الشجاع الذي قَبِل الصلح
المؤلف: حامد صارم

بسم الله الرحمن الرحيم
أهل بيت العصمة والطهارة هم خلفاء الله في الأرض. والوظيفة التي كانت للملائكة تجاه آدم هي اليوم وظيفة جميع الخلائق تجاه عترة النبي الطاهرين. والفارق أن الخضوع والخشوع أمام خليفة الله تجلّى في الأمر بالسجود لآدم. وكل الناس مكلّفون بالتسليم المطلق للإمام؛ لأن الإمام خليفة الله. ومن هنا لا يُسأل الإمام من قبل المأموم سؤال اعتراض. وليس للمأموم حق أن يقول لإمامه «لماذا». وظيفته الوحيدة أمام خليفة الله هي التسليم. نعم، يمكنه أن يقول لإمامه «لماذا» إذا لم يكن سؤاله للمحاسبة، بل للفهم الأعمق واكتساب المعرفة وارتفاع اليقين ورفع الشبهات أو غاية من هذا النوع. ولذلك عندما نبحث لماذا ذهب الإمام الحسين عليه السلام إلى كربلاء، ولماذا فعل هذا ولم يفعل ذاك، فهذه الأسئلة - والعياذ بالله - ليست من جهة نقد تدبير الإمام، بل جهتها كمال السائل.
الحركة نحو الإمام امتحان في هذه الدنيا
الأئمة المعصومون عليهم السلام، بحسب ما علّمنا الإمام الهادي عليه السلام في الزيارة الجامعة الكبيرة، هم باب ابتلاء الناس؛ أي إن الله يمتحن الناس في هذه الدنيا بواسطة الأئمة الطاهرين. فمن تحرك نحو الإمام وسلّم للإمام تسليماً مطلقاً نجا في هذا الامتحان. ومن لم يتحرك نحو الإمام، ولم يوصل نفسه إلى الإمام المعصوم، وتخلّف عنه، فقد هلك في هذه الدنيا وبعد الموت. لا فرق بين أن ينهض الإمام ويحمل السيف أو يسكت ولا ينهض. نقد الإمام المعصوم هو غاية الحماقة وقلة العقل، وإن عدّه بعضهم علامة على التنوير والعقلانية. وبالطبع فإن الفهم الصحيح لحياة الأئمة المعصومين أمر قيّم، لكن لا مع جرأة نقد مواقفهم.
صلح الإمام الحسن نتيجة خيانة الكوفيين
الإمام الحسن عليه السلام هو سبط النبي عليه السلام والإمام الثاني للشيعة، وهو مع الإمام الحسين عليه السلام سيدا شباب أهل الجنة. وصلح الإمام الحسن عليه السلام مع معاوية من أبرز النقاط التاريخية في حياة ذلك الإمام الهمام. لقد كثر البحث والنظر والأسئلة المختلفة حول صلح الإمام الحسن عليه السلام إلى حد غُفلت معه الجهات المختلفة من وجود ذلك الحجة الإلهية.
وتكمن أهمية دراسة صلح الإمام الحسن عليه السلام في أنه يبين خيانة أعداء الإسلام لأهل اليوم. لا شك أن صلح الإمام الحسن عليه السلام لم يكن مطلوباً له؛ لأن معاوية لم يكن ظالماً فقط، بل كان العدو الأول للإسلام في ذلك الزمان. كان معاوية ابن أبي سفيان امتداداً لطريق مشركي قريش في الحرب على الإسلام وتدمير الدين. لكن الإمام الحسن عليه السلام بقي وحيداً في الحرب مع معاوية. وكانت وحدته إلى حد أن قادة جيشه ورؤساء القبائل الذين كانوا متحالفين معه وعدوا معاوية بالتعاون، بل كانوا مستعدين لأن يقتلوا الإمام الحسن عليه السلام من أجل ذهب معاوية.
عصيان الناس منذ زمن أمير المؤمنين علي عليه السلام
الخمول والتباطؤ في الحرب والفرار من الميدان ظهر بين هؤلاء الناس منذ زمن أمير المؤمنين علي عليه السلام. ففي زمن حكومته، وبعد قضية التحكيم، مهما حاول أن يرسل الناس مرة أخرى إلى الحرب مع معاوية، امتنعوا عن قتال جيش الشام. يقول أمير المؤمنين مخاطباً أهل الكوفة: «في الصيف تمتنعون من الذهاب إلى الحرب بحجة حر الهواء، وفي الشتاء لا تذهبون إلى الحرب بحجة برد الهواء. فكيف يقاوم السيف من يخاف برد الهواء وحره؟»
هذه الخطبة من نهج البلاغة تبين أحوال أهل الكوفة؛ قوم كانوا يفرون من الحرب مع معاوية، وأناس لم يعتنوا بدعوة أمير المؤمنين علي عليه السلام إلى قتال معاوية. وكان ذلك في حين أن فرق الاغتيال التابعة لمعاوية خلقت انعدام الأمن في الحدود والثغور. وقصة أخذ الخلخال من قدم تلك المرأة اليهودية مشهورة. ومع أنهم تعرضوا لهجوم وتعدي معاوية، لم يتحركوا مع ذلك للحرب ودفع فساد معاوية.
بعض أسباب عصيان الناس
لم يكن نظام القبيلة وعادات الجاهلية قد زالا من بين الناس؛ لأنهم حُرموا نعمة التربية العلوية ورجعوا إلى الوراء بسبب انقلاب السقيفة. ومع أن اسم الإسلام كان عليهم، فإنهم لم ينفصلوا عن عاداتهم ورسومهم السابقة. لم يكونوا يستطيعون قبول أن يشاركوا في حرب طويلة مثل صفين، أو يضربوا بالسيف في حرب صعبة مثل الجمل، ثم بعد الفتح لا تصبح أموال المغلوبين ملكاً لهم ولا يتملكون نساءهم جواري. بعد حرب الجمل كان إصرار الجنود أن تُسبى نساؤهم، وأصروا على ذلك حتى سألهم علي عليه السلام: أيكم يقبل أن يملك عائشة جارية وغنيمة حرب؟ عند ذلك تركوا الإصرار على أخذ النساء والأموال غنيمة.
لو انتهت الحرب مع معاوية إلى النصر، لما تمكنوا من الحصول على مكاسب مالية كثيرة. لقد ترسخت آثار واقعة السقيفة المشؤومة في نفوسهم بحيث لم تكن لديهم دوافع إلهية للحرب مع معاوية، إلا جماعة قليلة كانت تملك بصيرة خاصة بحقائق الأمور.
كان نظام القبيلة يحكم بأن البقاء والحياة يتطلبان طاعة رئيس القبيلة. وفي هذا النظام نادراً ما كان شخص من قبيلة يتحرك خلاف كبير القبيلة ورئيسها. وعلى كل حال وبكل طريق، كان رئيس القبيلة مدعوماً من أفراد القبيلة، ولو أخطأ أو انحرف. وكان ذلك في حين أن كثيراً من كبار القوم، بل رؤساء القبائل وأصحاب التأثير في المجتمع، لم يكونوا راضين عن حكومة العدل العلوية لأمير المؤمنين صلوات الله عليه؛ لأنه لم يكن يفرّق في تقسيم بيت المال. فلم يكن فرق بين رئيس القبيلة وأفرادها العاديين، بل لم يكن فرق بين العبد والمولى في حقوقهم من بيت المال.
تباين سياسة أمير المؤمنين مع الغاصبين
كانت حكومة عمر حكومة عربية. كان للعرب الحكم مطلقاً وكانوا يتمتعون بحقوق أكثر، ومن بين العرب كان لقريش تفوق خاص، ولم يكن يُسلّم منصب سياسي أو اقتصادي لغير قريش. نعم كانت المناصب تُعطى لكل قريش إلا بني هاشم.
أما أمير المؤمنين علي عليه السلام، فإضافة إلى أنه نقض سياسة التمييز العنصري القائمة على العروبة، ولم يفرّق بين العربي والعجمي، ولم يفرّق في إعطاء الحقوق من بيت المال بين البدريين ومن دخلوا الإسلام حديثاً، فقد غيّر أيضاً التركيب السياسي. ففي اختيار ولاة المدن المختلفة والمناصب المتنوعة، استخدم أمير المؤمنين من قريش ومن غير قريش. وبقي بعض من كانوا يدّعون استحقاق المناصب والحكومات خائبين، مثل طلحة والزبير، اللذين كأنهما كانا يطلبان حكومة البصرة أو غيرها ديناً لهما. لكن أمير المؤمنين ردّ من لم تكن لهم أهلية لهذه المناصب سوى أنهم منسوبون إلى قريش، أو بعبارة أخرى كانوا من أبناء الأشراف.
صلح الإمام الحسن استمرار لعصيان الناس في زمن أمير المؤمنين
كانت هذه الأمور سبباً في أن يتباطأ رؤساء القبائل في نصرة أمير المؤمنين علي عليه السلام ويتركوا نصرته. وما حدث في جيش الإمام الحسن عليه السلام كان في الحقيقة قد وقع بشكل آخر في جيش أمير المؤمنين. لكن الفرق كان أن أمير المؤمنين كان يسعى إلى تجهيز الجيش للحرب مع معاوية، أما في زمن الإمام الحسن عليه السلام فقد كان معاوية قد تحرك بجيشه نحو الكوفة. وكما أن أولئك الناس لم يتحركوا في زمن أمير المؤمنين علي عليه السلام لرفع الفتنة، فإنهم أيضاً تباطؤوا في زمن الإمام الحسن عليه السلام عن دفع جيوش معاوية.
عندما اصطف جيش معاوية أمام جيش الإمام الحسن عليه السلام بدأ مكر عمرو بن العاص ورشاوى معاوية؛ مكر عمرو بن العاص ورشاوى معاوية بين جنود لم يكن أكثرهم يضربون بالسيف لله، بل كانوا أسرى شهواتهم. وبعضهم كانوا يدّعون التدين، لكن من تدينهم نشأت فتنة النهروان والخوارج؛ متدينون بلا تعقل، ومتدينون يشبهون وهابية اليوم في قلة العقل والتعصبات العمياء. كانوا جماعة هي النتيجة المشؤومة للسقيفة. ولم يبق في جيش الإمام الحسن عليه السلام إلا عدد قليل جداً من المؤمنين بالله وأهل البصيرة.
أولئك الذين مزقوا مراراً نظام الجيش في النخيلة، فلم يستطع الجيش أن يتحرك نحو الشام لحسم أمر معاوية، هم أنفسهم مزقوا نظام جيش الإمام الحسن عليه السلام. وفي الحقيقة لم يبق أمام معاوية جيش يريد أن يواجهه.
ولا ينبغي أن ننسى أنه عندما وصل سيف مالك الأشتر النخعي إلى حبل خيمة معاوية، وكان على عتبة النصر المطلق، كان هؤلاء الجنود أنفسهم هم الذين منعوا استمرار الحرب وأجبروا أمير المؤمنين على إنهاء الحرب من طرف واحد، وذلك في وقت كانت رقبة معاوية الخبيثة تحت سيف قائد جيش أمير المؤمنين، مالك الأشتر.
خيانة عبيد الله بن عباس
كان عبيد الله بن عباس قائد مقدمة جيش الإمام الحسن المجتبى عليه السلام، وكان معاوية قد قتل ابنيه، وجُنّت زوجته بسبب هذه المصيبة. في الحقيقة، عبيد الله بن عباس، ابن عم الإمام الحسن المجتبى عليه السلام، كان قد فقد أسرته كلها، وكان معاوية هو الذي ارتكب هذه الجريمة بحقه. ومع ذلك خان الإمام الحسن عليه السلام، وترك الجيش طمعاً في ذهب معاوية ودراهمه، والتحق بمعاوية.
كان عبيد الله بن عباس نموذجاً من قادة ورؤساء جيش الإمام الحسن عليه السلام. في الحقيقة لم يبق للإمام الحسن عليه السلام إلا عدد معدود من أصحابه الحقيقيين، وأعلن الناس له بصراحة أنهم تعبوا من الحرب ولا يمانعون في قبول حكومة معاوية، ولو كان أموياً، مع أن النبي أمر بأنه إذا صعد معاوية المنبر فاقتلوه.
الصلح هو الطريق الوحيد لإنقاذ الإسلام
كان الصلح الخيار الأخير؛ الخيار الأخير لحفظ الإسلام والطريق الوحيد لحفظ الغدير. لا شك أن الإمام الحسن عليه السلام، كأبيه العظيم أمير المؤمنين علي عليه السلام، مصداق الآية الشريفة «لا تأخذه في الله لومة لائم»؛ أي من لا يخاف في سبيل الله لوم اللائمين. قبل الصلح الذي فرضه عليه أصحابه، ولم يخف من ألسنة الجرح، حتى يبقى الدين الذي كمل في الغدير ثابتاً. قبل الإمام الحسن المجتبى الصلح في غاية المظلومية لكي لا يستطيع جنود السقيفة محو الغدير من صفحة الزمان. ولا شك أن صلح الإمام الحسن عليه السلام كان حفظاً لدم أمه المظلومة؛ تلك الأم التي تحملت مظلومة الآلام والمصائب والضربات والجراحات الثقيلة ليبقى الغدير حياً، وفي النهاية استشهدت أمّه، ابنة النبي الوحيدة، لحفظ حقيقة ونور الغدير.
بيعة لا، صلح نعم
وفي هذا المقام لا بد من التنبيه إلى أن اقتراح الصلح لم يكن من الإمام الحسن المجتبى. ولهذا، مع أنه بقي وحيداً، دخل الإمام الحسن عليه السلام هذا الصلح من موضع قوة، وفرض شروط الصلح على معاوية. ومع أن المؤرخين حاولوا إخفاء مفاد الصلح أو تحريفه لحفظ ما لا كرامة للأمويين فيه، فإن كلمة «صلح» تختلف كثيراً عن كلمة «بيعة». فصلح الإمام الحسن عليه السلام لا يعني البيعة لمعاوية ولا الاعتراف بخلافته. وقد استخدمت المصادر التاريخية كلمة الصلح في نقل هذه الواقعة، ولذلك فإن تحليل الصلح على أنه بيعة خطأ كبير. وبعد الصلح لا نرى سكوت الإمام الحسن عليه السلام، كما أن أمير المؤمنين عليه السلام لم يسكت بعد السقيفة وغصب الخلافة، ولم يقصر حيثما أمكن في فضح الغاصبين. وفي الحقيقة، كان أول ضرر وخسارة لهذا الصلح الذي فرضه الناس راجعاً إلى الناس أنفسهم.
الشجاع الذي قبل الصلح
شجاعة الإمام الحسن عليه السلام لا تقبل الشك. الصلح كان مقتضى الظروف لا فقداناً للشجاعة. فقد مرّغ، كأبيه أمير المؤمنين، أنف العدو في ساحات القتال الصعبة. هجماته الشجاعة في الجمل أفشلت فتنة أتباع الجمل؛ الحرب التي اختار فيها جنود الشيطان، بدل الراية، جملاً اسمه عسكر، وكان من أولاد الشيطان، راية لهم. وراكبة ذلك الجمل، بسبب انتسابها إلى النبي، زادت ظلمة الفتنة. ولم تهدأ تلك الفتنة حتى عُقر الجمل وسقطت راكبته على الأرض. ومن أصعب أجزاء حرب الجمل عقر الجمل. كان جنود المكر والنفاق يدافعون عن ذلك الجمل بكل وجودهم، وفي النهاية كان سيف الإمام الحسن عليه السلام هو الذي أهلك جمل الفتنة وأذاق تلك المرأة راكبة الجمل طعم الهزيمة. وبعقر ذلك الجمل باءت خطط عائشة الفتنوية بالفشل، وانقطعت خيوط عائشة لإرجاع الخلافة إلى أسرة أبي بكر.
سبعون سهماً على جسد الإمام الحسن عليه السلام الطاهر
كانت عائشة امرأة نموذجاً في حمل الأحقاد. احتفظت بحقد يوم الجمل في صدرها. ولكن أين هي من صلابة الإمام الحسن المجتبى الحيدرية؟ لم تستطع قط أن تنتقم من كريم أهل البيت إلا بعد شهادة ذلك الإمام المظلوم. خرجت سهام ظلم عائشة مرة أخرى من القوس، واستقرت في جسد الإمام الحسن عليه السلام الطاهر الميت، لتضيف مظلومية إلى مظلوميات أهل البيت، وتزيد صحيفة عائشة السوداء سواداً. ما أعظم المصيبة التي صنعتها عائشة مع الأمويين. كانت عائشة تحمل في قلبها حقد الجمل على الإمام الحسن عليه السلام، وكان الأمويون قد أضافوا عار دفن عثمان في مقبرة اليهود إلى عارهم الآخر. كانت في المدينة صدور مملوءة حقداً وبغضاً لآل علي والإمام الحسن عليهم السلام. ينبغي للسماء أن تبكي دماً؛ فجسد الإمام الحسن عليه السلام الطاهر، الذي استشهد بسم جفاء بني أمية، صار هدفاً لسبعين سهماً من حقد عائشة. عائشة التي ركبت يوماً الجمل وصنعت فتنة الجمل، ركبت في ذلك اليوم بغلة بيضاء وسوداء، وأدخلت ذلك الظلم على بيت رسول الله الطاهر.
تجملت تبغلت ولو عشت تفيلت / لك التسع من الثمن وفي الكل تصرفت
يعني: يا عائشة! ركبتِ الجمل يوماً، وركبتِ البغلة يوماً آخر، ولو بقيتِ لركبتِ الفيل أيضاً! لكِ من ثمن بيت النبي تسع واحد، ومع ذلك تصرفتِ في كله. أي إنك مع أنك لا تملكين إلا جزءاً من بيت النبي الأكرم صلى الله عليه وآله، تصرفتِ في كله ومنعتِ دفن الإمام الحسن عليه السلام في ذلك البيت.
يعني: يا عائشة! ركبتِ الجمل يوماً، وركبتِ البغلة يوماً آخر، ولو بقيتِ لركبتِ الفيل أيضاً! لكِ من ثمن بيت النبي تسع واحد، ومع ذلك تصرفتِ في كله. أي إنك مع أنك لا تملكين إلا جزءاً من بيت النبي الأكرم صلى الله عليه وآله، تصرفتِ في كله ومنعتِ دفن الإمام الحسن عليه السلام في ذلك البيت.
المؤلف: حامد صارم
مقالات مشابهة
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد.