من «الثقلين» إلى وجوب الأخذ بالعترة والعمل بها: تحليل الوجه الرابع لدلالة حديث الثقلين في عبقات الأنوار ونقد ادعاء عبد العزيز الدهلوي
المؤلف: حامد صارم

أحيانًا تحمل كلمة واحدة كامل ثقل نزاع تاريخي؛ وفي حديث الثقلين، تلك الكلمة هي «الثقلين». يبيّن مير حامد حسين الهندي في الوجه الرابع من عبقات الأنوار أن الجمع بين القرآن والعترة ليس مجرد تعبير عن الاحترام. فحين يتحدث عشرات اللغويين والمحدّثين والشرّاح من أهل السنة عن «الأخذ» و«العمل» و«الاتباع» و«الانقياد» و«رعاية الحقوق»، لا يعود من الممكن إزاحة العترة من صلب الحديث إلى هامشه، ثم القول إن هذا الكلام لا صلة له بالمرجعية والقيادة. تعيد هذه المقالة قراءة إحدى أدق حلقات الاستدلال في عبقات؛ حيث يتحول عنوان يبدو بسيطًا إلى ميدان لاختبار دعوى كبرى: هل يمكن أن يكون المرء «ثقلًا»، وأن يقف إلى جانب القرآن، وأن يكون متعلقًا للأخذ والاتباع، ثم يُستبعد مع ذلك من بحث هداية الأمة؟
الملخص
يتناول هذا البحث الوجه الرابع من وجوه دلالة حديث الثقلين في عبقات الأنوار؛ وهو الوجه الذي يستدل فيه مير حامد حسين الهندي على وجوب اتباع أهل البيت انطلاقًا من التعبير النبوي نفسه «الثقلين»، ومن بيان وجه التسمية أيضًا. وتتمثل المسألة الرئيسة للبحث في تقويم السؤال الآتي: هل تسمية القرآن والعترة بـ«الثقلين» ناظرة إلى عظمتهما وشرفهما فحسب، أم أنها تنطوي، في التراث اللغوي والحديثي لأهل السنة، على دلالة عملية وتكليفية كذلك؟ ويعتمد البحث منهج التحليل الداخلي لتقرير صاحب عبقات، والتصنيف الاستقرائي للمجموعة الواسعة من أقوال اللغويين والمحدّثين والشرّاح من أهل السنة التي جمعها في تفسير «الثقلين». ويُظهر فحص هذه الأقوال أن تعابير مثل «الأخذ بهما» و«العمل بهما» و«اتباعهما» و«الانقياد لهما» و«وجوب رعاية حقوقهما» قد تكررت في تفسير هذه التسمية، إلى جانب «عظمة القدر» و«كبر الشأن». وعلى هذا الأساس، تُقدَّم العترة في الحديث، إلى جانب القرآن، متعلقًا للأخذ والعمل والاتباع، لا مجرد موضوع للتكريم والمحبة. وتبيّن المقالة أن استدلال صاحب عبقات لا يقفز من مجرد المعنى اللغوي لـ«الثقل» إلى وجوب الاتباع، بل يقوم على الصلة بين أصل التسمية ووجه التسمية والإلزام العملي. ويخلص البحث إلى أن جواب عبد العزيز الدهلوي القائل إنه «لا يلزم أن يكون المتمسَّك به صاحب الزعامة الكبرى» لا يستوعب جميع المعطيات محل النزاع، إذ يجرّد مفهوم «المتمسَّك به» من الأوصاف الفعلية الواردة في الحديث. ومع أن الوجه الرابع لا يثبت بمفرده جميع عناصر نظرية الإمامة، فإنه يضع النفي المطلق لأي صلة بين حديث الثقلين والمرجعية الدينية للعترة أمام تحدٍّ جاد وموثَّق.
الكلمات المفتاحية: حديث الثقلين؛ عبقات الأنوار؛ مير حامد حسين الهندي؛ عبد العزيز الدهلوي؛ الثقلان؛ وجوب اتباع أهل البيت؛ الأخذ والعمل؛ المرجعية الدينية.
١. المقدمة؛ الوجه الرابع امتدادًا للحلقات الثلاث السابقة
ليس نزاع صاحب عبقات مع عبد العزيز الدهلوي في مبحث دلالة حديث الثقلين نزاعًا على كلمة منفردة أو قراءة لغوية متناثرة. يفكك مير حامد حسين الهندي بنية الحديث جزءًا جزءًا، ويضع في كل وجه الحكم السلبي نفسه للدهلوي موضع الاختبار من زاوية جديدة. فقد كتب الدهلوي: «وهذا الحديث أيضًا، على غرار الأحاديث السابقة، لا مساس له بالمدّعى؛ إذ لا يلزم أن يكون المتمسَّك به صاحب الزعامة الكبرى». والسؤال الذي يطرحه صاحب عبقات في مواجهة هذه القضية يتصل بهذه الصياغة العامة تحديدًا: هل يمكن فصل «المتمسَّك به» في حديث الثقلين عن مجموع القرائن والأوصاف والنِّسَب التي قررها له الحديث نفسه، ثم إصدار الحكم نفسه عليه الذي قد يصدق على أي متعلق آخر للتمسك؟ أم ينبغي أولًا النظر في الأوصاف التي عرّف بها النص النبوي القرآن والعترة، وفي نوع العلاقة التي أقامها بين الأمة وهذين الاثنين؟
تناول كلٌّ من الوجوه الثلاثة الأولى إحدى هذه القرائن على نحو مستقل. ففي الوجه الأول، دار الكلام حول معنى «التمسك»، وأثبت صاحب عبقات، استنادًا إلى كلمات علماء أهل السنة، أن التمسك بالعترة لا يُختزل في مجرد المحبة والاحترام، بل يرتبط بالاهتداء والاقتداء والاتباع. وفي الوجه الثاني، كانت مرتبة هذا الاتباع موضوع البحث، فدُرس اتباع العترة إلى جانب اتباع القرآن من حيث الوجوب واللزوم. وأبرز الوجه الثالث وظيفة هذا التمسك في مرحلة ما بعد النبي؛ حيث يرتبط التمسك بالثقلين بعبارة «لن تضلوا بعدي» وبالعصمة من الضلال بعد رسول الله. وليس الوجه الرابع تكرارًا لأيٍّ من هذه المسارات الثلاثة. فهذه المرة، يصبح نفس العنوان الذي اختاره النبي لكتاب الله والعترة، أي «الثقلين»، موضوع الاستدلال.
يتألف استدلال صاحب عبقات في هذا الوجه من مرحلتين متمايزتين ومترابطتين. تتمثل المرحلة الأولى في أصل التعبير عن القرآن والعترة بـ«الثقلين». ويكتب صاحب عبقات صراحةً أن «مجرد هذا التعبير» هو في ذاته «دليل واضح وبرهان لائح» على وجوب اتباع أهل البيت. ومن ثم، فإن نقطة انطلاق الاستدلال تسبق الرجوع إلى أقوال اللغويين: فقد عرّف النبي كتاب الله وأهل البيت بعنوان مشترك وبصيغة التثنية، وهو «الثقلان».
وفي التوضيح التحليلي لهذه الفقرة، لا بوصفه عبارة أوردها صاحب عبقات نفسه بهذه الصياغة، يمكن إضافة ملاحظة بنيوية. إن تثنية «الثقلين» تكون ذات معنى حين يكون كلٌّ من «الكتاب» و«العترة» بمفرده مصداقًا لـ«الثقل». فكما أن الأشياء المختلفة لا تُدرج في مجموعة واحدة في التصنيف الصحيح إلا من حيث عنوان جامع، كذلك أُدرج القرآن والعترة، على الرغم من اختلافهما في الماهية، تحت العنوان الجامع «الثقل» في هذا الكلام النبوي. فإذا عددنا تفاحة وكمثرى معًا، سمّينا الحاصل «ثمرتين»؛ لأن «الثمرة» هي الحيثية المشتركة التي تشمل كلا الفردين، لا أن يكون أحدهما تفاحة ويكون الآخر خارجًا أصلًا عن عنوان الثمرة. وكذلك فإن إطلاق «الثقلين» في الحديث يعني أن القرآن «ثقل» والعترة أيضًا «ثقل»، وأن كليهما يشتركان في عنوان «الثقل» من الحيثية التي كانت منشأ هذه التسمية.
وما يثبت على نحو يقيني في هذه المرحلة هو أن العترة جُعلت، إلى جانب القرآن، مصداقًا مستقلًا للعنوان نفسه الذي أطلقه النبي عليهما بصيغة «الثقلين». ومن ثم، لا يمكن اعتبار القرآن في هذا التعبير ذا شأن حقيقي ووظيفة هادية، ثم اختزال العترة بلا دليل في عنصر تشريفي يفتقر إلى الوظيفة العملية. ومن هنا بالضبط يبدأ السؤال الحاسم: ما الحيثية المشتركة التي جعلت النبي يجمع الكتاب والعترة تحت عنوان واحد هو «الثقلان»؟
وتتمثل المرحلة الثانية من استدلال صاحب عبقات في الإجابة عن هذا السؤال نفسه: ما معنى «الثقل» في هذا الحديث، وما وجه تسمية القرآن والعترة بـ«الثقلين»؟ وفي هذه المرحلة، لا يكتفي صاحب عبقات بفهم شخصي، بل يجمع طائفة واسعة من أقوال اللغويين والمحدثين والشراح من أهل السنة ليبيّن كيف فهموا هم أنفسهم هذه التسمية. وتكمن أهمية هذا الاستقصاء في أن الإجابات ليست متطابقة تمامًا، لكنها تتقارب في عدة محاور ذات دلالة: فطائفة ترى أن «الثقل» يشير إلى عظمة قدر القرآن والعترة ونفاستهما وجلالة شأنهما؛ وطائفة تؤكد ثقل رعاية حقوقهما؛ وعدد ملحوظ يرى وجه التسمية صراحةً في ثقل «الأخذ» بهما و«العمل» بهما. وفي بعض النقول، جاء هذا المعنى أكثر صراحةً أيضًا، فاستُعملت تعبيرات مثل «الاتباع»، و«الانقياد»، و«المحافظة على رعايتهما»، و«القيام بواجب حرمتهما»، و«العمل بما يتلقى عنهما».
وهذا التنوع في التعابير، خلافًا لما قد يُتصور للوهلة الأولى، لا يجعل استدلال صاحب عبقات مشتتًا، بل يزيد المجال الدلالي لـ«الثقلين» وضوحًا. فليست هذه الأقوال جميعًا في مستوى واحد، ولا ينبغي أن يُستخرج منها معنى واحد قسرًا. فتعبير «عظمة القدر» لا يحمل بمفرده الدلالة نفسها التي يحملها «العمل بهما» أو «اتباعهما»؛ كما أن «رعاية الحقوق» ليست عين «طاعة الأوامر». وتكمن قوة منهج صاحب عبقات في أنه يحفظ هذه الفروق عند النقل، لكنه يستند إلى تلك التصريحات التي تتحدث مباشرةً عن الأخذ بكلا الثقلين والعمل بهما واتباعهما. وفي التلخيص، نفحات الأزهار، خُلص هذا المحور نفسه بقدر أكبر من الصراحة: إذ يُذكر في وجه هذه التسمية «العمل والأخذ بهما والانقياد لهما والمحافظة على حقوقهما ورعايتها وما يجب لهما». وهذه الصياغة شرح موجز لمجموع الشواهد التي جمعها صاحب عبقات بالتفصيل.
من هذه النقطة، يتجاوز الوجه الرابع بحثًا لغويًا محضًا، ويتناول دعوى الدهلوي مباشرةً. فإذا كان إطلاق «الثقلين» على القرآن والعترة في شروح عدد من علماء أهل السنة راجعًا إلى ثِقَل الأخذ بهما والعمل بهما، فلا يمكن بعد ذلك اختزال حضور العترة في الحديث في الاحترام أو المحبة أو فضيلة لا صلة لها بالهداية العملية للأمة. ويضع صاحب عبقات إصبعه على هذه الحلقة تحديدًا: إن الأخذ بأحكام القرآن والعمل بها واجب ولازم؛ وحين يُدخل علماء الطرف المقابل العترةَ نفسها أيضًا في التعبير ذاته، «الأخذ بهما والعمل بهما»، تظهر العترة كذلك في نص الحديث بوصفها متعلَّقًا للأخذ والعمل. ومن منظور صاحب عبقات، فإن نتيجة هذه المقدمات واضحة: «فكذلك سيكون الأخذ بأوامر العترة والعمل بها واجبًا ولازمًا».
وعليه، تتشكّل القوة الاحتجاجية للوجه الرابع ضمن سلسلة منتظمة: أولًا، القرآن والعترة كلاهما «ثِقْل»؛ ثم لا بد من توضيح وجه اشتراكهما في هذا العنوان؛ وبعد ذلك، استنادًا إلى تصريحات متعددة لعلماء أهل السنة، يُعرَّف «الأخذ بهما والعمل بهما» بوصفه أحد أهم وجوه هذه التسمية. وعند هذه النقطة، لا يعود الكلام عن لقب تشريفي؛ بل تصبح العترة، في بنية الحديث، أحد المتعلَّقين اللذين ترتبط بهما الأمة بعلاقة «الأخذ» و«العمل» و«الاتباع» و«الانقياد». وهذا المعنى تحديدًا هو ما ينبغي قياس مدى متانته في بقية المقالة، من خلال دراسة تفصيلية لأقوال علماء أهل السنة.
٢. كلام عبد العزيز الدهلوي ونقطة انطلاق الوجه الرابع
يكتب عبد العزيز الدهلوي، في مقام نفي دلالة حديث الثقلين على الإمامة:
«وهذا الحديث أيضًا، على غرار الأحاديث السابقة، لا مساس له بالمدَّعى؛ إذ لا يلزم أن يكون المتمسَّك به صاحب الزعامة الكبرى».
عبقات الأنوار، ج٢٠، ص٢٦؛ PDF: ٣٧.
بنية استدلال الدهلوي عامة وتجريدية: فلا يمكن استنتاج «الزعامة الكبرى» من مجرد كون الشيء «متمسَّكًا به». ويتحدى صاحب عبقات هذا التجريد في الوجه الرابع بإعادة البحث إلى الصيغة الفعلية للحديث. فموضوع الحديث ليس «متمسَّكًا به» غير متعين ومحايدًا؛ بل الكلام عن كتاب الله والعترة، وقد قدّمهما النبي تحت عنوان واحد هو «الثقلان». ومن ثم، قبل أن يُستنتج من قاعدة عامة بشأن كل متمسَّك به أن الحديث «لا مساس له» بمسألة الإمامة، لا بد أولًا من بيان الوصف الذي وُصف به هذان المتعلَّقان الخاصان في الحديث نفسه، والدلالة التي اكتسبها ذلك الوصف في تراث شرح الحديث.
ينطلق الوجه الرابع من هذه النقطة تحديدًا. فيركز صاحب عبقات أولًا على لفظ «الثقلين» نفسه، ثم ينقل، لبيان وجه هذه التسمية، مجموعة واسعة من أقوال اللغويين والمحدثين والشراح من أهل السنة. وهذه الأقوال ليست متطابقة: فقد فسّر بعضهم «الثقلين» بعِظَم قدر القرآن والعترة وجلالة شأنهما؛ وأكد بعضهم ثقل مراعاة حقوقهما؛ وصرّح فريق بأن علة هذه التسمية هي ثقل الأخذ بهما والعمل بهما. وترد في بعض النقول أيضًا تعابير مثل «الاتباع» و«الانقياد» و«المحافظة على الرعاية» و«القيام بواجب الحرمة». ويركز صاحب عبقات، من بين هذه المجموعة، خصوصًا على تلك التفسيرات التي جعلت القرآن والعترة كليهما متعلَّقًا لـ«الأخذ» و«العمل».
وعليه، لم تعد المسألة هي ما إذا كان كل ما يمكن التمسك به صاحب زعامة بالضرورة أم لا؛ فهذه الصياغة لا تمثل النزاع بصورته الكاملة. والسؤال الحقيقي هو: حين قدّم النبي العترة إلى جانب القرآن بوصفها أحد «الثقلين»، ورأى عدد من علماء أهل السنة أن وجه هذه التسمية هو ثقل الأخذ بكليهما، أو العمل بهما، أو اتباعهما، أو مراعاة حقوقهما، فهل يمكن اختزال العترة في هذا الحديث إلى مجرد موضوع للاحترام، خالٍ من أي شأن هدايتي وعملي؟ إن الإجابة عن هذا السؤال هي التي توضح صلة الوجه الرابع بدعوى الدهلوي.
٣. النص الكامل للوجه الرابع في عبقات الأنوار
«الوجه ـ ٤: دلالة لفظ «الثقلين» على وجوب اتباع أهل البيت، ونقل عبارات العلماء. الوجه الرابع هو أن حضرة الرسول صلى الله عليه وآله الأطياب قد عبّر في هذا الحديث الشريف عن كتاب الله وأهل البيت عليهم السلام بالثقلين، ومجرد هذا التعبير المشبع بالبلاغة دليل واضح وبرهان لائح على وجوب اتباع أهل البيت عليهم السلام. ذلك أن علماء أهل السنة الأعلام وجهابذتهم الفخام قد أفادوا بأن من وجوه تسمية الكتاب والعترة بالثقلين أن الأخذ بهذين الشيئين والعمل بهما ثقيل وشاق على العاملين، ومن الظاهر جدًّا أن الأخذ بأحكام القرآن والعمل بها واجب ولازم، فكذلك يكون الأخذ بأوامر العترة والعمل بها واجبًا ولازمًا؛ وهذا هو عين المقصود المحمود. وأما أن علماء أهل السنة قد أفادوا وجه التسمية المذكور، فليس بخفي ولا مستور على المتتبع الخبير.»
٣ـ١. إعادة صياغة ميسّرة لكلام صاحب عبقات
يقول صاحب عبقات في الوجه الرابع: إن النبي الأكرم قد وصف كتاب الله وأهل بيته في حديث الثقلين بعنوان «الثقلين»، وهذا التعبير وحده يدل على وجوب اتباع أهل البيت.
ومن وجوه هذه التسمية أن الأخذ بهما والعمل بهما شاق وثقيل على الإنسان. ومن جهة أخرى، من الواضح أن الأخذ بالقرآن والعمل بأحكامه واجب ولازم؛ ومن ثم فإن الأخذ بالعترة والعمل بأوامرها سيكون كذلك واجبًا ولازمًا. وهذه هي النتيجة المقصودة في هذا الوجه.
ثم يضيف صاحب عبقات أن وجه التسمية هذا ليس أمرًا مجهولًا ولا خفيًّا على الباحث الذي تتبّع المصادر وفحصها بالقدر الكافي.
۳ـ۲. إعادة البناء المنطقي لاستدلال صاحب عبقات
لإيضاح بنية الاستدلال، يمكن صياغة كلام صاحب عبقات في مرحلتين، لا بوصفه نقلًا حرفيًّا عنه، بل بوصفه إعادة بناء منطقية لاستدلاله من قِبل كاتب هذه السطور.
المرحلة الأولى: من عنوان «الثقلين» إلى اشتراك القرآن والعترة في الأخذ والعمل
المقدمة الأولى: أطلق النبي الأكرم على كتاب الله والعترة معًا اسم «الثقلين».
المقدمة الثانية: أحد وجوه تسمية هذين بـ«الثقلين» هو أن الأخذ بهما والعمل بهما ثقيل وشاق.
النتيجة الأولى: إذن، تعلّق الخطاب بالقرآن والعترة كليهما من جهة «الأخذ والعمل»؛ أي كما أن الأخذ بالقرآن والعمل به لهما معنى، فإن الأخذ بالعترة والعمل بها لهما أيضًا معنى وموضوعية.
هذه المرحلة وحدها لا تُفضي بعدُ إلى وجوب الاتباع؛ بل تُثبت المقدمة الأساسية للاستدلال: العترة في الحديث، كالقرآن، متعلَّق «الأخذ والعمل»، وليست مجرد موضوع للمحبة أو التعظيم.
المرحلة الثانية: من الأخذ والعمل إلى وجوب الاتباع
المقدمة الأولى: القرآن والعترة، في وجه تسميتهما بـ«الثقلين»، كلاهما متعلَّق للأخذ والعمل.
المقدمة الثانية: الأخذ بالقرآن والعمل بأحكامه واجب ولازم.
المقدمة الضمنية للاستدلال: حين يعبّر وجه التسمية عن «الأخذ بكليهما والعمل بهما» بتركيب واحد وبضمير التثنية «بهما»، لا يمكن، من دون دليل، اعتبار الأخذ والعمل ملزِمَين في أحد الطرفين وغير ملزِمَين في الطرف الآخر.
النتيجة: إذن، الأخذ بأوامر العترة والعمل بها واجب ولازم أيضًا.
وبما أن «الأخذ بأوامر العترة والعمل بها»، في مقام السلوك الديني للأمة، ليس إلا الاقتداء بهم واتباعهم عمليًّا، فإن النتيجة النهائية لصاحب «العبقات» تُصاغ على النحو الآتي:
العترة في حديث الثقلين واجبة الاتباع.
والصيغة الموجزة للاستدلال هي كما يأتي:
تسمية القرآن والعترة بـ«الثقلين» ← الأخذ بهما والعمل بهما ← وجوب الأخذ بالقرآن والعمل به ← سريان الإلزام نفسه على العترة ← وجوب اتباع العترة.
٤. القدر المشترك بين أقوال علماء أهل السنة في تفسير «الثقلين»
جمع صاحب عبقات، في تتمة الوجه الرابع، مجموعة واسعة من عبارات اللغويين والمحدّثين والشرّاح من أهل السنة بشأن وجه تسمية القرآن والعترة بـ«الثقلين». ومع أن نقل هذه العبارات المتشابهة في بنيتها واحدةً واحدةً يُظهر القيمة الاستقصائية لعبقات، فإنه يؤدي، في إطار المقالة، إلى التكرار وانقطاع تسلسل الاستدلال. ومن ثم، تُنظَّم الأقوال في هذا القسم على أساس القدر المشترك الدلالي بينها، بوصف ذلك تصنيفًا تحليليًّا لكاتب هذه السطور، لا تقسيمًا وضعه صاحب عبقات نفسه؛ ومع ذلك، تُحفَظ أسماء أصحاب الأقوال والمصادر المستند إليها، كي لا يضيع اتساع الشواهد العلمية وكثرتها.
٤ـ١. «الأخذ بهما والعمل بهما»؛ أكثر وجوه التسمية تكرارًا
أكثر التعابير تكرارًا في مجموعة النقول الواردة في عبقات يفيد هذا المعنى:
«سُمِّيا ثقلين لأن الأخذ بهما ثقيل والعمل بهما ثقيل.»
أي إنّ القرآن والعترة سُمّيا «الثقلين» لأنّ الأخذ بهما والعمل بهما ثقيل وشاقّ.
وقد تكرّر هذا المعنى في مصادر عديدة. ينقله الأزهري في تهذيب اللغة عن ثعلب؛ ويورد مجد الدين ابن الأثير المعنى نفسه في النهاية وكذلك في جامع الأصول؛ كما نقل ابن منظور في لسان العرب، والطيبي في الكاشف، ومحمد بن خليفة الأُبّي في إكمال إكمال المعلم، ودولت آبادي في هداية السعداء، والسنوسي في مكمل إكمال الإكمال، والسيوطي في الدر النثير، ومحمد طاهر الفتني في مجمع البحار، وعبد الحق الدهلوي في لمعات، والزرقاني في شرح المواهب اللدنية، والزبيدي في تاج العروس، هذا الوجه نفسه أو تعبيرًا قريبًا منه. ويقول الديلمي أيضًا في فردوس الأخبار، بعد نقل الحديث، في تفسير «الثقلين»:
«يعني الأخذ بهما ثقيل.»
وفي بعض هذه المؤلفات، ترد العبارة بلفظ «الأخذ بهما والعمل بهما» تمامًا، وفي بعضها الآخر تتكرّر مع اختلاف يسير؛ غير أنّ البنية الأساسية واحدة: فضمير التثنية في «بهما» يجعل القرآن والعترة كليهما متعلَّقًا للأخذ والعمل. ولهذه النقطة دور محوري في استدلال صاحب العبقات؛ إذ ليست العترة، وفق هذا التفسير، مجرّد موضوع للمحبة أو التكريم أو الفضيلة، بل تقع إلى جانب القرآن في نطاق «الأخذ» و«العمل».
على أنّه لا ينبغي مساواة كثرة المصادر بتعدّدٍ كامل ومستقلّ لمنابع هذه الأقوال. فبعض هذه المؤلفات يعيد نقل كلام ثعلب أو عبارات المصادر السابقة؛ ومن ثمّ، فإنّ قيمة هذه الكثرة تكمن في إظهار شيوع هذا الوجه من التسمية واستمراره في طبقات مختلفة من الأدبيات اللغوية والحديثية لدى أهل السنّة، أكثر ممّا تكمن في إحصاء «أقوال مستقلة». وهذه الدقة نفسها تُظهر استقصاء العبقات على نحو أكثر علمية ومتانة.
٤ـ٢. من «الأخذ والعمل» إلى «الاتباع» و«الانقياد»
في بعض النقول، أصبحت الدلالة أصرح من التعبير العام «الأخذ والعمل»، وانتقلت مباشرةً إلى الاتباع والانقياد وتلقّي الهداية.
يتحدث محمد بن مظفر الخلخالي في مفاتيح شرح مصابيح، بعد بيان ثِقَل الأخذ بالثقلين والعمل بهما، عن «المحافظة» و«الاحترام»، ولا سيما «الانقياد»، فيما يتعلق بأهل البيت:
«... وكذا محافظة أهل بيته واحترامهم وانقيادكم لهم إذا كانوا خلفاء بعدي.»
وللسيد الشريف الجرجاني في حاشية مشكاة تعبير أوضح:
«وسمي الكتاب وأهل البيت لأن اتباعهما ثقيل.»
في هذه العبارة، يرتبط وجه التسمية مباشرةً باتباع الكتاب وأهل البيت.
ويعبّر عبد الحق الدهلوي أيضًا عن المعنى نفسه بالفارسية في «أشعة اللمعات»:
«إنما سُمّي كتاب الله وأهل البيت ثَقَلًا لأن الأخذ بهما واتباعهما ثقيل، فلا يستطيع كل أحد حمل عبئه.»
ولهذا التصريح أهمية خاصة من جهة الاحتجاج؛ إذ لم يعد بالإمكان إرجاع وصف العترة بأنها «ثَقَل» إلى مجرد العظمة أو المحبة أو الاحترام؛ فقد أُدرج «الاتباع» نفسه في تفسير هذا الوصف.
وفي السياق نفسه، يكتب التفتازاني في «شرح المقاصد»:
«ولا معنى للتمسك بالكتاب إلا الأخذ بما فيه من العلم والهداية، فكذا في العترة.»
وبعبارة أخرى، لا معنى للتمسك بالكتاب إلا الأخذ من علمه وهدايته، وهذا المعنى نفسه جارٍ في العترة أيضًا. ويُظهر هذا التعبير أن وضع العترة إلى جانب القرآن، في فهم هؤلاء الشُّرّاح، ليس مجرد اقتران لفظي؛ بل يرتبط بالأخذ بالعلم والهداية والاتباع.
وعليه، فإن هذه المجموعة من الشواهد تجعل دلالة الوجه الرابع أكثر صراحة بدرجة: فالمطروح بشأن العترة ليس مجرد «الرعاية»، بل إن بعض النصوص المستشهد بها تتحدث عن الاتباع والانقياد وتلقي الهداية.
٤ـ٣. رعاية الحقوق والقيام بواجب الحرمة
وتفسر مجموعة أخرى من الأقوال وجه التسمية بـ«الثقلين» بثقل الحقوق والتكاليف المتعلقة بالقرآن والعترة.
يتحدث محمد بن يوسف الزرندي في نظم درر السمطين، إلى جانب «الأخذ والعمل»، عن «المحافظة على رعايتهما». وقد عبّر نور الدين السمهودي عن هذا المعنى بوضوح أكبر في جواهر العقدين:
«لأن الأخذ بهما والعمل بما يتلقى عنهما والمحافظة على رعايتهما والقيام بواجب حرمتهما ثقيل.»
في هذه العبارة، وُضعت عدة مستويات من علاقة الأمة بالثقلين جنبًا إلى جنب: الأخذ بهما، والعمل بما يُتلقى عنهما، والمحافظة على رعايتهما، والقيام بواجب حرمتهما.
ويذكر ابن حجر المكي أيضًا في الصواعق أحد وجوه التسمية على النحو الآتي:
«وقيل سماهما ثقلين لثقل وجوب رعاية حقوقهما.»
وفي موضع آخر، يتحدث عن حثّ النبي على:
«الاقتداء والتمسك بهم والتعلم منهم»
وهو ما يتحدث عنه.
ويظهر المحور نفسه أيضًا في عبارات ميرزا مخدوم شريفي في نواقض، والجهرمي في براهين قاطعة، والمناوي في التيسير، وعلي عزيزي في السراج المنير، وشهاب الدين الخفاجي في نسيم الرياض، وأحمد بن عبد القادر العجيلي في ذخيرة المآل، وولي الله بن حبيب الله الأنصاري في مرآة المؤمنين. وتتراوح تعبيراتهم بين «المحافظة على رعايتهما»، و«القيام بواجب حرمتهما»، و«ثقل وجوب رعاية حقوقهما».
تكتسب هذه الطائفة من الأقوال أهمية في إثبات أن علاقة الأمة بالعترة ليست علاقة عاطفية محضة خالية من الإلزام. فقد عُرِّفت العترة في هذه النصوص بأنها صاحبة حقوق واجبة الرعاية؛ وهي حقوق عُدَّت رعايتها جزءًا من معنى «الثِّقْل».
٤ـ٤. عِظَم القدر والشرف؛ مؤيِّد للمكانة، لا دليل مباشر على وجوب الاتباع
ليست جميع الأقوال المنقولة في عبقات منصبّة مباشرة على الأخذ أو العمل أو الاتباع. فقد فسّر عدد من العلماء «الثقلين» بعِظَم قدر القرآن والعترة، وجلالة شأنهما، ونفاستهما.
يقول النووي في شرح صحيح مسلم:
«سميا ثقلين لعظمهما وكبر شأنهما، وقيل: لثقل العمل بهما.»
وقد نقل العلقمي عبارة النووي هذه نفسها. ويتحدث السخاوي في استجلاب ارتقاء الغرف أولًا عن «إعظام قدرهما وتفخيم شأنهما»، ثم يضيف أيضًا وجه «الأخذ بهما والعمل بهما». ويذكر السيوطي كذلك «عظم قدرهما» إلى جانب ثِقَل الأخذ بهما والعمل بهما.
يورد الملا علي القاري في شرح الشفا ومرقاة المفاتيح عدة وجوه جنبًا إلى جنب: عِظَم القدر، وكثرة الحقوق، وشدة الأخذ بهما، بل حتى هذا المعنى:
«عمارة الدين بهما كما عمرت الدنيا بالإنس والجن.»
أي إن قوام الدين وعمارته بالقرآن والعترة، كما أن عمارة الدنيا بالإنس والجن.
كما ذكر الزرقاني والعجيلي والخفاجي وصديق حسن خان «عِظَم الشأن والشرف» إلى جانب «ثِقَل العمل» أو «ثِقَل رعاية الحقوق».
من الناحية التحليلية، ينبغي تمييز هذه الفئة عن الأقوال السابقة. فعِظَم القدر والنفاسة لا يثبتان بمفردهما وجوب الاتباع، ولا ينبغي تحميل هذه الأقوال ما يتجاوز طاقتها الدلالية. ووظيفة هذه الأقوال هي بيان أن إطلاق «الثقلين» على القرآن والعترة ليس تعبيرًا محايدًا أو تشريفيًا؛ بل إن كليهما يتمتع، في نظر هؤلاء الشراح، بشأن متميز ومكانة بارزة. أما الدليل الأكثر مباشرة لدى صاحب عبقات على وجوب الاتباع، فهو تلك الفئة من الأقوال التي تتحدث صراحةً عن الأخذ والعمل والاتباع والانقياد ورعاية الحقوق.
٤ـ٥. حصيلة استقراء الأقوال
إنّ مجموعة الأقوال التي جمعها صاحب «عبقات» في هذا الوجه، مع اختلاف تعابيرها، تنتظم حول محاور واضحة عدّة: عظمة الثقلين وشرفهما؛ ووجوب مراعاة حقوقهما وثقل هذه المراعاة؛ وعلى أصرح المستويات، الأخذ والعمل والاتباع والانقياد وتلقّي العلم والهداية من القرآن والعترة.
لا تكمن أهمية استقصاء صاحب «عبقات» في أنّ جميع هؤلاء العلماء قالوا عبارة واحدة أو قبلوا نتيجة كلامية متماثلة. فمثل هذا الادعاء ليس لازماً للاستدلال، ولا يستفاد من نصوص أقوالهم. وتتمثل قيمة هذه المجموعة في أنّ تعبير «الثقلين» قد شُرح مراراً، في طيف واسع من المصادر، من المؤلفات اللغوية مثل «تهذيب اللغة» و«لسان العرب» و«تاج العروس»، إلى الشروح الحديثية مثل «شرح صحيح مسلم» و«مرقاة» و«لمعات» و«شرح المواهب»، فضلاً عن مؤلفات مثل «شرح المقاصد» و«الصواعق»، بمفاهيم من قبيل الأخذ والعمل والاتباع والانقياد والهداية ومراعاة الحقوق.
ومن ثمّ ينبغي فهم كثرة هذه المصادر في موضعها الصحيح. فقد نُقلت بعض الروايات عن بعضها، ولا تُعدّ جميعها شاهداً مستقلاً؛ غير أنّ هذا التكرار والتداول نفسهما يبيّنان أنّ تفسير «الثقلين» بما يقتضي ثقل الأخذ والعمل لم يكن تفسيراً هامشياً أو مجهولاً. ومن جهة أخرى، فإنّ اختلاف التعابير يخدم التحليل أيضاً؛ إذ يبيّن أنّ الدلالة موضع البحث لا تتوقف على جملة منفردة، بل إنّ شبكة من التعابير المتجهة في اتجاه واحد—من «الأخذ والعمل» إلى «الاتباع والانقياد» و«رعاية الحقوق»—قد تشكلت في مصادر متعددة.
وعليه، يمكن اختصار حاصل هذا الاستقراء في قضية واحدة: إنّ كون العترة «ثَقَلاً» في قسم كبير من المصادر التي يستند إليها صاحب «عبقات» ليس مجرد علامة على الشرف والمحبة؛ بل إنّ العترة، إلى جانب القرآن، قد وُضعت موضع الأخذ والعمل والاتباع واستمداد الهداية ومراعاة الحقوق. وهذا القدر المشترك هو المقدمة التي يعتمد عليها صاحب «عبقات» في الوجه الرابع للانتقال من عنوان «الثقلين» إلى وجوب اتباع أهل البيت.
٥. جواب الوجه الرابع على عبدالعزيز دهلوي؛ الإشكال في صياغة «المتمسَّك به»
يمكن الآن تحديد موضع إصابة الوجه الرابع لكلام عبدالعزيز دهلوي بدقة أكبر. يقول دهلوي: «ليس من اللازم أن يكون المتمسَّك به صاحب الزعامة الكبرى». فإذا نُظر إلى هذه العبارة بوصفها حكماً كلياً ومجرداً، فلا نزاع فيها من حيث ذاتها؛ إذ من الواضح أنّ كل ما يُتمسَّك به لا يكون بالضرورة صاحب زعامة. ويبدأ الإشكال حين تُعدّ هذه القضية العامة، من دون ملاحظة الأوصاف الخاصة لمتعلَّق التمسك في حديث الثقلين، جواباً عن دلالة الحديث.
لا يتحدث حديث الثقلين عن «متمسَّك به» مجهول وخالٍ من الأوصاف. فموضوع الحديث هو العترة التي قُدِّمت مع كتاب الله بعنوان «الثقلين»؛ ويُبيِّن الوجه الرابع في عبقات أن هذا العنوان نفسه قد شُرح، في قسم معتبر من الشروح والمصادر المستشهد بها، بـ«الأخذ» و«العمل» و«الاتباع» و«الانقياد» ومراعاة الحقوق. ومن ثم، لا يمكن فصل هذه الأوصاف عن متعلَّق التمسك، ثم نفي صلة الحديث بمسألة المرجعية استنادًا إلى حكم عام بشأن «كل متمسَّك به».
وبعبارة أدق، ليس جواب صاحب عبقات أن «كل متمسَّك به إمام» حتى يمكن إسقاط أصل الاستدلال بذكر مثال ناقض واحد. وإنما كلامه عن هذا المتمسَّك به الخاص بما له من هذه المجموعة من الأوصاف. فالعترة في الحديث أحد «الثقلين»، وقد جُعلت، في تفسير هذا العنوان نفسه، إلى جانب القرآن متعلَّقًا للأخذ والعمل. ومن ثم، ينبغي أن يدور البحث حول هذا الموضوع المعيَّن، لا حول مفهوم عام حُذف منه قسم مهم من معطيات الحديث.
ومن هذا المنظور، لا تكمن مشكلة جواب الدهلوي في مجرد الاختلاف في النتيجة، بل في اختزال الموضوع قبل الحكم عليه. فالصيغة الحقيقية للسؤال ليست: «هل كل ما يُتمسَّك به صاحب زعامة؟»؛ وإنما هي: ما مكانة العترة في الهداية الدينية للأمة، وهي التي قُدِّمت إلى جانب القرآن بوصفها أحد الثقلين، وطُرح الأخذ بها والعمل بها واتباعها في تفسير هذا العنوان نفسه؟ إن الإجابة عن هذا السؤال تقتضي مواجهة مجموع قرائن الحديث، لا مجرد تكرار قاعدة عامة بشأن مفهوم «المتمسَّك به».
وهنا تتضح قيمة المنهج الاحتجاجي لصاحب عبقات. فهو لا يدّعي، لإلزام الطرف المقابل، أن جميع علماء أهل السنة قد قبلوا النتيجة النهائية للإمامية؛ فمثل هذا الادعاء ليس لازمًا، ولا هو أساس استدلاله. وإنما يستخرج من داخل المصادر المقبولة لدى الطرف المقابل مقدمات لا تنسجم مع السلب المطلق الذي يقرره الدهلوي. فإذا كانت العترة قد عُرفت في التقليد العلمي نفسه بأنها أحد الثقلين، ومتعلَّقًا للأخذ أو العمل أو الاتباع أو مراعاة الحقوق، لم يعد من الممكن قبول نفي أية صلة بين الحديث والمرجعية الدينية من دون استدلال إضافي. وهنا يتخذ الاحتجاج صورة واضحة لإلزام الخصم بالمباني والشواهد المقبولة في منظومته العلمية نفسها.
٥ـ١. حدود دلالة الوجه الرابع
ومع ذلك، فإن الحفاظ على حدود الدلالة ضروري لمتانة البحث العلمية. فعلى الرغم من أن الوجه الرابع لا يسعى بمفرده إلى إثبات جميع أجزاء نظرية الإمامة، فإنه قد يكون من الممكن استخراج جميع المباحث المتعلقة بالعصمة والأعلمية والأفضلية من لفظ «الثقلين» وحده. ولصاحب عبقات وجوه أخرى مستقلة لهذه المسائل، ونقل نتائجها إلى هذا الوجه يطمس الحدود بين الاستدلالات.
إن الحصيلة الدقيقة للوجه الرابع أضيق نطاقًا، لكنها حاسمة إزاء قول الدهلوي: فالعترة في حديث الثقلين ليست مجرد موضوع للمحبة والتكريم، بل جُعلت إلى جانب القرآن في نطاق الأخذ والعمل والاتباع. ومن ثم، فإن الادعاء بأن الحديث «لا مساس له» بمسألة القيادة والمرجعية يحتاج، على الأقل، إلى جواب واستدلال مستقلين إزاء هذا الجانب من دلالة الحديث والتفسيرات التي جمعها صاحب عبقات من مصادر أهل السنة.
وعليه، فإن الوجه الرابع لا يقطع الطريق كله بمفرده، لكنه يسد باب النفي المطلق. فقد يُبحث بعد ذلك في حدود مرجعية العترة، أو لوازمها، أو الصلة الدقيقة بين هذه الدلالة وسائر أركان نظرية الإمامة؛ لكن لا يمكن، قبل الدخول في هذه المراحل، استبعاد أصل ارتباط الحديث بالمرجعية الدينية للعترة استبعادًا كليًا.
٦. التوضيح التكميلي في نفحات الأزهار
يبيّن نفحات الأزهار، في تلخيصه للوجه الرابع، بنية الاستدلال بصورة أكثر إيجازًا ووضوحًا. فيُصرَّح فيه أولًا بأن النبي عرّف كتاب الله والعترة بتعبير «الثقلين»، وأن هذا التعبير نفسه يدل على وجوب الاتباع. ثم تُجمع، في توضيح وجه التسمية، المفاهيم التي كانت متفرقة في أقوال علماء أهل السنة: «العمل والأخذ بهما»، و«الانقياد لهما»، و«المحافظة على حقوقهما»، ورعاية ما يجب لهما.
وفي الختام تُلخَّص نتيجة الاستدلال بوضوح أيضًا: إن الأخذ بأحكام القرآن والعمل بها فرض؛ «فكذلك العترة، وهذا هو المطلوب». ولا ينشئ هذا البيان دليلًا جديدًا مستقلًا عن عبقات، بل يعيد عرض منطق الوجه الرابع نفسه في صياغة موجزة: فإذا كان القرآن والعترة كلاهما «ثقلًا»، وكان وجه هذه التسمية قد بُيّن بالأخذ والعمل والانقياد لكليهما، فلا يمكن الإقرار بالإلزام العملي في شأن القرآن والتخلي عنه في شأن العترة من دون دليل.
نفحات الأزهار، ج٢، ص٢٥١؛ PDF: ٢٩٥–٢٩٦.
٧. الخاتمة
يقوم الوجه الرابع في عبقات الأنوار على نكتة دقيقة ومستقلة، هي دلالة عنوان «الثقلين» نفسه ووجه التسمية به على الموقع العملي للعترة إلى جانب القرآن. ويبدأ صاحب العبقات استدلاله من أن النبي قدّم كتاب الله والعترة تحت عنوان واحد مشترك. ثم يرجع، لتوضيح معنى هذه التسمية، إلى مجموعة واسعة من المصادر اللغوية والحديثية وشروح الحديث لدى أهل السنة، ويبيّن أن وصف القرآن والعترة بأنهما «ثقلان» قد فُسِّر في قسم مهم من هذه المؤلفات بثقل الأخذ بهما والعمل بهما واتباعهما والانقياد لهما ورعاية حقوقهما.
لا تكمن أهمية هذا الاستقصاء في مجرد عدد النقول؛ فبعض هذه العبارات منقول من مصادر سابقة، ولا تُعدّ جميعها شواهد مستقلة تمامًا. وإنما تكمن القيمة العلمية لهذه المجموعة في سعة تداول معنى واحد في طبقات متعددة من تراث أهل السنة، من اللغة وغريب الحديث إلى شروح الحديث والمؤلفات الكلامية. فضلًا عن ذلك، ليست الأقوال كلها في مرتبة دلالية واحدة؛ فـ«عظمة القدر» وحدها لا تساوي وجوب الاتباع، في حين أن تعبيرات مثل «الأخذ بهما» و«العمل بهما» و«اتباعهما» و«الانقياد» و«وجوب رعاية الحقوق» تدل على علاقة عملية وتكليفية أوضح. والتمييز بين هذه المراتب لا ينتقص من قوة الاستدلال، بل يصونه من التعميمات المتسرعة.
بناءً على هذه المعطيات، يمكن تلخيص استدلال صاحب العبقات على النحو الآتي: وُصف القرآن والعترة كلاهما بأنهما «ثقل»؛ ومن الوجوه المهمة لهذه التسمية الأخذ بهما والعمل بهما؛ والأخذ بالقرآن والعمل به في مجال الهداية الدينية واجب؛ وقد جُعلت العترة أيضًا، ضمن التركيب نفسه، متعلقًا للأخذ والعمل. وعليه، فإن للعترة، في نظر صاحب العبقات، شأنًا ملزمًا في الهداية الدينية للأمة، وهذه هي الحلقة التي ينطلق منها إلى وجوب اتباع أهل البيت.
هنا يخضع جواب عبد العزيز الدهلوي أيضًا للتقييم النهائي. فقوله إن «المتمسَّك به لا يلزم أن يكون صاحب الزعامة الكبرى» ناظر إلى مفهوم عام ومجرد؛ غير أن موضوع حديث الثقلين ليس متمسَّكًا به خاليًا من الأوصاف. فالعترة أحد الثقلين، وهذا العنوان نفسه قد فُسِّر في المصادر التي جمعها صاحب العبقات بشبكة من المفاهيم العملية والهداية. ومن ثم، لا يستقيم نفي صلة الحديث بالمرجعية الدينية بمجرد الاستناد إلى هذه القضية العامة، بل لا بد من بيان سبب خلو هذه المجموعة من الأوصاف والقرائن من أي دلالة على تحديد موقع العترة.
تكمن قوة الوجه الرابع في هذه النقطة تحديدًا. فهذا الوجه لا يدّعي أن لفظ «الثقلين» وحده يثبت جميع عناصر نظرية الإمامة؛ إذ تتجاوز مثل هذه الدعوى حدود هذا الاستدلال. وإنما يبيّن هذا الوجه بقوة أنه لا يمكن اختزال العترة في حديث الثقلين في عنصر تشريفي، أو مجرد موضع للاحترام، أو جهة تفتقر إلى شأن عملي. فالعترة، إلى جانب القرآن، متعلق للأخذ والعمل والاتباع؛ وهذا القدر وحده يكفي لإثبات أن دعوى «عدم مساس» الحديث بمسألة المرجعية والقيادة الدينية دعوى لا أساس لها إطلاقًا.
إن تعبير «الثقلين»، بالنظر إلى وجوه التسمية الواردة في المصادر التي استند إليها صاحب العبقات، يضع العترة في نطاق الهداية العملية للأمة؛ وأي قراءة تسعى إلى حذف هذه المنزلة من الحديث يجب أن تواجه، لا المفهوم التجريدي لـ«المتمسَّك به»، بل بنية الحديث نفسها والشواهد الواردة في تفسيره.
المصادر والمراجع
١. مير حامد حسين الهندي، عبقات الأنوار في إمامة الأئمة الأطهار، ج٢٠، قسم حديث الثقلين، الوجه الرابع، صص ٣٧–٤٢ (PDF: ٤٨–٥٣).
٢. نفحات الأزهار في خلاصة عبقات الأنوار، ج٢، قسم وجوه دلالة حديث الثقلين، الوجه الرابع، ص٢٥١ (PDF: ٢٩٥–٢٩٦).
٣. الأزهري، تهذيب اللغة؛ النقل المستخدم مأخوذ من عبقات الأنوار.
٤. ابن الأثير الجزري، النهاية في غريب الحديث وجامع الأصول؛ النقول مأخوذة من عبقات الأنوار.
٥. النووي، المنهاج شرح صحيح مسلم؛ النقل استنادًا إلى عبقات الأنوار.
٦. ابن منظور، لسان العرب؛ الطيبي، الكاشف؛ التفتازاني، شرح المقاصد؛ الجرجاني، حاشية مشكاة؛ النقول استنادًا إلى عبقات الأنوار.
٧. السخاوي، استجلاب ارتقاء الغرف؛ السمهودي، جواهر العقدين؛ ابن حجر الهيتمي، الصواعق المحرقة؛ النقول استنادًا إلى عبقات الأنوار.
٨. الملا علي القاري، شرح الشفا ومرقاة المفاتيح؛ المناوي، التيسير؛ الزرقاني، شرح المواهب اللدنية؛ النقول استنادًا إلى عبقات الأنوار.
٩. عبد الحق الدهلوي، لمعات التنقيح وأشعة اللمعات؛ النقول استنادًا إلى عبقات الأنوار.
المؤلف: حامد صارم
مقالات مشابهة
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد.