العيش الإيماني: تأمل موجز في المفهوم القرآني للانتظار (٢)
المؤلف: حامد صارم

الملخص:
تتناول هذه المقالة بالدراسة التحليلية والموضوعية عدداً من المفاهيم الأساسية في القرآن الكريم، منها «الصبر»، و«التواصي بالحق»، و«المصابرة»، و«رابطوا»، وتستقصي دورها في استدامة الإيمان والولاية وتعزيزهما، ولا سيما في سياق واقعة الغدير وعصر غيبة أهل البيت (عليهم السلام). وقد أُجريت دراسة حالة على آيات مختارة من سور آل عمران، والعصر، والقصص، والكهف، حيث تشير هذه المفاهيم فيها بصورة مباشرة أو ضمنية إلى العلاقات الروحية والاجتماعية. وتُظهر نتائج البحث أن:
- إن «الصبر» في القرآن لا يعني مجرد تحمّل الشدائد، بل يُعرَّف بوصفه أرضيةً للثبات الروحي والعقدي؛ ويمثل «التواصي بالحق» و«التواصي بالصبر» دعوةً إلى تذكير الفضائل والمبادئ الدينية والتأكيد عليها، بما يهيئ أسباب استمرار طريق الولاية؛ وتعني «المصابرة» التعاون والدعم المتبادل في الصبر والمقاومة، وهي تُطرح عنصراً أساسياً في ترسيخ تضامن المؤمنين؛ أما «رابطوا» فتدل على ربط القلوب واتصالها، مما يحقق التماسك والتعاطف الجماعيين ويُعد سداً منيعاً أمام نفوذ أعداء الولاية.
وبناءً على التحليلات المنجزة، توفر هذه المفاهيم الأربعة مجتمعةً بنيةً متماسكة وفعالة لحفظ الولاية واستمرارها في الظروف المعقدة للغيبة. وتؤكد المقالة في النهاية أن تعزيز هذه الروابط الروحية والاجتماعية، فضلاً عن بعدها الفردي، ضرورة استراتيجية للمجتمع الشيعي في مواجهة تحديات عصر الغيبة.
الكلمات المفتاحية: الولاية، الغيبة، الصبر، التواصي بالحق، المصابرة، رابطوا، الوحدة العقدية، الثبات الجماعي، التعاليم القرآنية، المجتمع الشيعي، حيوية الولاية، عصر الغيبة.
المقدمة:
الانتظار أحد المفاهيم الأساسية والمحورية في الثقافة الإسلامية، ويكتسب معنى أعمق ومختلفًا، ولا سيما في عصر غيبة إمام الزمان (عليه السلام). وفي هذه الفترة التي يغيب فيها الحضور الظاهري للإمام المعصوم عن متناول المؤمنين، يبرز السؤال الجوهري: ما هي واجباتنا الدينية، وكيف يمكننا سلوك الطريق الصحيح للعبودية والوفاء للإمام؟ فإذا كانت نصرة الإمام الحسين (عليه السلام) في واقعة عاشوراء تكليفًا واضحًا للجميع، فإن فهم الواجبات الدينية وتحقيقها اليوم، في عصر الغيبة، يحتاج إلى تأمل وبصيرة ورجوع دقيق إلى القرآن والسنة.
يتناول هذا المقال، برؤية جديدة وتحليلية، مفهوم الانتظار من منظور القرآن الكريم، ويسعى إلى بيان أن الانتظار لا يعني مجرد الترقب؛ بل هو استراتيجية فاعلة وواعية وجماعية لمواجهة الفتن وحفظ الإيمان. وتقدم الآيات الختامية من سورة آل عمران وسورة العصر المباركة، بوصفهما نموذجين بارزين، إطارًا قرآنيًا لفهم واجبات المؤمنين في عصر الغيبة؛ وهي واجبات تقوم على الصبر والمصابرة والمرابطة والتواصي بالحق والصبر، وقد عُرِّفت بوصفها الشرط الرئيس للفلاح والنجاة.
هدف هذا البحث هو إعادة قراءة هذه الآيات قراءة دقيقة، واستخراج واجبات المؤمنين في عصر الغيبة على أساس المفاهيم القرآنية. وفي هذا المسار، يتبين أن الصبر والانتظار لا يكتسبان معناهما على المستوى الفردي وحده؛ بل إن تحققهما في إطار جماعي، مقترنًا بالتقوى وتحمل المسؤولية الاجتماعية، يمكن أن يهدي المجتمع الإيماني نحو النجاة الحقيقية.
التواصي المتبادل في القرآن: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾
يشير مفهوم «تواصوا» في القرآن إلى التواصي المتبادل بين المسلمين؛ وهو توصية يجب على الجميع أن يوصي بعضهم بعضًا من خلالها بالتمسك بـ«الحق»، أي بحقيقة محددة ومعينة. ولا استثناء في هذا التواصي؛ فجميع الأفراد، بصرف النظر عن مقامهم أو مكانتهم، ملزمون بأن يوصوا الآخرين بالحق وأن يقبلوا التوصية من الآخرين. وإلا فإن الإنسان يقع في طريق «الخسران».
ومن جهة أخرى، فإن التواصي بـ«الصبر» (الصبر المحدد والمعين) هو أحد الأركان الرئيسة للفلاح والنجاة. ولهذين التواصيين، أي التواصي بالحق والصبر، معًا أهمية خاصة في نمو الفرد المؤمن وتكامله. كما تؤكد سورة العصر أن غياب مثل هذا التواصي وغياب العمل به يساوي الخسران.
١. مفهوم «تواصوا» في الخطاب القرآني
لفظ «تواصوا» في اللغة العربية مشتقّ من باب التفاعل ومن الجذر «وصي»، بمعنى التواصي المتبادل. وفي القرآن، ولا سيما في سورة «والعصر»، يشير هذا اللفظ إلى واجب جماعي متبادل بين المؤمنين؛ بحيث يكون كل فرد مكلّفًا بالتوصية وقبول توصية الآخرين في آنٍ واحد. وهذا التفاعل المتبادل ليس علامةً على التواضع والخشوع الإيماني فحسب، بل يرسّخ أيضًا الأساس التربوي للمجتمع الإسلامي على «التوصية» و«قبول التوصية».
٢. التواصي بالحق: واجب على جميع المؤمنين
إن عبارة «تواصوا بالحق» في القرآن لا تضع أي قيد أو استثناء للمخاطبين؛ أي إن جميع المؤمنين، بغضّ النظر عن المقام والمكانة، مكلّفون بالمشاركة الفاعلة في هذه العملية المتبادلة. وإهمال هذه المسؤولية، وفقًا للبنية المنطقية لسورة والعصر، يساوي الدخول في دائرة «الخسران»؛ وهو ضرر واسع وشامل يضع روح الإنسان ونفسه في مسار السقوط.
٣. «الحق»: إحالة إلى حقيقة معيّنة ومعروفة
إن حضور «الـ» في «الحق» يدلّ على التعيّن والاختصاص؛ أي إن القرآن يدعو المؤمنين إلى التواصي بحقيقة محددة، واحدة، وغير نسبية. وهذه الحقيقة، من منظور القرآن، قابلة للمعرفة وغير متكثرة، ومن اللازم أن تجري في حياة المؤمنين بوصفها محورًا هاديًا للسلوك الأخلاقي والعملي.
٤. الصبر المعيّن: محور الثبات والاستقامة في طريق الحق
وردت كلمة «الصبر» في الآية مقترنةً بـ«الـ»، مما يدلّ على نوع معيّن ومحدد من الصبر، لا على صبر عام ومبهم. وهذا الصبر يتجاوز مجرد التحمّل أمام المشكلات، ويُعدّ موضوعًا خاصًا للتواصي. والتأكيد على «الصبر» يعني ضرورة التوصية والتواصي المستمرّ بهذا النوع من الصبر، بما يوفّر أرضية الاستمرار والالتزام بمبادئ الإيمان وطريق الحق. كما أن وجود «الـ» في كلمة الصبر يدلّ على أهمية هذا الصبر وخصوصيته، وأنه ينبغي التأكيد عليه باستمرار في سلوك المؤمنين وتفاعلاتهم.
٥. التواصي بالحق والصبر: مفتاح النجاة من الخسران
تتسم سورة العصر ببنية منطقية ومنظمة، وتعرض تحقق أربعة أركان بوصفه السبيل الوحيد للنجاة من الخسران: الإيمان، والعمل الصالح، والتواصي بالحق، والتواصي بالصبر. ويبيّن العنصران الأخيران، بما لهما من طبيعة اجتماعية وتبادلية، أن طريق النمو والفلاح ليس فردياً فحسب، بل هو عملية تفاعلية جماعية. فكل مؤمن مسؤول عن هداية إخوانه المؤمنين وتقويتهم وتثبيتهم، لأن السلوك الإيماني واجب اجتماعي وعام، لا مجرد أمر شخصي.
٦. التواصي: التزام جماعي لا امتياز حصري
إن مفهوم «تَواصَوا» في القرآن، خلافاً للفهم الشائع الذي يعدّ التوصية عملية أحادية الاتجاه وهرمية، يؤكد علاقة متبادلة ومتساوية بين المؤمنين. وهذه الكلمة، الواردة في صيغة باب التفاعل، تدل على تفاعل مستمر؛ فكل فرد لا يحتاج إلى تلقي التوصية والهداية من الآخرين فحسب، بل يتوجب عليه أيضاً أن يوصي الآخرين ويدعمهم. وهذه الرؤية تجعل التواصي التزاماً عاماً وشاملاً يرسّخ أساس المجتمع الإيماني.
٧. إبطال النموذج العمودي في التوصية بالحق
في منطق القرآن، لا يُستثنى أحد من المسؤولية المتبادلة المتمثلة في «التواصي بالحق والصبر». فلا المكانة العلمية، ولا اللقب الاجتماعي، ولا الموقع الديني يغني عن هذا الواجب. فالعلامة، وأستاذ الجامعة، والطبيب، والمهندس، جميعهم عرضة للزلل والخطأ ويحتاجون إلى التوصية والتذكير. وفي المقابل، كل فرد مكلف، في حدود قدرته المعرفية، بهداية الآخرين نحو الحقيقة والصبر.
وباستخدام سورة العصر الفعل «تَواصَوا»، فإنها تهدم البنية الهرمية والعمودية للتوصية، وتقترح بدلاً منها نموذجاً أفقياً تشاركياً ومتبادلاً. وخلافاً للتصورات السائدة في بعض المجتمعات، حيث تصدر التوصية بالحق من العلماء أو القادة الدينيين وحدهم، يعدّ القرآن جميع المؤمنين متلقين للتوصية ومبلّغين لها في آن واحد. وتنتج هذه البنية مجتمعاً حيوياً ومسؤولاً وقابلاً للنقد، لا يستغني فيه أحد عن التوصية بـ«الحق» و«الصبر»، وتتوقف حياة المجتمع الإيماني فيه على التواصي المستمر في جميع المستويات.
٨. التواصي بالحق: آلية للتصحيح الذاتي في مجتمع المؤمنين
التواصي بالحق نوع من آليات الرقابة الذاتية والتصحيح الذاتي في المجتمع الإسلامي. ومن خلال هذه التوصيات المتبادلة، تُكتشف الانحرافات وتُكبح قبل أن تؤدي إلى التدهور والسقوط. والتواصي بالحق هو تذكير بالحقيقة الثابتة والمعايير الإلهية التي تكون دائماً عرضة للنسيان أو التحريف. ويقوم هذا التواصي على المحبة والمسؤولية الاجتماعية، وهو بمنأى عن الاستعلاء أو الفرض.
٩. التواصي بـ«الحق»: الدعوة إلى حقيقة محددة ومعيّنة
تحذّر الآية الشريفة من سورة العصر، بتعبيرها الحاسم «إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ»، من أن الإنسان في خسران بطبيعته، إلا إذا التزم بأربعة أركان أساسية، منها «تَواصَوا بالْحَقِّ». وتدل كلمة «الحق» المعرّفة بالألف واللام على حقيقة محددة ومعيّنة، لا على كل حقيقة عامة عائمة. ومن ثمّ، فإن التواصي بـ«الحق» دعوة إلى معرفة حقيقة معلومة ومؤيَّدة بالوحي والالتزام بها. ومعرفة هذا الحق والتواصي به شرط لازم للاجتناب من «خسران».
١٠. إمكان انطباق «الحق» على شخص: تأمل في التفسير المصداقي
يثير التدبر في آيات القرآن سؤالاً: هل «الحق» مجرد مفهوم عام، أم يمكن أن يشير أيضاً إلى شخص معيّن؟ فإذا كانت ألفاظ مثل «الإیمان» و«الإسلام» و«الکفر» يمكن أن تُستعمل في بعض الآيات أسماءً خاصةً ودالّةً على أفراد، أفلا يمكن احتمال أن يكون «الحق» أيضاً في مقام حقيقة متجسدة وإنسانية؟ وبعبارة أخرى، قد يكون معنى «تَواصَوا بالحق» الدعوة إلى اتباع شخص تجسّد الحق في وجوده، كما يشير مصطلح «اهل ایمان» إلى جماعة من الأفراد ذوي خصائص معينة.
١١. «الحق» و«الصبر»: ركنان للخلاص من الخسران
في سورة والعصر، تأتي الإشارة إلى «الحق» ثم إلى «الصبر»، وقد وردت الكلمتان معرّفتين بـ«الألف واللام»، مما يدلّ على كونهما معيّنتين ومحدّدتين. وهذا يُظهر أن «الحق» حقيقة واضحة ومعروفة، وأن «الصبر» كذلك يحمل معنى خاصاً يتجاوز مجرّد تحمّل المشقّات؛ فهو صبر مخصوص ومحدّد يضمن الاستمرار والثبات في طريق الحق.
١٢. التوصية بأشخاص معيّنين: «الحق» و«الصبر» بوصفهما مصاديق بشرية
يُتيح التحليل الدقيق لآية سورة والعصر فهماً خاصاً، وهو أن التوصية بـ«الحق» و«الصبر» قد تتوجّه إلى مصاديق بشرية معيّنة، لا إلى مفاهيم مجرّدة فحسب. فكما يأمر الله في الآية: «تَواصَوا بِالْحَقِّ»، ثم «تَواصَوا بِالصَّبْرِ»، قد يعني ذلك توصية المؤمنين بعضهم بعضاً باتّباع والثبات تجاه الشخص أو الأشخاص الذين يجسّدون هاتين الحقيقتين. وفي القرآن، تُستعمل أحياناً ألفاظ مثل «الإيمان» و«الهدى» و«العدل» للإشارة إلى أشخاص مخصوصين يمثّلون هذه المفاهيم تمثيلاً كاملاً. وعلى هذا الأساس، يمكن أن يشير «الحق» إلى إمام أو قائد يكون اتّباعه شرطاً للنجاة من الخسران، ويكون «الصبر» بمعنى الثبات في ظلّ قيادته، وهو امتحان لإيمان المؤمنين.
١٣. أهمية تكرار «تواصوا»: الدور المحوري للتواصي في منطق النجاة القرآني
إن تكرار الفعل «تواصوا» في الآية، مع مفعولين معيّنين ومعرّفين، يمنح «التواصي» مكانة بارزة وخاصة في البنية القرآنية للنجاة. فالقرآن لا يقول فقط: التزموا بـ«الحق» أو اصبروا فحسب، بل يُلزم المؤمنين بأن يوصي بعضهم بعضاً بهاتين الحقيقتين وأن يذكّروا بها. وهذه العملية مسار اجتماعي حيّ ومستمر، يجعل النجاة من الخسران رهينة الحوار المتبادل، والرعاية الجماعية، واستمرار التذكير بالحق والصبر. وبعبارة أخرى، لا يكتفي القرآن بالسلوك الفردي والاكتفاء المعرفي الذاتي؛ بل يؤكد أن حتى الذين يعرفون الحقيقة يكونون عرضة للخسران إن لم يوصوا الآخرين بها. وتنبّه هذه النقطة إلى مسؤولية عامة في حفظ الحق والصبر ونشرهما، لا ترفعها عن كاهل المؤمنين أي منزلة علمية أو دينية.
١٤. رواية الإمام الصادق (ع): معرفة «أمر أهل البيت» شرط للنجاة من الفتن
قال الإمام الصادق عليه السلام: «مَن لَم یعرِف أمرَنا من القرآن لم یتنکّب الفتن»، أي: إن من لا يعرف أمرنا، أمر أهل البيت، من القرآن، لم ينجُ من الفتن. ويبرز هذا الحديث أهمية معرفة أهل البيت بوصفها مفتاحاً للعبور من الفتن. فـ«أمر أهل البيت» ليس مفهوماً مجرّداً أو تاريخياً محضاً، بل هو أمر جارٍ وحيّ في سياق القرآن ينبغي فهمه بوضوح. وإن دراسة القرآن من دون إدراك حضور الأئمة ودورهم تحول دون الفهم الصحيح والخروج من الفتن، حتى لو ظنّ الإنسان أنه قد فهم القرآن.
١٥. معرفة الفتنة، وإدراك الغيبة، وضرورة التواصي بـ«الحق» في عصر الانتظار
في عصر غيبة الإمام المهدي (عجّل الله تعالى فرجه)، ينخرط المؤمنون في فتنة تاريخية عميقة؛ فتنة حجبت الحقيقة، غير أنّ علاماتها لا تزال بارزة في القرآن. فقد عرّف القرآن «الحق»، وأوجب التواصي به، وحذّر من أنّ تركه يفضي إلى خسران محقّق. وعليه، فإنّ المؤمن إذا عرف الفتنة وأدرك غيبة الإمام، لكنه قصّر في التواصي بـ«الحق» و«الصبر»، كان، بحسب الآية، في عداد الخاسرين. وإنّ توصية بعضهم بعضاً بالإمام، واتباع حجّة الله، والصبر على فراقه، ليست مجرد توصية أخلاقية، بل هي شرط حيوي ومتبادل للنجاة في هذا العصر.
١٦. شأن نزول سورة العصر في أمير المؤمنين (ع): رواية رسول الله في خطبة الغدير
من المصادر الروائية المهمة لفهم سورة العصر المباركة فهماً دقيقاً، قولُ نبي الإسلام صلى الله عليه وآله الصريح في خطبة الغدير. فقد قال عند تلاوة هذه السورة: «وَاللهِ إِنَّهَا نَزَلَتْ فِي عَلِيٍّ.» أي: والله لقد نزلت هذه السورة في أمير المؤمنين علي عليه السلام. وهذا البيان النبوي يوضح شأن نزول السورة، ويكشف كذلك مفتاح فهم ألفاظها المحورية، أي «الحق» و«الصبر». فـ«تَواصَوا بِالْحَقِّ» إشارة إلى التواصي المتبادل بتلك الحقيقة نفسها التي عرّفها النبي صراحة يوم الغدير؛ الحقيقة التي تمثل إمامة أمير المؤمنين علي عليه السلام.
١٧. التواصي بالحق في ضوء الغدير: استمرار رسالة الولاية في حياة المؤمنين
إذا كان الحق قد عُرّف يوم الغدير باسمه وعلامته، فإنّ معنى «تواصوا بالحق» هو أنّ على المؤمنين أن يوصي بعضهم بعضاً دائماً وفي كل زمان بتلك الحقيقة، وأن يتلقوا من بعضهم بعضاً التذكير بذلك الحق عينه. وبناءً على خطبة الغدير وتعاليم سورة العصر، فالتواصي بالحق ليس أمراً مفاهيمياً عاماً فحسب، بل هو سلوك اجتماعي وعقائدي محوره الإمامة. وعلى هذا الأساس، فإنّ التشيّع ليس مجرد نزعة اعتقادية، بل هو ممارسة تتحقق استجابةً لنداء القرآن: «تواصوا بالحق». ومن لا يوصي بحق الغدير ولا يقبل التوصية به، يكون معرّضاً للوعيد الإلهي و«الخسران».
١٨. الخلاصة: التواصي، سرّ بقاء الحق في عصر الغيبة
إنَّ عبارةَ «تَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ» ليست مفتاحَ الخروج من الخسران فحسب، بل هي أيضاً وصفةٌ إلهيةٌ لصيانة الحقّ في عصر الغيبة. فالحقّ والصبر هما ما عُرِّفا في غدير، وهما لازمان في عصر الانتظار. وبناءً على ذلك، فإنّ معرفة الولاية وحدها لا تكفي، بل إنّ الدعوة المستمرة إليها واجبٌ ينبغي لكل مؤمن أن يُرسِّخه في نفسه ويُحقِّقه في المجتمع.
١٩. من الصبر الفردي إلى المصابرة الجماعية: صلة سورتين في رسم خريطة النجاة
يرسم القرآن الكريم في آياتٍ متعددة طريق النجاة والفلاح للمؤمنين. ومن السورتين الأساسيتين في هذا الطريق سورةُ «آل عمران» وسورةُ «والعصر»، إذ تعرضان رسالةً واحدةً متعددةَ الأبعاد. وهذه الرسالة دعوةٌ إلى الصبر والثبات والتواصي في طريق الحق.
٢٠. الثلاثية القرآنية في سورة آل عمران: «اصْبِرُوا، صَابِرُوا، رَابِطُوا»
جاء في الآية ٢٠٠ من سورة آل عمران: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ».
تُعرِّف هذه الآية أربعةَ أوامرَ أساسيةٍ لبلوغ الفلاح: ١. «اصبروا»: الصبر الشخصي؛ ٢. «صابروا»: التواصي بالصبر وبالحق؛ ٣. «رابطوا»: الحراسة المستمرة للحدود والثغور العقدية؛ ٤. التقوى: المراقبة الدائمة للانزلاقات.
هذه الأصول الأربعة، ولا سيما «صابروا» و«رابطوا»، لا يمكن فهمها فهماً سطحياً فحسب، بل لها صلةٌ عميقةٌ بمفهوم «التواصي» في سورة والعصر.
٢١. إعادة قراءة معنى «صابروا» في ضوء سورة العصر
تبيّن سورة العصر أن السبيل الوحيد للنجاة من الخسران هو الإيمان والعمل الصالح والتواصي بالحق والتواصي بالصبر. ومن هذا المنظور، يفسّر «صابروا» في سورة آل عمران و«تواصوا بالصبر» في سورة العصر أحدهما الآخر. والصبر المقصود في الآيتين صبرٌ مخصوص ومحدد، لا مجرد أيّ نوع من التحمل أو الثبات العادي.
وباستخدام أداة التعريف «الـ» في عبارة وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ، يحيلنا القرآن إلى صبر خاص ومعروف؛ صبر له خصائص وإطار محددان، ويتجاوز فضيلة أخلاقية عامة ومبهمة.
٢٢. الصبر والحق في ظل الغدير: التواصي بالإمام، لا مفهومٌ مجرد
في يوم الغدير، صرّح النبي الأكرم صلى الله عليه وآله بحق أمير المؤمنين عليه السلام، وأمر قائلاً: «فَلْيُبَلِّغِ الْحَاضِرُ الْغَائِبَ، وَالْوَالِدُ الْوَلَدَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.»
وهذا الأمر هو في حقيقته عين الدعوة إلى «التواصي بالحق» و«التواصي بالصبر». فالحق الذي ظهر بوضوح في ذلك اليوم هو نفسه «الحق» المطروح في سورة العصر؛ والصبر الموصى به معناه الثبات والاستقامة على عهد الولاية إلى يوم القيامة. ومن ثمّ، فإن التواصي بهذين الأصلين ليس واجباً دينياً فحسب، بل هو أيضاً ضمانة للنجاة من الخسران في عصر الغيبة.
٢٣. المصابرة والتواصي: وجهان لحقيقة واحدة
في الآية ٢٠٠ من سورة آل عمران، استُعملت كلمة «صابروا» بمعنى «المصابرة». وتحمل هذه الكلمة دلالةً خاصة؛ لأنها من صيغ الأفعال الدالة على المشاركة بين اثنين في اللغة العربية، وتشير إلى فعلٍ متبادل، على نحوٍ يشبه فعل «تواصوا» في سورة «والعصر».
في هذا البناء، لا تُدعى إلى الصبر فحسب، بل تقع على عاتقك أيضاً مسؤولية دعوة الآخرين إلى الصبر؛ ولست متلقياً للوصية فقط، بل أنت موصٍ كذلك. إنها علاقة حيّة وديناميكية؛ التزام متبادل وثنائي الطرف في مسار الإيمان والثبات.
لكن النقطة المهمة هي أن مثل هذه المصابرة ـ أي الدعوة المتبادلة إلى الصبر ـ لا تكتسب معناها إلا بعد أن تكون حقيقةٌ ما قد اتضحت من قبل؛ أي بعد معرفة «الحق» وفهم المعنى الدقيق لـ«الصبر» أيضاً.
- الحق: حقيقة محددة انكشفت في الغدير.
الصبر: حقيقة عظيمة، كالحق، بُيّنت في الغدير.
وعليه، فإن المصابرة لا يكون لها معنى إلا إذا اقترنت بالتواصي بذلك «الحق» و«الصبر» نفسيهما.
٢٤. دور «رابطوا»: حراسة حدود الحقيقة في عصر الغيبة
وإلى جانب الصبر والمصابرة، يأمر القرآن بقوله: «رابطوا»؛ أي كونوا حراساً، مستعدين على الدوام ومتصلين باستمرار. غير أن هذه المرابطة ليست عسكريةً فحسب، بل تشمل حماية حدود العقيدة والإمامة والولاية والانتظار.
في عصر الغيبة، يكتسب هذا الأمر أهميةً وصبغةً خاصة: فـ«رابطوا» تعني الارتباط الدائم بولاية الإمام المهدي، والحفاظ على الصلة الروحية والعملية بالإمام وبتيار الحق، والثبات في مواجهة كل انحراف وفتنة.
٢٥. رابطوا: أمرٌ لوصل القلوب
في الآية ٢٠٠ من سورة آل عمران، بعد الوصية بـ«الصبر» و«المصابرة»، يقول الله تعالى: «وَ رَابِطُوا». وهذه الكلمة مشتقة من «الربط»، أي الوصل والاتصال والعقد. ويكمن وراء ظاهرها البسيط مفهومٌ عميق في المجالين الاجتماعي والإيماني؛ وهو مفهوم يستخدمه القرآن خاصةً في سياق الإيمان والارتباط القلبي بالحقيقة.
٢٦. الربط: وصل القلوب في لحظات الفتنة
في سورة القصص، تمثل قصة ولادة النبي موسى (عليه السلام) نموذجًا بارزًا للمعنى الدقيق لـ«الربط». يقول الله تعالى: «وَ أَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسى فَارِغًا إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَىٰ قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ» (القصص: ١٠).
كان قلب أم موسى على وشك الانهيار؛ فقد أفرغ الخوف من أن يقتل جلادو فرعون طفلها قلبَها. وتقول الآية إنها كادت أن تفشي السر، لولا أن الله ربط على قلبها بـ«الربط».
إن عبارة «رَبَطْنَا عَلَىٰ قَلْبِهَا» هي الفعل نفسه الوارد في الأمر «رابطوا». وهذا الربط القلبي ليس مجرد سكينة نفسية، بل هو اتصال عميق بالإيمان. ونتيجة هذا الاتصال، كما تبيّن الآية، هي «لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ»؛ أي إن الارتباط القلبي شرطٌ لازم لبلوغ الإيمان الحقيقي.
٢٧. الرَّبط القلبي: مقدّمة للإيمان في عصر الغَيبة
بالنظر إلى المعنى الدقيق لـ«رابطوا»، يمكن فهم هذا الأمر الوارد في سورة آل عمران بوصفه دعوةً إلى صلةٍ باطنية بين القلوب والحقيقة؛ صلةٍ ينبغي الحفاظ عليها حتى في ظلمات الفتنة والخوف وغياب الوعي. وكما نجا قلب أمّ موسى من الانهيار بعنايةٍ إلهية وظلّ متصلاً بالحقيقة، كذلك ينبغي لقلب المؤمن في عصر الغَيبة أن يبقى موصولاً وحياً بحقيقة الإمامة، أي بالإمام الغائب عليه السلام. وهذا «الرَّبط» ليس مجرّد معرفة، بل هو نوع من الالتزام القلبي، والاستمرار الروحي، والاستعداد الدائم لمرافقة حجة الله.
٢٨. رابطوا: آلية مجتمع المؤمنين في مواجهة التفرّق والانقطاع
إنّ الأمر بـ«رابطوا» ليس مجرّد توصية أخلاقية أو فردية، بل هو مشروع لبنية مجتمع المؤمنين؛ مجتمعٍ يبقى، بترابط القلوب والاتصال المتواصل بين المؤمنين، صامداً أمام التفرّق والعزلة واليأس والانقطاع. فـ«رابطوا» تعني شبكةً من القلوب التي تصون الحقيقة ولا تسمح للفتن أن تفصلها عن بعضها بعضاً ولا عن إمامها.
٢٩. من الرَّبط القلبي إلى التواصي بالحق: ثلاثية النجاة
ومن خلال جمع المفاهيم المحورية في ثلاث سور قرآنية، هي القصص وآل عمران والعصر، يمكن صياغة ثلاثة أوامر حيوية للنجاة من الخسران على النحو الآتي:
٣٠. الخلاصة التحليلية: الرَّبط القلبي ضامن بقاء الإيمان
في منطق القرآن، إذا لم يرتبط قلب الإنسان بالحق، فإنه ينهار عند لحظة الفتنة. ولا يكتسب هذا الارتباط معناه إلا بحقيقة محددة: ذلك «الحق» نفسه الذي عُرِّف في غدير. فما دام قلب المؤمن متصلاً بهذا الحق وبقلوب سائر المؤمنين، فإنه يبقى في طريق الإيمان، ويتحرك المجتمع نحو الفلاح والخلاص من الخسران. أما إذا انقطع هذا الاتصال، سواء بسبب الغفلة الفردية أو التشتت الجماعي، فعندئذ يتحقق تحذير سورة العصر: السقوط في الخسران.
٣١. ربط القلوب في قصة أصحاب الكهف: رابطة في مسار الإيمان
من أوضح نماذج ربط القلب في القرآن قصة أصحاب الكهف. يقول الله تعالى في سورة الكهف:
«نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُم بِالْحَقِّ ۚ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى * وَرَبَطْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ...» (الكهف، ١٣–١٤)
تتحدث هذه الآيات عن جماعة من الفتية الذين وقفوا، بإيمانهم بربهم، في وجه الانحراف والتسلط. لكن الذي منحهم قوة النهوض والثبات هو قوله: «وَرَبَطْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ».
وهنا أيضاً استُعملت كلمة «ربط» نفسها؛ وهو الفعل ذاته الذي رأيناه سابقاً في سورتي القصص وآل عمران.
٣٢. الربط القلبي ضرورة للثبات في الإيمان
سواء في قصة أمّ موسى (القصص: ١٠) أم في قصة أصحاب الكهف (الكهف: ١٤)، فكلّما واجه الإنسان ابتلاءً عسيرًا أو فتنةً كبرى، فإنّ الذي يحفظه هو ربط القلب؛ لا بمعنى السكينة النفسية فحسب، بل بوصفه تثبيتًا إلهيًّا للإيمان في عاصفة الأحداث.
وهذا الربط يعني اتصال القلب بحقيقةٍ تحفظ المؤمن، في ذروة الخوف أو الضغط أو العزلة، من الشكّ والانهيار. ولذلك، حين يأمر الله تعالى في سورة آل عمران: «رَابِطُوا»، فإنّه في الحقيقة يشرّع لجميع المؤمنين ذلك الارتباط الباطني المُنشئ للإيمان؛ ارتباطًا يكون سببًا للثبات الجماعي والحصن الأخير في أيام الغيبة والفتنة.
٣٣. رَابِطُوا: رسالةٌ متبادلةٌ لترسيخ القلوب في الإيمان
في ضوء المعنى الدقيق لـ«الربط»، يمكن اعتبار الأمر «رَابِطُوا» واجبًا متبادلًا بين المؤمنين:
- عليك أن تعمل لكي تبقى قلوب من حولك راسخةً في الإيمان. وعليهم هم أيضًا أن يثبّتوا قلبك على طريق الحق.
وهذا الواجب الثنائي، إلى جانب الصبر الفردي («اصبروا») والمصابرة الجماعية («صابروا»)، يُنشئ بنيةً متكاملةً لحماية الإيمان. فالإيمان لا يُحفظ بالمعرفة الشخصية وحدها؛ بل يحتاج المؤمن إلى الحضور في شبكةٍ حيّةٍ فاعلةٍ ومترابطةٍ من المؤمنين، شبكةٍ تتصل فيها القلوب بعضها ببعض، ويكون فيها كلّ فردٍ حارسًا لإيمان الآخر.
٣٤. ربط القلوب والتواصي بالصبر: جوابٌ لأعداء الحقيقة
يريد القرآن الكريم، من خلال تكرار أوامر مثل «الصبر» و«التواصي» و«الربط القلبي»، أن يلفت انتباهنا بوضوح إلى حقيقة عظيمة:
- ثمّة حقيقة حيوية في البين، وأعداء جادّون يسعون إلى إخماد الإيمان بتلك الحقيقة.
لا يستطيعون إزالة «الحقيقة» نفسها، لكنهم يسعون إلى اقتلاع الإيمان بها من قلوب المؤمنين. وفي مثل هذه الظروف، لا يكون طريق النجاة هو الانزواء والعزلة، بل الصبر والتواصي والربط القلبي؛ ذلك الرباط الذي يُبقي الإيمان حيًّا وسط عواصف الأحداث.
وهذه الحقيقة هي عينها ما اتّضح في واقعة الغدير، حيث قال النبي الأكرم (ص):
«واللهِ نزلت سورةُ والعصر بشأن عليّ (ع): ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ...﴾ إلى آخر السورة». (خطبة الغدير)
فالإيمان بأمير المؤمنين عليه السلام وبولايته هو ذلك «الحق» الذي ينبغي الثبات أمام أعدائه بالصبر والتواصي بالصبر والربط القلبي؛ وإلّا كانت النتيجة هي ما تحذّر منه سورة العصر: الخسران.
٣٥. اربطوا قلوبكم بوليّ الله
إنّ الأمرَ بـ«رابطوا» ليس مجرّد دعوةٍ إلى التواصل الاجتماعي أو التضامن السطحي بين المؤمنين، بل هو بيانٌ لرابطةٍ قلبيةٍ عميقة تتمحور حول الحقّ والصبر والإيمان.
وفي هذا الإطار، يُؤمَر المؤمنون بأن:
- يربطوا قلوبهم وقلوب بعضهم بعضًا بإمام الحقّ؛ وأن يكونوا صابرين ثابتين أمام الولاية الإلهية؛ وأن يبقوا متعاونين ومتواصين في حفظ هذا الاتصال القلبي.
وتكتسب هذه الوظيفة معنًى وضرورةً أكبر، ولا سيّما في عصر الغيبة؛ وهو عصرٌ تكثر فيه الفتن وتكون الحقيقة فيه عرضةً للتحريف. وفي مثل هذا الزمن، لا سبيل إلى النجاة والفلاح إلا بتشكّل شبكةٍ من المؤمنين تتآلف قلوبهم في طريق الإيمان، ويقوّي بعضهم بعضًا في حفظه.
٣٦. المرابطة؛ مفهومٌ جديد في المنظومة الإيمانية للقرآن
في الآية ٢٠٠ من سورة آل عمران، يرسم الله نظامًا متعدّد الطبقات للثبات في الإيمان:
«يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ»
في هذه الآية أربعة أوامر متتابعة:
- ١. «اصبروا»: الصبر الفردي؛ ٢. «صابروا»: الثبات المتبادل وتقبّل الوصية بـ«صبرٍ معيّن»؛ ٣. «رابطوا»: المرابطة والحراسة القلبية، لا العسكرية فحسب؛ ٤. «اتقوا الله»: التقوى المشرفة على جميع هذه المستويات.
والنقطة المهمة في لفظ «صابروا» أنه من باب المفاعلة؛ أي إنه يتضمن الوصية بالصبر وقبول الوصية به معًا. ولكنه ليس أيَّ صبر، بل الصبر الخاص الذي عرّفه القرآن وعرّفه بعنوان «الصبر».
وقد ورد التعبير نفسه أيضًا في سورة العصر:
«تواصوا بالصبر»؛ أي الصبر المعروف، المعيّن، والمنجي.

٣٧. الصبر والحق: مفهومان حيّان وحاضران دائمًا
في المنظومة القرآنية، لا تحمل مفاهيم مثل «الحق» و«الصبر» دلالة عامة بلا حدود؛ بل:
- إنها تشير إلى حقيقةٍ محدَّدة، حيّة وحاضرة على الدوام؛ فلا بدّ أن تكون لها مصاديق تمثّل معيار الهداية على امتداد التاريخ؛ وأن تكون قد عُرِّفت في آيات القرآن أو في أقوال رسول الله (ص)؛ وأن تكون موضع توصية مستمرة وخالدة لجميع الناس.
وقد صرّح النبي الأكرم (ص) في خطبة الغدير قائلاً:
«واللهِ نزلت سورةُ والعصر بشأن عليّ (ع)». «وفي عليٍّ والله نزلت ...»
وبناءً على ذلك، فإن «الحق» و«الصبر» في آية سورة والعصر يشيران إلى شخصٍ معيّن، هو الإمام عليّ (ع)، الذي قُدِّم يوم الغدير إماماً ووليّاً للمؤمنين، وأُخذت له البيعة.
وعليه، فإن «المرابطة» في معناها القرآني تعني:
صيانة الإيمان بعقد القلوب بالإمام الحقّ والصبر على ولايته.
٣٨. المرابطة: رابطةٌ قلبية لحفظ الإيمان
كلمة «رابطوا» مشتقة من الجذر «ر-ب-ط». وقد استعمل القرآن هذا الجذر استعمالًا خاصًّا في عدة آيات:
أ) سورة الكهف — ربط على قلوبهم:
«وَرَبَطْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ...» (الكهف: ١٤)
في هذه الآية، شدّد الله قلوب أصحاب الكهف حين نهضوا لإظهار التوحيد. وقد بُيّنت هذه النقطة في تتمة الآية بلفظ «إذ». فكان ربط القلوب واقعًا في سياق نهوض توحيدي.
ب) سورة الأنفال — تثبيت القلوب:
«... وَلِيَرْبِطَ عَلَىٰ قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ» (الأنفال: ١١)
وفي هذه الآية أيضًا، يقترن ربط القلوب بالثبات في ساحة القتال والصمود في الإيمان.
٣٩. المرابطة: واجب قلبيّ-اجتماعيّ
ومن خلال جمع الآيات المتقدمة، يتضح أن:
- «رابطوا» تعني إيجاد الطمأنينة والثبات الإيماني في قلوب بعضكم بعضًا. والمرابطة واجب متبادل لتوطيد الإيمان في مواجهة الفتن. وتشمل إيجاد اليقين القلبي للإنسان وللآخرين في مجال الإيمان. والمرابطة مفهوم قرآني دقيق تمامًا، يرتبط بالصبر والتواصي بالحق.
٤٠. النجاة مختصة بفئة معينة
في عالم يعرّف فيه كل باطل نفسه بأنه الحق، لا ينجو إلا فريق واحد؛ كما تقول سورة العصر:
«إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ»
وكذلك تعرّفهم سورة آل عمران على النحو الآتي:
«يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا ...»
فإنّ النجاة لا تكون إلا بالإيمان المقترن بالصبر والمصابرة والمرابطة.
الخلاصة:
المرابطة ليست أمراً سياسياً أو عسكرياً، بل هي رسالة إيمانية جديدة؛ واجبٌ يرمي إلى حماية القلوب من الانهيار، ويتمحور حول حقيقة محددة، هي الحق والصبر المعرَّفان في القرآن والسنة. وهذه الصلة هي ذاتها التي طمأنت قلب أمّ موسى وحفظت أصحاب الكهف في الفتنة.
اليهود والحق الذي يجب الحفاظ عليه بالمرابطة
«المرابطة»: درعٌ في مواجهة إضعاف الإيمان
من الأبعاد المهمة لـ«المرابطة» في القرآن الالتفات إلى حقٍّ محدد بذل أعداء الإيمان، ولا سيما اليهود وأتباع خطهم الفكري، كلَّ جهودهم للقضاء عليه.
في الآية ٧٢ من سورة آل عمران، تُفضَح مؤامرة صريحة من جانب أهل الكتاب:
«وَقالَتْ طائِفَةٌ مِن أَهْلِ الْكِتابِ آمِنوا بِالَّذي أُنزِلَ عَلَى الَّذينَ آمَنوا وَجْهَ النَّهارِ وَاكْفُروا آخِرَهُ لَعَلَّهُم يَرجِعونَ»
في هذه الآية، تأمر جماعة من أهل الكتاب — والمقصود بهم، بالنظر إلى السياق، اليهود — بأن يُظهروا الإيمان في أول النهار ثم يكفروا في آخره، لعلّ المؤمنين يداخلهم الشك في قلوبهم فيرجعوا عن إيمانهم.
إضعاف قلوب المؤمنين: الهدف الخفي
هذه الحركة موجَّهة تمامًا؛ غايتها إيجاد الشك والاضطراب وإضعاف قلوب أهل الإيمان. وهذا هو عين الأمر الذي تعرّف الآية ٢٠٠ من السورة نفسها طريق إبطاله:
«يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصابِرُوا وَرابِطُوا ...»
وبعبارة أخرى، يأمر الله في ختام السورة بأمرٍ يُعَدّ بوضوح جوابًا مباشرًا لتلك المؤامرة نفسها: ففي مواجهة حيل هدم الإيمان، لا بد من المصابرة والمرابطة.
ربط القلوب في صميم الفتنة
إذا وُضِعَت الآية ٧٢ إلى جانب آيات أخرى مثل:
- آل عمران: ١٠٠: "يَرُدُّونَكُم مِن بَعدِ إيمانِكُم كافِرينَ"، وكذلك الآيات المتعلقة بربط القلوب في سورتي الكهف والأنفال.
يتضح أن العدو يسعى إلى قطع هذا الارتباط القلبي وإضعاف الإيمان القلبي لدى المؤمنين.
اشتداد الفتنة في عصر الغيبة
والنقطة الأهم هي أن هذه الفتن لم تكن موجودة في زمن حضور النبي (ص) ونزول القرآن فحسب، بل تشتدّ أكثر في عصر غيبة الإمام المعصوم (ع).
- إن عدم الوصول المباشر إلى الإمام وحجة الله يضع المؤمنين، كالأيتام، في خضمّ اضطرابات البلاءات والشبهات. وفي هذا العصر تكتسب المرابطة وربط القلوب أهمية مضاعفة.
إنّ أعداء الحقّ، الذين يظهرون بهويّات مختلفة، منها اليهود التاريخيون، والمتشبّهون باليهود، بل وحتى المسلمون المخدوعون، يسعون إلى إضعاف اليقين القلبي لأهل الإيمان بمحور الحقّ.
الخلاصة
في المنظومة القرآنية، لا تقتصر «المرابطة» على كونها فعلاً اجتماعياً أو عسكرياً، بل هي حركة قلبية وثقافية وعقدية واستراتيجية في مواجهة المؤامرات الشبكية لأعداء الإيمان. ولما كانت هذه المؤامرات مصمَّمة لقطع الجذر القلبي للإيمان، فقد جعل الله تعالى طريق النجاة في هذا العصر المليء بالفتن: الصبر والمصابرة والمرابطة. وإنّ ارتباط قلوب أهل الإيمان بمحور الحق هو عين ذلك الحق الذي قصد العدو، وما يزال يقصد، تمزيقه من البداية إلى النهاية.
لا مجال للتزلزل
«رابطوا»: ميثاق انتظار آخر وليٍّ لله
في الآية الشريفة ٢٠٠ من سورة آل عمران، يرسم الله تعالى، عبر ثلاثة أوامر متتابعة، خارطة طريق لأهل الإيمان:
«يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ»
هذه الآية هي سرّ الثبات واليقظة في زمن الفتنة. ولا سيما الأمر الثالث، «رابطوا»، فإنه يحمل رسالة حاسمة:
كونوا أقوياء القلوب، وهيّئوا كذلك أسباب قوّة القلب للآخرين.
في عالمٍ يملؤه القلق والتزلزل، تعني المرابطة بثّ الطمأنينة؛ أي إن المؤمن لا يتزلزل بنفسه فحسب، بل يبني للآخرين أيضًا حصنًا من الاطمئنان.
المرابطة: طريق انتظار المهدي الموعود (عج)
إن الخطبة التاريخية الفريدة للنبي الأكرم (ص)، التي أُلقيت في غدير خُمّ، تُنبئ بظهور الحجة الأخيرة لله ببيانٍ صريحٍ تحذيري:
«مَعاشِرَ النّاس! النُّورُ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ فِيَّ، ثُمَّ مَسْلُوكٌ فِي عَلِيٍّ، ثُمَّ فِي النَّسْلِ مِنْهُ إِلَى الْقَائِمِ الْمَهْدِيِّ ...»
تُطرح في هذا المقطع من الخطبة نقاطٌ أساسية:
- استمرار النور الإلهي في وجود عليّ (ع) وذريته إلى القائم من آل محمد (عج)، وهو نور لا يقبل الانقطاع، لأن حجة الله لا تترك الأرض خالية أبداً. والقائم (عج) هو الشخصية الوحيدة في التاريخ التي ستسترد جميع الحقوق الإلهية وحقوق المؤمنين. وتحذير شديد من الارتداد والرجوع عن طريق الحق بعد رحيل النبي؛ وهو أمر لا يخلق المقاومة في وجهه إلا «الصبر والمصابرة والمرابطة». ووصف أمير المؤمنين (ع) في القرآن بخصلتين أساسيتين: الصبر والشكر؛ وكذلك الأوصياء الإلهيون من بعده، فهم حملة هاتين الخصلتين.
المرابطة؛ الميثاق القرآني للانتظار
في عصر الغيبة، يكون المؤمنون كالأيتام الذين قصرت أيديهم عن أب الهداية؛ ولذلك يصدر الله أمراً استراتيجياً:
«اصبروا وصابروا ورابطوا»
هذا الأمر هو ميثاق حياة المنتظرين:
- اصبروا: اثبتوا أنفسكم في الشدائد؛ صابروا: اصبروا بشأن «الحق» و«الصبر»، وادعوا إلى الصبر؛ رابطوا: اشغلوا مواقع حراسة الإيمان، وقوّوا كذلك قلوب الآخرين في الإيمان.
النتيجة
في عالمٍ يكون فيه الإيمان الهدفَ الرئيسَ لسهام الفتن، ويتسرّب التزلزل إلى القلوب بسهولة، فإن الوصفة الوحيدة للنجاة هي المرابطة. فالمرابطة ليست توصية فردية فحسب، بل هي واجب اجتماعي في مجال الإيمان؛ ومن يقف في خندق «المرابطة» في عصر الغيبة، فإنه في الحقيقة سينال الفلاح والنجاة في زمن الغيبة أيضاً، ولن يكون من الذين يفقدون إيمانهم في فتن آخر الزمان وزمن الغيبة.
٤١. اعبر عطشاناً: الابتلاء بالنهر واستمرار المرابطة
من أهم تجليات السنّة الإلهية في النظام التربوي للقرآن أن ممارسة الإيمان لم تنفصل قط عن سياق الابتلاء والمشقة. وقد صُوّرت هذه الحقيقة بوضوحٍ نموذجي في سورة البقرة في قصة طالوت وجالوت. فبنو إسرائيل، بعد سنوات من الظلم واغتصاب جالوت لأرضهم، طلبوا من نبيهم أن يعيّن لهم قائداً إلهياً كي ينهضوا بالجهاد لاسترداد حقهم. ويبدو هذا الطلب ظاهراً علامةً على الغيرة الدينية والرغبة المؤمنة، لكن القرآن يبيّن أن ابتلاءات دقيقة تفصل بين الادعاء والعمل.
اختار الله طالوت قائداً لتلك النهضة الإلهية. فتشكّل الجيش، وعقدت القوات عزمها. ولكن في الطريق إلى ساحة القتال تحديداً، صدر الأمر الإلهي على النحو الآتي:
«إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ، فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي، وَمَن لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي» (البقرة: ٢٤٩)
كان النهر في الطريق في الوقت نفسه الذي كان فيه الجنود عطاشى. وكان الاختبار بالغ البساطة والتعقيد في آنٍ واحد: اشرب أو اصبر؛ لكن لكل اختيار ثمنه.
هنا تحديداً تكتسب طبقات «المرابطة» و«المصابرة» معناها. فهذا النهر ليس إلا التجلي العيني لتلك اللحظة التي ينبغي فيها أن تغلب نفسك وهواك وتعبك وآلامك، وأن تبقى في صف أهل الوفاء. هنا لم يعد الحديث عن الشعارات، بل عن الاستمرار في العبودية؛ لا في الظروف الملائمة، بل في أشد الحالات صعوبة.
ولا تزال هذه السنّة قائمةً اليوم أيضاً. ففي مسيرة الأسرة المؤمنة أنهارٌ كثيرة: تارةً في صورة أتعاب الحياة اليومية، وتارةً في صورة الضغوط الاقتصادية، وتارةً في صورة الفتور، وتارةً في صورة ضيق الوقت. لكن السؤال هو: هل ينبغي، في هذه الظروف، أن يُدفع واجب تعليم القرآن للطفل، أو التعلّم الشخصي للقرآن، إلى الهامش؟
لعلّ وسوسةً تخطر ببالك في نهاية يوم عمل شاقّ، وسط زحام الأقساط، وهجوم الأفكار والضغوط: «لم يعد الأمر ممكناً... فلنضع القرآن جانباً في الوقت الحاضر...» ولكن هنا بالذات ذلك النهر؛ تلك النقطة نفسها التي ينبغي أن تعبرها عطشاناً. وهناك يرى الله: أأتريد الإيمان في الرخاء وحده، أم تبقى وفياً له في الشدّة أيضاً؟
إن الطفل الذي يتعلّم الليلة «بسم الله» بصوتك المتعب إنما ينمو بين الصخور الوعرة. والأسرة التي لا تُطفئ نور القرآن، رغم صعوبات المعيشة، هي تلك «الفئة القليلة» التي وعدها الله بالنصر:
«كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ» (البقرة: ٢٤٩)
وعليه، فإن طريق المصابرة والمرابطة لا يتحقق في ساحة القتال وحدها؛ فقد تكون الساحة الرئيسة بيتاً بسيطاً، بمائدة صغيرة، يُتخذ فيه قرار ألّا يُترك القرآن. وهذا الاستمرار في الوفاء هو نفسه قاعدة «الرباط».
٤٢. المرابطة في عصر الغيبة: تحصين القلوب، خطّ الإيمان الأمامي
في المنظور القرآني، لا تنحصر وظيفة المنتظرين في الادعاء أو الشوق العاطفي فحسب؛ بل إنهم مأمورون بـ«المرابطة». والآية الأخيرة من سورة آل عمران، التي تتضمن أربعة أوامر أساسية، تُختَم بأمر متميّز:
«يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ» (آل عمران: ٢٠٠)
وعليه، يجب على المؤمن، من خلال الجهد الدؤوب، أن يثبّت «قلبه» و«قلوب من حوله» على طريق الإيمان بالإمام الغائب (عجّل الله تعالى فرجه الشريف).
وبعبارة أخرى، في زمن لا يمكن فيه الوصول المباشر إلى الإمام، تتمثّل مهمّتنا في إبقاء قلوب بعضنا بعضًا مرتبطة بالإمام، وألّا نسمح بانقطاع سلسلة المعرفة والمحبّة. وهذا هو المعنى الذي ورد بوضوح في الرواية النورانية عن الإمام الصادق (عليه السلام). فهو يعدّ الشيعة مرابطين يحرسون قلوب المؤمنين في مواجهة نفوذ أعداء العقيدة.
«قَالَ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ ع: [عُلَمَاءُ] شِيعَتِنَا مُرَابِطُونَ فِي الثَّغْرِ الَّذِي يَلِي إِبْلِيسُ وَعَفَارِيتُهُ، يَمْنَعُونَهُمْ عَنِ الْخُرُوجِ عَلَى ضُعَفَاءِ شِيعَتِنَا، وَعَنْ أَنْ يَتَسَلَّطَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ وَشِيعَتُهُ النَّوَاصِبُ.»
«أَلَا فَمَنِ انْتَصَبَ لِذَلِكَ مِنْ شِيعَتِنَا كَانَ أَفْضَلَ مِمَّنْ جَاهَدَ الرُّومَ وَالتُّرْكَ وَالْخَزَرَ أَلْفَ أَلْفِ مَرَّةٍ، لِأَنَّهُ يَدْفَعُ عَنْ أَدْيَانِ مُحِبِّينَا، وَذَلِكَ يَدْفَعُ عَنْ أَبْدَانِهِمْ.»
«علماء شيعتنا هم أولئك المرابطون الذين يقفون في خط المواجهة الأول مع إبليس وشياطينه؛ فلا يدعون الأعداء يقتربون من ضعفاء شيعتنا، ولا يدعون إبليس وأتباعه الناصبيين يتسلّطون عليهم. ألا فاعلموا! إن من يهيّئ نفسه من شيعتنا لهذا العمل فهو أفضل ممن قاتل الروم والترك والخزر ألف ألف مرة؛ لأنه يدافع عن دين أحبّائنا، بينما ذلك المجاهد لا يدافع إلا عن أبدانهم.»
شيعتنا مرابطون؛ ولولاهم لاختطفت شياطين الجن والإنس قلوب ضعفاء الشيعة.
في هذه الرواية، انتقلت الحدود الدفاعية للأمة الإسلامية إلى القلوب. والحدّ العقدي هو الموضع الذي يسعى إبليس والناصبيون إلى زعزعته. ومهمة المؤمن في هذه الجبهة ليست الثبات على إيمانه فحسب، بل تقوية قلب أخيه في الدين وتحصينه، ممن قد يتعرض للشك أو لدعاية العدو أو للهجمات الإعلامية.
وفي هذا الأفق، حتى اللقاءات الودية البسيطة للمؤمنين، والمجالس التي يُحيى فيها ذكر الحجة، والمحافل التي يُتحدث فيها عن المفاهيم الدينية وتُطرح فيها الأسئلة والأجوبة، كلها تتحول إلى مصاديق لارتباط القلوب وللمرابطة.
كلما قرر أب أو أم، وسط ظروف الحياة الصعبة، بعزمٍ أن يقوّي إيمان طفله، وأن يغرس اسم الإمام الزمان وذكراه في قلبه، وأن يجيب عن شبهاته بالمحبة والمنطق، فإنه في الحقيقة يحمي قلبًا في مواجهة الشياطين.
وهكذا قال الإمام الصادق (عليه السلام): إن من يدخل هذا الميدان وينقذ قلب شيعي من الانحراف والضعف، فهو أفضل من ألف مقاتل يُقتلون في ميدان القتال مع الكفار.
في هذا البيان، تُعَدّ قيمة الجهاد الثقافي والإيماني في عصر الغيبة مساويةً للجهاد العسكري، بل متقدمةً عليه. ذلك لأن «قلب المؤمن» في نظر القرآن والعترة هو مركز الإيمان وموضع الاتصال بالإمام الزمان؛ وكل خطوة في سبيل حفظ هذا الاتصال وتقويته هي مصداق واضح للمرابطة.
لذلك، اكتسبت المرابطة في زماننا وجهًا جديدًا: جلسة دينية صغيرة في بيت، ومباحثة ودية في طريق الذهاب والإياب، وإقامة احتفال النصف من شعبان في جمع الأسرة، ودعوة صديق إلى مجلس أهل البيت، والجواب بهدوء عن شبهة إيمانية، بل وحتى حديث بسيط لتثبيت قلب مؤمن.
كل هذه، في منظومة الانتظار، تصبح خنادق للمرابطة.
وهنا تصبح الآية الأخيرة من سورة آل عمران، لا مجرّد توصية تربوية، بل خارطة طريق للمنتظرين: الصبر، والمصابرة، والمرابطة، والتقوى. فإذا روعيت هذه الأصول الأربعة، تحقّق الوعد الإلهي:
«لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ»
٤٣. المرابطة في ميدان التربية: واجب النخب والمعلمين والوالدين في عصر الغيبة
إذا كانت المرابطة تعني حفظ إيمان القلوب وتقوية المؤمنين من الداخل، فإنّ أولى خنادق هذه المعركة، بلا ريب، هي بيوتنا وفصولنا الدراسية وحلقاتنا التربوية وفضاؤنا الإعلامي. والذين يشغلون هذه المواقع تقع على عاتقهم مسؤولية مضاعفة: فهم مكلّفون بأن يكونوا، وسط اضطراب شياطين الجن والإنس، ملاذًا آمنًا لإيمان الأجيال.
الوالدان في البيت هما طليعة هذا الخط الأمامي. فالأم التي تُبقي ذكر أهل البيت حيًّا في أجواء المنزل، رغم كل أتعاب الحياة اليومية، أو الأب الذي يقتطع من هموم المعيشة وقتًا لأبنائه ليتحدث معهم عن الإمام الزمان، إنما يخوض، فوق التربية المعتادة، جهاد المرابطة. وهو أو هي يحرس قلب الطفل لكيلا تذبل جذور إيمانه في زمن الشبهات.
المعلمون والمربون الدينيون هم الحلقة الثانية في هذه المسؤولية. فهم يواجهون كل يوم جيلًا يتعرض بلا انقطاع للإعلام والشكوك والدعاية السلبية. فإذا سار معلّم، بالرفق والمنطق والمحبة والالتفات إلى الحاجات الفكرية للمراهقين والشباب، في طريق تنشئة إيمانهم، فهو أيضًا «مرابط»؛ حارس لحدود القلوب الفتية في مواجهة الناصبيين الذين استهدفوا الإيمان تحت ستار الفكاهة أو الترفيه أو التنوير الفكري.
نخب المجتمع:
يحملون الميدان الثالث من هذا الجهاد على عواتقهم. واليوم يواجه جيلنا الشاب آلاف المضامين المثيرة للتساؤل وشبهاتٍ عديدة، ويحتاج إلى أجوبة منطقية دقيقة وعميقة. وكل طالب علمٍ ديني يكرّس وقتاً، ويقرأ المصادر الأصيلة، ويكتب أجوبة استدلالية موثقة، وينشرها في قوالب متنوعة (النص، والمحاضرة، والبودكاست، وغير ذلك)، إنما يبني في الحقيقة ثغراً جديداً للمرابطة. فهو في خندق واحد مع المقاتل الذي يحارب في جبهة القتال ضد إبليس والنواصب بأداتي القلم والكلام.
وهذا العمل العلمي والفكري، وإن بدا بسيطاً ويومياً، هو في الواقع صيانةٌ للقلوب والعقائد. ولولا هذه الجهود لغرق كثير من الشباب في بحر الشك والحيرة. لذلك ينبغي لنخب المجتمع أن تبقى يقظةً دائماً، وأن تعدّ المرابطة واجباً خطيراً عليها؛ لأن هذه المرابطة هي الركن الرئيس في متانة مجتمعنا الإيماني.
٤٤. المرابطة والتكليف الاجتماعي: دور جميع الناس في حفظ الإيمان العام
لا تقتصر المرابطة على البيت أو المدرسة أو الحوزة العلمية؛ بل إن علينا جميعاً، في أي موقع اجتماعي أو ثقافي أو سياسي، واجبَ حفظ هذه الرابطة القلبية والإيمانية. فإذا استطاع كل فرد أن يصون المرابطة في كلامه وسلوكه، وفي حواراته اليومية، وفي نصرة المظلوم، وفي التوعية بحقائق الدين والعصر، نشأت في المجتمع موجة واسعة من الإيمان الراسخ.
وهذه المرابطة العامة جسرٌ بين الفرد والمجتمع، وبين زمن الغيبة والظهور. وبعبارة أخرى، كلما كانت هذه الصلة أقوى، كان الانتظار أكثر حقيقةً وفاعلية، وكان الأمل بالظهور أسرع.
مقالة العدد السابق: العيش إيمانياً: تأملٌ موجز في المفهوم القرآني للانتظار (١)
الأجزاء المختلفة من مقطع محاضرة النصف من شعبان حول المفهوم القرآني للانتظار:
الجزء الأول: لماذا يضلّ بعض الناس في زمن الغيبة؟
الجزء الثاني: مقاربات الإيمان والانحراف في زمن الغيبة
الجزء الثالث: في قلب الظلام، لنجد طريق الأمل
الجزء الرابع: العيش إيمانيًا؛ تأمل قصير في المفهوم القرآني للانتظار (١)
الجزء الخامس: العيش إيمانيًا؛ تأمل في المفهوم القرآني للانتظار (٢)
الجزء السادس: العيش إيمانيًا؛ تأمل في المفهوم القرآني للانتظار (٣)
المؤلف: حامد صارم
مقالات مشابهة
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد.