من ابتسامة فاطمة تمطر الجنة نورًا
المؤلف: حامد صارم

السيدة فاطمة الزهراء، عليها السلام، كفؤ أمير المؤمنين، عليه السلام، ولولا أن الله تعالى خلق علياً، عليه السلام، لما كان أحد كفؤاً لتلك السيدة الشريفة.(١) وقد ذكر أهل البيت، عليهم السلام، لها أسماءً وألقاباً متعددة. وتكشف هذه الأسماء والألقاب عن الأبعاد المختلفة لوجودها. فكل اسم أو لقب أُطلق عليها يشير إلى بُعد واحد أو أكثر من أبعاد شخصيتها وخصائصها السامية.
ومن أسمائها وألقابها «المحدَّثة»، وهو كناية عن تكلّم جبرئيل معها بعد شهادة النبي الأكرم، و«العالمة»، وهو ما يدل على العلم الإلهي للسيدة فاطمة الزهراء، عليها السلام.(٢) وقد وُصفت السيدة الزهراء، عليها السلام، بأنها سيدة نساء العالمين وسيدة النساء يوم القيامة، وفي رواية بأنها سيدة نساء أهل الجنة.(٣)
عصمة فاطمة الزهراء اختيارية
على الرغم من أن السيدة الزهراء، عليها السلام، تحظى في عالم التكوين بمنزلة رفيعة، وأن معرفتها سبب لسمو العارفين بها وترقيهم، فإن قبول ولاية السيدة الزهراء، عليها السلام، يوجب طهارة نفوس محبيها وشيعتها ونقاءها.(٤) لكن لا ينبغي أن ننسى أن السيدة الزهراء، عليها السلام، عاشت في هذا العالم في ظاهر بشري، وواجهت ما يواجهه كل إنسان في حياته من مشكلات. وينبغي أن نتذكر هذه النقطة المهمة جداً: إن عصمة السيدة الزهراء، عليها السلام، لا تعني أن الصديقة الطاهرة كانت مجبرة على عدم ارتكاب الذنب؛ ولذلك ينبغي دراسة حياتها في ضوء هذه الحقيقة، لا على أساس الوهم القائل إن صحة سلوك الصديقة الطاهرة وسيرتها في الحياة الاجتماعية إنما تعود إلى عصمتها، ولا صلة لها بنساء ورجال المجتمع المعاصر. فالنساء في مجتمعنا اليوم لا يتمتعن بالعصمة التي تمتعت بها السيدة الزهراء، عليها السلام؛ ومن ثم قد يُتصوَّر أن نساء ورجال المجتمع اليوم لا يستطيعون أن يتعلموا من أسلوب حياة السيدة الزهراء وأمير المؤمنين، عليهما السلام، وأنهم معذورون في ما يختلف به واقع حياة النساء والرجال اليوم عن سيرة السيدة الزهراء، عليها السلام، لأن تلك العظيمة معصومة ونحن لسنا بمعصومين.
يعتقد الشيعة أن المعصومين، عليهم السلام، لم يكونوا مجبورين على ترك الذنب ولا في أفعالهم؛ بل كانت لديهم القدرة على ارتكاب الذنب، لكنهم لم يرتكبوا الأعمال القبيحة. ومن هنا ينبغي أن تكون السيدة الزهراء، عليها السلام، قدوةً لجميع الشيعة في كل المجالات، ولا سيما للنساء.
تشتمل حياة الصديقة الطاهرة على جهات وأبعاد كثيرة، ومن جملتها البعد السياسي في حياتها، وكذلك حياتها في كنف الأسرة وتعاملها مع المشكلات الكثيرة، وهي أمور بالغة الأهمية.
طاعة الزوج في السيرة الفاطمية
كانت السيدة الزهراء مطيعةً لأمر أمير المؤمنين لأنّ الإمام علياً عليه السلام زوجها، لا لمجرد أنّ الإمام علياً صاحب الإمامة. ومع أنّ فاطمة الزهراء كفؤٌ لعلي المرتضى وذات مقام رفيع جداً عند ربها، فإنها تستأذن الإمام علياً عليه السلام للخروج من البيت والذهاب إلى بيت أبيها: «َ قَالَتْ تَأْذَنُ لِی فِی الْمَصِیرِ إِلَى مَنْزِلِ أَبِی رَسُولِ اللَّهِ ص»؛(٥) فقالت مخاطبةً علياً عليه السلام: «أتأذن لي أن أذهب إلى منزل أبي رسول الله؟»
ينبغي أن تحظى هذه النقطة باهتمام كبير من مجتمعنا، نساءً ورجالاً. فالسيدة الزهراء، التي لقّبها النبي بـ«الصدّيقة»، كانت تعدّ خروجها من البيت من دون رضا زوجها وإذنه محرّماً عليها، ولو كان قصدها من الخروج زيارة رسول الله. وإذا تأملنا في الموقع المكاني لبيت السيدة فاطمة سلام الله عليها وبيت النبي، اتضحت أهمية هذا الأمر أكثر. فقد كان باب بيتها يُفتح على المسجد، وكان بيت رسول الله مجاوراً للمسجد أيضاً؛ ولعل المسافة بين البيتين كانت أقل من عشر خطوات. ومع ذلك كانت الصدّيقة الطاهرة تستأذن الإمام علياً عليه السلام للخروج من المنزل والذهاب إلى بيت أبيها.
للرجال مسؤوليات بشأن خروج المرأة
وإن كان ظاهر هذه الرواية يفيد أن جميع النساء المتمسكات بسيرة فاطمة سلام الله عليها يجب عليهن قبول ولاية الرجل على المرأة، فإن على الرجال أيضاً واجباً مهماً. فالرجل الذي لا تستطيع زوجته الخروج من البيت من دون إذنه، ينبغي أن ينتبه إلى ما يأذن به. فإذا خرجت فتاة من البيت بعلم أبيها، أو خرجت امرأة بعلم زوجها وإذنه، وكان خروجها يستلزم معصيةً أو أمراً مخالفاً للشرع، فإن من يأذن لها بهذا الفعل هو المسؤول في الدرجة الأولى؛ بل لعل عقابه يكون أشد من عقاب الابنة أو الزوجة التي ارتكبت الفعل المحرّم.
كيفية لباس فاطمة الزهراء سلام الله عليها
إنّ ستر السيدة فاطمة، سلام الله عليها، عند خروجها من المنزل جديرٌ بأقصى درجات الاهتمام. فبعد أن استأذنت زوجها في الخروج من البيت، كانت هيئتها على النحو الآتي: «فَتَجَلَّلَتْ بِجَلَالِهَا [بِجِلْبَابِهَا] وَ تَبَرْقَعَتْ بِبُرْقُعِهَا» (٦). فوضعت جلبابها (الشادور) على رأسها، ووضعت برقعاً (غطاءً للوجه يستر الوجه ما عدا العينين) على وجهها، ثم اتجهت نحو بيت رسول الله.
إنّ سلوك السيدة فاطمة وسيرتها يُتمّان الحجة على جميع الرجال والنساء، ويُظهران واجب النساء في الستر، وواجب الرجال في الأمر بالمعروف لأهلهم؛ لأنّ المعروف هو فعل فاطمة الزهراء. فإذا لم يأمر الرجل أهله بالسيرة الفاطمية، فقد ترك الأمر بالمعروف. والرجال الذين تركوا سيرة السيدة فاطمة، سلام الله عليها، ويتحمّلون من زوجاتهم أو بناتهم كلّ سلوك وكلّ لباس غير مناسب، ولا يأمرون بالمعروف، لم يخالفوا سيرة فاطمة الزهراء فحسب، بل يُلعنون في روايات أهل البيت بسبب قلّة غيرتهم.
إنّ سلوك السيدة الزهراء منطبقٌ على رضا الله تعالى، وفعل السيدة الزهراء يُفهمنا رضا الله عن ستر النساء. ومن ثمّ، بعد معرفة سيرة السيدة الزهراء، ومعرفة رضا الله أو سخطه بوساطة تلك السيرة، لا يستطيع أحد أن يقول إنّ كيفية التحجّب أمرٌ شخصي، وإنّ لكلّ شخص أن يختار لباسه بحسب ذوقه، أو ألّا يلتزم أصلاً بسترٍ خاصّ بوصفه حجاباً. ولا شكّ أنّ واجب الجميع هو أن يقرّبوا أساليب حياتهم، بقدر استطاعتهم، من حياة تلك السيدة المكرّمة.
حياء السيدة الزهراء في الطلب من زوجها
دخل عليّ، عليه السلام، إلى البيت وسأل فاطمة: «هل عندك شيء للأكل؟» فأقسمت فاطمة، سلام الله عليها، أنّه لم يكن في البيت منذ أكثر من يومين شيءٌ للغذاء، وأنّه لو كان موجوداً شيءٌ لأعطته للحسنين. فقال أمير المؤمنين، عليه السلام: «لِمَ لَمْ تُخبريني حتى أهيّئ لكم شيئاً؟» فقالت السيدة الصدّيقة الطاهرة، سلام الله عليها: «یا أبا الحسن إنی لأستحیی من إلهی أن أکلف نفسک ما لا تقدر علیه» (٧)، أي: يا أبا الحسن، إنّي أستحيي من ربّي أن أكلّفك ما لا تقدر عليه.
مع أنّ السيدة الزهراء، سلام الله عليها، كانت جائعة منذ يومين، فإنّها تقول: إنّي أستحيي من إلهي أن أطلب منك شيئاً. ومع أنّ الطعام من الضروريات الأولى في حياة كل إنسان، فإنّ السيدة فاطمة كانت تشارك زوجها وتسانده حتى إلى هذا الحدّ في مشقّات حياته.
إنَّ حِلمَ السيدة فاطمة الزهراء، سلام الله عليها، في مواجهة المشكلات لا يعني مجرد أنها لم تكن تترك بيت زوجها في تلك الشدائد، بل إنها لم تكن تطلب منه أدنى طلب، حتى إنها لم تكن تشير إلى هذه المشكلة. وكان تحمّل الصدّيقة الطاهرة وصبرها في هذه الشدائد إلى حدّ أنَّ الإمام عليًّا، عليه السلام، لم يكن يعلم بالأمر. ويُرجى أن تتعلّم نساؤنا من سيرة فاطمة الزهراء، سلام الله عليها؛ فعندئذٍ ستُنظَّم مستويات المعيشة وفق قدرة الرجل، وسيُراعى، على الأقل في غير الضروريات، استطاعَة الزوج.
إذا سار مجتمعنا على أساس سيرة فاطمة الزهراء، سلام الله عليها، ساد الهدوءُ الأسرةَ، وفي ظل هذا الهدوء يمكن للأسرة أن تكون موضعًا لتربية الأطفال ورقيّهم. ولم تكن السيدة الزهراء تشكو من ضيق العيش.
وكان ذلك مع أنَّ أحوال معيشتها الاقتصادية كانت أدنى من أحوال أهل المدينة. وقبيل العيد كان أطفال المدينة يملكون ملابس للعيد، لكن الحسنين شكوا إلى أمهما لعدم امتلاكهما ملابس العيد.(٨) وبالنظر إلى هذه الرواية، لا يمكن القول إن جميع أهل المدينة كانوا في مثل هذا الضيق.
لوم السيدة الزهراء بسبب زواجها من عليٍّ، عليه السلام
يتّضح أن مستوى معيشة فاطمة الزهراء، سلام الله عليها، من حيث المطامع الدنيوية كان أدنى من غيرها، حتى إن نساء المدينة لُمْنَها لزواجها من رجل فقير. ويروي سلمان الفارسي: «كنتُ يومًا واقفًا في حضرة رسول الإسلام، صلّى الله عليه وآله وسلّم، أصبّ الماء على يديه المباركتين، إذ دخلت فاطمة وهي باكية. فوضع نبيّ الله، صلّى الله عليه وآله وسلّم، يده المباركة على رأس فاطمة وقال: ما الذي أبكاكِ؟ لا أبكى الله عينيكِ يا حوراء! قالت: مررتُ بجماعة من نساء قريش، فلما وقعت أبصارهنّ عليّ طعنّ في ابن عمي. فقال: وما الذي سمعتِ منهنّ؟ قالت: يقلن: ما أقبح أن يزوّج محمد، صلّى الله عليه وآله وسلّم، ابنته لرجل من قريش فقير.»
فقال: «يا بُنيّة، ما زوّجتكِ أنا، ولكن الله زوّجكِ عليًّا.... ثم دخل جبرئيل وقال: إن الله القادر نظر إلى الأرض، فاختار من الرجال عليًّا، ومن النساء فاطمة، عليهما السلام. فزوِّج فاطمةَ من عليّ.»
عليّ وفاطمة نوران يضيئان الأرض بالهداية لكل من أراد الجنة ولقاء رسول الله والهداية. وبوجود هذين الجوهرين السماويين لن يبقى طريق الهداية مظلماً إلى يوم القيامة، وإن كانت الأمة الإسلامية بعد استشهاد النبي لم تعرف قدر هذه الجوهرة وقيمتها، وهي درة عالم الوجود. وبسبب دعمها ودفاعها عن الحق الذي بلّغه الله لرسوله في غدير، أحرقوا بيتها وأسقطوا جنينها ذا الستة أشهر، واستشهدت السيدة الزهراء من جراء تلك الإصابات.
نور الجنة من فاطمة الزهراء
السيدة الزهراء هي مثال نور الله في السماوات والأرض؛ أي إن أهل السماوات وأهل الأرض يهتدون بنور وجودها. وفي الجنة أيضاً، حيث لم يخلق الله الشمس والقمر، «لا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا» (١٠). وستضاء الجنة كذلك بنور فاطمة.
إن محبي فاطمة الزهراء سلام الله عليها، بعد أن يستقروا في الجنة، يشاهدون نوراً أضاء الجنة. فيقول أهل الجنة: «يا ربنا، لقد قلت في الكتاب الذي أنزلته إن الشمس لا تُرى في الجنة (لا یرون فیها شمسا)». فينادي منادٍ: «هذا النور ليس نور الشمس ولا القمر، بل إن علياً وفاطمة فرحا بشيء فضحكا، فمن ابتسامة هذين أمطرت الجنة نوراً» (١١).
إن ألقت الزهراء علينا نظرةً،
داوت الزهراء الآلام.
وتمنح القلب والروح صفاءً،
إن ألقت الزهراء علينا نظرةً.
إن ألقت الزهراء علينا نظرةً،
داوت الزهراء الآلام.
وتمنح القلب والروح صفاءً،
إن ألقت الزهراء علينا نظرةً.
الهوامش:
١. روضة المتقين في شرح من لا يحضره الفقيه — محمد تقي المجلسي (الأول) — ج ٥ — ص ٣٤٣–٣٤٥
٢. روضة المتقين في شرح من لا يحضره الفقيه — محمد تقي المجلسي (الأول) — ج ٥ — ص ٣٤٥–٣٤٧
٣. مناقب آل أبي طالب — ابن شهر آشوب — ج ٣ — ص ١٠٤–١٠٦
٤. مفاتيح الجنان — المحدث القمي، إذن دخول المشاهد المشرفة
٥. بحار الأنوار ٤٣ ١٤٧، باب ٦ — كيفية معاشرتها مع علي ع ....
٦. بحار الأنوار ٤٣ ١٤٧، باب ٦ — كيفية معاشرتها مع علي ع ....
٧. بحار الأنوار — العلامة المجلسي — ج ٤٣ — ص ٥٩–٦١
٨. بحار الأنوار — العلامة المجلسي — ج ٤٣ — ص ٧٥
٩. زندگاني حضرت زهرا عليها السلام (ترجمة بحار الأنوار) ٥٦٠، ترجمة: ..... ص: ٥٦٠
١٠. الدهر: ١٣
١١. بحار الأنوار — العلامة المجلسي — ج ٤٣ — ص.
٢. روضة المتقين في شرح من لا يحضره الفقيه — محمد تقي المجلسي (الأول) — ج ٥ — ص ٣٤٥–٣٤٧
٣. مناقب آل أبي طالب — ابن شهر آشوب — ج ٣ — ص ١٠٤–١٠٦
٤. مفاتيح الجنان — المحدث القمي، إذن دخول المشاهد المشرفة
٥. بحار الأنوار ٤٣ ١٤٧، باب ٦ — كيفية معاشرتها مع علي ع ....
٦. بحار الأنوار ٤٣ ١٤٧، باب ٦ — كيفية معاشرتها مع علي ع ....
٧. بحار الأنوار — العلامة المجلسي — ج ٤٣ — ص ٥٩–٦١
٨. بحار الأنوار — العلامة المجلسي — ج ٤٣ — ص ٧٥
٩. زندگاني حضرت زهرا عليها السلام (ترجمة بحار الأنوار) ٥٦٠، ترجمة: ..... ص: ٥٦٠
١٠. الدهر: ١٣
١١. بحار الأنوار — العلامة المجلسي — ج ٤٣ — ص.
المؤلف: حامد صارم
مقالات مشابهة
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد.