زيارة السيدة المعصومة ليست «ذريعة» للجنة، بل «ثمنها»
المؤلف: حامد صارم

كل إنسان يطأ هذه الكرة الأرضية يمر بأيام حلوة ومرة؛ غير أن الرجال والنساء، والشيوخ والشباب، والمؤمنين والمنافقين، والمسلمين والكافرين، سيشهدون يومًا عسيرًا جدًّا؛ يومًا يبدي فيه حتى العظماء خوفهم وفزعهم ويطلبون من الله الأمان، إذ لا ينفع فيه مال ولا كثرة الأولاد إلا من أتى بقلب سليم. وهو يوم يفر فيه كل امرئ، من شدة الهول والفزع، من أخيه وأمه وأبيه وبنيه، ويتمنى المجرم والعاصي أن يفدي نفسه من عذاب الله ولو لحظة بأبيه وأمه وأولاده وقبيلته والناس جميعًا. فيأتي الجواب: «كَلّا إِنَّها لَظىٰ * نَزّاعَةً لِلشَّوىٰ»؛ لن ينجو أبدًا، فنار جهنم مشتعلة عليه حتى تحرق رأسه ووجهه وأعضاءه تمامًا.
الجنة واجبة لزائري كريمة أهل البيت فاطمة المعصومة
في ذلك اليوم الذي لا ينفع فيه الظالم اعتذاره، تكون الجنة واجبة لزائري كريمة أهل البيت فاطمة المعصومة (بحار، ج ٩٩، ص ٢٦٥). وفي اليوم الذي يعض فيه الظالم أصابعه ندمًا وحسرة ويقول: يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيل الطاعة، يدخل جميع الشيعة الجنة بشفاعة تلك السيدة المكرمة، ابنة وأخت ولي الله. وفي اليوم الذي تنطفئ فيه الشمس والنجوم وتضطرب السماء والأرض، ويظهر «وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ»، يُفتح للشيعة بابان من أبواب الجنة من حرم تلك العالمة المحدّثة.
ما الذي جعل الله العظيم المقتدر، الذي قضت إرادته أن تُعطى الجنة بثمن، يوجب هذه المرة الجنة بسبب زيارتها؟ لعلنا نخطئ؛ فزيارتها ليست «ذريعة» للجنة، بل «ثمنها».
تلقي الفيض من المحضر القدسي للسيدة المعصومة يتطلب استعداد المعرفة
إذا كان عند زيارتها تدبر من الزائر وعناية من تلك الكريمة، فإنك حين تخاطبها قائلًا: «يا فاطمة اشفعي لي في الجنة»، تجد أن مجال شفاعتها هو الجنة؛ وبشفاعتها تحلق إلى مقامات ودرجات أعلى، وكرامتها لا تنحصر في إنقاذ المحبين المذنبين من النار. وكيف لا يكون ذلك وقد «لها عند الله شأن من الشأن»؟ فلها عند الله منزلة ومقام عظيمان. إنها كريمة ومن بيت الكرماء، وآباؤها الطاهرون جميعًا «كريم من أولاد الكرام».
ومع أنها من بيت الكرم، فإن تلقي الفيض من محضرها القدسي يحتاج إلى استعداد وتمهيد. ولعل هذا هو سبب اقتران وجوب الجنة للزائرين بالمعرفة والإدراك؛ فكأن لا شيء أبغض إلى أهل البيت(ع) من ظلمة الجهل. ولذلك تُقوَّم أعمال الشيعة جميعًا على أساس المعرفة.
إن عبور الصراط، وهو أحد من السيف وأدق من الشعرة، وفيه ألف سنة صعودًا وارتقاءً وألف سنة هبوطًا ونزولًا، لا يكون إلا بمعرفة العترة. والحق أن المعرفة والوعي من ذات الشيعي؛ ومن علامات محب أهل البيت حرصه على تلقي العلم من العترة الطاهرة. أما الذين لا ينشغلون بالتعلم في مدرسة أهل البيت فقد سُمّوا غثاءً، أي الحطام والخَشاش. وزيارة السيدة فاطمة المعصومة أيضًا ينبغي أن تقترن بمعرفة حق تلك العظيمة.
قم؛ حرم أهل البيت
إن لله حرمًا وهو مكة، ولرسول الله حرمًا وهو المدينة، ولأمير المؤمنين حرمًا وهو الكوفة، ولنا أهل البيت حرمًا وهو قم. وستُدفن فيها سيدة من ولدي؛ فمن زارها وجبت له الجنة. (بحار، ج ٤٨، ص ٣١٧)
إن أهل البيت، وهم أنفسهم حرم الله الأكبر، قد عدّوا قم ومزار تلك السيدة حرمًا لهم. ويقول الإمام الرضا(ع)، وهو إمام معصوم لا يُقاس به أحد: من زارها فكأنما زارني.
قال الإمام السابع موسى بن جعفر(ع) في حقها ثلاث مرات: «فداها أبوها». ولما كانت فاطمة المعصومة في الثامنة من عمرها، أجابت كتابةً عن المسائل العلمية لجماعة من الشيعة.
لقد دافعت، كأمها فاطمة الزهراء(س)، عن حريم الولاية بعلمها وسفرها، وروت في أجواء القمع العباسي روايات في الدفاع عن الحق المغصوب لأهل البيت.
هي شفيعة يوم الجزاء، وتحتاج أمة جدها رسول الله(ص) كلها إلى شفاعتها. وزيارتها بمنزلة زيارة الإمام الرضا(ع) وثمن للجنة. ومثل الصديقة الكبرى، رحلت عن الدنيا في ربيع شبابها، في السابعة والعشرين من عمرها، وهي في طريق سفرها إلى إيران وطوس دفاعًا عن إمام زمانها. وقد قضت الأيام السبعة عشر الأخيرة من عمرها الشريف في العبادة. ومعبدها في مدينة قم اليوم أحد المزارات، ويعرفه أهل قم باسم بيت النور.
أوجه الشبه بين السيدة المعصومة والسيدة فاطمة(س)
من كل جهة ننظر إليها نجد شبهًا كبيرًا بأمها الكريمة السيدة فاطمة(س)، فاطمة التي قيل فيها: «فُطِمَ شيعتها عن معرفتها»، أي إن شيعتها حُجبوا عن معرفتها. فإذا قلنا إننا نحن أيضًا حُرمنا من المعرفة الحقيقية للسيدة فاطمة المعصومة، فقد قلنا الحق؛ لأنها أشبه الناس بالسيدة الزهراء، وحرمها يسلّي شيعة السيدة الزهراء الذين لم يستطيعوا في المدينة، بسبب ظلم الغاصبين، أن يجدوا قبرها.
نعم، من ترابها تفوح إلى السمع رائحة «فاطمة».
وما أجمل ما قيل شعرًا:
ذلك القبر الذي ضاع في المدينة، وُجد في مدينة قم.
وما أجمل ما قيل شعرًا:
ذلك القبر الذي ضاع في المدينة، وُجد في مدينة قم.
المؤلف: حامد صارم
مقالات مشابهة
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد.