حضرة القاسم بن الحسن عليه السلام: المعجزة التربوية لعاشوراء وسر «أحلى من العسل»
المؤلف: حامد صارم

المقال السادس من مجموعة «في رثاء سليمان كربلاء».
أظهرت ثقافة كربلاء وعاشوراء للعالم معجزة ثقافية؛ فالثقافة الأموية تصنع من الإنسان شيطاناً حتى لا يرحم الأطفال أيضاً.
نبأ العظيم؛ حامد صارم - أرسل الله للبشر في طول التاريخ هداة كثيرين. وكلما شككت الأمم في هؤلاء الهداة وأنكرتهم، دخل البرهان والبينة إلى الساحة. بيّن الهداة صدق دعواهم بالبرهان، وأظهروا انتسابهم إلى حضرة الحق بالمعجزة. ومتى تم البرهان وكانت بينة المعجزة حاضرة، صار الإيمان بذلك الهادي ضرورة عقلية.
أظهرت ثقافة كربلاء وعاشوراء للعالم معجزة ثقافية؛ فالثقافة الأموية تصنع من الإنسان شيطاناً حتى لا يرحم الأطفال أيضاً.
نبأ العظيم؛ حامد صارم - أرسل الله للبشر في طول التاريخ هداة كثيرين. وكلما شككت الأمم في هؤلاء الهداة وأنكرتهم، دخل البرهان والبينة إلى الساحة. بيّن الهداة صدق دعواهم بالبرهان، وأظهروا انتسابهم إلى حضرة الحق بالمعجزة. ومتى تم البرهان وكانت بينة المعجزة حاضرة، صار الإيمان بذلك الهادي ضرورة عقلية.
الإمام الحسين عليه السلام طلب البينة والبرهان
إن ابن سيد الأنبياء في كربلاء لم يقدم البرهان لكل التاريخ فحسب، بل أظهر المعجزة أيضاً. وقف بين الجيش مراراً وخطب، وبيّن لهم برهانه، وطلب منهم أيضاً، بسبب إصرارهم على الكفر والجحود، البرهان: «قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين». جعل سيد الشهداء آيات القرآن حاكمة بينهم، وأتى بالبرهان من القرآن، وذكّرهم بأقوال النبي، لكنهم لم يبالوا. براهين سيد الشهداء القرآنية والنبوية حية دائماً. لذلك لا يستطيع أحد أن يكون محايداً تجاه واقعة عاشوراء؛ لأن واقعة عاشوراء معها البرهان والدليل، وهي نفسها برهان. البرهان يحمل الدليل؛ لأن كلمات سيد الشهداء في كربلاء فضحت مراراً لا منطقية الأمويين. منطق أبي عبد الله واضح وصريح جداً: لا يجعل الله أبداً زمام الأمور وولاية الناس بيد إنسان فاسق وفاجر مثل يزيد، ولا يرضى الله أن يصير خلفاء للنبي من مهّدوا لخلافة يزيد. فقد بيّن الله في القرآن «الولي»، وفسره النبي في الغدير. لذلك فبرهان سيد الشهداء برهان بصلابة برهان الغدير، وبينة بوضوح القرآن الكريم.
المعجزة دليل لإدانة خصوم الأنبياء
أظهر الأنبياء لأممهم المعجزة، إضافة إلى إقامة البرهان، لكي يهدوهم. بعض الأنبياء أحيوا الموتى، ولدى بعضهم صار العصا ثعباناً وانشق البحر، وبعضهم أخرج ناقة من قلب الجبل ليفهم الجميع أنهم صادقون في دعواهم وأن الوحي ينزل عليهم حقاً. وكانت المعجزة والبينة دائماً إلى جانب البرهان.
للمعجزة ميادين مختلفة. فمرة يأتي موسى عليه السلام بالمعجزة أمام السحرة، ومرة يحيي عيسى الموتى أمام الأطباء، ويأتي النبي الأكرم أمام قوم شعراء بمعجزة من جنس الكلام. (١) المهم في المعجزة هو عجز المخالفين عن الإتيان بمثلها، سواء كانت المعجزة كلاماً أو شق القمر.
للمعجزة ميادين مختلفة. فمرة يأتي موسى عليه السلام بالمعجزة أمام السحرة، ومرة يحيي عيسى الموتى أمام الأطباء، ويأتي النبي الأكرم أمام قوم شعراء بمعجزة من جنس الكلام. (١) المهم في المعجزة هو عجز المخالفين عن الإتيان بمثلها، سواء كانت المعجزة كلاماً أو شق القمر.
تنافس الثقافات والمدارس المختلفة
الثقافات والمدارس المختلفة تتنافس في ساحة المجتمعات البشرية. كل مدرسة تدعي أنها توصل أهلها إلى الكمال. والثقافات والمدارس الفكرية المختلفة تتنافس في هذا الادعاء. وفي هذا يشترك الجميع في مسألة واحدة، وهي أنهم لا يقدمون إلا وعد إصلاح الفرد والمجتمع وكمالهما. فالمدارس الفكرية تكتفي بتقديم النظرية، لكنها لا تستطيع أن تقدم، قبل تطبيق تلك الفكرة والنظرية في المجتمع، نموذجاً عملياً من الأشخاص والمجتمع الذين تربوا على أساس ذلك الطريق. بل تطبق نظرية أو ثقافة سنوات طويلة في مجتمع ما، في أبعاده الفردية والاجتماعية، وبعد أجيال كثيرة تشكلت بتلك الفكرة والرؤية يمكن تحليل تلك الثقافة.
تقابل ثقافة كربلاء مع ثقافة بني أمية وسائر المدارس
كربلاء أرض تجلى فيها التوحيد والثقافة التوحيدية. كربلاء كانت تقابل ثقافتين: الثقافة الأموية والثقافة التوحيدية. ومن زاوية، كربلاء ثقافة ومدرسة؛ ثقافة ومدرسة تدعي أن الطريق الوحيد لكمال البشرية وسعادتها هو هنا. ثقافة كربلاء، التي جذورها في الغدير، في مواجهة ثقافة الأمويين التي جذورها في السقيفة. كربلاء ليست مجرد ثقافة، بل تقدم أيضاً النتيجة العملية للتربية الحسينية في كربلاء، وبهذه النماذج العملية تدعو الثقافات والمدارس الأخرى إلى المنافسة.
الثقافة الأموية تصنع من الإنسان شيطاناً
عرض الأمويون ثقافتهم ومدرستهم في كربلاء بوضوح. حين منعوا الماء عن خيام أبي عبد الله عليه السلام ولم يرحموا الأطفال أيضاً، أظهروا مكانة الثقافة التي تدعي منافسة ثقافة التشيع. الإنسان في الثقافة والمدرسة الأموية يبلغ حضيض الذل حتى لا يرحم الأطفال. الثقافة الأموية تصنع من الإنسان شيطاناً، لأن جذورها في السقيفة.
إن ثقافة كربلاء وعاشوراء، إضافة إلى وجوهها وزواياها المختلفة، أظهرت للعالم معجزة ثقافية. ثقافة عاشوراء ليست مجرد نظرية، ولا تقتصر على الواجبات والمحظورات. ففي فضاء النظرية والكلام، الخطباء وصناع الألفاظ كثيرون. كثيرون ينسجون النظريات ويرسمون مستقبل البشر، لكن هل يصلون إلى المقصد؟ هذا سؤال يعجز حتى أصحاب النظريات عن جوابه جواباً لائقاً.
إن ثقافة كربلاء وعاشوراء، إضافة إلى وجوهها وزواياها المختلفة، أظهرت للعالم معجزة ثقافية. ثقافة عاشوراء ليست مجرد نظرية، ولا تقتصر على الواجبات والمحظورات. ففي فضاء النظرية والكلام، الخطباء وصناع الألفاظ كثيرون. كثيرون ينسجون النظريات ويرسمون مستقبل البشر، لكن هل يصلون إلى المقصد؟ هذا سؤال يعجز حتى أصحاب النظريات عن جوابه جواباً لائقاً.
حضرة القاسم معجزة كربلاء التربوية
كربلاء ثقافة تضم في ذاتها النموذج العملي ونتاج تلك النظرية. لقد أظهرت كربلاء معجزة باسم قاسم بن الحسن عليه السلام. جناب القاسم، القائد اليافع في ميدان توحيد عاشوراء، معجزة تربوية؛ معجزة ثقافة التشيع وأهل البيت. إنها معجزة بمعنى الكلمة، إذ إن كل الثقافات المدعية للكمال والرقي، وكل النظريات الساعية إلى بناء عالم جميل، عاجزة عن الإتيان بمثل هذا النموذج، ولم تستطع حتى اليوم أن تقدم فتى مثل حضرة قاسم بن الحسن عليه السلام. القاسم ابن الإمام الحسن المجتبى عليه السلام، وقد نما وترعرع في حجر سيد الشهداء.
حضرة القاسم كله حماسة ومعرفة
في ليلة عاشوراء رفع سيد الشهداء بيعته عن أصحابه. كثير ممن رافقوه من مكة والمدينة تركوا معسكر سيد الشهداء واختاروا الفرار على الثبات. ولم يبق من أصحاب أبي عبد الله الحسين عليه السلام إلا من كانوا ثابتين كالجبال. وعدهم سيد الشهداء جميعاً بالشهادة واللحاق برسول الله. وفي هذه الأثناء سأل حضرة قاسم بن الحسن عليه السلام، ذلك الشجاع الذي لم يكن قد بلغ، عمه سيد الشهداء: هل سأكون أنا أيضاً من الشهداء؟ فسأله سيد الشهداء: «يا بني، كيف الموت عندك؟» فقال حضرة القاسم: «يا عم، أحلى من العسل».
الأبعاد الثلاثة لشخصية حضرة القاسم
الشجاعة الحسنية من جهة، والمعرفة العلوية من جهة، وطلب الشهادة الحسيني من جهة أخرى، صنعت شخصية حضرة قاسم بن الحسن عليه السلام. شخصية لا يمكن الوصول إلى آفاقها إلا في ثقافة الشيعة. إن السؤال والجواب بينه وبين سيد الشهداء يبين أن نظرته إلى الموت والشهادة كانت نظرة عميقة. سماع كلمة «أحلى من العسل» عن الموت من رجل ناضج عابد زاهد أمر عجيب، فكيف بفتى في الثالثة عشرة؟ كيف يمكن أن يبلغ أحد هذا القدر من الرشد والكمال، ويملك هذا المستوى من المعرفة، ويكون طالباً للحق إلى هذا الحد بحيث يرى الموت أحلى من العسل؟ أليس هذا إلا ثقافة أهل البيت ومدرستهم النقية؟ هل يمكن العثور خارج مدرسة أهل البيت على مثل هذا الثبات والشجاعة والمعرفة، كاملة ومجتمعة؟ أي مدع يستطيع أن يربي إنساناً طالباً للحق، شجاعاً، عارفاً، يتحدث عن الموت بهذه الطريقة، ويصر على الذهاب إلى ساحة القتال، ولا يهدأ حتى يشرب كأس العسل؟ لكن كربلاء وثقافة عاشوراء قدمتا للتاريخ هذا الفتى، وهذه هي المعجزة التربوية لثقافة عاشوراء. قاسم بن الحسن عليه السلام يجبر كل الثقافات والمدارس والمدعين على الركوع أمام ثقافة عاشوراء.
معرفة حضرة القاسم جعلت الشهادة أحلى من العسل
طلب الشهادة عند جناب قاسم بن الحسن عليهما السلام ليس مجرد شور وحماسة؛ لأن الشور والحماسة إذا لم يكونا على أساس معرفة صحيحة يضعفان في ميدان العمل. مدعو الحماسة الذين تخلو قلوبهم من المعرفة كالطبل الأجوف، يقرعون طبول الحرب في الأمن والهدوء، لكنهم ليسوا أهل عمل في القتال. أما حضرة القاسم فقد طلب الشهادة في مشهد جدي جداً. وحين طلب يوم عاشوراء إذن الجهاد والقتال من عمه، امتنع سيد الشهداء عليه السلام بشدة عن السماح له بالخروج إلى ساحة القتال. في تلك اللحظة، وقد رأى جناب القاسم كيف يستشهد قادة عمه المظلوم وأنصاره غرباء، لم يتراجع، بل أصر على عسل الشهادة. ولم يثمر إصراره إلا بوصية أبيه الإمام الحسن المجتبى عليه السلام التي أوصته بشدة ألا يترك نصرة سيد الشهداء. لذلك كان قلب حضرة القاسم عليه السلام ممتلئاً بالمعرفة والوعي، وكان عمله كله حماسة واعية.
وعي حضرة القاسم بأهداف الإمام الحسين عليه السلام
كان حضرة القاسم عليه السلام يردد في أراجيزه نفس شعارات سيد الشهداء وأهدافه. أراجيزه تدل على أنه كان يعلم جيداً أنه يقف في جبهة الحق، وكان يعرف الباطل جيداً. لذلك فإن جناب قاسم بن الحسن نموذج ومثال تدعو إليه ثقافة عاشوراء؛ نموذج تعجز المدارس والثقافات المختلفة عن تقديم مثله في صورة عملية جامعة. لذلك فإن حضرة قاسم بن الحسن عليه السلام هو المعجزة التربوية والثقافية لسيد الشهداء في كربلاء؛ معجزة تفتح طريق الهداية إلى زمن الظهور، وتربي شباباً عاشورائيين كثيرين.
الهوامش
١- إشارة إلى رواية ابن السكيت التي تفيد أن معجزة كل عصر كانت مناسبة لظروف ذلك العصر واحتجاجاته: الكافي، الطبعة الإسلامية، ج ١، ص ٢٤.
المؤلف: حامد صارم
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد.