نبأ العظيم
المقالاتفيديوالصوتالصور
نبأ العظيم

منصة بحثية وإعلامية لتاريخ الإسلام ومعارف الشيعة والإجابة الموثقة عن أسئلة اليوم.

الوصول
المقالاتالبحث
الموضوعات
الإمامةتاريخ الإسلامالرد على الشبهات
اللغات
فارسیالعربيةEnglish
22 شهرفار 1395 ه‍.شالمناسبات

المسجد؛ بيت الله وبيت طلب العلم

المؤلف: حامد صارم
المسجد؛ بيت الله وبيت طلب العلم
إن خلق الله كاملٌ لا نقص فيه وجميل. لم يخلق الله الحكيم الأراضي متساوية؛ فبعضها صحراوي جاف قليل الأمطار، وبعضها أخضر كثير الأمطار. وبعض الأراضي مناخها جافٌّ حارق، وبعضها الآخر مناخها لطيف باعث على الحياة. ولكنها، كيفما كانت ومهما اختلف مناخها، جعلها الله تعالى جميعاً لنبيّه الأخير «مسجداً وطهوراً».(١) أي إنه يمكن للإنسان أن يصلي ويعبد الله في كل أرض وكل منطقة.
ومن بين الأراضي، فضّل الله بعض الأماكن. ومن هذه الأماكن المفضلة المساجد. ومع أن الصلاة وعبادة الله ممكنة ومطلوبة في جميع الأماكن، فإن المسجد موضع خاص لعبادة الله تعالى والتقرب إليه. ولم تكن وظائف المسجد عبر تاريخ الإسلام منحصرة في العبادة؛ فقد كانت له وظائف سياسية وعسكرية كثيرة، وكان منشأ تحولات سياسية عديدة. غير أن أهم وظائفه كانت أن يكون محلاً للعبادة والتقرب إلى الحضرة الإلهية. ولذلك كان للمسجد منذ القدم قداسة وحرمة خاصتان عند جميع المسلمين.
وقد نال المسجد في الثقافة الإسلامية مكانة خاصة، حتى أصبح المسجد وعماراته المميزة رمزاً للثقافة والحضارة الإسلاميتين.

مكانة المسجد

بيّن أهل البيت عليهم السلام للمسجد منزلة رفيعة. وقد عرّف رسول الله وأهل بيته الطاهرون المسجد بأنه بيت الله.(٢) وقال النبي الأكرم إن الكتب السماوية تذكر أن المساجد بيوتي، أي بيوت الله. فالله خالق المكان، وهو نفسه منزّه عن المكان(٣)، ينسب المسجد إلى نفسه ويعبّر عنه بـ«بيتي» ليُفهِم شرفه. وكما أن الضيف يزور صاحب البيت، تصف رواية أخرى من يذهبون إلى المسجد بأنهم زوّار صاحب البيت، أي الله سبحانه. ويقول الإمام الحسن المجتبى عليه السلام: «أهل المسجد زوّار الله، وعلى صاحب البيت أن يهدي لزائره.»(٤) وهذه الروايات، فضلاً عن إشارتها إلى قداسة المسجد ومكانته، تشجّع المؤمنين والمسلمين وترغّبهم في المسجد. فهي من جهة تبين عظمة مكانته، ومن جهة أخرى تنشئ واجباً على الموحّدين، وهو الاهتمام بالمسجد والعناية به.

تعظيم المسجد

وكما أن للمسجد مكانة خاصة، فإن على الجميع واجب تعظيمه وتوقيره. قال الإمام الصادق عليه السلام: «إِنَّمَا أُمِرَ بِتَعْظِیمِ الْمَسَاجِدِ لِأَنَّهَا بُیُوتُ اللَّهِ فِی الْأَرْضِ»؛ أي إنما أُمر بتعظيم المساجد لأنها بيوت الله في الأرض.(٥) كما أن عمّار المساجد أفراد متميزون في المجتمع، يدفع الله بسببهم العذاب عن أهل الأرض.(٦)
وقد ورد ذم شديد لمن يهملون المسجد. وذُمّ في الروايات جيران المسجد الذين لا يقيمون الصلاة فيه، فقيل: «جار المسجد إذا لم يكن له مانع وكان صحيحاً، ثم لم يحضر المسجد للصلاة الواجبة، لم تُقبل صلاته عند الله.»(٧) ومع أن الفقهاء لم يفتوا بوجوب الصلاة في المسجد على جيرانه، فمن الواضح أن هذه الروايات تستنكر إهمال المسجد استنكاراً شديداً.
ومن أهان المسجد فهو ملعون: «مَلْعُونٌ مَلْعُونٌ مَنْ لَمْ یُوَقِّرِ الْمَسْجِدَ»؛ ملعون، ملعون من لا يعظّم المسجد.(٨)

بناء المسجد وعماره

إن بناء المساجد وعمارتها ذو قيمة وثواب عظيمين. وقد وردت في ذلك روايات كثيرة عن أهل بيت العصمة والطهارة. وتكون المساجد عامرة حقاً حين يكون مضمونها، إلى جانب بنائها، قائماً على الهداية. لذلك، كما يُبذل الجهد والمال في عمارة أبنية المساجد، يجب الاهتمام أيضاً ببعدها الثقافي والهدايي، وأن يُنفق عليه أضعاف ذلك وتوضع له خطط دقيقة. فرسالة المسجد وأهله هي بث روح المعنوية وإبقاء طريق الهداية منيراً لأفراد المجتمع. وإذا جرى الاهتمام بهذا الأمر، فلن تنشأ كثير من المشكلات الثقافية والعقدية. وإذا كانت المساجد عامرة من الناحية الثقافية والتعليم الديني، فلا ينبغي أن نشهد الاضطرابات السلوكية وظهور أنماط الحياة واللباس غير الإسلامية. إن ابتعاد المساجد عن هذه الوظيفة المهمة جداً يخلق فراغاً عظيماً في المجتمع لا تستطيع المؤسسات الأخرى ملأه بسهولة؛ لأن للمسجد جذوراً تمتد ألف سنة، وهو منبثق من صلب القرآن وسنة النبي وروايات المعصومين. فأي مؤسسة تستطيع أن تبلغ هذا المستوى من القداسة والمعنوية والقبول لدى المجتمعات الإسلامية؟

التعليم في المساجد

وللوصول إلى هذا الأمر المهم، أي العمارة الثقافية، ينبغي أن تصبح المساجد موضعاً موثوقاً وقوياً لتعليم المعارف الدينية على مستويات مختلفة. ويجب أن يستطيع المسجد استيعاب جميع شرائح المجتمع ذات مستويات الوعي المختلفة. وبعبارة أخرى، ينبغي أن يروّج المسجد الفكر الإسلامي الأصيل وثقافة التشيع في مختلف مستويات المجتمع على نحوٍ يجعل، أولاً، ألا يرى أحد نفسه مستغنياً معرفياً عن المسجد، سواء أكان معلماً أم متعلماً؛ وثانياً، أن يكون المسجد أول موضع يستطيع فيه أفراد المجتمع، أياً كانت مستوياتهم ودرجاتهم العلمية، حل مشكلاتهم وأسئلتهم الفكرية عند مواجهتهم الأسئلة والشبهات الدينية.
يقول رسول الله: «كل جلوس في المسجد لغو إلا لثلاثة أمور: قراءة القرآن، وذكر الله، أو اكتساب العلم.»(٩) وفي كلام رسول الله نقاط جديرة بالانتباه، منها أن ليس كل جلوس في المسجد محموداً؛ فقد يكون الجلوس فيه لغواً وعبثاً. ولا يكون هذا الجلوس عبثاً في ثلاث حالات، ترتبط اثنتان منها بالتعليم: طلب العلم وقراءة القرآن. وقراءة القرآن عبادة في ذاتها، وهي في الوقت نفسه طلب للعلم، لأن القرآن كتاب إلهي ومنشأ لعلوم كثيرة. لذلك، إذا قيل إن المسجد موضع عبادة، فينبغي بيان ثلاثة مصاديق مهمة للعبادة: الصلاة والدعاء والمناجاة مع الله وما شابه ذلك من الأعمال التعبدية، التي ينبغي أن تقترن بالمعرفة؛ وتلاوة القرآن، التي ينبغي أن تقترن بالتدبر والتفكر والتعليم؛ وطلب العلم، وهو علم محوره القرآن الكريم وتفسير أهل البيت عليهم السلام. فالمسجد إذن بيت الله وبيت طلب العلم، وينبغي أن يكون أهل المسجد أهل علم ومعرفة دينية. وما عدا هذه الأعمال الثلاثة، فالجلوس والمكث في المسجد أمر عبثي، كما قال رسول الله. وجاء في رواية أخرى عن رسول الله: «ما جلس قوم في مسجد من مساجد الله تعالى لتلاوة القرآن وتعلمه إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وذكرهم الله فيمن عنده.»(١٠) ومن ثم تتضح قيمة تلاوة القرآن وتعلمه في المسجد، كما تبين الرواية الآثار المعنوية للمسجد العامر في المجتمع، ومنها نزول السكينة والرحمة عليهم، وليس في هذا المختصر مجال لشرح ذلك.

خراب المساجد في آخر الزمان

إن الاهتمام بمضمون المساجد والسعي إلى عبادة الله وطلب العلم أمران مهمان جداً؛ لأن العبادة بلا تعلم واكتساب للمعرفة ستنتهي دائماً إلى التحجر والانحراف. والعبادة البعيدة عن القرآن الكريم وهداية أهل البيت عليهم السلام تؤدي إلى إسلام الخوارج؛ عبادة لا تكون عاقبتها نمو الفرد والمجتمع وكمالهما ورقيهما. ومتى خلت المساجد، بأي شكل، من تعليم القرآن وروايات أهل البيت عليهم السلام، فعلينا أن ننتظر انحراف المجتمع عن التدين وانحراف المتدينين عن الإسلام الحقيقي. ولا شك أنه متى عُطّلت في المساجد، إلى جانب القرآن، تعاليم أهل البيت وتعاليم الكتب الشيعية القيمة مثل نهج البلاغة وأصول الكافي والصحيفة السجادية، كان ذلك إنذاراً كبيراً للمجتمع كله. ولا ريب أن ابتعاد متديني مجتمعاتنا الإسلامية عن معارف القرآن ونهج البلاغة سيجعلهم خوارجَ الطابع، وسيجد الشباب المساجد خالية المضمون. وهذا تحذير وجّهه رسول الله إلى المجتمع الإسلامي. قال النبي الأكرم صلى الله عليه وآله: «سیأتی على الناس زمان لا یبقى من القرآن لا رسمه و من الإسلام إلا اسمه یسمون به و هم أبعد الناس منه، مساجدهم عامرة و هی خراب من الهدی»(١١)؛ سيأتي على الناس زمان لا يبقى من القرآن إلا رسمه، ولا من الإسلام إلا اسمه، يسمون به وهم أبعد الناس عنه، مساجدهم عامرة من حيث البناء وخربة من حيث الهداية.
نعم، إن القرآن الذي لا يصحبه كلام أهل البيت ليس إلا رسماً وخطاً على الورق، والمساجد التي يكون ظاهرها جميلاً وعامراً ولكنها لا تهتدي بهدي رسول الله وعترته والقرآن، هي مساجد خربة.
حقاً، لو أن المسلمين في مساجد العالم الإسلامي كلها تعلموا التوحيد من نهج البلاغة والصحيفة السجادية، أفكنا اليوم نشهد أبشع الجرائم وأشدها هولاً باسم التوحيد والإسلام؟
ولو جرى في المساجد تفسير وبيان الكلمة المقدسة «الله أكبر» بلسان نهج البلاغة وأصول الكافي الشريف والصحيفة السجادية، أكان أحد يرتكب بهذه التسمية المقدسة مثل هذه الجرائم المروعة؟
أفلا ينبغي لنا اليوم أن نعرف قدر نعمة الأمن في مجتمعنا الشيعي؟ وأفلا ينبغي، شكراً لهذا الأمن الذي هو نعمة من الإمام الغائب، الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف، أن نهتم بعمارة المساجد وأن نكون مبلغين لمعـارف وأحاديث أهل بيت العصمة والطهارة فيها؟
إن لم يوجد هذا الاهتمام، فستكون مساجدنا «خربة من الهداية».

الهوامش

إِسْمَاعِیلَ الْجُعْفِیِّ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا جَعْفَرٍ ع یَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص أُعْطِیتُ خَمْساً لَمْ یُعْطَهَا أَحَدٌ قَبْلِی جُعِلَتْ لِیَ الْأَرْضُ مَسْجِداً وَ طَهُوراً وَ... . قال الإمام الباقر عليه السلام إن رسول الله قال: «أُعطيت خمساً لم يُعطهن أحد قبلي: جُعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً...» الأمالي للصدوق، النص، ص ٢١٦، المجلس الثامن والثلاثون.
بحار الأنوار، طبعة بيروت، ج ٨٠، ص ٣٧٣.
الإمام الرضا عليه السلام: «... هُوَ أَیَّنَ الْأَیْنَ بِلَا أَیْنٍ...» الكافي، طبعة الإسلامية، ج ١، ص ٧٨، باب حدوث العالم وإثبات المحدث.
إرشاد القلوب إلى الصواب للديلمي، ج ١، ص ٧٧، الباب الثامن عشر: وصايا وحكم بليغة، ص ٧٢.
بحار الأنوار، ج ٨١، ص ١٤.
وسائل الشيعة، ج ٥، ص ٢٠٥.
وسائل الشيعة، ج ٣، ص ٤٧٩، الرواية ٥.
بحار الأنوار، طبعة بيروت، ج ٨٠، ص ٣٦١.
بحار الأنوار، ج ٧٧، ص ٨٦.
مستدرك الوسائل، ج ٣، ص ٣٦٣.
الكافي، ج ٨، ص ٣٠٨.
المؤلف: حامد صارم
فهرس المحتويات
  1. مكانة المسجد
  2. تعظيم المسجد
  3. بناء المسجد وعماره
  4. التعليم في المساجد
  5. خراب المساجد في آخر الزمان
  6. الهوامش
الوسوم:باید-های-مسجدرسالت-مسجدمسجدمسجد-خانه-تعلممسجد-در-اسلامنبأالعظیمنباالعظیم

مقالات مشابهة

اليوم: اليوم الذي ابتسمت فيه السماء (القسم الثالث)—إمامة السحلية، هوية منكري الغدير
فيديو
27 مرداد 1405 ه‍.ش
اليوم: اليوم الذي ابتسمت فيه السماء (القسم الثالث)—إمامة السحلية، هوية منكري الغدير
المؤلف: حامد صارم
الإمامةالتفسيرغديرالقرآن الكريمنقد الأفكارالوهابيةفيديو
#wp-tag-1573#حامد صارم#نبأالعظیم
اليوم: اليوم الذي ابتسمت فيه السماء (الجزء الثاني) — اليوم: عزّة الدين، عظمة الإيمان، الهوية الخالدة
فيديو
26 مرداد 1405 ه‍.ش
اليوم: اليوم الذي ابتسمت فيه السماء (الجزء الثاني) — اليوم: عزّة الدين، عظمة الإيمان، الهوية الخالدة
المؤلف: حامد صارم
الإمامةالتفسيرغديرالقرآن الكريمفيديوأربعة عشر بريئا عليهم السلام
#حامد صارم#غدیر#نبأالعظیم
نمادی از حدیث ثقلین کتاب الله و عترتی
26 مرداد 1405 ه‍.ش
«حديث الثقلين بين الكتمان والاستقصاء العلمي؛ نقد مقارن لمنهجَي عبد العزيز الدهلوي ومير حامد حسين في عبقات الأنوار»
المؤلف: حامد صارم
الإمامةالحديثعبقات الأنوارغديرنقد الأفكارالوهابيةأربعة عشر بريئا عليهم السلامالكتب الكلامية
#wp-tag-1563#wp-tag-1565#اهل سنت

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد.