شهادة عون ومحمد: ظهور التوحيد العملي لعقيلة بني هاشم
المؤلف: حامد صارم

تناول النبأ العظيم في ملاحظة له شخصية السيدة زينب الكبرى عليها السلام ومقامها بوصفها بطلة التوحيد في واقعة كربلاء، وبيّن أوجه الشبه بين إبراهيم خليل الله وهذه السيدة العظيمة.
محبة الأم مشهورة بين الجميع. فالعشق والمحبة اللذان تحملهما الأم لولدها لا يمكن وصفهما. وقد صارت هذه المحبة مثلاً يضرب لبيان شدة الرحمة والرأفة والحنان. فعندما يريد الناس أن يقولوا إن أحداً لا يمكن أن يكون أحن من الأم، يقولون: «مربية أحن من الأم»، وعندما يريدون بيان شدة الرأفة والمحبة يقولون: «أحن من الأم».
لا تستطيع أي أم بسهولة أن تنزع قلبها عن ولدها وفلذة كبدها، ولا أن تتحمل ألم ولدها ومعاناته. فالأم تشتري الألم والمعاناة بروحها وقلبها ليكون ولدها في راحة. نعم، كأن وجود الأم كله فداء لولدها ووقف لراحة حبيبها.
محبة الأم مشهورة بين الجميع. فالعشق والمحبة اللذان تحملهما الأم لولدها لا يمكن وصفهما. وقد صارت هذه المحبة مثلاً يضرب لبيان شدة الرحمة والرأفة والحنان. فعندما يريد الناس أن يقولوا إن أحداً لا يمكن أن يكون أحن من الأم، يقولون: «مربية أحن من الأم»، وعندما يريدون بيان شدة الرأفة والمحبة يقولون: «أحن من الأم».
لا تستطيع أي أم بسهولة أن تنزع قلبها عن ولدها وفلذة كبدها، ولا أن تتحمل ألم ولدها ومعاناته. فالأم تشتري الألم والمعاناة بروحها وقلبها ليكون ولدها في راحة. نعم، كأن وجود الأم كله فداء لولدها ووقف لراحة حبيبها.
كربلاء أرض التوحيد والموحدين
في كربلاء كل شيء في ذروته. إن أعلى حد يمكن أن يرى من الفضائل الأخلاقية والرذائل الأخلاقية حاضر في كربلاء. فإذا أردنا أن نرى أناساً صاروا أضل من الحيوان فلننظر إلى كربلاء، وإذا أردنا أن نجد أناساً هم مسجود الملائكة ومطافهم فلنذهب إلى كربلاء ونصير من أهل خيام سيد الشهداء الوحيدة.
نعم، في ذلك المخيم كل الصفات المحمودة في ذروتها: المحبة والرأفة والحنان وسائر الصفات. وفي مخيم الإمام الحسين عليه السلام تبلغ المحبة لله تعالى والتوحيد ذروتهما. كل المحبات لأجل محبة الله. وكل حب وبغض في جيش الإمام الحسين عليه السلام هو لله وفي سبيل الله.
في ذلك الجيش، الذي كان جنوده رجالاً من أصحاب رسول الله وأنصاراً صادقين لسيد الشهداء وشباباً من بني هاشم ونساءً وأطفالاً، يفقد كل شيء لونه أمام إرادة الله تعالى ورضاه، وكل ما له لون فله لون إلهي؛ لأن إمام أهل خيام جيش الحق وسيدهم هو أبو عبد الله عليه السلام، وهو الذي قيل فيه وفي بقية أهل بيت العصمة: «بنا عبد الله» و«بنا عرف الله»؛ إن الله تعالى لا يعبد إلا بنا ولا يعرف إلا بنا. الإمام الحسين عليه السلام هو الذي كان وجوده محل معرفة الله. سيد الشهداء عليه السلام إمام الموحدين وقائد عباد الواحد، وجيشه جيش التوحيد. كربلاء كلها توحيد، وجنود الإمام الحسين عليه السلام جنود التوحيد.
نعم، في ذلك المخيم كل الصفات المحمودة في ذروتها: المحبة والرأفة والحنان وسائر الصفات. وفي مخيم الإمام الحسين عليه السلام تبلغ المحبة لله تعالى والتوحيد ذروتهما. كل المحبات لأجل محبة الله. وكل حب وبغض في جيش الإمام الحسين عليه السلام هو لله وفي سبيل الله.
في ذلك الجيش، الذي كان جنوده رجالاً من أصحاب رسول الله وأنصاراً صادقين لسيد الشهداء وشباباً من بني هاشم ونساءً وأطفالاً، يفقد كل شيء لونه أمام إرادة الله تعالى ورضاه، وكل ما له لون فله لون إلهي؛ لأن إمام أهل خيام جيش الحق وسيدهم هو أبو عبد الله عليه السلام، وهو الذي قيل فيه وفي بقية أهل بيت العصمة: «بنا عبد الله» و«بنا عرف الله»؛ إن الله تعالى لا يعبد إلا بنا ولا يعرف إلا بنا. الإمام الحسين عليه السلام هو الذي كان وجوده محل معرفة الله. سيد الشهداء عليه السلام إمام الموحدين وقائد عباد الواحد، وجيشه جيش التوحيد. كربلاء كلها توحيد، وجنود الإمام الحسين عليه السلام جنود التوحيد.
الاستقامة في التوحيد
التوحيد ليس التلفظ بكلمات مقدسة. التوحيد يعني أن يكون الإنسان موحداً في العمل، وألا يرى غير الله تعالى. التوحيد يعني أن تحب الله وأولياء الله المعصومين بكل وجودك. التوحيد ليس مجرد ادعاء، بل يجب إثباته في مقام العمل بأن تهدي إلى الله أفضل ما عندك وأحب ما لديك. ولم يعد الله تعالى بالجنة كل من قال بلسانه إن «الله» ربه، بل بشّر بالجنة الذين ثبتوا بقلوبهم في طريق التوحيد بعد هذا الاعتراف اللساني.
«إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون». (١)
«إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون». (١)
القيادة في جيش التوحيد لا تقاس بالذكورة والأنوثة ولا بكثرة العمر وقلته
كربلاء وادي الاستقامة في طريق التوحيد. إن إمام الموحدين سيد الشهداء له في جيشه التوحيدي قادة هم في أعلى مراتب التوحيد. والقيادة في جيش التوحيد لا تقاس بكون الإنسان رجلاً أو امرأة، ولا بكثرة السن أو قلته. معيار القيادة في جيش ذلك الإمام التوحيدي هو مقدار الاستقامة بعد قول «ربنا الله».
زينب الكبرى قائدة توحيد كربلاء
زينب الكبرى سلام الله عليها من قادة جيش أبي عبد الله عليه السلام التوحيدي. لقد جاءت إلى كربلاء بكل من لا يوجد عندها أعز منهم. وقد صحبت سيدها وقائدها باختيارها، وجاءت بولديها معها. وإن كانوا في زهدها وعبادتها وتهجدها لا يقيسونها بمريم بنت عمران فحسب، بل ينبغي أن تقاس عبادتها وتهجدها بعبادة أمها وتهجدها؛ تلك الأم التي قال ابنها المعصوم في عبادتها: قال الحسن عليه السلام: «ما كان في الدنيا أعبد من فاطمة عليها السلام، كانت تقوم حتى تتورم قدماها». (٢) نعم، كانت زينب مثالاً لا نظير له لأمها. وفي علم المعرفة، إذا كانت أمها الجليلة «محدثة»، فهي أيضاً «عالمة غير معلمة، فهمة غير مفهمة». (٣) وفي التوحيد كانت مثل جدها الأكبر إبراهيم الخليل محطم الأصنام، وفي سبيل التوحيد أخذت ولدها إلى القربان.
إبراهيم النبي وزينب الكبرى في القربان
إذا كان إبراهيم عليه السلام أباً وكان عليه أن يضحي بمحبة الأبوة في طريق التوحيد ويأخذ ولده إلى القربان، فإن زينب الكبرى سلام الله عليها كانت أماً، ومحبتها محبة أم، وأي محبة في الدنيا أعظم من محبة الأم لولدها؟ وقد جاءت زينب الكبرى سلام الله عليها بولديها إلى القربان. وإذا كان إبراهيم خليل الرحمن مأموراً بذبح ولده، وكان يذبحه بمحبة الأبوة، فإن ولدي زينب الكبرى كانا سيستشهدان بأيدي الأعداء الأمويين الذين يتمثل فيهم الشرك؛ عدو لا أثر للرحمة في وجوده، أمويون كانت نار حقد بدر وحنين تشتعل في قلوبهم.
في هذا الصراع، لما رأت زينب الكبرى سلام الله عليها سيد موحدي العالم وحيداً، جاءت بولديها على طريقة إبراهيم إلى القربان. أزالت الغبار عن رأسيهما ووجهيهما، وألبستهما ثياباً جديدة، وكحلت عيني حبيبيها الجميلتين، وكأنها تقدم ولديها بكل وجودها إلى حضرة سيد الموحدين. (٤)
إن محبة الأم لولدها لا تنتهي أبداً. لكن حين يكون قلب زينب الكبرى سلام الله عليها مملوءاً بمحبة الله، فإن محبة الأم لولدها تفقد لونها، وما يظهر من زينب الكبرى سلام الله عليها هو التوحيد العملي. ولا شك أن تلك المخدرة مصداق «إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا»، إذ استقامت في طريق «ربنا الله» حتى أرسلت ولديها، على طريقة إبراهيم، إلى القربان.
وحين رأت في حفرة المقتل جسد إمامها وأخيها بتلك الحالة التي لا توصف، أظهرت جلوة أخرى من التوحيد، فلم تشك ولم تتذمر، بل قالت بخضوع وخشوع بين يدي الحق، نيابة عن جدها رسول الله وأمها فاطمة الزهراء وأبيها وأخيها العظيمين: «إلهي تقبل منا هذا القربان». (٥)
كانت من كربلاء إلى الشام مظهر التوحيد. كانت تذكر بإبراهيم محطم الأصنام، وكانت مثله في نار المصائب، وفي كل مصيبة أظهرت جلوة من التوحيد. أراد عبيد الله بن زياد أن يذلها، غافلاً عن أن الله عزيز وأن العزة لله جميعاً. والموحدون يسقطون في التراب والدم، لكنهم لا يذلون ولا يحتقرون أبداً. توجه إلى زينب الكبرى سلام الله عليها وقال: «ماذا رأيت في كربلاء؟» فسمع جواباً يدل على التوحيد والاستقامة، جواباً أفهم كل كفار بني أمية أن التوحيد لا يهزم، كلمة معجزة: «ما رأيت إلا جميلاً».
بهذا البيان أوضحت زينب الكبرى أنها قدمت كل أحبائها، وكل نفسها، وكل ما تملك لحبيبها حضرة الحق. وأي لحظة أجمل من تلك التي يضحي فيها الإنسان بكل شيء من أجل محبوبه؟ لذلك كانت كربلاء في نظر زينب الكبرى توحيداً وعبادة للواحد؛ أن تفدي كل ما تملك لله تعالى. وفي جميع حركات زينب الكبرى سلام الله عليها يتجلى التوحيد. لذلك كربلاء أرض الموحدين ووادي عباد الواحد، وكل موحد فقلبه في كربلاء وأمنيته زيارة كربلاء.
في هذا الصراع، لما رأت زينب الكبرى سلام الله عليها سيد موحدي العالم وحيداً، جاءت بولديها على طريقة إبراهيم إلى القربان. أزالت الغبار عن رأسيهما ووجهيهما، وألبستهما ثياباً جديدة، وكحلت عيني حبيبيها الجميلتين، وكأنها تقدم ولديها بكل وجودها إلى حضرة سيد الموحدين. (٤)
إن محبة الأم لولدها لا تنتهي أبداً. لكن حين يكون قلب زينب الكبرى سلام الله عليها مملوءاً بمحبة الله، فإن محبة الأم لولدها تفقد لونها، وما يظهر من زينب الكبرى سلام الله عليها هو التوحيد العملي. ولا شك أن تلك المخدرة مصداق «إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا»، إذ استقامت في طريق «ربنا الله» حتى أرسلت ولديها، على طريقة إبراهيم، إلى القربان.
وحين رأت في حفرة المقتل جسد إمامها وأخيها بتلك الحالة التي لا توصف، أظهرت جلوة أخرى من التوحيد، فلم تشك ولم تتذمر، بل قالت بخضوع وخشوع بين يدي الحق، نيابة عن جدها رسول الله وأمها فاطمة الزهراء وأبيها وأخيها العظيمين: «إلهي تقبل منا هذا القربان». (٥)
كانت من كربلاء إلى الشام مظهر التوحيد. كانت تذكر بإبراهيم محطم الأصنام، وكانت مثله في نار المصائب، وفي كل مصيبة أظهرت جلوة من التوحيد. أراد عبيد الله بن زياد أن يذلها، غافلاً عن أن الله عزيز وأن العزة لله جميعاً. والموحدون يسقطون في التراب والدم، لكنهم لا يذلون ولا يحتقرون أبداً. توجه إلى زينب الكبرى سلام الله عليها وقال: «ماذا رأيت في كربلاء؟» فسمع جواباً يدل على التوحيد والاستقامة، جواباً أفهم كل كفار بني أمية أن التوحيد لا يهزم، كلمة معجزة: «ما رأيت إلا جميلاً».
بهذا البيان أوضحت زينب الكبرى أنها قدمت كل أحبائها، وكل نفسها، وكل ما تملك لحبيبها حضرة الحق. وأي لحظة أجمل من تلك التي يضحي فيها الإنسان بكل شيء من أجل محبوبه؟ لذلك كانت كربلاء في نظر زينب الكبرى توحيداً وعبادة للواحد؛ أن تفدي كل ما تملك لله تعالى. وفي جميع حركات زينب الكبرى سلام الله عليها يتجلى التوحيد. لذلك كربلاء أرض الموحدين ووادي عباد الواحد، وكل موحد فقلبه في كربلاء وأمنيته زيارة كربلاء.
شهداء الدفاع عن الحرم قادة التوحيد
إن قبة زينب الكبرى سلام الله عليها وبارگاهها الملكوتي مدرسة لتعليم التوحيد وتعلمه. فما دام ذلك البارگاه قائماً فإن نوره يكسر ظلمة الكفر والشرك. لذلك لا ينبغي أن نعجب من بقاء قبتها في حصار بقايا حزب أبي سفيان. فمن الطبيعي أن أبناء هند آكلة الأكباد لا يطيقون رؤية ذلك البارگاه النوراني؛ لأن في بارگاه زينب الكبرى راية التوحيد وعلمه. واليوم اتخذ الموحدون وعباد الواحد زينب الكبرى أسوة لهم، واختاروا لأنفسهم اسم «مدافعي الحرم» لحماية ذلك البارگاه النوراني وحفظ عبادة الواحد. وهم في الحقيقة مدافعون عن التوحيد، وشهداؤهم شهداء التوحيد.
نعم، اليوم يهاجم أبناء مشركي بني أمية مرقد القائدة الكبرى لتوحيد كربلاء بذريعة التوحيد وعبادة الواحد، لكن زينب الكبرى أجابت سيدهم يزيد من قبل: «كد كيدك واجهد جهدك، فوالله الذي شرفنا بالوحي والكتاب والنبوة والانتخاب، لا تدرك أمدنا ولا تبلغ غايتنا ولا تمحو ذكرنا». أي: استعمل كيدك ومكرك، وابذل غاية جهدك؛ فوالله الذي شرفنا نحن أهل البيت بالوحي والقرآن والنبوة والاختيار، لن تبلغ غايتنا ولن يمحى ذكرنا.
نعم، اليوم يهاجم أبناء مشركي بني أمية مرقد القائدة الكبرى لتوحيد كربلاء بذريعة التوحيد وعبادة الواحد، لكن زينب الكبرى أجابت سيدهم يزيد من قبل: «كد كيدك واجهد جهدك، فوالله الذي شرفنا بالوحي والكتاب والنبوة والانتخاب، لا تدرك أمدنا ولا تبلغ غايتنا ولا تمحو ذكرنا». أي: استعمل كيدك ومكرك، وابذل غاية جهدك؛ فوالله الذي شرفنا نحن أهل البيت بالوحي والقرآن والنبوة والاختيار، لن تبلغ غايتنا ولن يمحى ذكرنا.
الهوامش
١- فصلت: ٣٠
٢- بحار الأنوار، طبعة بيروت، ج ٤٣، ص ٧٦
٣- الاحتجاج على أهل اللجاج للطبرسي، ج ٢، ص ٣٠٥
٤- رواية كربلاء: سوگنامه الإمام الحسين عليه السلام وأصحابه، ص ١٥٩
٥- العلامة السيد عبد الرزاق المقرم، مقتل الحسين، ص ٣٧٩
٢- بحار الأنوار، طبعة بيروت، ج ٤٣، ص ٧٦
٣- الاحتجاج على أهل اللجاج للطبرسي، ج ٢، ص ٣٠٥
٤- رواية كربلاء: سوگنامه الإمام الحسين عليه السلام وأصحابه، ص ١٥٩
٥- العلامة السيد عبد الرزاق المقرم، مقتل الحسين، ص ٣٧٩
المؤلف: حامد صارم
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد.