الإمام الهادي وإدارة أزمة الشيعة
المؤلف: حامد صارم

الإمام الهادي (ع) هو ابن الإمام الجواد (ع)، والنجم العاشر من نجوم هداية الأئمة الاثني عشر عند الشيعة. عاش في زمن ستة خلفاء سفاحين من بني العباس: المعتصم، والواثق، والمتوكل، والمنتصر، والمستعين، والمعتز، والمعتمد. وفي النهاية سُمّ على يد المعتمد واستُشهد (١).
ظروف زمن الإمام الهادي (ع)
ربما كان زمن الإمام الهادي (ع) من أصعب الأزمنة التي مرت على الشيعة. فمن جهة كان هناك قتل واسع للشيعة، ومن جهة أخرى كان الإمام الهادي تحت الرقابة، وأحياناً في السجن، وهذا جعل ارتباط جسم الشيعة بالإمام الهادي (ع) في أدنى حد. ومن جهة أخرى، فإن رواج الشبهات الكلامية للمذاهب المنافسة، وترجمة كتب الفلسفة، وانتشار الشبهات الفلسفية، وضع المجتمع الشيعي في خطر جدي. ومن جهة أخرى أيضاً، كانت غيبة الإمام المهدي (عج) قريبة الوقوع بعد ابن الإمام الهادي، الإمام الحسن العسكري (ع).
حفظ التشيع بهداية هادي آل محمد (ص)
لا شك أننا إذا نظرنا إلى التشيع كمذهب ومدرسة من دون لحاظ الإمام المعصوم في داخله، فإن بقاء التشيع إلى اليوم لا يملك أي توجيه منطقي. فهذه الفرقة لم تتح لها في تاريخ حياتها إلا فرص قليلة جداً لتتكلم وتعيش بحرية. وعلى امتداد التاريخ كان كبار الشيعة يُلاحقون، ويقضون أعمارهم في السجون، أو يُستشهدون، كما أن عامة الشيعة تعرضوا بسبب اعتقادهم بأهل البيت واشتهارهم بحب أهل البيت لأشد الضغوط الاقتصادية والاجتماعية، بل ولقتل جماعي واسع.
ومع هذه الظروف، فإن جماعة هي أقلية قياساً إلى جميع المذاهب الإسلامية كان ينبغي عادة أن تنهار من أساسها، لكن التشيع بقي إلى اليوم، وهو في العلوم الإسلامية من الكلام والفقه والتفسير وغيرها متقدم على جميع المذاهب والمدارس المختلفة، ولا شك أنه لا منافس له في هذه الأمور. ولم يتحقق هذا الأمر إلا بالإمامة الإلهية لأئمة الشيعة.
العواصف التي أحاطت بالشيعة في زمن الإمام الهادي كان ينبغي عادة أن تؤدي إلى فناء التشيع، لكن هداية هادي آل محمد (ص) لم تمنع مذهب الشيعة الحق من الانهيار فحسب، بل جعلته يواصل طريقه بقوة. بل استطاع التشيع بالإمامة الإلهية للإمام الهادي (ع) أن يتجاوز أكبر أزمة في زمانه، وهي الغيبة.
كان الخلفاء العباسيون المتطاولون وسفاكو الدماء، الذين بلغ خبثهم وكفرهم أن هُدم في زمن ذلك الإمام العظيم حرم الإمام الحسين (ع)، واستُشهد زوار الحسين بتهمة زيارة أبي عبد الله، خطراً جدياً على الشيعة. لكن الشيعة، إلى جانب خطر الخلفاء العباسيين السفاحين، واجهوا أيضاً تحدياً من داخلهم.
الأمر بقتل الغالي الكذاب
في ذلك الزمن واجه التشيع أزمات داخلية أيضاً؛ تيارات منحرفة نشأت من داخل الشيعة، وجماعة تبعت هوى النفس وأطلقت تيار الغلو المنحرف، وهو تيار كان يضع جسم التشيع ومعارفه أمام تحدٍ جدي.
ولمواجهة هذا الانحراف الكبير، اتبع الإمام الهادي (ع)، بالنظر إلى ظروف زمانه الصعبة، طريقين: الطريق الأول إرشاد الشيعة علمياً وإيصال العقائد الصحيحة إليهم، والطريق الثاني، الذي وقع في زمن الأئمة المتأخرين من الشيعة، هو الحذف الجسدي للكذابين داخل الشيعة. وكان أحد المبتدعين والكذابين المنسوبين إلى الشيعة «فارس بن حاتم». فأصدر الإمام الهادي (ع) أمر قتله، وقُتل على يد أحد الشيعة.
فارس هو ابن حاتم بن ماهويه القزويني، وكان غالي المذهب ومن الكذابين المشهورين والمبتدعين. وقد رُوي أن الإمام الهادي (ع) أمر بقتله، واعتبر دمه هدراً، وضمن الجنة لمن يقتله، فظفر به جنيد وقتله (٢).
تنقية الاعتقاد الشيعي
إن هذا الأمر من الإمام مهم من جهات متعددة. فمع أن الكذابين في زمن الإمام الهادي (ع) كانوا كثيرين، والفرق المنحرفة لم تكن قليلة، لم يأمر الإمام (ع) بقتل رؤساء الفرق المنافسة، بل أعلن هدر دم فارس لأنه غالٍ.
يجب الالتفات إلى أن حركة الإمام هذه كانت تنقية لعقيدة الشيعة من الانحراف إلى الغلو. فالغلّاة كانوا يدخلون المجتمع العلمي الشيعي بثوب النفاق وبظاهر التشيع والحب الشديد للإمام. وكان خطرهم أكبر من الفرق المنحرفة المخالفة، لأنهم كانوا يستطيعون بسهولة الوصول إلى التراث الحديثي الشيعي، الذي كان في زمن الإمام الهادي (ع) قد صار مجموعة عظيمة جداً من أحاديث الأئمة السابقين، وأن يُدخلوا فيه التغيير والتحريف.
عدم وجود الروايات المجعولة ببركة الإمام الهادي (ع)
لم يقع التراث الحديثي الشيعي أبداً بيد مخالفي أهل البيت، ولم يستطع المخالفون أبداً أن يحدثوا أصغر خلل في هذه المجموعة من الحكمة والعلوم الإلهية. لكن تيار الغلاة، الذي نشأ من داخل الشيعة، كان خطراً عظيماً على التراث العلمي الشيعي. ولذلك حذف الإمام (ع) جسدياً من المجتمع الأشخاص الذين كانوا مضرين وخطرين على المستقبل العلمي للتشيع، حتى تكون اليوم أنقى المجاميع الروائية بيد الشيعة؛ مجاميع لا يُرى فيها، بلا شك، أثر للجعل (٣).
إن الأمر بقتل هؤلاء الذين كانوا يثيرون الاضطراب داخل الشيعة كان يجعل المجتمع الشيعي قادراً على مواجهة أزمة الغيبة بهدوء داخلي، بحيث لا يواجه، حين يغيب إمامه، مشكلة داخلية.
وظيفة شبكة الوكالة
من أعمال الإمام الهادي (ع) إنشاء شبكة الوكالة بصورة واسعة في جميع بلاد الشيعة، بحيث كان الإمام (ع) يستطيع من خلالها أن يراقب ويدير جميع شؤون الشيعة بسهولة. ومع أن هذه الشبكة كانت لها وظائف مؤثرة وخاصة جداً في زمن الإمام الهادي والإمام الحسن العسكري (عليهما السلام)، فإنها كانت أيضاً من أهم عوامل حفظ انسجام الشيعة في زمن الغيبة.
ذلك أن شبكة الوكلاء كانت طريقاً آمناً وموثوقاً للمجتمع الشيعي في الارتباط بإمام كان بعيداً عن أماكن سكن الشيعة بفراسخ كثيرة. وهذا الطريق الذي عمل به الشيعة في حياة إمامين واعتادوا عليه، وتيقنوا من صحته ووثاقته، كان في زمن الغيبة الصغرى أوثق طريق لهم للارتباط بالإمام الغائب، لأن هذه الشبكة كانت قد اجتازت امتحانها عند الشيعة وكانت موثوقة. وفوق ذلك، فإن الأشخاص الذين شكلوا جسم هذه الشبكة كانوا غالباً من كبار الشيعة، وقد أيدهم الإمامان منذ زمن الإمام الهادي والإمام الحسن العسكري (عليهما السلام)، ولذلك لم يقع الشيعة في مشكلة في ارتباطهم بالإمام الذي كان في ستر الغيبة، أي الغيبة الصغرى. ولم يكن هذا الارتباط بالإمام المعصوم موضع شك وشبهة.
تكريم الفقهاء استعداداً لزمن الغيبة
كانت شبكة الوكالة إحدى طرق إعداد الشيعة لزمن الغيبة. أما تعظيم علماء الشيعة والعارفين بكلمات أهل البيت، وتكريمهم، فيمكن عده من بعد نظر الإمام الهادي (ع) لزمن غيبة ولي العصر.
ناظر شخص من فقهاء الشيعة (٤) شخصاً ناصبياً، فألزمه في الاحتجاج وكشف فساد اعتقاده. ثم جاء إلى الإمام الهادي (ع) وتشرف بالحضور عند ذلك الإمام الهمام. وكان في مجلس الإمام جماعة من كبار بني هاشم وبني العباس، وكان للإمام الهادي (ع) موضع خاص في صدر المجلس. فلما دخل هذا الفقيه دعاه الإمام (ع) إلى أعلى المجلس حتى أجلسه في مكانه الخاص. فثقل هذا الأمر على بني هاشم وبني العباس، لأن ذلك الفقيه لم يكن من بني هاشم ولا من بني العباس.
فقال الإمام في جواب اعتراض بني هاشم: «كيف تنكرون رفعة مقامه وقد رفع الله مكانه؟ إن كسر الناصبي بالحجج الإلهية التي تعلمها أفضل من كل شرف ونسب» (٥).
الوظيفة الثقيلة للشيعة في زمن الغيبة
نبّه الإمام (ع) إلى مقام الفقهاء ووظيفتهم، ووضع على عاتقهم حمل الهداية ومنع الأمة من الضلال، فقال: «لولا من يبقى بعد غيبة قائمكم (عج) من العلماء الداعين إليه، والدالين عليه، والذابين عن دينه، لما بقي أحد إلا ارتد».
لذلك فإن أحد عناصر إعداد المجتمع الشيعي لزمن الغيبة هو توجيه النظر إلى فقهاء الشيعة. ومن جهة أخرى، هذه وظيفة للفقهاء؛ إذ يجب على الفقيه في زمن الغيبة أن يقوم بثلاثة أعمال: ١. الدعوة إلى إمام الزمان؛ ٢. الهداية إلى إمام الزمان؛ ٣. الدفاع العلمي عن دين إمام الزمان.
يقول الإمام الهادي (ع): «هؤلاء العلماء يحفظون قلوب الشيعة كما يمسك صاحب السفينة سكانها، وهؤلاء العلماء هم الأفضلون عند الله» (٦).
الهوامش
١. بحار الأنوار، ج ٥٠، ص ١١٤، باب أسمائه وألقابه وكناه وولادته (ع).
٢. أصول الكافي، ترجمة كمرهای، ج ٣، ص ٥٥٣، باب ولادة صاحب الأمر (ع).
٣. الرواية المجعولة تعني الرواية الكاذبة التي صنعها شخص كاذب ونسبها إلى الإمام. مثل هذا الحديث لم يدخل أبداً في المجاميع الروائية الشيعية. وما يقع فيه الخلاف والبحث بين علماء الشيعة هو الرواية الضعيفة. والرواية الضعيفة لا تعني أنها مجعولة؛ وإنما مشكلتها ضعف الطريق الذي ينسب الرواية إلى الإمام، ويمكن لهذه الرواية الضعيفة نفسها أن تصير صحيحة بانضمام القرائن. لذلك فإن الجعل، وهو غير موجود في الرواية الشيعية، يختلف أساساً عن ضعف الرواية، ولا ينبغي الخلط بينهما.
٤. المقصود بالفقيه هنا ليس المعنى الاصطلاحي المعاصر، بل المعنى المستعمل في الروايات، وإن كان الفقيه بالاصطلاح المعاصر أعم من استعماله في الروايات.
٥. الاحتجاج، ج ٢، ص ٥٠٠.
٦. المصدر نفسه.
٢. أصول الكافي، ترجمة كمرهای، ج ٣، ص ٥٥٣، باب ولادة صاحب الأمر (ع).
٣. الرواية المجعولة تعني الرواية الكاذبة التي صنعها شخص كاذب ونسبها إلى الإمام. مثل هذا الحديث لم يدخل أبداً في المجاميع الروائية الشيعية. وما يقع فيه الخلاف والبحث بين علماء الشيعة هو الرواية الضعيفة. والرواية الضعيفة لا تعني أنها مجعولة؛ وإنما مشكلتها ضعف الطريق الذي ينسب الرواية إلى الإمام، ويمكن لهذه الرواية الضعيفة نفسها أن تصير صحيحة بانضمام القرائن. لذلك فإن الجعل، وهو غير موجود في الرواية الشيعية، يختلف أساساً عن ضعف الرواية، ولا ينبغي الخلط بينهما.
٤. المقصود بالفقيه هنا ليس المعنى الاصطلاحي المعاصر، بل المعنى المستعمل في الروايات، وإن كان الفقيه بالاصطلاح المعاصر أعم من استعماله في الروايات.
٥. الاحتجاج، ج ٢، ص ٥٠٠.
٦. المصدر نفسه.
المؤلف: حامد صارم
مقالات مشابهة
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد.