). وقد عده المؤرخون أشد المعارضين لعثمان (٢٢).
وفي زمن حصار عثمان كان يقيم صلاة الجماعة في مسجد المدينة (٢٣). ولم تكن صلاة طلحة في المسجد عملا عاديا رائجا بين المسلمين، بل كان يقدم نفسه بهذا الفعل تلويحا بوصفه الخليفة بعد عثمان، وكان طمعه في هذه الخلافة هو الذي دفعه إلى قتل عثمان.

كلام علي عليه السلام في طلحة

قال أمير المؤمنين عليه السلام عنه: «لم يكن فيهم أحد أحرص ولا أطمع في قتل عثمان منه». وكان طلحة واثقا بموقعه إلى حد أنه لم يكن يصدق أن يصل غيره إلى الحكم. وحتى إذا كان يطلب أحيانا مساعدة علي عليه السلام، كان هدفه استخدام موقع الإمام للوصول إلى الحكم، وإن فشل في هذا الهدف. وهذا الأمر واضح حتى في مواقف عائشة.
وليس بعيدا أن عائشة أيضا كانت تعارض عثمان لأجل وصول طلحة إلى الخلافة. فقد قالت لابن عباس: «... إن الناس الآن قد اجتمعوا حول طلحة، وسرعان ما يصل إلى الخلافة. فإذا صار خليفة عمل بسيرة ابن عمه أبي بكر. فلا تمنع الناس من الهجوم على عثمان...» (٢٤).
وفي الواقع، لو كان طلحة وعائشة يعلمان أن عليا عليه السلام سيصل إلى الخلافة بعد قتل عثمان، لما سعيا أبدا إلى قتل عثمان. وعلى أي حال، نقلوا أن طلحة كان له دور أساسي في حصار بيت عثمان، وكان يرمي السهام نحو بيت عثمان وهو يخفي نفسه عن أعين الناس بثوب (٢٥). كما نقل أنه حين لم يستطع دخول بيت عثمان، أرشد الناس إلى بيت بعض الأنصار، فدخلوا بيت عثمان من أسطح تلك البيوت وقتلوه (٢٦).
وعند مسير طلحة إلى البصرة، قال عبد الله بن حكيم التميمي: يا طلحة، هل تعرف هذا الكتاب؟ قال طلحة: نعم، هذا كتابي إليك. سأله: أتدري ما كتبت فيه؟ قال: اقرأه علي. فقرأه عبد الله حكيم، وفيه عيب عثمان والدعوة إلى قتله (٢٧).

منع طلحة الماء عن عثمان

شدد طلحة حصار عثمان حتى منع عنه الماء. فاشتد العطش على عثمان، وأرسل إلى علي عليه السلام يقول: قتلني طلحة والزبير بالعطش، والموت بالسيف خير من الموت بالعطش. وكان الإمام حين سمع الرسالة خارج المدينة، فعاد إلى المدينة، وأوصل الماء إلى عثمان بصعوبة كبيرة، وأنقذه من الموت بالعطش (٢٨).
وهنا يلزم ذكر هذه النقطة: إن بني أمية بعد ذلك قدمت عليا عليه السلام بوصفه قاتل عثمان، والجهال المفتونون ببني أمية، قصاصا من عطش عثمان، منعوا الماء عن الإمام الحسين عليه السلام في كربلاء. وهذه إحدى نتائج تحريف التاريخ.

طلحة لم يسمح بدفن عثمان ثلاثة أيام

وفي النهاية قتل عثمان بإصرار طلحة والزبير. وروي أن طلحة منع دفن عثمان، ولم يسمح بدفن جثمانه ثلاثة أيام. وكلف أشخاصا أن يمنعوا دفنه برمي أهل عثمان بالحجارة، لكن بتدخل الإمام علي عليه السلام دفنوه أخيرا. ومع ذلك منع طلحة أن يدفن عثمان في مقبرة المسلمين، فدفن في النهاية في موضع يسمى حش كوكب في مقبرة اليهود (٢٩).

أبرأ الناس من دم عثمان

بناء على هذا المختصر، كان طلحة من المتهمين الرئيسيين بقتل عثمان، وباعتراف شارح نهج البلاغة المعتزلي فإن أبرأ الناس من دم عثمان هو علي عليه السلام (٣٠). ويكتب البلاذري والمسعودي وابن عبد ربه: حين وصل علي عليه السلام إلى المسجد وعلم أن الناس قتلوا عثمان، غضب غضبا شديدا حتى وبخ أبناءه وعاقبهم لعدم نجاحهم في حفظ حياة الخليفة (٣١).
وحين كان بيت عثمان محاصرا، وكان عدد من أصحاب رسول الله يمنعون الناس من الدخول إلى بيت عثمان، رمى الناس بيت عثمان بالسهام حتى تلطخ وجه ولحية الإمام الحسن المجتبى عليه السلام بالدم. ثم خاف بعض المحاصرين أن يغضب بنو هاشم لأجل الإمام الحسن والإمام الحسين عليهما السلام.

الوحيد الذي كان غير راغب في الخلافة بعد قتل عثمان

كان بعضهم يقول: إذا جاء بنو هاشم ورأوا الدم على وجه الحسن بن علي صلوات الله عليهما، قاتلوا الناس وبطل ما تريدونه (٣٢). قطعا لم يكن أمير المؤمنين قاتل عثمان، لكن ما كان موقفه ولماذا؟ هذا يحتاج إلى مجال مستقل.
كان موت عثمان بطبيعة الحال ينبغي أن يفتح صراعا لاختيار الخليفة التالي ومناورات السياسيين الذين سعوا عمرا إلى الخلافة وأصدروا حكم قتل الخليفة. وبعد قتل عثمان، كان الوحيد الذي لم يكن راغبا في الخلافة ولم يسع إليها هو أمير المؤمنين عليه السلام.
لكن مع عدم رغبته، اندفع الناس إليه للبيعة، وكان ذلك مخالفا لما يريده طلحة، وأمرا غير متوقع ومفاجئا جدا.

الهوامش

١. نقش ائمه در احیای دین، ج ٦، ص ٥٣.

٢. الغدير، ج ٨، ص ٢٣٧.

٣. تاريخ بغداد، ج ١٣، ص ٤٢٩.

٤. الإمام الصادق والمذاهب الأربعة، ج ١، ص ٢٦٥.

٥. صحيح البخاري، ج ٩، كتاب الفتن، باب الاستخلاف، وكتاب الأحكام.

٦. تاريخ الأمم والملوك (ترجمة)، ج ١، ص ٢١٣٨.

٧. الطبقات الكبرى، ج ٣، ص ٤١٣.

٨. پس از غروب، ص ١٣٣، يوسف غلامي.

٩. شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، ج ٢، ص ٣٣.

١٠. شرح نهج البلاغة، ج ١، ص ١٧٤.

١١. پس از غروب، ص ٢٤٧.

١٢. مختصر تاريخ دمشق، ج ١٣، ص ١١٩.

١٣. الإمامة والسياسة، ج ١، ص ١٨.

١٤. البداية والنهاية، ج ٧، ص ١٤٦.

١٥. شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد، ج ٣، ص ٩٣.

١٦. الغدير، الشيخ الأميني، ج ١٠، ص ١٢٧.

١٧. السقيفة وفدك، ٨٨، القسم الأول: السقيفة.

١٨. الجمل، ضامن بن شدقم المدني، ص ٢٠-٢٥.

١٩. المصدر نفسه.

٢٠. بحار الأنوار، ج ٣١، ص ٢٩٥، نكير عائشة، ص ٢٩٥.

٢١. تاريخ اليعقوبي، ج ٢، ص ١٧٥.

٢٢. العقد الفريد، ج ٤، ص ٢٨٠.

٢٣. تاريخ الأمم والملوك، ج ٤، ص ٣٧١ و٣٧٩.

٢٤. پس از غروب، ص ٣٥٥.

٢٥. الغدير، الشيخ الأميني، ج ٩، ص ٩٣.

٢٦. الغدير، الشيخ الأميني، ج ٩، ص ٩٣.

٢٧. بحار الأنوار، ٣٠، ١٧ [١٦] باب آخر فيما كتب عليه السلام والمسترشد في إمامة علي بن أبي طالب عليه السلام، ص ٤٢١.

٢٨. الجمل، ضامن بن شدقم المدني، ص ١٥-١٨، والغدير، الشيخ الأميني، ج ١٠، ص ١٢٧.

٢٩. تاريخ اليعقوبي والغدير، الشيخ الأميني، ج ٩، ص ٩٣، ورواه الطبري في تاريخه ٥:١٤٣.

٣٠. شرح نهج البلاغة، ج ١، ص ٢٠٠.

٣١. أنساب الأشراف، ج ٥، ص ٦٢، ومروج الذهب، ج ٢، ص ٢٣٢، والعقد الفريد، ج ٤، ص ٢٩٠.

٣٢. الغدير، الشيخ الأميني، ج ٩، ص ٢٣٦.
المؤلف: حامد صارم
فهرس المحتويات
  1. البحث التاريخي عمل دقيق جدا
  2. كتمان واقعة الغدير في بعض الكتب المهمة
  3. هل يمكن أن يكون فعل الصحابي مستندا للفتوى؟
  4. تحريف الطبري للوقائع التاريخية
  5. كيف يكون كل الصحابة الذين قاتلوا بعضهم من أهل الجنة؟
  6. صحابي عادل ومن أهل الجنة ارتبط اسمه بفتنة الجمل
  7. قتل عثمان على يد طلحة
  8. السقيفة لم تكن بداية انحراف أمة الإسلام
  9. هل نسي الناس الغدير؟
  10. ستة أدلة تبين أن فتنة السقيفة كانت مخططة مسبقا
  11. طلحة كان قائد دفة فتنة الجمل
  12. موت أبي بكر المشبوه والمتهم الرئيسي فيه
  13. عملية غصب الخلافة بدأت قبل السقيفة
  14. ما كان عجيبا ومريبا في مرض أبي بكر
  15. وقائع تكشف صراع جناح أبي بكر وجناح عمر
  16. الشورى السداسية رتبت بحيث تكون نتيجتها اختيار عثمان
  17. عائشة أصدرت أمر قتل عثمان
  18. مقاومة طلحة لحكم الله بتحريم الزواج من نساء النبي
  19. كلمات عائشة ضد عثمان
  20. أشد المعارضين لعثمان
  21. كلام علي عليه السلام في طلحة
  22. منع طلحة الماء عن عثمان
  23. طلحة لم يسمح بدفن عثمان ثلاثة أيام
  24. أبرأ الناس من دم عثمان
  25. الوحيد الذي كان غير راغب في الخلافة بعد قتل عثمان
  26. الهوامش
الوسوم:آرزوی-ازدواج-طلحه-با-عایشهتوهین-به-پیامبرسقیفهسکان-دار-فتنه-جملصحیفهطلحهعایشهغدیرنبأالعظیمنباءالعظیمنباالعظیم

مقالات مشابهة

طلحة كان أول من بايع عليا عليه السلام
6 آيان 1394 ه‍.ش
طلحة كان أول من بايع عليا عليه السلام
المؤلف: حامد صارم
الأشرار وأعداء أهل البيت عليهم السلامالشخصيات
#بیعت#توبه-زبیر#توبه-طلحه
اليوم: اليوم الذي ابتسمت فيه السماء (الجزء الثاني) — اليوم: عزّة الدين، عظمة الإيمان، الهوية الخالدة
فيديو
26 مرداد 1405 ه‍.ش
اليوم: اليوم الذي ابتسمت فيه السماء (الجزء الثاني) — اليوم: عزّة الدين، عظمة الإيمان، الهوية الخالدة
المؤلف: حامد صارم
الإمامةالتفسيرغديرالقرآن الكريمفيديوأربعة عشر بريئا عليهم السلام
#حامد صارم#غدیر#نبأالعظیم

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد.

من كتمان الغدير إلى الهجوم على بيت فاطمة عليها السلام
5 آذر 1404 ه‍.ش
من كتمان الغدير إلى الهجوم على بيت فاطمة عليها السلام
المؤلف: حامد صارم
السيدة فاطمة الزهراء سلام الله عليهافاطمیهأربعة عشر بريئا عليهم السلام
#احراق-بیت#اعتراف-ابوبکر-در-بستر-مر#تهدید-به-احراق-باب