رواية حارس حدود: قصة رجل كرّس عمره كله للحدود
المؤلف: حامد صارم

حين يصل العدو إلى الحدود
حين يصل العدو إلى الحدود، يكون كثيرون ما يزالون غارقين في نوم هادئ؛ بعضهم يفكر في حياته، وبعضهم منشغل بأعماله اليومية، وبعضهم منهمك في الخطط التي يضعها لغده. أما الحدود فلا تعرف مثل هذه المهلة. هناك لا بد أن يبقى أحد مستيقظًا؛ يرصد تحركات العدو، ويتوقع خطوته التالية، ويخطط للتصدي لتحركه، وقد يقضي عمره كله في هذه المراقبة. وحارس الحدود الحقيقي يبذل كل ما في حوزته لإبقاء العدو بعيدًا عن الحدود؛ ففي الساعة نفسها التي ينصرف فيها الآخرون إلى حياتهم وراحتهم ومسراتهم، لا يشغله إلا همّ واحد: صون الحدود.
هذه قصة أحد أولئك الحراس؛ رجل ارتبطت بالدفاع عن الحدود لا حياته وحدها، بل حياة أسرته أيضًا. فبإمكانات محدودة، وتحت وطأة أمراض كانت تؤذيه، ووسط مشاق كان كل منها كفيلًا بأن يثني إنسانًا عن مواصلة الطريق، لم يتخلَّ عن حراسة الحدود لحظة واحدة.
كان ابنًا من أبناء إيران؛ لكن القدر قاد مسيرته الدراسية إلى أرض الهند. ولو سمع أحدهم فقط ما كُتب عن هذا الرجل من روايات، لربما تصوّر في ذهنه قائدًا لا يعرف الكلل: رجلًا لا يدرك شأوه معاصروه، ويتأخر عنه من جاءوا بعده، ولا يُقارَن به حتى كثير من أعلام القرن الذي سبقه. وقد قيل عنه إنه سبق الجميع، وقضى عمره كله في حراسة الحدود. وثمة عبارة أخرى قيلت عنه، أقصر لفظًا وأثقل وقعًا: لقد ضحّى بكل ما يملك في سبيل هذه الحراسة.
لكن كلما مضينا قدمًا، ازدادت القرائن غرابة. ففي رواية هذه المعركة، يجري الحديث عن الكتب النفيسة بدلًا من مخازن الذخيرة؛ وعن نسخ الكتب واستعارتها بدلًا من الإمدادات القتالية؛ وعن رسائل أُرسلت من مدينة إلى أخرى، بل من أرض إلى أخرى، بدلًا من الخطط العملياتية. وكأن حارس الحدود هذا كان يقاتل في ميدان آخر؛ ميدان سلاحه فيه القلم، وذخيرته الكتب، ورصده المطالعة.
موقع دفاعي يتخذ شيئًا فشيئًا شكلًا آخر
قبل أكثر من مئة وستين عامًا، في زمن لم تكن فيه صناعة الطباعة موجودة، أو لم تكن قد بلغت ازدهارها اليوم، ولم يكن السفر والتواصل بيسر ما هما عليه الآن، شرع هذا الرجل في السعي لجمع الكتب النفيسة والمخطوطات. وتُظهر رسائله الباقية أنه كان يكتب لاستعارة الكتب، ويسعى إلى استنساخ المؤلفات، وأحيانًا يشتري كتابًا نفيسًا بثمن أعلى كي لا يقع في أيدي المخالفين؛ وذلك مع أنه لم يكن يملك المال الكافي لشرائه. وتظهر في بعض رسائله بوضوح حسرته على عدم امتلاكه المال لشراء بعض الكتب القيّمة.
وفي موضع آخر، يطلب في رسالة أن يُشترى له صندوق حديدي من الميناء، على الأرجح البصرة أو جدة؛ وهو صندوق كان فيه كتاب نفيس. وحين يعثر بين المصادر على إقرار لعالم غير شيعي ببطلان حديث الاقتداء بأبي بكر وعمر، يُسرّ سرورًا بالغًا حتى تبقى فرحته مسطّرة في كتاباته.
وبقيت له أيضًا رسائل إلى موظفي الحكومة وأصحاب النفوذ في الهند؛ يطلب فيها طباعة كتاب «تمام المطاعن الخالفه الاول» كاملًا وإتاحته للجميع. ولا يتوقف نطاق بحثه حتى عند حدود العالم الإسلامي. فحين يعلم أن مؤلفات نفيسة قد طُبعت في ألمانيا، يراسل طالبًا أن يُرسل إليه من ألمانيا فهرس تلك الكتب التاريخية والرجالية.
وقد أفضت هذه الجهود في نهاية المطاف إلى إنشاء مكتبة كبيرة تضم أكثر من ثلاثين ألف نسخة نفيسة، عُرفت باسم «المكتبة الناصرية». والأهم أنه لم يكن يجمع كتب الموافقين وحدهم؛ بل كان يجمع أيضًا كتب مخالفي مذهبه ليقرأ أقوالهم من نصوصهم نفسها ويردّ عليها.
هنا تنهار الصورة الأولية. فلم يكن هذا الرجل قائد وحدة عسكرية، ولا مقاتلًا في حرب عصابات يحرس حدوده ببندقية. كان العدو الذي يرصده هو الشبهة والتحريف؛ وجبهته ميدان الفكر؛ وحصنه المكتبة؛ والحدود التي وقف مدافعًا عنها طوال عمره هي حدود العقيدة.
اسم حارس هذه الثغور: العلّامة السيد مير حامد حسين الهندي
حراسة الثغور العقائدية؛ كل ساعات العمر
الآن تكتسب عبارة قالها أحد العلماء عن هذا المدافع الكبير معناها الكامل:
«بذل كل ساعات عمره ولحظاته في الدفاع عن الثغور العقائدية. وألّف وكتب حتى توقفت يده اليمنى عن الحركة ولم تعد قادرة على الكتابة؛ فكان يكتب بيده اليسرى في أواخر عمره. وقد قيل عن أحد مؤلفاته إنه لم يُؤلَّف منذ صدر الإسلام إلى اليوم كتاب مثله».
سعى العلامة مير حامد حسين الهندي، من خلال إيضاح حكمة الإمامة، إلى بيان حقيقة أن الإمامة تقوم بالنص الإلهي، ولا يمكن أن تكون ثمرة اختيار البشر. وقد بلغت هذه المجاهدة العلمية ذروتها بتأليف الأثر الفريد «عبقات الأنوار»؛ وهو عمل لم يكن دفاعًا راسخًا وعلميًا عن حقانية أهل البيت عليهم السلام فحسب، بل قدّم أيضًا نموذجًا لا نظير له للبحوث الحديثية والعقائدية.
قدّمت شمولية «عبقات الأنوار»، بما فيها من فحص دقيق للأسانيد، وتحليل شامل لدلالات الأحاديث، واهتمام بظروف صدورها، واعتماد على مصادر أهل السنة المعتبرة، ردًا حاسمًا لا يمكن إنكاره على تحريفات عبد العزيز الدهلوي في «التحفة الاثني عشرية». ولم تكن مناهجه، ومنها النقد المنهجي للأحاديث الموضوعة وكشف التحريفات، مخصصة للرد على شبهات عصره وحدها؛ بل كان هذا المنهج يسدّ الطريق أيضًا أمام محاولات مماثلة في المستقبل. وقد بيّن أن فضائل أهل البيت عليهم السلام حقيقة لا تبقى مصونة من التحريفات فحسب، بل تزداد وضوحًا بالحجج العلمية والأخلاقية.
حين عجزت اليد عن الكتابة، لم تتوقف الإرادة
لم تُنَل هذه الجوهرة بسهولة. يُروى أن يد مير حامد حسين اليمنى تعطّلت من كثرة الكتابة. وفي أواخر عمره كان يكتب بيده اليسرى، أو يُملي أحيانًا ويكتب الآخرون. لكن المرض لم يتوقف عند هذا الحد. ففي سنواته الأخيرة، لم يعد يستطيع الجلوس؛ فكان يستلقي على ظهره، ويضع الكتاب على صدره، ويقرأ أو يكتب. وفي الأيام الأخيرة من حياته، حين عجزت كلتا يديه عن الكتابة، كان يمسك القلم بفمه ويواصل التأليف.
يقول آية الله المرعشي النجفي، نقلًا عن ابنه السيد ناصر حسين:
«حين وُضع جثمانه على المغتسل، شوهد على صدره الشريف أثر عميق لخط أفقي، يدلّ على الموضع الذي كان يضع الكتاب عليه».
كان صاحب «العبقات» قد كرّس ليله ونهاره للكتابة والبحث. فلم يكن ينهض من مكانه إلا للأعمال الضرورية، ولا يأكل ولا ينام إلا بقدر الضرورة، بل كان يقتصر حتى في الأعمال والعبادات الشرعية على أداء الفرائض. ويُروى أنه حين توفي ابنه الشاب، أوكل مراسم التكفين والدفن والتشييع ومجلس العزاء إلى الآخرين، كي لا يُصرف وقته إلا في تأليف «عبقات الأنوار». وقد جرى التأكيد على هذا الخبر مرة أخرى في النص؛ في إشارة إلى أن الكاتب يريد أن يجعل شدة هذا التفرغ العلمي راسخة في ذهن القارئ لا تُمحى.
وهنا تكمن النقطة المهمة: ففي ذروة هذه المشاق والمتاعب، ألّف المرحوم مير حامد حسين كتابًا قيل إنه لم يُؤلَّف مثله في العالم الإسلامي.
النهب؛ هجوم بعد هجوم
لم تقتصر مشكلاته على المرض والعجز الجسدي، بل اجتاحت حياته أيضًا الاضطرابات وأعمال النهب. وفي بعض هذه الحوادث، نُهبت كتب نفيسة كان قد تجشّم أسفارًا شاقة ودفع أثمانًا باهظة للحصول عليها. ويكتب المرحوم مير حامد نفسه قائلًا:
«حطّمتني المحن المباغتة، وهبّت عليّ الزوابع، وأحاطت بي آلام تقصم الظهر، هجمةً بعد هجمة. نهبوني وأخذوا مني كل شيء، مرةً بعد أخرى، حتى نهبوا كثيرًا من كتبي النفيسة ونسخي الأصلية؛ تلك الكتب المهمة التي حصلت عليها بكدّ يدي وعرق جبيني وبذل المال الكثير».
وفي موضع آخر، يتحدث عن ضيق معيشته وشظف حياته في أوج عمله العلمي قائلًا:
«أصبح التذوّق مرًّا عليّ، وشقّ عليّ المشي، وكثر الغمّ، وزالت طِيبَة العيش. وبلغ النقص والقحط حدّ اليبوسة، وأجدب الخصيب. لا أدري أأخرج أم أمسك نفسي وأبقى في البيت. لقد خارت قواي، وأنا مبتلى ومنهوب، وقد اضطربت في هذه الأعمال الشاقة، وابتُليت بآلام شديدة، وأعاين أوجاعًا قاسية؛ وكما يتذبذب البندول، أضطرب أنا أيضًا مع دوران الدورة».
لكن أعجب ما في هذه الشكاوى أن ألمه الأساسي ليس الجوع أو انعدام الأمن أو ضيق المعيشة. ويضيف في تتمة الكلام نفسه:
«إن ضيقي وألمي هذا ليسا على الدنيا... بل أتأسّف لأنني لا أستطيع الدفاع عن الأئمة المعصومين (عليهم السلام)، وأخشى التقصير في نصرة الأئمة المعصومين (عليهم السلام). كما أخشى أن تحول هذه المحن دون اشتغالي بتصنيف الكتاب وترويج الدين، وأن يكون عملي المهمّ الناضر هذا كالنبتة التي تتفتّح ثم تذبل».
ورد في كتابات هذا المجاهد الذي لا يكلّ، إلى جانب هذه المشكلات، حديث عن الافتراءات، وشكوى من بعض أهل العلم، وتكلّف بعض العلماء، وأخيرًا عن الأمراض والآلام البدنية والجسدية. ومع ذلك كله، لم يتخلَّ عن المطالعة والبحث والتأليف والدفاع عن الثغور العقائدية للتشيّع. فلم ينقطع عن المطالعة حتى آخر أيام عمره المبارك، ولم يترك العمل حتى آخر لحظات حياته الشريفة؛ حتى إن آثار سنوات المطالعة كانت تُرى على جسده بعد وفاته أيضًا.
كتاب لسدّ الطريق أمام التحريف
لم يكن «عبقات الأنوار» مجرد ثمرة لمعاناة مؤلف واحد؛ بل كان التجسيد المكتوب لحراسة طويلة لثغور العقيدة. فقد أقام العلامة السيد مير حامد حسين بهذا الأثر دفاعًا راسخًا وعلميًّا عن أحقية أهل البيت عليهم السلام، وقدّم منهجًا دقيقًا للبحث الحديثي والعقائدي. كان يفحص الأسانيد، ويدرس دلالات الأحاديث من جهات مختلفة، وينظر في ظروف صدورها، ويستند في استدلاله إلى مصادر أهل السنة المعتمدة، لكيلا يكون ردّه على تحريفات عبد العزيز الدهلوي في «التحفة الاثني عشرية» مجرد اعتراض مذهبي، بل استدلالًا قائمًا على المصادر ومنهج البحث.
وفي هذا المسار، نقد الأحاديث الموضوعة نقدًا منهجيًّا، وكشف التحريفات. ويقيّم النص الأصلي هذا الجهد بأنه لم يُسقط اعتبار شبهات الدهلوي فحسب، بل سدّ أيضًا الطريق أمام المحاولات اللاحقة المماثلة. وبهذا المنهج، أظهر مير حامد حسين فضائل أهل البيت عليهم السلام بوصفها حقيقة لا تزول أمام التحريف، بل تزداد وضوحًا بالاستدلال العلمي والأخلاقي.
واتّبع المنطق نفسه في جمع المصادر أيضًا. فكان يجمع كتب مخالفي المذهب للردّ عليهم، ويتتبّع المصادر في الأماكن البعيدة، ويحفظ النسخ النفيسة من خطر التشتّت والضياع، وقد أنشأ شبكة من المراسلات والشراء والاستعارة والاستنساخ. وكانت المكتبة الناصرية، بما تضمّه من أكثر من ثلاثين ألف نسخة نفيسة، إحدى ثمار هذا الجهد؛ فكأنّ حارس الثغور قد ملأ مستودع ذخيرته، استعدادًا لحرب طويلة، بالوثائق والكتب عوضًا عن الرصاص.
الملامح التي تتجلّى بعد انقشاع الغبار
في ختام هذه الرواية، تتضح تمامًا صورة حارس الثغور الذي ظهر في بداية القصة. فقد كشف العلامة مير حامد حسين، بشجاعة وثبات، كثيرًا من التحريفات والافتراءات، ومهّد الطريق للباحثين عن التعقّل والحقيقة. وبتعبير النص الأصلي، كان «المخالفون المنحدرون من السقيفة، والأمويون في سيرتهم» يسعون دائمًا إلى إثارة الغموض وتلويث الأجواء العلمية؛ غير أن جهاده العلمي شقّ هذه الظلمات، وأظهر أحقية أمير المؤمنين عليه السلام والأئمة الطاهرين عليهم السلام.
ومن هنا، فهو ليس مجرد مدافع عن رأي أو مؤلف لكتاب عظيم؛ بل يقدّمه النص بوصفه قدوة عظيمة وخالدة للباحثين وطلّاب الحقيقة. وقد جعله جهاده في الدفاع عن الدين وأحقية الإسلام نصيرًا عظيمًا ومبعث فخر في تاريخ التشيّع وبين علماء الإسلام.
آخر علامات حراسة الثغور
لعلّه لا توجد صورة ختامية لهذه الحياة أبلغ من هذه الرواية. فقد نقل آية الله المرعشي النجفي، رحمه الله، عن ابن المرحوم مير حامد حسين، صاحب «عبقات الأنوار»، قوله:
«لم يكن والدي في أواخر عمره قادرًا على الجلوس؛ ومع ذلك، واصل مطالعاته. وكان يضع الكتاب على صدره ويقرأ، واستمر في ذلك إلى حدّ أننا رأينا بعد وفاته أن جلد صدره قد تثخّن وتقرّح من ضغط حافة الكتاب».
مصدر هذا النقل في النص: مجلة «خشت اول»، العدد الثامن، ص ٣٧.
لم يعد حارس الثغر المجهول في مستهل القصة مجهولًا الآن. فالثغر الذي لم يكن يعرف في سبيله ليلًا ولا نهارًا لم يكن أرضًا تفصلها الأسلاك الشائكة؛ بل كان ثغر العقيدة. والعدو الذي كان يترصده لم يكن يأتي مرتديًا زيًّا عسكريًّا؛ بل كان يتسلل في صورة شبهة وتحريف ورواية مغلوطة. أما سلاح الرجل الذي ضحّى بكل ما يملك في هذا السبيل، فكان قلمًا لم يُوضَع جانبًا حتى حين عجزت يده عن مواصلة صحبته. هذه هي قصة العلامة السيد مير حامد حسين الهندي؛ العالِم الذي بذل حياته وأسرته وراحته وماله، بل حتى قوته الجسدية، في سبيل حراسة ثغور العقيدة، ولم يتراجع عن حصن الدراسة والتأليف حتى اللحظة الأخيرة من حياته.
المؤلف: حامد صارم
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد.