هل أحرق عمر بيت السيدة فاطمة؟!!
المؤلف: حامد صارم

طرح الشبهة:
الثابت في الروايات هو عدم إثبات إحراق عمر (ل) لبيت السيدة فاطمة (سلام الله عليها)، وأن عمر (ل) اكتفى بتهديدٍ مصلحيّ.
لا يوجد في أيٍّ من الروايات الصحيحة تصريحٌ بإحراق بيت السيدة فاطمة (سلام الله عليها). فإذا عُدَّ مجرد التهديد بمنزلة إحراق بيت السيدة فاطمة، فيجب حمل التهديدات المنقولة عن رسول الله الأكرم (ص) على الحقيقة كذلك، إذ يقول:
«إِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِی أَنْ أُحَرِّقَ قُرَیْشًا.»
لقد أمرني الله بأن أُحرق قريشًا.
النيسابوري، مسلم بن الحجاج أبو الحسين القشيري (المتوفى ٢٦١هـ)، ج ٤، ص ٢١٩٧، ح ٢٨٦٥، باب: «الصفات التي يُعرف بها في الدنيا أهل الجنة وأهل النار»، كتاب الإيمان، باب: «بيان الكبائر وأكبرها»، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، الناشر: دار إحياء التراث العربي - بيروت.
عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «والذي نفسي بيده، لقد هممت أن آمر بحطب فيحتطب، ثم آمر بالصلاة فيؤذن لها، ثم آمر رجلاً فيؤم الناس، ثم أخالف إلى رجال فأحرق عليهم بيوتهم. والذي نفسي بيده، لو يعلم أحدهم أنه يجد عرقًا سمينًا أو مرماتين حسنتين، لشهد العشاء».
أقسم بالذي نفسي بيده، لقد عزمت أن آمر بجمع الحطب، ثم آمر المؤذن أن يؤذن، وأعيّن شخصًا لإمامة الناس، ثم أذهب بنفسي إلى بيوت المتخلفين فأحرق بيوتهم عليهم.
البخاري الجعفي، محمد بن إسماعيل أبو عبد الله (ت ٢٥٦هـ)، صحيح البخاري، ج ١، ص ٢٣١، ٦١٨، كتاب الجماعة والإمامة، باب وجوب صلاة الجماعة، تحقيق د. مصطفى ديب البغا، الناشر: دار ابن كثير، اليمامة - بيروت، الطبعة الثالثة، ١٤٠٧هـ - ١٩٨٧م.
ومع ذلك، لا يستدل أي عاقل من الروايات السابقة على أن نبي الإسلام (ص) أحرق قريشًا أو المتخلفين عن صلاة الجماعة، بل يعلم أن مراد النبي (ص) كان بيان أهمية الدعوة إلى التوحيد وصلاة الجماعة؛ ولذلك فإن التأكيد والتصريح بإحراق عمر الفاروق بيت السيدة فاطمة (سلام الله عليها) بعيد عن الإنصاف ونابع من التعصب.
نقد ومراجعة:
إن قياس هذين التهديدين أحدهما على الآخر قياس مع الفارق؛ إذ لا توجد أي مشابهة بين التهديد بإحراق بيت فاطمة والتهديد المنقول عن رسول الله بشأن المتخلفين عن صلاة الجماعة؛ وذلك لأن:
أولاً: إن هذه الرواية واردة في كتبكم، وعليكم أن تستدلوا بما يكون حجةً عندنا؛
ثانياً: لا يمكن قبول مدلولها؛ إذ يستبعد من أخلاق النبي الحسنة أن يهدد الناس بالإحراق بسبب عمل مستحب لا واجب. فإذا لم يصدر مثل هذا التهديد من الله تعالى، فهل يمكن للنبي أن يهدد الناس بالإحراق لمجرد عدم مشاركتهم في صلاة الجماعة؟ إن استحباب العمل يتنافى مع التهديد بالإحراق ولا ينسجم مع أصول الشريعة.
ثالثاً: وفقاً لما نقله الطبري وابن أبي شيبة، أقسم عمر أنه إن لم يخرج المجتمعون في بيت أمير المؤمنين عليه السلام للبيعة لأبي بكر، لأحرقنّ البيت على أهله. كما ذكّرت السيدة فاطمة الزهراء سلام الله عليها أمير المؤمنين عليه السلام والزبير بكلام عمر، وأقسمت بالله أن عمر سيفي بقسمه:
«وَايْمُ اللَّهِ مَا ذَاكَ بِمَانِعِيَّ إِنِ اجْتَمَعَ هؤُلاَءِ النَّفَرُ عِنْدَكِ أَنْ آمُرَ بِهِمْ أَنْ يُحْرَقَ عَلَيْهِمُ الْبَيْتُ، قَالَ فَلَمَّا خَرَجَ عُمَرُ جَاؤُوهَا فَقَالَتْ: تَعْلَمُونَ أَنَّ عُمَرَ قَدْ جَاءَنِي وَقَدْ حَلَفَ بِاللَّهِ لَئِنْ عُدْتُمْ لَيُحْرِقَنَّ عَلَيْكُمُ الْبَيْتَ، وَايْمُ اللَّهِ لَيُمْضِيَنَّ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ.»
والله، إن اجتماع هؤلاء الأشخاص في بيتك لن يمنع من إحراق البيت. ولما انصرف عمر، عاد عليّ (ع) والزبير إلى البيت، فقالت ابنة النبي الكريمة لعلي والزبير: «لقد جاءني عمر وأقسم أنه إن تكرر اجتماعكم لأحرقنّ البيت عليكم. والله، ليفعلنّ ما أقسم عليه!»
ابن أبي شيبة الكوفي، أبو بكر عبد الله بن محمد (المتوفى ٢٣٥ هـ)، الكتاب المصنف في الأحاديث والآثار، ج ٧، ص ٤٣٢، ح ٣٧٠٤٥، كتاب المغازي، باب ما جاء في خلافة أبي بكر وسيرته في الردة، تحقيق: كمال يوسف الحوت، الناشر: مكتبة الرشد - الرياض، الطبعة الأولى، ١٤٠٩ هـ.
ومن جهة أخرى، فمن المقطوع به أن أمير المؤمنين عليه السلام لم يلتفت إلى تهديدات عمر ولم يكن مستعدًّا للبيعة.
يكتب محمد بن إسماعيل البخاري:
فَوَجَدَتْ فَاطِمَةُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ فِي ذَلِكَ فَهَجَرَتْهُ، فَلَمْ تُكَلِّمْهُ حَتَّى تُوُفِّيَتْ، وَعَاشَتْ بَعْدَ النَّبِيِّ، صلى الله عليه وسلم، سِتَّةَ أَشْهُرٍ... وَلَمْ يَكُنْ يُبَايِعُ تِلْكَ الأَشْهُرَ.
غضبت السيدة فاطمة سلام الله عليها على أبي بكر، وقاطعته ولم تتكلم معه حتى توفيت. وقد عاشت بعد النبي (صلى الله عليه وآله) ستة أشهر... ولم يبايع عليٌّ عليه السلام أبا بكر في تلك الأشهر الستة.
البخاري الجعفي، محمد بن إسماعيل أبو عبد الله (المتوفى ٢٥٦هـ)، صحيح البخاري، ج ٤، ص ١٥٤٩، ح ٣٩٩٨، كتاب المغازي، باب غزوة خيبر، تحقيق د. مصطفى ديب البغا، الناشر: دار ابن كثير، اليمامة - بيروت، الطبعة الثالثة، ١٤٠٧هـ – ١٩٨٧م.
النيسابوري، مسلم بن الحجاج أبو الحسين القشيري (المتوفى ٢٦١هـ)، صحيح مسلم، ج ٣، ص ١٣٨٠، ح ١٧٥٩، كتاب الجهاد والسير، باب قول النبي: «لا نورث»، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، الناشر: دار إحياء التراث العربي - بيروت.
وعليه، فإنّ قَسَمَ عمر بأنّه سيُحرق البيت إن لم يبايعوا أمرٌ قطعيٌّ ويقينيٌّ. ومن جهةٍ أخرى، لم يحضر أمير المؤمنين عليه السلام للبيعة؛ فكان عمر قد نفّذ تهديده وأحرق البيت.
وشاهدٌ آخر على هذا الأمر روايةٌ ينقلها البلاذري في هذا الشأن:
«فلم يبايع، فجاء عمر ومعه فتيلة. فتلقّته فاطمة على الباب، فقالت فاطمة: يا ابن الخطاب! أتراك محرّقًا عليّ بابي؟! قال: نعم.»
لمّا لم يبايع عليٌّ عليه السلام أبا بكر، توجّه عمر نحو بيت فاطمة عليها السلام ومعه شعلةٌ من نار. فأتت فاطمة عليها السلام خلف باب البيت وقالت: «يا ابن الخطاب! أتريد أن تُحرق بيتي؟» فأجاب عمر: «نعم!»
البلاذري، أحمد بن يحيى بن جابر (المتوفى ٢٧٩هـ)، أنساب الأشراف، ج ١، ص ٢٥٢.
رابعًا: كما تقدّم، فإنّ قَسَمَ عمر بأنّه سيُحرق البيت بأهله قطعيٌّ. وبما أنّه أقسم، فإمّا أن يكون قد عمل بمقتضى قسمه، وهو ما يثبت قول الشيعة، وإمّا ألّا يكون قد عمل به؛ فعندئذٍ كان يلزمه أن يدفع كفّارة الحِنث في اليمين. فهل تجدون دليلاً، ولو روايةً ضعيفةً واحدة، على أنّ عمر دفع كفّارة نقض يمينه؟
خامساً: نقول إن عمر نفّذ تهديده؛ لأن أبا بكر، الذي أمر بإحراق بيت الوحي والهجوم عليه، ندم ندماً شديداً في آخر عمره.
قال أبو بكر: أجل، إني لا آسى على شيءٍ من الدنيا إلا على ثلاثٍ فعلتهن ووددت أني تركتهن، وثلاثٍ تركتهن ووددت أني فعلتهن، وثلاثٍ وددت أني سألت عنهن رسول الله صلى الله عليه وسلم. فأما الثلاث اللاتي وددت أني تركتهن، فوددت أني لم أكشف بيت فاطمة عن شيء، وإن كانوا قد أغلقوه على الحرب....
لا آسى على شيءٍ في الدنيا إلا على ثلاث فعلتها، وثلاثٍ لم أفعلها، وثلاثٍ ليتني سألت عنها رسول الله (ص): وددت أني لم أنتهك حرمة بيت فاطمة، وإن كانوا قد أغلقوه للحرب....
الطبري، محمد بن جرير (المتوفى ٣١٠هـ)، تاريخ الطبري، ج ٢، ص ٣٥٣، الناشر: دار الكتب العلمية، بيروت؛
الذهبي، شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان (المتوفى ٧٤٨هـ)، تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام، ج ٣، ص ١١٨، تحقيق د. عمر عبد السلام تدمري، الناشر: دار الكتاب العربي، لبنان/بيروت، الطبعة الأولى، ١٤٠٧هـ / ١٩٨٧م.
ويصرّح المسعودي الشافعي في كتابه إثبات الوصية بأن عمر أضرم النار في البيت:
«فهجموا عليه وأحرقوا بابه واستخرجوه منه كرهاً، وضغطوا سيّدة النساء بالباب حتى أسقطت محسناً.»
«... ثم قصدوا بيت عليّ فهجموا عليه، وأحرقوا داره، وأخرجوه منها قهراً، وضغطوا سيّدة النساء (فاطمة) بين الحائط والباب حتى أسقطت ولدها محسناً.»
المسعودي، أبو الحسن علي بن الحسين بن علي (المتوفى سنة ٣٤٦هـ)، إثبات الوصية، ص ١٤٣.
أورد تاج الدين السبكي اسم المسعودي في جملة علماء الشافعية، وعدّه مؤرخاً ومفتياً وعلّامةً:
«علي بن الحسين بن علي المسعودي، صاحب التواريخ: كتاب مروج الذهب في أخبار الدنيا، وكتاب ذخائر العلوم، وكتاب الاستذكار لما مر من الأعصار، وكتاب التاريخ في أخبار الأمم، وكتاب أخبار الخوارج، وكتاب المقالات في أصول الديانات، وكتاب الرسائل، وغير ذلك. قيل: إنه من ذرية عبد الله بن مسعود رضي الله عنه. أصله من بغداد، وأقام بها زماناً، وبمصر أكثر، وكان أخبارياً مفتياً علّامةً صاحب ملح وغرائب.»
علي بن الحسين المسعودي صاحب الكتب التاريخية، ومنها مروج الذهب ... وغيرها. وقيل: إنه من ذرية عبد الله بن مسعود، وكان أصله من بغداد، فأقام بها زمناً وأقام أكثر في مصر، وكان أخبارياً ومفتياً وعالماً، وغير ذلك.
السبكي، تاج الدين بن علي بن عبد الكافي (المتوفى ٧٧١هـ)، طبقات الشافعية الكبرى، ج ٣، ص ٤٥٦، تحقيق: د. محمود محمد الطناحي ود. عبد الفتاح محمد الحلو، الناشر: هجر للطباعة والنشر والتوزيع، ١٤١٣هـ، الطبعة الثانية.
سادساً: حتى لو كان قد اكتفى بالتهديد، فإن هذا التهديد وحده يمكن أن يثير الشك في شرعية خلافة الخلفاء؛ لأنه يثبت أن السيدة فاطمة وأمير المؤمنين عليهما السلام وأصحابهما كانوا معارضين لخلافة أبي بكر، وهذا الأمر يطعن في أسطورة الإجماع على بيعة أبي بكر.
النتيجة:
بالنظر إلى عزم الخليفة الثاني القاطع والأيمان التي أقسمها، ومن جهة أخرى بالنظر إلى الأدلة الموجودة في كتب أهل السنة، فإن عمر بن الخطاب لم يكتفِ بالتهديد، بل نفّذه عملياً أيضاً.
فريق الرد على الشبهات
المؤسسة البحثية لحضرة ولي العصر (عجّل الله تعالى فرجه).
المؤسسة البحثية لحضرة ولي العصر (عجّل الله تعالى فرجه).
المؤلف: حامد صارم
مقالات مشابهة
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد.