تجلّي العقلانية في زيارة السيدة المعصومة (عليها السلام)
المؤلف: حامد صارم

إن السيدة المعصومة سلام الله عليها من المقرّبين خاصةً عند الله تعالى. وفي زيارتها التي علّمها الإمام الرضا عليه السلام يقول الزائر مخاطباً إياها: «إِنَّ لَكِ عِنْدَ اللَّهِ شَأْناً مِنَ الشَّأْنِ». أي إن لك عند الله شأناً ومقاماً خاصاً. وقد استُعمل هذا التعبير في زيارات أهل البيت عليهم السلام في حق الأئمة الطاهرين ورسول الله عليهم السلام. (٢)
وردت روايات عن الإمام الصادق والإمام الرضا والإمام الجواد عليهم السلام تؤكد كثيراً زيارة هذه السيدة، فقالوا: «مَنْ زَارَهَا وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ» (٣)، وقالوا أيضاً: «مَنْ زَارَهَا فَلَهُ الْجَنَّةُ». (٤) فمن زارها وجبت له الجنة، والجنة لزائر تلك السيدة المكرمة.
إن معادلة زيارتها بالجنة دليل آخر على مقاماتها المعنوية وعلى قربها من ربها.
الجنة ثمن المؤمنين
إن أهل الإيمان الذين استطاعوا، بعد اجتياز الابتلاءات الشديدة والفتن في الدنيا، أن يحفظوا إيمانهم قد وُعِدوا بالجنة. والجنة مجموعة من النعم التي لا تنفد أعدّها الله للمؤمنين؛ نعم مادية وكمالات معنوية رسمت الآيات والروايات صورة عنها. وقد جعل الله تعالى الجنة ثمن نفوس المؤمنين وقال إن ثمنكم ليس إلا الجنة، فلا تبيعوها بغيرها: «أَمَا إِنَّ أَبْدَانَكُمْ لَيْسَ لَهَا ثَمَنٌ إِلَّا الْجَنَّةُ فَلَا تَبِيعُوهَا بِغَيْرِهَا». (٥)
العلاقة بين التعقل والجنة
كل من كان عاقلاً كان من أهل الإيمان، وكل من كان من أهل الإيمان دخل الجنة. (٦) لذلك فإن من لم يكن عاقلاً ولم ينتفع من عقله على الوجه الصحيح لن يدخل الجنة. ومن لم يتبع عقله واتبع غير العقل، فلن تجب له الجنة أبداً. ومن منظور القرآن وأهل البيت عليهم السلام، ينقسم الناس إلى فئتين عامتين: فئة تتعقل وتمتلك الفهم والعقل، وفئة لا تتعقل وتمتلك الشيطنة. وسيملأ الله الجنة بمن يتعقلون، كما تمتلئ جهنم بالناس الذين منحهم الله العقل لكنهم ينصرفون إلى الشيطنة بدلاً من التعقل.
زائر أهل البيت عليهم السلام عاقل
لذلك، حين تجب الجنة لزائر السيدة المعصومة سلام الله عليها، فهذا يعني أن زائر تلك السيدة العظيمة يتعقل ولا يوظف العقل في طريق الشيطنة؛ لأن الإمام الصادق عليه السلام قال: «من كان عاقلاً كان له دين، ومن كان له دين دخل الجنة». ويمكن أن يُفهم جيداً أن وجوب الجنة للزائر لا يعني رفع التكليف عنه، بل يعني أن هذه الزيارة تترك في الإنسان أثراً معنوياً ومعرفياً يجعله في زمرة المتعقلين. فالزيارة تُبعد الجهل والشيطنة عن الإنسان. وفي الحقيقة، إن زيارة أسرة النبي الأكرم والأئمة الطاهرين عليهم السلام والسيدة فاطمة المعصومة سلام الله عليها تدل على تعقل الزائر، وقد عرّف الله سبحانه عدم التعقل بأنه أحد أسباب الوقوع في النار. (٧) ومن الواضح أن الجنة تجب لمن كان من المتعقلين.
فهم زيارة السيدة المعصومة يجعل الإنسان «أعقل الناس»
تشير زيارة السيدة المعصومة سلام الله عليها إلى هذه النقطة المهمة. ففي هذه الزيارة، بعد التكبير والتسبيح والتحميد لله تعالى، يسلّم الزائر على الأنبياء الإلهيين من آدم ونوح إلى خاتم النبيين، ثم يسلّم على كل واحد من أوصياء النبي الكريم للإسلام. وبعد السلام على الإمام الحسن العسكري عليه السلام، يسلّم على إمام العصر بعبارة: «السَّلَامُ عَلَى الْوَصِيِّ مِنْ بَعْدِهِ». ويُظهر الزائر في هذه الزيارة أنه يعرف مسار الهداية الإلهية جيداً، وأنه بتسليمه على المصطفين الإلهيين والأئمة الطاهرين يعدّ نفسه متواضعاً أمام الحق. وهذا التواضع للحق علامة على أعقلية الإنسان، كما قال موسى بن جعفر لهشام: «يَا هِشَامُ إِنَّ لُقْمَانَ قَالَ لِابْنِهِ تَوَاضَعْ لِلْحَقِّ تَكُنْ أَعْقَلَ النَّاسِ...» (٨). أي يا هشام، إن لقمان قال لابنه: تواضع للحق تكن أعقل الناس. ولذلك لا يكون للزائر أمام الحق رأي أو نظر شخصي، بل يتواضع لما يجده من حجج الله ولا يستكبر عليه.
التأكيد على الحجة الإلهية الأخيرة في زيارة السيدة المعصومة
مع أن هذه الزيارة علّمها الإمام الرضا عليه السلام، فإنها تؤكد إمامة الأئمة المتأخرين عن الإمام الرضا عليهم السلام، وبخاصة إمامة الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف. وبعد السلام على حجة الله الأخيرة، يصلي الزائر عليه بخمسة ألقاب: «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى نُورِكَ وَسِرَاجِكَ وَوَلِيِّ وَلِيِّكَ وَوَصِيِّ وَصِيِّكَ وَحُجَّتِكَ عَلَى خَلْقِكَ». وفي هذا الدعاء يُعرّف ولي العصر بأنه نور الله وسراجه ووليه ووصيه وحجته على جميع الخلق. وفي هذه الزيارة يطلب من الله فرج أمر أهل البيت، أي ظهور الإمام المهدي، وفرح أهل بيت النبي. وهذا يعني أن الزائر يزور السيدة المعصومة بمعرفة ومحبة وقبول لإمامة الإمام الغائب، ويذهب إلى زيارة تلك السيدة العظيمة في حال انتظار الفرج الذي هو أفضل الأعمال.
إصلاح الزائر وعقلانيته في زيارة السيدة المعصومة
يعلن الزائر في المقاطع الأخيرة من الزيارة أنه يسير، بمحبة أئمة الهدى وولايتهم، نحو التوحيد والتقرب إلى الله، وأنه يبعد الشرك عن نفسه بالابتعاد عن أعدائهم. وفي النهاية يطلب الزائر من الله في هذه الزيارة طلبين مهمين جداً. ففي هذين الدعاءين، يطلب الثبات على الهداية ورسوخ معرفة أهل البيت في قلبه. ويقول مخاطباً السيدة المعصومة سلام الله عليها: «أَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ ... لَا يَسْلُبَنَا مَعْرِفَتَكُمْ»؛ أي أسأل الله ألا يسلب مني معرفتكم. ثم يسأل الله تعالى خاضعاً: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ أَنْ تَخْتِمَ لِي بِالسَّعَادَةِ فَلَا تَسْلُبَ مِنِّي مَا أَنَا فِيهِ»؛ أي اللهم أسألك أن تختم عاقبتي بالسعادة، فلا تسلب مني ما أنا فيه، من التولي والتبري.
تدل هذه الأدعية على خوف الزائر. وهذه الزيارة تعلّم الزائر أنه ينبغي أن يكون دائماً حساساً لهدايته، إذ يمكن أن ينحرف عن طريق الحق. ويتعلم الزائر أن أهم دعائه وطلبه من الله هو الثبات على طريق التوحيد وهداية الأئمة الطاهرين. وإن عدم الغفلة عن إمكان انحراف قلب الإنسان عن طريق الحق واتجاهه إلى ولاية ولاة الطاغوت وخروجه من دائرة التوحيد وولاية أولياء الله واتجاهه نحو الشرك والكفر، يدل على عقلانية الزائر. أو بعبارة أخرى، فإن الزيارة تُبقي روح التعقل حية في الزائر بتوجيهه إلى هذه الحقيقة. ولذلك يراقب الزائر دائماً أفكاره وعقائده وحركاته وسكناته في شؤون حياته.
إن النتيجة التربوية لهذه الزيارة هي أن يصبح الزائر صالحاً، أو بعبارة أدق أن يبقى على الصلاح. ويقول موسى بن جعفر عليهما السلام مخاطباً هشام بن الحكم: «يا هشام، إن الله حكى عن القوم الصالحين أنهم يقولون: ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب؛ لأنهم علموا أن القلوب تزيغ وتميل إلى العمى والاعوجاج.»
لا يخاف اللهَ من لم يُرزق عقلاً من عند الله، ومن لم يجد عقلاً من عند الله لا يثبت قلبه على معرفة ثابتة يبصر بها ويدرك حقيقتها. ولا يكون أحد كذلك إلا أن يكون قوله مصدقاً لفعله، وسره وعلانيته سواء؛ لأن الله تعالى لم يجعل للعقل الباطن الخفي دليلاً إلا ظاهراً يحكي عن الباطن. (٩)
لذلك فإن زائر السيدة المعصومة إنسان صالح يعلم أن قلبه قابل للانحراف، وهو خائف من الله الرحيم في هذا الشأن. وعلامة خوفه من ربه أن يتطابق قوله وفعله، وأن يتساوى سره وعلانيته، وهذه الصفة دليل على تعقل زائر السيدة المعصومة سلام الله عليها.
وبناءً على ما تقدم، فإن زائر السيدة المعصومة سلام الله عليها يُهدى بزيارة الإمام الرضا عليه السلام المأثورة إلى الإصلاح والتعقل، ويتعلم أن يتواضع أمام جبهة الحق والحقيقة، وأن يكون موقفه من الشرك والكفر وأعداء أهل البيت عليهم السلام هو التبري والبراءة. وهو إذ ينال تعقلاً من عند الله، يُرشد في هذه الزيارة إلى أفضل الأعمال، وهو انتظار الفرج، ويطلب من ربه ظهور الحجة الغائب ونصرته وهو يصلي عليه. ومن هنا يدخل الزائر في سير كمالي ويجد في هذا الطريق سرعةً تجعل الجنة واجبة له بسبب هذه الزيارة.
الهوامش
- بحار الأنوار، طبعة بيروت، ج ٥٧، ص ٢١٦؛ بحار الأنوار، طبعة بيروت، ج ٩٩، ص ٢٦٧، الباب ١: زيارة فاطمة بنت موسى ع بقم، ص ٢٦٥؛ بحار الأنوار، طبعة بيروت، ج ٩٩، ص ٢٦٧، الباب ١: زيارة فاطمة بنت موسى ع بقم، ص ٢٦٥؛ كامل الزيارات، النص، ص ٣٢٤، الباب السادس والمائة: فضل زيارة فاطمة بنت موسى بن جعفر ص بقم؛ الكافي، طبعة إسلامية، ج ١، ص ١٩؛ الكافي، طبعة إسلامية، ج ١، ص ١١؛ سورة الملك، الآية ١٠؛ الكافي، طبعة إسلامية، ج ١، ص ١٦، كتاب العقل والجهل، ص ١٠؛ الكافي، طبعة إسلامية، ج ١، ص ١٨، كتاب العقل والجهل، ص ١٠.
المؤلف: حامد صارم
مقالات مشابهة
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد.