نبأ العظيم
المقالاتفيديوالصوتالصور
نبأ العظيم

منصة بحثية وإعلامية لتاريخ الإسلام ومعارف الشيعة والإجابة الموثقة عن أسئلة اليوم.

الوصول
المقالاتالبحث
الموضوعات
الإمامةتاريخ الإسلامالرد على الشبهات
اللغات
فارسیالعربيةEnglish
1 خرداد 1404 ه‍.شالتفسيرصاحب الزمان (عجل الله تعالى فرجه الشريف)القرآن الكريم

العيش الإيماني: تأملٌ موجز في المفهوم القرآني للانتظار (١)

المؤلف: حامد صارم
العيش الإيماني: تأملٌ موجز في المفهوم القرآني للانتظار (١)

الملخص:

يتناول هذا المقال تحليلاً مفاهيمياً وقرآنياً للانتظار في عصر غيبة الإمام الزمان (عليه السلام)، ويدرس الأبعاد المختلفة للصبر والفلاح من منظور القرآن الكريم. وقد تناولت هذه المقالة آيات من سورة آل عمران والسورة المباركة العصر بوصفها آيتين مهمتين تؤكدان، على نحو خاص، موضوع الانتظار والصبر. ويبيّن هذا البحث أن الصبر والمصابرة والمرابطة في عصر غيبة الإمام الزمان (عليه السلام) من الأركان الأساسية للوصول إلى الفلاح والنجاة. كما يؤكد أن الإيمان والعمل الصالح وحدهما لا يكفيان لبلوغ الفلاح، بل لا بد أيضاً من خصال مثل التواصي بالحق والصبر الجماعي. ويتناول المقال بصورة خاصة أن على المسلمين في عصر الغيبة أن يسيروا جماعياً في طريق حفظ الإيمان وتعزيز انتظار الإمام المهدي (عليه السلام). وهذه الكتابة هي الجزء الأول من تحليلات هذا الموضوع، وسيأتي الجزء الثاني لاحقاً.
الكلمات المفتاحية: الانتظار، الغيبة، الفلاح، الصبر، المصابرة، المرابطة، سورة آل عمران، سورة العصر، الإمام الزمان (عليه السلام)، القرآن الكريم

واجبات المسلمين في عصر غيبة الإمام الزمان (عليه السلام): دراسة من منظور القرآن والتعاليم الدينية

من المسائل الجوهرية والأساسية التي تطرح في أذهان المسلمين في عصر غيبة الإمام الزمان (عليه السلام) تحديد الواجبات الدينية في هذه الفترة. فعند دراسة تاريخ الإسلام، حين بدأ الإمام الحسين (عليه السلام) حركته نحو كربلاء، كان المسلمون يعلمون واجبهم بوضوح، وكان عليهم أن يسارعوا إلى نصرة الإمام في طريق الجهاد والإيثار. وفي ذلك الوقت، كان واجب كل مسلم قادر أن يلتحق بالإمام الحسين (عليه السلام) ويرافقه في هذه الحركة المقدسة. وكان هذا الواجب محدداً بصورة صريحة وواضحة من المنظور الديني.
لكن السؤال الذي يطرح على المسلمين في عصر غيبة الإمام الزمان (عليه السلام) هو: ما واجبهم في هذه الفترة؟ فعندما يكون الإمام المعصوم في غيبة، هل يكون تكليف المسلمين في عصر الغيبة واضحاً على نحو مماثل لما كان عليه في زمن حضور الإمام الحسين (عليه السلام)، حين كان واجب اتباعه ومرافقته جلياً؟
تكمن الإجابة عن هذه الأسئلة في التعاليم الدينية والقرآنية. فقد أمر القرآن وأحاديث المعصومين (عليهم السلام) المسلمين في عصر الغيبة بأن يصبروا منتظرين ظهور الإمام المهدي (عليه السلام)، وأن يؤدوا واجباتهم في هذه الفترة، وأهمها الصبر والثبات في مواجهة الظلم والفساد. وفي الواقع، يُطرح «الانتظار» في عصر الغيبة بوصفه من أعظم عبادات المسلمين وواجباتهم الدينية.

مفهوم الانتظار في عصر غيبة الإمام المهدي (عليه السلام): تحديات المسلمين وواجباتهم

مع أن مفهوم الانتظار ليس غامضًا أو مبهمًا في ذاته، فإنه يحتاج إلى مزيد من الدقة والتأمل. فالانتظار ليس خاصًّا بعصر غيبة الإمام المهدي (عليه السلام)، بل هو موضوع لفت النبي (صلى الله عليه وآله) الانتباه إليه في جميع العصور. وقد طُرحت عناصر الانتظار دائمًا في التعاليم الإسلامية على امتداد التاريخ.
ومع ذلك، يكتسب مفهوم الانتظار في عصر غيبة الإمام المهدي (عليه السلام) أهمية وعمقًا أكبر؛ إذ لا يمكن الوصول إلى الإمام المعصوم في هذه الفترة، كما أن الظروف الخاصة للغيبة تؤدي إلى اشتداد الضغوط الاجتماعية والسياسية وكثرة الفتن على أتباع الإمام المهدي (عليه السلام). وفي مثل هذه الظروف، يوقع الظلم والفتن بالمجتمع المسلم مشقات وضغوطًا أشد، ولذلك يصبح الصبر والتعاضد والسعي إلى الفلاح والنجاة أمرًا حيويًّا.
تتناول هذه المقالة عناصر النجاة من منظور آيات القرآن. فالآيات المختلفة في القرآن، التي تؤكد الصبر والثبات والاستعداد لحفظ الإيمان، تبيّن للمسلمين على نحو محدد الكيفية الصحيحة للانتظار. والانتظار في هذه الفترة لا يعني مجرد الترقب، بل يُطلب من المسلمين أن يسيروا في هذا العصر المضطرب بالصبر والثبات على طريق حفظ أنفسهم والمجتمع الإيماني.

واجبات المسلمين في عصر غيبة الإمام المهدي (عليه السلام) من منظور القرآن الكريم

وفقًا للتعاليم الدينية، يُؤمَر المسلمون بالصبر في عصر غيبة الإمام صاحب الزمان (عليه السلام). وقد بُيِّن هذا المفهوم بصورة خاصة في الآية الأخيرة من سورة آل عمران في القرآن الكريم. ففي هذه الآية الشريفة وردت توجيهات بشأن الصبر في الأزمنة العسيرة والشاقة، وهذه التوجيهات قابلة للتطبيق، على نحو خاص، على عصر الغيبة أيضًا. وتُظهر الآية المشار إليها بوضوح أن الصبر والثبات والتقوى في هذا العصر من الأركان الأساسية للفلاح والنجاة.
الآية الواردة في سورة آل عمران من الآيات المحورية في بحث الصبر والانتظار والفلاح. يقول الله تعالى فيها: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ».
تبيّن هذه الآية، بصورة محددة، ثلاث وظائف رئيسية للمسلمين ينبغي لهم العمل بها في طريق الفلاح والنجاة: الصبر، والمصابرة، والمرابطة. وتكشف هذه الأوامر بوضوح عن الظروف العسيرة والمضطربة التي سيواجهها أهل الإيمان عبر التاريخ، ولا سيما في عصر غيبة الإمام صاحب الزمان (عليه السلام). وقد تعرّض هذه الظروف فلاح المؤمنين ونجاتهم للخطر؛ ولذلك جعل الله توجيهاتٍ لطريق النجاة والفلاح. ولا شك أن هذه الصعوبات وُجدت وستبقى للمؤمنين في هذا العصر حتى يتحقق الوعد الإلهي ويتحول الخوف إلى أمن.
وبناءً على ذلك، تشمل هذه الآية الشريفة إحدى أهم وظائف المسلمين في عصر الغيبة. وعلى المنتظرين لظهور الإمام صاحب الزمان (عليه السلام) أن يأخذوا هذه الوظائف بجدية، وأن يبذلوا كل جهدهم للعمل بهذه التوجيهات. وهذه التوجيهات، في الحقيقة، حلول عملية للفلاح والنجاة في عصر الغيبة.
تُطرح هذه الآية بوصفها توجيهًا جامعًا في الأزمنة العسيرة والمضطربة، ولا سيما في عصر غيبة الإمام صاحب الزمان (عليه السلام). ففي هذا العصر، ينبغي للمسلمين أن يثبتوا بالصبر والاستقامة أمام المشكلات والفتن، وأن يسلكوا في الوقت نفسه طريق الفلاح والنجاة بالتقوى. وفي عصر الغيبة، حيث يكون الإمام المعصوم (عليه السلام) بعيدًا عن متناول الناس، يصبح انتظار ظهور الإمام المهدي (عليه السلام) من أعظم عبادات المسلمين وواجباتهم.
تؤكد الآية الشريفة أن الصبر يُعدّ من أهم واجبات المسلمين في عصر الغيبة. ومع «صابروا» و«رابطوا»، ينبغي اعتبار هذه المبادئ من الأساليب الأساسية للفلاح والنجاة في هذا العصر. وفي الحقيقة، لا تأمر هذه الآية القرآنية بالصبر الفردي فحسب، بل تدعو المسلمين أيضًا إلى التعاون الجماعي والثبات الاجتماعي في سبيل حفظ الإيمان وتعزيز انتظار الإمام المهدي (عليه السلام).
في هذه الآية، جاء جواب القرآن للمسلمين واضحًا: اصبروا. غير أن هذا لا يعني الصبر الفردي فحسب. ففي هذه الآية، لا يتحدث الله عن الصبر فقط، بل يستخدم أيضًا لفظ «صابروا». ومفهوم «المصابرة» الوارد في هذه الآية لم يُذكر في القرآن إلا مرة واحدة، ولم يرد بهذه الصيغة في سائر آياته. وكلمة «المصابرة» مشتقة من جذر الصبر، لكنها تختلف عن «اصبروا». فلفظ «اصبروا» دعوة واضحة ومباشرة إلى الصبر، بينما تتضمن المصابرة في الوقت نفسه دعوة الآخرين إلى الصبر وتلقّي الدعوة إليه.
المصابرة، في الحقيقة، لا تعني الصبر الفردي فحسب. فهي تُعرض بوصفها ركنًا أساسيًا لفلاح المسلمين ونجاتهم؛ لأنها تؤكد أهمية التعاون الاجتماعي في طريق تقوية الإيمان والاستعداد لظهور الإمام المهدي (عليه السلام).

الاستدلال بالآية:

في هذه الآية: «اصبروا و صابروا و رابطوا و اتقوا الله لعلکم تفلحون»، يُؤمَر المسلمون مباشرةً بأن يصبروا، وأن يدعو بعضهم بعضًا إلى الصبر، وأن يثبتوا أمام الفتن. وهذه الآية بالغة الأهمية في عصر غيبة الإمام المهدي (عليه السلام)، لأنها تُظهر بوضوح أن الصبر الفردي لا يكفي في مثل هذه الأزمنة. بل ينبغي للمجتمع الإسلامي في هذه المرحلة المضطربة أن يتحلّى بالمصابرة أيضًا.
وإضافةً إلى الصبر والمصابرة، تشير هذه الآية أيضًا إلى «رابطوا» و«اتقوا». ومفهوما «رابطوا» و«اتقوا» في الآية مرتبطان ارتباطًا مباشرًا بالفلاح والنجاة. والمرابطة هنا تعني الترابط والتعاون بين المسلمين، بحيث يسيرون معًا في سبيل تقوية الإيمان والثبات أمام الفتن.
والنتيجة المستفادة من هذه الآية هي أن الصبر الفردي وحده لا يكفي للنجاة في عصر الغيبة، بل يجب أن تكون المصابرة والمرابطة والتقوى من الأركان الأساسية لاستراتيجية المؤمنين في هذه المرحلة.
وأخيرًا، تُظهر هذه الآية بوضوح أن الانتظار والصبر في عصر الغيبة، بوصفهما عملين ضروريين وأساسين للوصول إلى الفلاح والنجاة، ينبغي أن يُفهما ويُمارسا ضمن عملية جماعية واجتماعية. فالانتظار في هذا العصر لا يعني الصبر الفردي فحسب، بل يجب على المسلمين، على نحوٍ خاص، أن يدعو بعضهم بعضًا إلى الصبر، وأن يستفيدوا في هذا المسار المشترك من التقوى والتعاون لكي يبلغوا الفلاح والنجاة.
وكذلك، فإن عبارة «لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ» في نهاية الآية تُبيّن صراحةً أن الالتزام بهذه المبادئ يؤدي إلى الفلاح والنجاة. وتُظهر هذه العبارة بوضوح أنه إذا التزم المسلمون بهذه المبادئ والقيم، بلغوا الفلاح والنجاة. ولذلك، فإن مراعاة هذه الأوامر ضرورية بوصفها الشرط الأساسي لتحقق الفلاح والنجاة في عصر غيبة الإمام الزمان (عليه السلام).

الصبر ومعايير الفلاح والخسران في القرآن

وفي القرآن الكريم، يُبيَّن الحديث عن الصبر والفلاح مرةً أخرى بوضوح في سورة العصر. وقد ورد فيها: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ «باسم الله الرحمن الرحيم. والعصر، إن الإنسان لفي خسر».
تضع هذه الآية في البداية جميع الناس في حالة «خسران»، ثم تطرح استثناءاتٍ معينة. وكما ورد في الآية، فإن «جنس الإنسان» في حالة خسران. وبعبارة أخرى، يقع جميع الناس، من دون استثناء، في هذا الخسران إلا الذين تتوافر فيهم خصائص معينة.
والسؤال الآن هو: ما هذه الخصائص؟ يقول الله تعالى في تتمة الآية: «إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ»؛ «إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر».
تُحَدَّدُ أربعُ خصالٍ واضحةٍ تُنجي الإنسانَ من الخُسران:
    الإيمان؛ والعمل الصالح؛ والتواصي بالحق؛ والتواصي بالصبر.
هذه الخصال الأربع هي أساس الفلاح والنجاة. ولذلك، فإن الناس في هذه الآية من القرآن واقعون في الخُسران على وجه العموم، إلا الذين تتوافر فيهم هذه الخصال. وفي الواقع، إذا لم تكن هذه الخصال في الإنسان وقع في الخسران، وإذا تحلّى بها بلغ الفلاح والنجاة.
تتشابه هذه السورة وهذه الآية مع الآية ٢٠٠ من سورة آل عمران، حيث يُؤكَّد هناك أيضًا على أهمية الصبر والتوصية بالصبر. وفي الآيتين كلتيهما يُطرح الصبر بوصفه أحد الأركان الأساسية للفلاح والنجاة. ولا سيما في سورة العصر، يتضح أن الذين يقصّرون في القيام بهذه الخصال سيقعون في الخسران.

التقابل بين الفلاح والخُسران:

وفي آيةٍ أخرى من القرآن، وردت في سورة المؤمنون المباركة، يُقارَن الفلاح والخسران أيضًا بميزان الأعمال: " فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُۥ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ خَسِرُوا۟ أَنفُسَهُمْ فِى جَهَنَّمَ " «فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون، ومن خفّت موازينه فأولئك خسروا أنفسهم في جهنم».
في هذه الآية، يقابل الخسرانَ الفلاحُ. فإذا كانت أعمال الإنسان خفيفة، أي كانت أعماله الصالحة قليلة أو لم تكن له أعمال صالحة، فإن هذا الإنسان سيكون في نهاية المطاف من الخاسرين. أما إذا كانت أعماله ثقيلة وغلبت أعماله الصالحة أعماله السلبية، فإنه سيبلغ الفلاح والنجاة.
تقدّم الآية ٢٠٠ من سورة آل عمران وسورة العصر المباركة، كلٌّ منهما، طريقًا إلى الفلاح وعدم الخسران. وعلى نحوٍ خاص، ترسم الآية ٢٠٠ من سورة آل عمران طريق الفلاح بصورة مباشرة، في حين تشير سورة العصر إلى طريق عدم الخسران. وبعبارة أخرى، تبيّن الآيتان طريقين لبلوغ أهداف محددة، إذ لا يمكن الوصول إلى الفلاح والوقاية من الخسران إلا بسلوك هذين الطريقين.
ومن النقاط المهمة جدًا أن بين هاتين الآيتين الشريفتين أوجه تشابه معنوية ومفهومية ملحوظة. ففي سورة العصر، يأمر الله تعالى بالتواصي بالحق والتواصي بالصبر. وفي المقابل، ورد في سورة آل عمران الأمر بالصبر والمصابرة والمرابطة.
وفي الواقع، يُعرَّف الصبر والمصابرة في كلتا الآيتين بوصفهما أصلين أساسيين لبلوغ الفلاح وتجنّب الخسران.
وتدل هذه المشابهات المفهومية بين الآيتين على الارتباط الوثيق والتوافق بين هذه التوجيهات في القرآن الكريم.
في ضوء آيات القرآن، يُعَدّ الصبر والتواصي بالصبر من الأركان الأساسية للفلاح والنجاة. ففي سورة العصر، يُعرَّف الإنسان على نحوٍ عام بأنه في خسر، إلا الذين يمكنهم، بمراعاة صفاتٍ مثل الإيمان والعمل الصالح والتواصي بالحق والتواصي بالصبر، أن ينجوا من هذه الحال ويبلغوا الفلاح. وفي عصر غيبة الإمام المهدي (عليه السلام)، تتمثل وظيفة المسلمين في البقاء منتظرين لظهور الإمام بالصبر والتواصي بالصبر والتواصي بالحق، وأن يمنعوا الخسران بالعمل الصالح. وتبيّن هذه الآيات أنه لا يستطيع أحد أن ينال الفلاح بسهولة ما لم تتوافر فيه هذه الصفات على نحوٍ كامل.

التنبؤات بالفلاح والخسران في القرآن

إن جميع الناس الذين هم في خسران يفتقدون أربع خصال. وقد بُيِّنت هذه الخصال بوضوح في القرآن. فقد يكون المرء من أهل الإيمان، ولكنه إذا لم يكن له عمل صالح، فإنه في الحقيقة سيكون من أهل الخسران. فمثلاً، تصوّر شخصاً لديه إيمان، ولكن لا يُرى منه عمل صالح ولا توصية بالحق ولا صبر. ففي هذه الحالة يكون مثل هذا الشخص، حتماً، من أهل الخسران.
هذه النقطة، وإن بدت بسيطة في ظاهرها، عميقة جداً من حيث المعنى. فكثير من الناس الذين يعدّون أنفسهم من أهل الإيمان قد ينتهون في دائرة الخسران؛ لأن الخسران لا يختص بالكافرين وحدهم. فالذين يؤمنون ويمارسون الدين، لكنهم محرومون في الواقع من خصال الفلاح، قد يسيرون في طريق الخسران. وقد يحدث ذلك لأي شخص من غير وعي. والسؤال الجوهري هو: إلى أي مدى يُحتمل أن ينتهي الذين يعدّون أنفسهم من أهل الإيمان ضمن «لَفِي خُسْرٍ»؟ يبدو أن احتمال وقوع ذلك أكبر مما يُتصوَّر عادةً. ولا سيما مع مرور الزمن، تزداد إمكانية أن يقع الناس، حتى مع امتلاكهم الإيمان، في طريق الخسران بسبب فقدان بعض الخصائص الأساسية. وينبغي النظر إلى هذه النقطة بوصفها تحذيراً جدياً.
وفقاً لآيات القرآن والتحليلات الدقيقة، فإن كل من لا يملك خصال الفلاح ينتهي به الأمر إلى طريق الخسران، حتى لو كان مؤمناً. وقد أكدت آيات القرآن، ولا سيما آيات سورة العصر وغيرها، هذه المسألة بوضوح: فالإيمان والعمل الصالح وحدهما لا يكفيان للفلاح والنجاة. وتؤكد هذه الآيات أهمية خصال مثل التواصي بالحق والصبر. ولذلك، إذا لم تكن هذه الخصال موجودة في الشخص، فقد يُدرج، من غير وعي ومن دون قصد مسبق، في زمرة أهل الخسران.
يعلّمنا هذا التحليل أن الإيمان والعمل الصالح وحدهما لا يكفيان لبلوغ الفلاح والنجاة في المسار الديني، بل لا بد أيضاً من خصال أخرى أشار إليها القرآن الكريم. وتشمل هذه الخصال الدعوة إلى الحق والصبر، اللذين ينبغي الاهتمام بهما بفاعلية في الحياة الفردية والاجتماعية. وإن عدم مراعاة هذه المبادئ، حتى لو كان الشخص ملتزماً بالإيمان والعمل الصالح، قد يصرفه عن طريق الفلاح ويسوقه إلى الخسران.

الخاتمة

في القرآن الكريم، يرتبط الفلاح والخسران ارتباطًا واضحًا بصفات محددة. ووفقًا لآيات القرآن المختلفة، فإن الصبر والإيمان والعمل الصالح والتواصي بالحق والصبر من الأركان الأساسية للفلاح والنجاة. ولا سيما في عصر غيبة الإمام المهدي (عليه السلام)، فإن الانتظار والصبر ليسا مجرد واجب فردي، بل هما مسؤولية اجتماعية ينبغي أن تتجسد في التعاون والتعاضد بين المسلمين.
ترسم آيات سورة آل عمران وسورة العصر بوضوح سبل الفلاح والنجاة من الخسران. ففي سورة آل عمران، ورد الأمر على نحو خاص بالصبر والمصابرة والمرابطة، وهذه الأوامر تكتسب أهمية بالغة في عصر الغيبة، ولا سيما في اتباع الإمام المهدي (عليه السلام). وكذلك في سورة العصر، عُرِّف الإيمان والعمل الصالح والتواصي بالحق والصبر بوصفها صفات أساسية للوقاية من الخسران. وتؤكد السورتان معًا أن من لم تتحقق فيه هذه الصفات فإنه سيقع في الخسران.
وعليه، فإن المسلمين، لكي ينالوا الفلاح والنجاة في عصر الغيبة، لا ينبغي لهم أن يكتفوا بالإيمان والعمل الصالح، بل عليهم أن يلتزموا التزامًا فعليًا بصفات مثل التواصي بالحق والصبر في حياتهم الفردية والاجتماعية. وإن إهمال هذه الصفات، حتى مع وجود الإيمان والعمل الصالح، قد يصرف الإنسان عن طريق الفلاح ويقوده إلى الخسران.
ومن هنا، فإن الانتظار المطلوب من المسلمين في عصر الغيبة لا يعني مجرد ترقب الظهور، بل يقتضي أن يسلكوا طريق التعاضد والثبات والتعاون الجماعي في حفظ الإيمان، وتقوية المجتمع الإيماني، والتمهيد لظهور الإمام المهدي (عليه السلام). وهذه الآيات هداية للمسلمين في عصر الغيبة لكي ينالوا الفلاح والنجاة بالالتزام بهذه الأصول.
تناولت هذه المقالة بحث الفلاح والخسران، وصفتي الصبر والمصابرة، ومسؤوليات المسلمين في عصر غيبة الإمام المهدي (عليه السلام). وستُعرض تفاصيل إضافية لهذا التحليل واستكمال البحث في المقالة الثانية.

المقاطع المختلفة من تسجيل محاضرة النصف من شعبان حول المفهوم القرآني للانتظار:

القسم الأول: لماذا يضلّ بعض الناس في زمن الغيبة؟
القسم الثاني: مقاربات الإيمان والانحراف في زمن الغيبة
القسم الثالث: لنجد طريق الأمل في قلب الظلام
القسم الرابع: العيش بإيمان؛ تأمل قصير في المفهوم القرآني للانتظار (١)
القسم الخامس: العيش بإيمان؛ تأمل في المفهوم القرآني للانتظار (٢)
القسم السادس: العيش بإيمان؛ تأمل في المفهوم القرآني للانتظار (٣)
المؤلف: حامد صارم
فهرس المحتويات
  1. الملخص:
  2. واجبات المسلمين في عصر غيبة الإمام الزمان (عليه السلام): دراسة من منظور القرآن والتعاليم الدينية
  3. مفهوم الانتظار في عصر غيبة الإمام المهدي (عليه السلام): تحديات المسلمين وواجباتهم
  4. واجبات المسلمين في عصر غيبة الإمام المهدي (عليه السلام) من منظور القرآن الكريم
  5. الاستدلال بالآية:
  6. الصبر ومعايير الفلاح والخسران في القرآن
  7. التقابل بين الفلاح والخُسران:
  8. التنبؤات بالفلاح والخسران في القرآن
  9. الخاتمة
  10. المقاطع المختلفة من تسجيل محاضرة النصف من شعبان حول المفهوم القرآني للانتظار:
الوسوم:اصبرواانتظارحامد صارمرابطواسوره-آل-عمرانسوره-والغصرصابرواغیبتغیبت-امام-زماننبأالعظیمنباءالعظیمنباالعظیمنیمه-شعبانوظایف-زمان-غیبت

مقالات مشابهة

18 خرداد 1404 ه‍.ش
لم تكتمل ترجمة هذا المقال بعد
المؤلف: حامد صارم
الإمامةصاحب الزمان (عجل الله تعالى فرجه الشريف)المهديةفيديوأربعة عشر بريئا عليهم السلامگفت-و-گو-مذهبی
#اصبرو-و-صابرو-و-رابطوا#امام-زمان#انتظار
العيش الإيماني: تأمل موجز في المفهوم القرآني للانتظار (٢)
9 خرداد 1404 ه‍.ش
العيش الإيماني: تأمل موجز في المفهوم القرآني للانتظار (٢)
المؤلف: حامد صارم
التفسيرصاحب الزمان (عجل الله تعالى فرجه الشريف)القرآن الكريمالمهديةأربعة عشر بريئا عليهم السلام
#اصبروا-صابروا-رابطوا#انتظار#حامد صارم

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد.

19 خرداد 1404 ه‍.ش
لم تكتمل ترجمة هذا المقال بعد
المؤلف: حامد صارم
الإمامةصاحب الزمان (عجل الله تعالى فرجه الشريف)المهديةفيديوأربعة عشر بريئا عليهم السلامگفت-و-گو-مذهبی
#انتظار#ایمان#حامد صارم