أكبر جناية علمية لمعاوية
المؤلف: حامد صارم

إن القرآن من دون رسول الله لا يكون هادياً كافياً. فهو مع عظمته بين المسلمين لا يكون وحده سبب الهداية التامة للبشر. وقد بدأت أول ضلالة حين أُريد القرآن وحده، وطُرحت نظرية «حسبنا كتاب الله».
القرآن وحده لا يستطيع هداية الخلق
في آيات متعددة يوجّه القرآن قارئه إلى خارج القرآن نفسه. وبعبارة أخرى، لا يرى القرآن نفسه كافياً وحده للهداية، بل يصرّح بقوله: «...فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ...» (١). فالقرآن يخاطب أتباعه جميعاً ويقول لهم: إذا اختلفتم في أمر فأرجعوا ذلك الاختلاف إلى الله ورسول الله. أي إن مصدر رفع الاختلاف والهداية ليس القرآن وحده. وهذه الآية الشريفة تفيد أن القرآن وحده لا يرفع الاختلاف ولا يحقق الهداية، وأن بيان النبي وأحاديث رسول الله (ص) معه أمر لازم وضروري.
ويقول الله في موضع آخر: «وَما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ» (٢). أي إن الكتاب أُنزل على النبي لكي يبيّن للناس ما اختلفوا فيه، ولم يُرسل إلا للهداية والرحمة لقوم يؤمنون، لأنهم ينتفعون بهداية القرآن الكريم ورحمته.
ما غاية نزول القرآن؟
في ذيل الآية الشريفة يبيّن الله تعالى أن غاية نزول القرآن هي الهداية والرحمة للذين آمنوا، لكنه في صدر الآية نفسها يبيّن أن القرآن وحده لا يستطيع أن يحل اختلافات الأمة ويفصلها. ولذلك يعرّف النبي الأكرم (ص) مصدراً لحل اختلافات الأمة إلى جانب القرآن، فيقول إن الكتاب لم يُنزَّل عليه إلا لكي يبيّن للناس ما اختلفوا فيه. أي إن بيان النبي (ص) إذا لم يكن إلى جانب القرآن، فإن القرآن وحده لا يرفع الاختلاف.
ولم تذكر الآية الشريفة مصداقاً خاصاً للاختلاف الذي يجب الرجوع فيه إلى النبي (ص)، ولذلك يمكن أن نستنتج أن المراد من الاختلاف في الآية هو كل نوع من الاختلاف في أي مجال من مجالات الدين.
أي إن اختلاف الأمة، سواء كان في مسائل التوحيد أو المعاد أو الإمامة أو حتى الفروع الفقهية، يجب أن يُحل كله بالرجوع إلى النبي (ص) وبتبيينه. فإذا لم يكن بيان النبي (ص) إلى جانب القرآن، لم يستطع القرآن أن يرفع الاختلاف.
متى يكون القرآن هدى ورحمة للمؤمنين؟
إذن لا يكون القرآن هدى ورحمة للمؤمنين إلا حين يكون بيان النبي (ص) معه. ولهذا قدّمت هذه الآية الشريفة تبيين النبي (ص) في الاختلافات على هداية القرآن ورحمته.
والآيات التي لا تجعل القرآن وحده، ومن دون بيان النبي (ص)، كتاباً هادياً أكثر بكثير من هاتين الآيتين، غير أن الاختصار يمنع من ذكرها ومناقشتها هنا. وفي مجال الروايات أيضاً توجد روايات كثيرة في أهمية البيان النبوي والعترة العلوية إلى جانب القرآن، بحيث إن القرآن من دون هذه البيانات النورانية لرسول الإسلام المكرم لا يكون هادياً.
ومن أمثلة ذلك حديث الثقلين، وهو متواتر معنىً بين الشيعة والعامة. وقد نقله المرحوم الحر العاملي: «أقول وقد تواتر بين العامة والخاصة عن النبي (ص) أنه قال: إني تارك فيكم الثقلين ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا: كتاب الله وعترتي أهل بيتي، وإنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض» (٣).
قال النبي (ص): «إني تارك فيكم شيئين ثمينين، ما دمتم متمسكين بهما معاً فلن تضلوا: كتاب الله وعترتي أهل بيتي، وإنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض». فهذه الرواية بنصها تصرّح بأن التمسك بالقرآن والعترة معاً سبب للهداية، وأن حذف العترة من جانب القرآن والتمسك بالقرآن وحده لا يحقق الهداية.
كلام السيدة الزهراء (س) في أهمية الروايات النبوية
وفي رواية أخرى تقول السيدة فاطمة الزهراء (س) في أهمية الروايات النبوية: «فإنها تعدل عندي حسناً وحسيناً»؛ أي إن تلك الروايات عندها تعادل الإمام الحسن والإمام الحسين عليهما السلام (٤). ومن خلال ما سبق تتضح أهمية بيان النبي (ص) وأهل البيت إلى جانب القرآن.
وفوق ذلك، يدعو القرآن بأعلى صوت إلى الالتفات إلى بيان النبي المكرم (ص)، ويقول لمن كانت الهداية ضالته وكان يبحث عن سبيل الصلاح والفلاح إن القرآن وحده ليس هادياً. ولذلك، إذا أُريد أن تقع الضلالة في دين الإسلام، فيكفي أن تُفصل بيانات النبي (ص) عن القرآن. فبمجرد انفصال القرآن عن تبيين النبي، لا يكون القرآن هادياً بذلك المعنى الكامل، ويُحذف ركن مهم من أركان الهداية.
الفصل بين كلام رسول الله والقرآن خيانة للدين
في أمة يكون القرآن فيها منفصلاً عن البيانات النورانية للنبي الأعظم (ص)، تصبح الضلالة أمراً طبيعياً. ومن الواضح أن كل شخص أو جماعة تقوم بهذا الفصل بين كلام رسول الله والقرآن خائن للقرآن ولرسول الله، وضال ومضل لهذه الأمة. ويمكن بسهولة القول إن من يسعى إلى هذا الفصل، إن لم يكن جاهلاً، فهو بلا شك من كبار الخائنين. وأفضل طريق لإغلاق باب الهداية هو صنع هذا الانفكاك بين القرآن والعترة.
حكم معاوية الحكومي بالكذب على النبي (ص)
من خيانات معاوية الكبرى للمسلمين والقرآن والنبي الأكرم (ص) أنه صنع انفصالاً بين القرآن وكلمات النبي (ص). ومع أن معاوية أحدث خيانات وبدعاً كثيرة في الدين، وكل بدعة له خيانة عظيمة للإسلام وللنبي (ص)، فإن من أكبر خياناته إيجاد هذا الانفصال.
فقد قام معاوية بعمل عجيب، إذ أعلن منع نقل الروايات الصحيحة عن النبي (ص)، وتابع عمّاله هذا المنع بشدة وقسوة ومنعوا نقل الأحاديث. لكنه لم يكتف بذلك، بل واصل جنايته العلمية على كيان المسلمين وأصدر رسمياً أمراً بجعل الأحاديث النبوية.
وقد أقدم على ذلك بوقاحة تامة، وجعل الكذب على النبي (ص) حكماً حكومياً، وعيّن الخائنين وعبيد الذهب والزينة للقيام به. وفي الحقيقة ارتكب عملين مهمين جداً، بل جنايتين مهمتين جداً في تاريخ الإسلام، ولا تزال آثار هاتين الجنايتين العلميتين والثقافيتين ظاهرة إلى اليوم.
جنايتان مهمتان جداً لمعاوية في تاريخ الإسلام
كان عمله الأول كتمان الروايات النبوية وحذفها، وهي الروايات التي كان يفترض أن تحل اختلافات الناس والمسلمين في الأمور المختلفة، وبواسطتها كان القرآن يستطيع أن يكون هادياً. أما جنايته الثانية بعد كتمان الروايات النبوية فهي جعل الحديث وصناعة الأحاديث الكاذبة ونسبتها إلى النبي العظيم الشأن في الإسلام.
وبسبب بذل معاوية الكثير من الأموال في طريق جعل الحديث، اندفع كثيرون إلى هذا الجعل، ودخلت أحاديث كاذبة كثيرة في اعتقادات المسلمين. ومع تكرار هذه الروايات الكاذبة أصبحت هذه الأكاذيب جزءاً من دين الأجيال اللاحقة، التي لم تكن تعرف كيف ولدت هذه الروايات، وكانت تسمعها من كبار كانوا في الحقيقة خونة للدين.
الاغتيالات والعمليات الانتحارية نتيجة الإسلام الأموي
وهكذا حُذفت الروايات التي كان يفترض أن تكون تبييناً للقرآن، ووُضعت مكانها روايات مجعولة. ومن الواضح أن الإسلام الذي يُفسَّر قرآنه بروايات الأمويين سيكون إسلاماً أموياً. وعلى هذا الأساس يصدر الإسلام الأموي أمر هدم البقيع أو غيره من بقاع أهل البيت المباركة.
وفي الواقع، فإن الاغتيالات والعمليات الانتحارية، أو قتل الأبرياء لمجرد أنهم زائرون للعتبات وقبور الأئمة المنورة، هي نتيجة هذه الجناية الكبرى لمعاوية، وبكلمة واحدة هي ثمرة الإسلام الأموي الذي تشكل بجعل الحديث.
روايات بني أمية المجعولة لم تدخل مصادر الشيعة قط
ينبغي هنا التنبيه إجمالاً إلى أن هذه الروايات المجعولة لأبناء أمية لم تدخل التشيع أبداً لسببين: الأول وجود الأئمة المعصومين وحراستهم لدين جدهم الكريم رسول الله (ص)، والثاني عمل الشيعة بوصية النبي (ص) في التمسك بالقرآن والعترة.
لذلك فإن اتهام الروايات الشيعية من قبل بعض غير المطلعين عمل غير علمي ويدل على جهل هؤلاء بنظام نقل الحديث في المجتمع الشيعي، وهو نظام كان يمنع دخول كل جعل وكذب إلى المجاميع الروائية الشيعية. وفوق ذلك، لم يعتنِ أي شيعي عبر التاريخ بمعاوية وروايات أصحاب معاوية، لأن جعل الحديث من معاوية وأصحابه أمر اعترف به علماء العامة أيضاً.
ولبداهة وقوع هذه الجناية الكبرى من معاوية، كتب المرحوم الكركي في هذا المجال: «روى محدثو العامة أن معاوية بن أبي سفيان كان يخترع أحاديث شنيعة في حق أمير المؤمنين وينسب تلك الروايات المصنوعة إلى النبي (ص)، وكان يستشهد عدداً من الصحابة على صحة هذا الحديث الكاذب، حتى شهد في مرة واحدة أربعمئة شخص لإحدى مفتريات معاوية وأكاذيبه...» (٥).
المكافآت التي جعلها معاوية لواضعي الحديث
قال أبو جعفر الإسكافي، كما نقل ابن أبي الحديد، هذا المعنى: «كان معاوية يحمل جماعة من الصحابة والتابعين على وضع أخبار قبيحة وغير لائقة في علي (ع)، ويجعل لهم على هذا العمل القبيح وغير الشريف مالاً عظيماً أو منصباً مهماً. وكانوا يضعون ويقولون ما يوجب الطعن في علي (ع) بحسب رغبته. ومن الصحابة أبو هريرة وعمرو بن العاص والمغيرة بن شعبة، ومن التابعين عروة بن الزبير» (٦).
وفي المفاوضات التي أجراها المغيرة في الكوفة مع كبار الشيعة لمنع الخوارج ودفعهم، ورد حديثه مع صعصعة بن صوحان، وهو من كبار الشيعة، بهذا الشكل: «احذر، فقد بلغني أنك تروي روايات في فضائل علي (ع). وأنا لست جاهلاً بفضائل علي (ع)، ولكن هذا السلطان، معاوية، قد ظهر وأمرنا بإظهار عيب علي (ع)... فنحن نذكر عيوباً لعلي (ع) ليست فيه» (٧).
ونقل ابن أبي الحديد: «وضع أبو هريرة رواية في شأن علي (ع)، فلما سمعها معاوية أكرم أبا هريرة وأعطاه جائزته وولّاه إمارة المدينة» (٨).
سمرة بن جندب والآية التي زعم أنها نزلت في علي (ع)
قال أبو جعفر الإسكافي في كتاب التفضيل، كما نقل عز الدين بن أبي الحديد، في شأنه: «رُوي أن معاوية أراد أن يعطي سمرة بن جندب مئة ألف درهم ليقول إن آية: «وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى ما فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصامِ» (٩)، وهي في المنافقين، نزلت في حق علي (ع).
وكذلك أراد منه أن يقول إن آية: «وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ» (١٠)، وهي بعد بيان حال المنافق في شأن المؤمن الذي يبذل نفسه للدين، نزلت في ابن ملجم.
لكن سمرة لم يقبل، فزاد معاوية المبلغ إلى الضعف، مئتي ألف، فلم يقبل أيضاً. ثم أضاف مئة ألف أخرى فصارت ثلاثمئة ألف درهم، ومع ذلك أصر سمرة ولم يقبل، حتى اتفقا في النهاية على أربعمئة ألف درهم، فصاغ سمرة عبارة كما أراد معاوية وروى ذلك (١١).
ويجب التنبيه إلى أن الآية ٢٠٤ من سورة البقرة والآيتين بعدها نزلت في الأخنس بن شريق الثقفي، أحد منافقي أصحاب رسول الله (ص)، حين جاء إلى النبي الأكرم وأظهر الإيمان والمحبة والرغبة في الإسلام، وأقسم بالله على صدق كلامه.
ولم يكن النبي مطلعاً على نفاقه وازدواجيته، فلما رجع من عنده وابتعد عن المدينة، أحرق جماعة من المسلمين من شدة العداوة وقتل مواشيهم، فأطلع الله نبيه على حاله.
وكذلك فإن الآية الثانية من الفضائل المنفردة لأمير المؤمنين (ع)، إذ نزلت في ليلة المبيت، حين خرج النبي (ص) من المشركين إلى الغار ونام أمير المؤمنين علي (ع) في فراشه. فنزلت هذه الآية بين مكة والمدينة في ذلك العظيم.
مباهاة الله بالملائكة بسبب وجود علي (ع)
رُوي أنه لما نام علي (ع) في فراش النبي الأكرم، وقف جبرئيل عند رأسه وميكائيل عند رجليه، وكان جبرئيل ينادي: «بخ بخ، من مثلك يا ابن أبي طالب، يباهي الله بك الملائكة». والعجب أن فخر الرازي يروي في تفسيره كلام جبرئيل في أمير المؤمنين (ع)، ثم يقدّم غيره عليه.
مناظرة ابن عباس ومعاوية حول الإساءة إلى علي (ع)
في سفر لمعاوية إلى المدينة، وهو السفر نفسه الذي أصدر فيه أمر الإساءة إلى علي (ع)، مر على جماعة من قريش. فلما رأوه قاموا له كلهم إلا عبد الله بن عباس. فقال معاوية: يا ابن عباس، ما منعك من القيام إلا بغضك لي بسبب قتالي لكم في صفين. يا ابن عباس، إن ابن عمي أمير المؤمنين عثمان قُتل مظلوماً. فقال له ابن عباس: وعمر بن الخطاب أيضاً قُتل مظلوماً، فلماذا لم تتركوا المطالبة بدمه لابنه الموجود هنا؟
قال معاوية: قتل عمرَ مشرك. فقال ابن عباس: فمن قتل عثمان؟ قال معاوية: قتله المسلمون. قال ابن عباس: هذا الكلام يبطل دليلك ويحل دمه، لأن المسلمين إذا تركوه وقتلوه فقد كان ذلك بحق. فقال معاوية: لقد كتبنا إلى جميع بلاد الخلافة ونهينا عن ذكر مناقب علي وأهل بيته، فاحبس لسانك واحذر على نفسك.
قال له ابن عباس: أتنهانا عن قراءة القرآن أيضاً؟ قال معاوية: لا. قال ابن عباس: أتنهانا عن تأويله أيضاً؟ قال: نعم. قال ابن عباس: أنقرأ آية القرآن ولا نسأل عما أراد الله بها؟ قال: نعم. قال ابن عباس: أيهما أوجب علينا، قراءة القرآن أم العمل بالقرآن؟
قال معاوية: العمل بالقرآن. قال ابن عباس: فإذا لم نعرف مراد الله مما أنزل، فكيف نعمل به؟ قال معاوية: اسأل عن تفسيره وتأويله من غيرك وغير أهل بيتك. قال ابن عباس: إن القرآن إنما نزل على أهل بيتي، أفأسأل عن تفسير القرآن وتأويله آل أبي سفيان أو آل أبي معيط أو اليهود والنصارى والمجوس؟!
قال معاوية: جعلتنا في صف اليهود والنصارى والمجوس وحسبتنا منهم؟ قال ابن عباس: وعمري، ما جعلتك منهم، بل أنت الذي تنهانا عن عبادة الله بالقرآن، وتمنعنا من العمل بأمره ونهيه وحلاله وحرامه وناسخه ومنسوخه وعامه وخاصه ومحكمه ومتشابهه. وإذا لم تسأل الأمة عن هذه الأمور هلكت واختلفت وفسدت.
قال معاوية: اقرأوا القرآن وفسروه وأوّلوه، ولكن لا ترووا شيئاً مما أنزل الله فيكم، ولا تقولوا ما قاله رسول الله فيكم، وارْووا غير ذلك. فقال ابن عباس: يقول الله في القرآن: «يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون» (١٢).
قال معاوية: يا ابن عباس، دعني وامسك لسانك. فإن كنت مضطراً إلى ذلك فافعله سراً ولا يسمعه منك أحد علانية. ثم رجع إلى منزله وأرسل إلى ابن عباس خمسين ألف درهم (١٣)، ونادى منادي معاوية بأن نقل الروايات في مناقب علي بن أبي طالب وأهل بيته ممنوع من اليوم، وأن قائله بريء الذمة (١٤).
أهل الكوفة كانوا أكثر الناس مشقة من الإساءة إلى علي (ع)
كان أهل الكوفة أكثر من غيرهم معاناة في هذا المنع، لأن الشيعة فيها أكثر من سائر الأماكن. ولذلك جعل معاوية زياداً والياً على العراقين، أي الكوفة والبصرة، فلاحق الشيعة، وكان يعرفهم جيداً، ويقتلهم حيثما وجدهم.
أخاف الشيعة وقطع أيديهم وأرجلهم وعلّقهم على النخل، وقلع أعينهم أو نفاهـم وشرّدهم، حتى لم يبق في العراق شيعي مشهور، ومن بقي كان إما مقتولاً أو مصلوباً أو مسجوناً أو منفياً أو هارباً.
وأكثر الناس ابتلاء بهذه الفتنة كانوا القراء المرائين الذين يظهرون الخشوع والورع، ثم ينسجون الأكاذيب ويجعلون الحديث، ليحصلوا على نصيب عند ولاتهم ويدخلوا مجالسهم وينالوا الأموال والأراضي والبيوت.
ووصل الأمر إلى أن تلك الأحاديث والروايات المجعولة وصلت إلى أيدي أناس يظنون أنها حق وصدق، فكانوا يروونها ويقبلونها ويتعلمونها ويعلّمونها غيرهم، ويظهرون المحبة على أساسها، ويبغضون من يردها أو يبدي أدنى شك فيها.
زمان تحوّل فيه الحق إلى باطل
بلغت هذه الفتنة حداً اجتمع عليه أولئك القوم، ووصلت تلك الروايات إلى أيدي متدينين لا يجيزون الكذب ويبغضون أهله. فقبلوا هذه الأحاديث المجعولة على أنها حق، مع أنهم لو علموا أنها مجعولة لأعرضوا عنها ولم يقبلوها، ولما أبغضوا مخالفيها. ففي ذلك الزمان تحول الحق عندهم إلى باطل، والباطل إلى حق، والكذب إلى صدق، والصدق إلى كذب (١٥).
ولا شك أن معاوية لم يكن أول من ارتكب هذه الجناية الكبرى، أي حذف الأحاديث النبوية من بين الناس. صحيح أنه أدّى دوراً كبيراً في هذا الطريق، لكنه لم يكن الأول. فقد كان معاوية يعمل كمن يحمل مهمة خاصة من السقيفة.
سياسة منع تدوين الحديث بدأت من السقيفة
بدأت سياسة منع تدوين الحديث منذ أهل السقيفة بين الأمة، وواصل معاوية تلك السياسة بالجدية نفسها وأضاف إليها جعل الحديث. فالأحاديث التي وصلت إلى أسماع الناس بأي طريق، وكان يمكن أن تهديهم، كان لا بد من إبطال أثرها.
ومن هنا أصدر معاوية أولاً أمراً شديداً بمنع الحديث لمواجهة هذه الأحاديث، ثم نفّذ أمر جعل الحديث. ومن المهم جداً أن هذين المنشورين نُفذا في الوقت نفسه مع أمر معاوية بسب أمير المؤمنين علي (ع) وشتمه على المنابر. أي إن معاوية سلب عملياً مرجعية علي (ع) العلمية ومرجعية أبنائه الطاهرين من المجتمع، وفي الوقت نفسه أدخل أكاذيبه مكان الأحاديث.
هذا مع أن الأمر الأكيد بحفظ الحديث وكتابته كان موجوداً منذ زمن النبي (ص). وبالقطع واليقين كان في زمن رسول الله (ص) عدد من أصحابه والمقربين منه يملكون مكتوبات في الحديث سمعوها من رسول الله وكانوا يستفيدون منها.
أول منشور لخلفاء السقيفة بعد رحيل النبي (ص)
استمر هذا الأمر إلى شهادة رسول الله (ص)، ولم يمنع الرسول الأكرم كتابة الحديث ولا نقله. بل إن رسول الإسلام المكرم كان يؤكد كتابة الحديث في آخر لحظات عمره الشريف. لكن للأسف منع أهل السقيفة كتابة الحديث حتى عند فراش النبي (ص)، وارتكبوا جسارة عظيمة بحق وجوده المقدس. وبعد شهادة النبي (ص)، كان أول منشور مهم للخلفاء الخارجين من السقيفة، لا الخارجين من القرآن ووصية النبي، هو منع الحديث، وكانت أول بدعهم جعل الحديث.
يروي الذهبي أن أبا بكر جمع الناس بعد وفاة النبي (ص) وقال: «إنكم تحدثون عن رسول الله أحاديث تختلفون فيها، والناس بعدكم أشد اختلافاً. فلا تحدثوا عن رسول الله شيئاً، ومن سألكم فقولوا: بيننا وبينكم كتاب الله، فاستحلوا حلاله وحرّموا حرامه» (١٦).
عمر وسياسة منع الحديث
أما عمر فلم يترك هذه السياسة التي كانت تحفظ بناء السقيفة وتضمن تدمير هداية القرآن. فقد رُوي عن قرظة بن كعب أنه قال: «لما سيّرنا عمر إلى العراق، شيّعنا إلى صرار، ثم قال: أتدرون لماذا شيعتكم؟ قلنا: أردت أن تشيعنا وتكرمنا. قال: كان لي غرض. إنكم تأتون قرية لهم دوي بالقرآن، فلا تشغلوهم بأحاديث النبي عن القرآن، وأنا شريككم في ذلك. قال قرظة: فلم أحدث بعد ذلك عن النبي (ص) حديثاً».
وفي رواية أخرى: «لما قدم قرظة بن كعب قالوا: حدثنا. فقال: نهانا عمر عن ذلك» (١٧). أما الخليفة الثالث من ديار السقيفة فلم يكسر هذا القانون أيضاً، لأن كسر هذا القانون يعني كسر السقيفة. فأقر عثمان ذلك وقال على المنبر: «لا يحل لأحد أن يروي حديثاً لم يُسمع في زمن أبي بكر أو عمر» (١٨).
وفي سبيل منع هذا الأمر خنقوا أنفاس كثير من ناقلي الحديث والصحابة والتابعين، مثل أبي ذر، الذي كان يوماً جالساً عند الجمرة الوسطى والناس مجتمعون يسألونه الرأي. فوقف رجل عنده وقال: ألم تُنهَ عن إبداء الرأي وإصدار الفتوى؟ فرفع أبو ذر رأسه وقال: أتراقبني؟ إن وضعتم السيف هنا، وأشار إلى مؤخر عنقه، وكنت قادراً قبل إذنكم على أن أنطق بكلمة سمعتها من النبي (ص)، فإني لأنطقن بها (١٩).
وبسبب مخالفة أبي ذر أوامر الحكومة كان يُنفى من مدينة إلى أخرى حتى مات وحيداً مطروداً في الربذة. وقُتل حجر بن عدي وأصحابه تحت التعذيب (٢٠)، وقُتل رشيد الهجري (٢١) وميثم التمار (٢٢) وصُلبا.
الفرق بين نقل الحديث في زمن أبي بكر وعمر وبين زمن معاوية
بصورة عامة كان نقل الحديث والرواية عن رسول الله (ص) ممنوعاً في زمن أبي بكر وعمر. يقول الذهبي في تذكرة الحفاظ إن أبا بكر كان قد كتب خمسمئة حديث عن رسول الله ثم أحرقها. ويقول عروة بن الزبير: قال عمر بن الخطاب: لا آذن لأحد أن يجمع الأحاديث والروايات ويدونها، لأنها تختلط بكتاب الله.
أما في زمن معاوية، فقد راج سوق جعل الحديث كثيراً. فقد أجبر معاوية جماعة على جعل أحاديث وأخبار في فضائل الخلفاء ونشرها بين المسلمين، وعلى وضع روايات في ذم أمير المؤمنين على لسان رسول الله (ص)، ليبعد الناس عنه وينقص من مقامه ومنزلته.
الصلاة مع علي أطيب، لكن مائدة معاوية أدسم!
كان أبو هريرة، وهو من أصحاب الصفة، يقول دائماً: «الصلاة مع علي (ع) أطيب، لكن مائدة معاوية أدسم». وباعتبار أنه صاحب النبي (ص) ثلاث سنوات، أغمض عينه وفتح فمه، وقال باسم الحديث في علي (ع) ما يليق بأعرابي وقح حديث عهد بالجاه والسلطة.
وبعد شهادة أمير المؤمنين علي (ع) لحق بمعاوية، وقال في مسجد الكوفة: «أيها الناس، أتظنون أني أكذب على النبي (ص) وأجعل نفسي من أهل النار؟ والله لقد سمعت النبي (ص) يقول: لكل نبي حرم، والمدينة حرمي، فمن أحدث فيها حدثاً فعليه لعنة الله والملائكة».
لعل هذا الكلام كان صادقاً، لكنه زاد عليه، وأشهد الله أن علياً أحدث في المدينة. وكان قصد هذا الملعون التلميح إلى قتل عثمان، وأن علياً (ع) هو قاتل عثمان. فلما سمع معاوية هذا القول ولّاه المدينة.
ومن الواضح أن هذا الكلام سبّ لعلي (ع)، وهو نتيجة سياسة معاوية الماكرة والخبيثة، أي منع الحديث. كانت سياسة منع الحديث شائعة على المنابر في كل عصر بني أمية، فبعد حمد الله ومدح النبي (ص) كانوا يسيئون إلى أمير المؤمنين علي (ع) - خابوا وخسروا - وبالتوازي مع هذه الجسارة والإهانة لعلي (ع) كانوا يروون أحاديث في مدح الخلفاء (٢٣).
وبذلك ارتكب أهل السقيفة هذه الجناية الكبرى بحق الميراث العلمي للنبي (ص) من أجل تثبيت حكم دنياهم الزائل. أما معاوية، الذي كان يرى نفسه ملزماً بالطاعة المطلقة للسقيفة، فقد واصل هذه السياسة بأقصى ما لديه من قدرة مالية وعسكرية وإعلامية. ونتيجة لذلك ابتُلي العالم الإسلامي اليوم بالإسلام الأموي بسبب هذه السياسات الأموية.
لقد كانت سياسة معاوية هي التي غيّبت الدين الحقيقي إلى حد أن إحياءه من جديد احتاج إلى عظيم من أطهر أطهار عالم الوجود يقيم عاشوراء، حتى لا تستطيع سياسة هذا الخليفة الدنيء، عديم النسب السقيفي، أن تقضي على الدين.
الهوامش
١. سورة النساء، الآية ٥٩.
٢. سورة النحل، الآية ٦٤.
٣. وسائل الشيعة، باب تحريم الحكم بغير الكتاب.
٤. مستدرك الوسائل، باب تحريم الفحش ووجوب.
٥. رسائل الكركي، المحقق الكركي، ج ٢، ص ٢٢٥-٢٢٦.
٦. أدوار فقه، محمود الشهابي الخراساني، ج ٣، ص ١٧٦-١٧٩.
٧. الطبري، ج ٤، ص ١٤٤.
٨. أدوار فقه، محمود الشهابي الخراساني، ج ٣، ص ١٧٦-١٧٩.
٩. سورة البقرة، الآية ٢٠٤.
١٠. سورة البقرة، الآية ٢٠٧.
١١. أدوار فقه، محمود الشهابي الخراساني، ج ٣، ص ٢٠٨-٢٠٩.
١٢. سورة التوبة، الآية ٣٢.
١٣. تاريخ سياسي صدر الإسلام، ترجمة كتاب سليم، ص ٣٨٧.
١٤. الاحتجاج، ترجمة جعفري، ج ٢، احتجاج الإمام الحسين عليه السلام في ذكر مناقب أمير المؤمنين وأولاده عليهم السلام، ص ٧٧.
١٥. الاحتجاج، ترجمة جعفري، ج ٢، ص ٧٧.
١٦. كشف اليقين، ترجمة آژير، المقدمة؛ تذكرة الحافظ، ترجمة أبي بكر، ١/٢-٣.
١٧. كشف اليقين، ترجمة آژير، المقدمة.
١٨. منتخب الكنز مع حاشية مسند أحمد ٤/٦٤؛ تفصيل منع كتابة الحديث على عهد الخلفاء الثلاثة: طبقات ابن سعد ٥/١٤٠؛ تذكرة الحفاظ ١/٧؛ كنز العمال، الطبعة الأولى ٥/٢٣٩؛ منتخب كنز العمال مع حاشية مسند أحمد ٤/٦١؛ تاريخ ابن كثير ٨/١٠٧.
١٩. سنن الدارمي ١/١٣٢؛ طبقات ابن سعد ٢/٣٥٤.
٢٠. عبد الله بن سبأ، ج ٢، فصل حقيقة ابن سبأ والسبئية.
٢١. رجال الكشي، ص ١٣١.
٢٢. رجال الكشي، ص ١٣٤.
٢٣. نهج الفصاحة، مقدمة الطبعة الثانية.
٢. سورة النحل، الآية ٦٤.
٣. وسائل الشيعة، باب تحريم الحكم بغير الكتاب.
٤. مستدرك الوسائل، باب تحريم الفحش ووجوب.
٥. رسائل الكركي، المحقق الكركي، ج ٢، ص ٢٢٥-٢٢٦.
٦. أدوار فقه، محمود الشهابي الخراساني، ج ٣، ص ١٧٦-١٧٩.
٧. الطبري، ج ٤، ص ١٤٤.
٨. أدوار فقه، محمود الشهابي الخراساني، ج ٣، ص ١٧٦-١٧٩.
٩. سورة البقرة، الآية ٢٠٤.
١٠. سورة البقرة، الآية ٢٠٧.
١١. أدوار فقه، محمود الشهابي الخراساني، ج ٣، ص ٢٠٨-٢٠٩.
١٢. سورة التوبة، الآية ٣٢.
١٣. تاريخ سياسي صدر الإسلام، ترجمة كتاب سليم، ص ٣٨٧.
١٤. الاحتجاج، ترجمة جعفري، ج ٢، احتجاج الإمام الحسين عليه السلام في ذكر مناقب أمير المؤمنين وأولاده عليهم السلام، ص ٧٧.
١٥. الاحتجاج، ترجمة جعفري، ج ٢، ص ٧٧.
١٦. كشف اليقين، ترجمة آژير، المقدمة؛ تذكرة الحافظ، ترجمة أبي بكر، ١/٢-٣.
١٧. كشف اليقين، ترجمة آژير، المقدمة.
١٨. منتخب الكنز مع حاشية مسند أحمد ٤/٦٤؛ تفصيل منع كتابة الحديث على عهد الخلفاء الثلاثة: طبقات ابن سعد ٥/١٤٠؛ تذكرة الحفاظ ١/٧؛ كنز العمال، الطبعة الأولى ٥/٢٣٩؛ منتخب كنز العمال مع حاشية مسند أحمد ٤/٦١؛ تاريخ ابن كثير ٨/١٠٧.
١٩. سنن الدارمي ١/١٣٢؛ طبقات ابن سعد ٢/٣٥٤.
٢٠. عبد الله بن سبأ، ج ٢، فصل حقيقة ابن سبأ والسبئية.
٢١. رجال الكشي، ص ١٣١.
٢٢. رجال الكشي، ص ١٣٤.
٢٣. نهج الفصاحة، مقدمة الطبعة الثانية.
المؤلف: حامد صارم
مقالات مشابهة
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد.