نبأ العظيم
المقالاتفيديوالصوتالصور
نبأ العظيم

منصة بحثية وإعلامية لتاريخ الإسلام ومعارف الشيعة والإجابة الموثقة عن أسئلة اليوم.

الوصول
المقالاتالبحث
الموضوعات
الإمامةتاريخ الإسلامالرد على الشبهات
اللغات
فارسیالعربيةEnglish
6 آيان 1394 ه‍.شالأشرار وأعداء أهل البيت عليهم السلامبني أميةالشخصيات

الرواية الصحيحة الوحيدة في معاوية

المؤلف: حامد صارم
الرواية الصحيحة الوحيدة في معاوية
يقوم دين الإسلام على التفكر والتعقل، وهو الدين الوحيد الذي يدعو الإنسان إلى التعقل واتباع العقل السليم. وقد ذم القرآن المجيد مرارا عدم تعقل الناس، وذكر على لسان أصحاب النار أن سبب دخولهم جهنم كان ترك التعقل (١).
لكن ينبغي الالتفات إلى أن التعقل إذا خرج من ثقافة المسلمين وسلوكهم، فإن الإسلام لا يكون سببا للهداية والرقي والسعادة فحسب، بل إن الإسلام الذي يداس فيه التفكير يصبح خطرا عظيما، وسببا للشقاء في الدنيا والآخرة.

متى لا يبقى من الإسلام شيء؟

في الحقيقة، كلما عطل التعقل، وترك العقل السليم تحت ركام التعصب والحب والبغض غير المشروعين وسوء التفكير، لم يبق من الإسلام شيء. الإسلام دين العقلاء، والحمقى لا يستطيعون أبدا أن ينالوا شرف الإسلام. قال الإمام الصادق عليه السلام: «من كان له عقل كان له دين، ومن كان له دين دخل الجنة» (٢).

الفرق بين الإسلام الحقيقي والإسلام الأموي

وظيفة الإسلام بلا تعقل هي خدمة الطاغوت. فالإسلام بلا تفكير هو الذي يختار خلفاءه من بني أمية، ولا شك أن الإسلام بلا تعقل هو الإسلام الأموي نفسه. الإسلام المعادي للعقل هو إسلام يقوم على تبرير أعمال معاوية بن أبي سفيان الشنيعة، وفي هذا المذهب المعادي للعقل لا بد من تغطية جرائمه الثقيلة لمجرد أنه يحمل عنوان صاحب النبي.
التعقل والتفكر هما ما يميز الإنسان من الحيوان. لذلك لا يمكن تسمية مذهب غاب فيه العقل وحرم فيه كل سؤال بالإسلام، إلا أن يقال إن هذا هو الإسلام الأموي الفاقد لكل تعقل. وقد كان الإسلام الأموي دائما في التاريخ في خدمة الطاغوت، وما زال، وللأسف يمكن حتى اليوم أن نجد من يدافع عن معاوية.
لو عرفنا معاوية اليوم للمفكرين غير المسلمين بأفكاره وجرائمه والبدع والتحريفات التي أسسها في الدين، وعرضنا عليهم أعماله الإجرامية التي أصر عليها إلى آخر عمره واحدا بعد آخر، لما وجد هؤلاء المفكرون بدا من الاعتراف بأن معاوية من أكبر مجرمي تاريخ البشرية. لذلك من القبيح جدا أن يوجد بين المسلمين إلى اليوم من يجيز لنفسه الدفاع عن معاوية وأمثاله، ويؤلف الكتب لتبرير أعماله أو كتمان جرائمه.

معاوية ابن أربعة آباء

معاوية ابن هند، والمشهور في شأن أبيه أن أباه أبو سفيان، لكن محققين من الشيعة والعامة لهم رأي مخالف لهذه الشهرة، وينسبون معاوية إلى مسافر بن أبي عمرو، وعمارة بن الوليد، وأبي سفيان، وشخص آخر.
كانت هند، أم معاوية، من صاحبات العلامة (٣). وكانت تميل كثيرا إلى الزنا بالرجال السود، وإذا ولد لها من الزنا ولد أسود قتلته. ونقل عن علماء العامة أن مسافر بن عمرو كان ذا جمال وحسن، فعشقته هند وخالطته، واشتهر هذا الفعل القبيح منهما في قريش.
وعند وضع هند حملها، هرب مسافر من مكة إلى الحيرة خوفا من أبي هند، فزوجها أبوها أبا سفيان بوعد مال كثير، وبعد ثلاثة أشهر من زواج أبي سفيان بهند ولد معاوية. بل إن جدة معاوية، أي أم أبي سفيان، كانت أيضا صاحبة راية، وكان هذا الخلق والسلوك شائعا في طائفة بني أمية (٤).

الولادة غير الشرعية فخر عند أتباع بني أمية

لعل القراء يعدون هذا أمرا عظيما: كيف يسمى شخص بهذا النسب والشرف العائلي خليفة، ويدعمه قوم يعدون أنفسهم مسلمين ويدعون محبته؟ والجواب أن هذا السؤال والإشكال في محله، ولا جواب له إلا أن يقال إن الزنا في نظرهم ليس من الأعمال الشنيعة ولا قيمة مضادة، بل هو فخر عظيم. سئل الزهري: هل يجوز أن يكون إمام الجماعة ابن زنا؟ فأجاب: نعم، لا إشكال؛ لأن أئمتنا الكبار كانوا أولاد زنا (٥).

سبب دفاع المؤرخين عن معاوية

بعد شهادة أمير المؤمنين علي عليه السلام استطاع معاوية أن يجلس على كرسي الحكم ويبدأ حكم بني أمية. والمؤرخون يتعمدون الدفاع عن كل من يصبح حاكما، ولذلك صنعوا لمعاوية شخصية رفيعة لمجرد أنه استطاع أن يمسك الحكم.
حاولوا إثبات إسلام معاوية قبل فتح مكة، ومن هذه الجهة قدموه كاتبا للوحي، لكن هذا السعي بلا فائدة؛ لأن حال معاوية قبل فتح مكة وبعده واضح. ومن الأدلة التي تبطل هذه الدعوى اعتراف المؤرخين بأن رسول الله جعل معاوية في حنين من المؤلفة قلوبهم، وأعطاه من غنائم الحرب. فلو كان إسلامه قبل فتح مكة لما جعله النبي من المؤلفة قلوبهم (٦).

فضح أحد أعضاء حزب معاوية له

يكتب ابن قيم الجوزية، تلميذ ابن تيمية البارز، أن معاوية أسلم عام الفتح بعد خيبر (٧). وفوق ذلك، فإن كشف المغيرة، وهو من رجال حزب معاوية ومن السياسيين في خدمة بني أمية، لم يترك لمعاوية وجاهة ولا إسلاما، وتقريره التاريخي يغنينا عن كل جدال في إسلام معاوية.
ينقل المغيرة أن معاوية قال له في مجلس خاص: والله لا أزال، ما بقيت، أسعى لأن أدفن اسم محمد وأواريه التراب (٨). وبعد هذا النقل، فما الفرق بين أن يكون معاوية قد أسلم في السنة الأولى للهجرة أو بعد فتح مكة؟ فهو في أي وقت أسلم كان منافقا، وكان قصده ضرب جسد الإسلام من الداخل.
ولما سمع البيهقي بعضهم يقول إن معاوية خرج من الإيمان بحربه لعلي عليه السلام، قال: لا، ليس الأمر كذلك؛ لأن معاوية لم يكن مؤمنا ولم يدخل في الإيمان حتى يخرج منه، بل انتقل في زمن النبي صلى الله عليه وآله من الكفر إلى النفاق، أي صار من المنافقين، ثم بعد رحيل النبي رجع إلى كفره الأصلي (٩).

معاوية وتجارة الأصنام

يقول أبو وائل: كنت مع مسروق في منطقة السلسلة، فإذا بمراكب تحمل أصناما وتماثيل من نحاس تمر بنا. فسئل عن هذه الحمولة، فقالوا: هي طلب معاوية من أرض السند والهند.
قال مسروق: لو علمت أنهم يقتلونني لأغرقت كل هذه المراكب، ولكني أخاف العذاب. والله لا أدري أي إنسان معاوية، ومن أي الناس هو: هل يئس من الآخرة فهو يحاول ألا يفقد الدنيا، أم زينت له أعماله القبيحة؟ (١٠)

ما كان في يد معاوية عند الموت

والأجمل من كل ذلك أن معاوية كان عند الموت يحمل صليبا في يده. ولو خلطنا قليلا من العقل بقليل من الإنصاف ولم نحرم أنفسنا من هاتين النعمتين الإلهيتين، لما عددنا معاوية مسلما أبدا. وبناء على ما سبق، ينبغي أن يقال: إما إن معاوية لم يسلم، أو إن كان قد أسلم فإسلامه كان قطعا وبلا شك نفاقا، وفي الحالتين فالنتيجة واحدة وهي كفر معاوية.

شجاعة معاوية المثالية في الحروب!

شارك معاوية في الحروب التي كان أبوه أبو سفيان يخطط لها ويمولها، وأظهر فيها شجاعات. ففي بدر شارك ثلاثة من أبناء أبي سفيان: حنظلة وعمرو ومعاوية؛ قتل أحدهم، وأسر الآخر، وفر معاوية، ووصل إلى مكة ماشيا حتى تورمت قدماه وبقي شهرين تحت العلاج (١١).
ويلزمنا لتنوير الأفكار أن نقيس هذا المشهد بهذا التقرير التاريخي. مع أن من مظلومية أمير المؤمنين أن يقاس بأناس لا أصل لهم ولا نسب، والحقيقة أن مقارنة سيد الشجاعة والشرف والنور والهداية بجرثومة الفساد والخبث عمل قبيح، لكن ماذا نصنع في زمن تقدم فيه جرثومة الخبث على أنها حق، وتؤلف الكتب لإثبات حقانيتها؟ هذا القياس لكي يعرف النور من الظلمة، ولعل من يتعقل يشغل عقله.
لما فرغ علي عليه السلام من المهمة التي أوكلها إليه النبي الأكرم صلى الله عليه وآله في ليلة الهجرة، هاجر إلى المدينة، فكان يسير ليلا ويختفي نهارا حتى وصل إلى المدينة، والدم يسيل من قدميه وقد تورمتا.
قال النبي صلى الله عليه وآله: ادعوا عليا. فقيل: لا يستطيع المشي. فجاء النبي بنفسه لعيادته، واحتضنه وبكى على جراحه وحاله، ثم وضع شيئا من ريقه المبارك على قدميه، فلم يشعر بعد ذلك بألم القدم إلى أن استشهد (١٢).
وبالطبع لا ينبغي نسيان شجاعة معاوية في صفين؛ فقد كانت له في صفين نماذج من هذه الشجاعة أيضا، كما يقول هو نفسه: «لقد وضعت رجلي في الركاب وهممت يوم صفين بالهزيمة» (١٣).

دليل المدافعين عن معاوية لتقديسه

والطريف أن بعض المدافعين عن معاوية كتبوا لتبرئته وتقديسه: «إن معاوية لم يشارك في بدر وأحد والخندق والحديبية، وهي من أهم غزوات المسلمين مع الكفار، في صف الكفار». لكن هؤلاء المدافعين السفهاء نسوا أن من لم يكن يشارك في الحرب، وخصوصا في أحد، كانوا يرسلون إليه الكحل، كناية عن أنه امرأة وجبان، أو يهدمون بيته (١٤).
في الحقيقة، كان معاوية من ألد أعداء الإسلام، وحارب الإسلام والنبي العظيم ما استطاع، وسعى لإبادة الإسلام. وبعد فتح مكة، حين بلغت القوة السياسية والعسكرية للإسلام ذروتها، اضطر إلى الإسلام. ولا ينبغي أن يغيب عن النظر أن إسلامه كان تغييرا للتكتيك في الحرب لا تسليما لله ورسوله، وكم يحاولون محو عداوات معاوية للإسلام.
كأنهم نسوا نفوذ حذيفة بن اليمان، بأمر النبي الأكرم صلى الله عليه وآله، إلى قلب العدو في إحدى ليالي الخندق، حين حوصرت المدينة بالأحزاب بقيادة أبي سفيان، ليحصل على أخبارهم. هناك، ومن خوف العدو من تسلل قوى الإسلام إلى معسكر المشركين، جلسوا حلقات متدايرة، وأمسك بعضهم بيد بعض، وسألوا في ظلمة الليل عن أسماء بعضهم.
يقول حذيفة، وقد كان محاصرا في حلقتهم: بحذق ومهارة سألت من على يساري: من أنت؟ قال: عمرو بن العاص. ثم سألت من على يميني: من أنت؟ قال: معاوية بن أبي سفيان. وبهذا لم يسألني أحد، وخلصت نفسي (١٥).
يدل تقرير حذيفة على أن معاوية جاء إلى خلف الخندق مع الأحزاب والقبائل المختلفة لإبادة كيان الإسلام، لكن لا تقرير لدينا أن معاوية أنفق سيفه وشجاعته في حرب لصالح الإسلام والنبي. فإما أنه لم يشارك في حرب، أو إن شارك فقد سعى ضد الإسلام.

قمة شجاعة معاوية في صفين

كان علي عليه السلام في صفين يخرج كل صباح إلى الميدان ويدعو معاوية إلى المبارزة ويقول: لماذا تقتل الناس؟ تعال إلى الميدان، فمن غلب كانت له الأمور. فقال عمرو بن العاص لمعاوية: إن هذا الرجل يكلمك بإنصاف.
أجبر معاوية عمرا على الخروج إلى ميدان علي عليه السلام. فلما أيقن عمرو بن العاص في ساحة الحرب أنه سيرسل بسيف علي عليه السلام إلى جهنم، رمى نفسه من الفرس إلى الأرض وكشف عورته، فأعرض عنه حيدر الكرار بفرسه، ونجا عمرو بن العاص.
وذات يوم كان معاوية وعمرو بن العاص على مائدة العشاء، فنظر معاوية إلى عمرو وضحك. قال عمرو: لماذا تضحك؟ قال: من دهائك وحضور ذهنك في صفين، إذ أنقذت نفسك من يد علي عليه السلام بعورتك. فأجابه عمرو: والله كنت على يمينك حين دعاك علي إلى الميدان، فاحولت عيناك من شدة الخوف، وظهر منك ما أكره الآن ذكره (١٦). ومن شدة شجاعة معاوية أنه وسخ ثيابه، وإن كان عمرو بن العاص يكره ذكر ذلك.

أكثر الناس تأثيرا في ترويج الأحاديث الكاذبة

سنة الإسلام الأموي هي صناعة الفضائل للأخباث. والأمويون من أكبر عوامل انحراف التاريخ عن مساره، ولا شك أن أكثر الناس تأثيرا في تاريخ الحديث وانتشار الأحاديث الموضوعة والكاذبة هم الأمويون. وهذه خيانة المسلمين الأمويين من أكبر الخيانات لنبي الإسلام المكرم. وبالطبع، من مواضع الفخر أنه ببركة الأئمة المعصومين عليهم السلام لم يدخل شيء من أحاديث الأمويين المصنوعة في المجامع الروائية الشيعية، ويجب الجزم بأن كتب الحديث الشيعية مطهرة ونقية من جعليات الأمويين، بخلاف كتب العامة التي تعد أصح كتبهم التي يدعون صحتها مشحونة بالجعليات الأموية.
ومعاوية، الذي كان رأس تيار نشر الأكاذيب، وكان ينفق الأموال الطائلة لجعل الحديث في خدمة الإسلام الأموي، لم يستثن من قاعدة صناعة الفضائل. فقد صنعت له فضائل كثيرة ونشرت بين الناس، واليوم يتمسك بعض من يعبدون صنما اسمه «عدالة الصحابة» بهذه الجعليات. لكن اليقظين من علماء العامة حذروا من كون هذه الفضائل موضوعة. ولرعاية الاختصار نترك ذكر الروايات الموضوعة، ونكتفي باعترافات علماء العامة بكذب فضائل معاوية.

لا يوجد حديث صحيح واحد في فضيلة معاوية

لا ينبغي نسيان آراء علماء العامة في روايات فضائل معاوية، إذ ينكرون بكل صراحة وجود حتى حديث واحد صحيح في فضيلة معاوية، ويقولون إنه لم يصل إلينا في هذا الباب حتى رواية صحيحة واحدة.
يقول إسحاق بن إبراهيم الحنظلي: لا نملك في فضل معاوية حتى حديثا صحيحا واحدا (١٧). ويقول ابن تيمية، وهو من أشد أنصار بني أمية ومعاوية: «طائفة وضعوا لمعاوية فضائل ورووا أحاديث عن النبي صلى الله عليه وآله في ذلك، كلها كذب» (١٨).
ويقول العيني، شارح صحيح البخاري: ليس لدينا حديث صحيح ومسند في فضيلة معاوية. وقد صرح بذلك واعترف به إسحاق بن راهويه والنسائي وغيرهما. ولهذا كتب الإمام البخاري في كتابه: «باب ذكر معاوية»، ولم يكتب: «فضيلة معاوية ومناقبه» (١٩).
ويقول الشوكاني: اتفق حفاظ الحديث على أنه لم يرد حتى حديث صحيح واحد في فضيلة معاوية (٢٠). ويقول ابن حجر أيضا: هذا الجاهل، أي إسحاق بن محمد السوسي، هو الذي أورد في فضيلة معاوية أحاديث موضوعة وكاذبة تنفر منها الطباع وتأبى الآذان سماعها (٢١).
هؤلاء من كبار علماء العامة، وإن لم يمكن الوثوق بكلام هؤلاء العلماء في الحديث، فلن يستطيع أهل العامة الوثوق بأي شخص آخر. لكن يبقى سؤال: ما دافع الوضاعين إلى جعل الحديث في مناقب معاوية؟
هل يمكن القول إن دافعهم الوحيد لنشر هذه الأكاذيب كان الدنانير الذهبية التي كان معاوية يبذلها، أم ينبغي أن نبحث عن دافع أعلى وأهم؟ الحقيقة أن مال معاوية ودراهمه ودنانيره لم تكن العامل الوحيد في هذا الأمر، بل هناك سبب أهم يحتاج إلى تحليل مفصل. لكن في جواب هذا السؤال نكتفي بنقل واحد من أهل العامة.

سبب صناعة الفضائل لمعاوية

يقول عبد الله بن الإمام أحمد بن حنبل: سألت أبي عن علي عليه السلام ومعاوية، ففكر أحمد بن حنبل قليلا ثم قال: ماذا أقول في هذين؟ اعلم أن لعلي أعداء كثيرين، بذلوا جهدا كبيرا ليجدوا فيه عيبا ونقصا، فلما لم يجدوا، توجهوا إلى من حاربه وعاداه، وجعلوا له فضائل ومناقب، ليظهروا بذلك كيدهم وعداوتهم لعلي (٢٢).
أحمد بن حنبل، وهو من متعصبي أهل العامة، يرى أن كثرة الفضائل الكاذبة لمعاوية نتيجة كثرة العداوة لعلي عليه السلام. وهنا ينبغي أن نسأل أحمد بن حنبل: هل اكتفى أعداء علي عليه السلام بصناعة الفضائل لمعاوية في عداوتهم له، أم كان ينبغي صناعة الفضائل لكل من وقف في مقابل علي؟
إذا قبلنا كلام أحمد بن حنبل في هذا الباب، ولا مفر لنا من قبوله مع القرائن التاريخية القطعية، أفلا ينبغي أن نشك في كل الفضائل التي نقلت لمخالفي علي عليه السلام، مثل فضيلة أبي بكر بأنه صاحب الغار، أو فضائل الحاكم الثاني والخليفة الثالث، وكل من كان في قصة السقيفة والصحيفة الملعونة في حزب مخالف لعلي عليه السلام؟
إما أن أحمد بن حنبل لم يرد أن يقول لابنه، أو نسي أن يقول له، إن معاوية لم يكن وحده من حارب عليا؛ فقد حاربته عائشة وطلحة والزبير وكثيرون. ولعل تعصبه منعه أن يقول إن أول حرب على علي عليه السلام كانت في المدينة وفي بيته، وإن أول من استشهد من أهل بيته المطهرين زوجته وطفله ذو الستة أشهر، الذي أسقط خلف الباب بهجوم الغاصب الأول والثاني.
والآن، مع الالتفات إلى هذه النقاط، نراجع كلام أحمد بن حنبل مرة أخرى. يقول عبد الله بن أحمد بن حنبل: سألت أبي عن علي ومعاوية، فسكت أبي قليلا ثم قال: يا بني، ماذا أقول في هذين؟ اعلم أن لعلي أعداء كثيرين، حاولوا أن يجدوا فيه عيبا فلم يجدوا، فعظموا من حاربه وصنعوا له فضائل، وكان هذا لأجل العداوة لعلي.
ينبغي تصحيح كلامه هكذا: من خيانات أعداء علي عليه السلام أنهم صنعوا فضائل لكل من حارب عليا، من أبي بكر وعمر إلى عائشة ومعاوية. ومع أن لكلام ابن حنبل هذا نتائج أخرى، نكتفي بهذا السؤال منه.
لكن لا ينبغي الابتعاد عن الإنصاف؛ ففي كل الروايات التي صنعت وذكرت في فضائل معاوية، هناك رواية واحدة صحيحة ومقبولة، ومن غير الإنصاف ألا نذكر هذه الفضيلة التي نقلت لنا بسند صحيح.

الرواية الصحيحة الوحيدة الموجودة في معاوية

حقا، هذه الرواية الصحيحة الوحيدة في معاوية وردت في المجامع الحديثية، وقد فرح أنصار معاوية بسماع هذه الفضيلة إلى درجة أنهم قتلوا راوي هذا الحديث. الرواية الصحيحة الوحيدة في فضيلة معاوية هي أن نبي الإسلام صلى الله عليه وآله قال: لا أشبع الله بطن معاوية.
الإمام النسائي، في مسجد دمشق، لما طلب منه أنصار معاوية حديثا في فضيلة معاوية، قال: «ما أعرف له فضيلة إلا لا أشبع الله بطنك»؛ أي لا أعرف له فضيلة إلا هذا الحديث أن النبي قال: لا أشبع الله بطنك. وبعد سماع هذا الحديث عذب أنصار معاوية الإمام النسائي وضربوه وأخرجوه من المسجد، فمات الإمام النسائي بسبب هذا التعذيب (٢٣).
وبحسب الذهبي، لم يكن معاوية يشبع أبدا، وكان يعد من شرهي الدنيا (٢٤). وبحسب ابن كثير، كان يأكل في اليوم سبع وجبات؛ وكانت تأتيه في كل وجبة أوان كبيرة مملوءة بالطعام واللحم، فيأكلها ويقول: تعبت، ولكن لم أشبع (٢٥).

حين يتحول معاوية إلى مثل

ومن هذه الجهة صارت هذه الفضيلة العالية لمعاوية، التي يعجز البشر العاديون عن بلوغها، مثلا لمن يكثر الأكل ولا يشبع. قال بعضهم: «وصاحب لي بطنه كالهاوية كأن في أمعائه معاوية»؛ أي كأن في بطن صاحبي هاوية، فكلما أكل لا يشبع، ولا بد أن في معدته معاوية لا يشبع.

صحابي النبي الذي هو قاتل شباب أهل الجنة!

ما تقدم يعرض صورة عامة من شخصية معاوية، ويوضح من هم أصدقاؤه، وإلى أي حد بلغ أنصاره من قلة التفكير. وقد اتضح في هذا المختصر أن دعم معاوية والدفاع عنه غير ممكن، إلا بتعطيل العقل واستبدال التعصب به.
وفيما يلي سنتناول خياناته في الإسلام في الفترة التي قبل فيها الإسلام ظاهرا، وفي زمن كان عاملا لعمر وعثمان في الشام، وحين قتل عثمان وأثار فتنة الجمل وصفين، ثم عندما وصل إلى السلطة واستطاع أن يزيح مخالفيه بالمكر والخداع والحيلة.
بدع معاوية وفتنه من أكبر مصائب عالم الإسلام. لقد استشهد على يده كثير من كبار الإسلام وكبار عالم الوجود والمختارين من الله. فهو الذي خطط لاغتيال الإمام الحسن المجتبى عليه السلام، ونفذ هذه الخطة بواسطة عملائه في المدينة.
لعل هذه الحقيقة المرة تبدو بعيدة عن التوقع، وهي أن معاوية خطط للحادثة الحزينة، عاشوراء، في العراق، ومهد مقدماتها في حياته، ثم وقع قتل الإمام الحسين عليه السلام على يد أخبث منه، أي ابنه يزيد. وفي الحقيقة، كان يزيد الملعون منفذ مؤامرة قذرة صممها معاوية، ولذلك يجب دراسة هذه النقطة بدقة.
في كلمة واحدة: معاوية قاتل سبطي النبي، الحفيدين اللذين قال فيهما النبي: «إن الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة». فأي عقل سليم يقبل أن قاتل سيدي أهل الجنة يدخل الجنة لمجرد أنه صاحب النبي، إلا عقل مسخته دعايات الأمويين؟

الهوامش

١. سورة الملك، الآية ١٠. ٢. أصول الكافي، ج ١، ص ١١. ٣. كانت تنصب على باب بيتها راية للدعوة إلى الزنا. ٤. شرح نهج البلاغة للخوئي، ج ٣، ص ٣٥٠؛ شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، ج ٢، ص ١٠٢؛ مثالب العرب، ص ٧٢؛ ربيع الأبرار، ج ٣، ص ٥٤٩-٥٥١؛ الأغاني، ج ٩، ص ٤٩؛ العقد الفريد، ج ٦، ص ٨٦. ٥. المحلى، ج ٤، ص ٢١٣، دار الآفاق الجديدة، بيروت. ٦. شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، ج ١، ص ٤٩٠. ٧. أحكام أهل الذمة، ابن قيم الجوزية، ج ١، ص ٩١. ٨. شرح ابن أبي الحديد، ج ٥، ص ١٢٩، نقلا عن الموفقيات للزبير بن بكار. ٩. الكامل للطبري، ج ٢، ص ٢٠٤؛ الكنى والألقاب، ج ٢، ص ١١٤. ١٠. أنساب الأشراف، ج ٥، ص ١٣٧. ١١. شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد، ج ١٥، ص ٨٥. ١٢. الكامل، ابن الأثير، ج ١، ص ٥١٩. ١٣. تاريخ دمشق، ج ٥٩، ص ١٣٨؛ سير أعلام النبلاء، ج ٣، ص ١٥٦؛ العقد الفريد، ج ٤، ص ٣٤٠؛ شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد، ج ٨، ص ٥٩؛ وفيات الأعيان، ج ٥، ص ٢٤١. ١٤. الإمتاع، ص ٦٦؛ البحار، ج ١٩، ص ٢. ١٥. المغازي، ج ٢، ص ٤٨٨؛ سيرة ابن هشام، ج ٣، ص ٢٤٢. ١٦. العقد الفريد، ابن عبد ربه، ج ٣، ص ١١٠. ١٧. اللآلي المصنوعة، ج ١، ص ٣٨٨؛ الموضوعات، ج ٢، ص ٢٤؛ الفوائد المجموعة، ص ٤٠٧؛ البداية والنهاية، ج ٨، ص ١٢٣. ١٨. منهاج السنة، ج ٢، ص ٢٠٧. ١٩. عمدة القاري، ج ١٦، ص ٢٤٩؛ فتح الباري، ج ٧، ص ٨٣؛ إرشاد الساري، ج ٦، ص ١٤١؛ وفيات الأعيان، ج ١، ص ٧٧. ٢٠. الفوائد المجموعة، ص ٤٠٧. ٢١. لسان الميزان، ج ١، ص ٣٧٤. ٢٢. المنتظم، ج ٣، ص ٣٧٢. ٢٣. سير أعلام النبلاء، ج ١٤، ص ١٢٩-١٣٢؛ وفيات الأعيان، ج ١، ص ٧٧. ٢٤. سير أعلام النبلاء، ج ٣، ص ١٢٣. ٢٥. البداية والنهاية، ج ٨، ص ١٢٣.
المؤلف: حامد صارم
فهرس المحتويات
  1. متى لا يبقى من الإسلام شيء؟
  2. الفرق بين الإسلام الحقيقي والإسلام الأموي
  3. معاوية ابن أربعة آباء
  4. الولادة غير الشرعية فخر عند أتباع بني أمية
  5. سبب دفاع المؤرخين عن معاوية
  6. فضح أحد أعضاء حزب معاوية له
  7. معاوية وتجارة الأصنام
  8. ما كان في يد معاوية عند الموت
  9. شجاعة معاوية المثالية في الحروب!
  10. دليل المدافعين عن معاوية لتقديسه
  11. قمة شجاعة معاوية في صفين
  12. أكثر الناس تأثيرا في ترويج الأحاديث الكاذبة
  13. لا يوجد حديث صحيح واحد في فضيلة معاوية
  14. سبب صناعة الفضائل لمعاوية
  15. الرواية الصحيحة الوحيدة الموجودة في معاوية
  16. حين يتحول معاوية إلى مثل
  17. صحابي النبي الذي هو قاتل شباب أهل الجنة!
  18. الهوامش
الوسوم:بدعتبنی-امیهروایات-جعلیعاشورالا-اشبع-الله-بطنکمعاویهنبأالعظیمنباءالعظیمنباالعظیم

مقالات مشابهة

لماذا توقّع معاوية خروج الإمام الحسين(ع) من المدينة ودعوة أهل الكوفة؟
11 آيان 1394 ه‍.ش
لماذا توقّع معاوية خروج الإمام الحسين(ع) من المدينة ودعوة أهل الكوفة؟
المؤلف: حامد صارم
الأشرار وأعداء أهل البيت عليهم السلامبني أميةالشخصياتمعاوية بن أبي سفيان
#امام-حسین#اموی#امویان

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد.

أكبر جناية علمية لمعاوية
6 آيان 1394 ه‍.ش
أكبر جناية علمية لمعاوية
المؤلف: حامد صارم
الأشرار وأعداء أهل البيت عليهم السلامبني أميةالشخصياتالقرآن الكريممعاوية بن أبي سفيان
#اختلاف#بنی-امیه#تبیین-پیامبر
هل كان معاوية وراء مقتل علي؟ تحليل العلاقة الدموية بين بني أمية واليهود في قتل أمير المؤمنين
11 آيان 1394 ه‍.ش
هل كان معاوية وراء مقتل علي؟ تحليل العلاقة الدموية بين بني أمية واليهود في قتل أمير المؤمنين
المؤلف: حامد صارم
الأشرار وأعداء أهل البيت عليهم السلامبني أميةالشخصياتمعاوية بن أبي سفيان
#ابن-ملجم#امویان#بنی-امیه