معاوية، المأمور الخاص والنموذج العملي للسقيفة
المؤلف: حامد صارم

يحذر القرآن الكريم من جماعتين خطيرتين: المنافقين، والذين في قلوبهم مرض. هؤلاء هم أهم أعداء الإسلام، ولا يستطيع أقوى الأعداء الخارجيين أن يضربوا كما يضرب هؤلاء الذين لهم ظاهر إسلامي؛ لأنهم يضربون جسد الإسلام من الداخل.
اتخذ أعداء الإسلام الداخليون تكتيكات مختلفة لهدم الإسلام وإبادته. ولأنهم لم يستطيعوا مواجهة أساس دين رسول الله عسكريا وجسديا، لجؤوا إلى الحرب الناعمة، وكان أهم تكتيك لهم في هذه الحرب الناعمة هو إيجاد بدع كثيرة في الدين.
البدعة أحد تكتيكات الأعداء لإبادة الدين
البدعة هي خلاف الدين يعرض باسم الدين، وهي منكر يظهره المبتدع معروفا. فإذا نجح المبتدعون في إقناع الناس ببدعهم زالت القيم الإسلامية من المجتمع وحلت القيم المضادة محلها، وعندئذ يتشكل مجتمع باسم الإسلام ومليء بتعاليم مخالفة للإسلام، يحمل اسم الإسلام ولا خبر فيه عن معارف الإسلام العالية.
وهذا هو ما فعله معاوية بالإسلام. فقد بذل جهدا كبيرا لترويج وإيجاد بدع كثيرة في الدين، وبذل غاية جهده ليتمكن من إبادته. وحتى الآن، وإن بقي اسم الإسلام، فإننا لا نرى بين أتباع الإسلام الأموي أثرا للتعاليم الإسلامية السامية، وأعمال مثل قتل المسلمين والعمليات الانتحارية لقتل عدد كبير من الأبرياء هي من نتائج بدع معاوية والإسلام الأموي.
معاوية وفضيلة كتابة الوحي!
لكي يظهروا هذا المبتدع جميلا بين الناس، حتى يقبل الناس في كل زمان بدعه بقلوبهم، ويقبلوا باطله، صنعوا له فضائل كثيرة. ومن ذلك أنهم سموه كاتب الوحي، وهذا العنوان يوحي بمعنى: «من يكتب الوحي فهو أعرف بالوحي»، وبهذه المغالطة البسيطة أوقعوا جماعة في الإسلام الأموي.
كتب بعضهم: «لا خلاف في أن معاوية كان من كتاب الوحي، وكل المؤرخين ينقلون ذلك». لكن هذا من أكبر أكاذيب التاريخ، لأنه لم يكتب الوحي قط. فقد قبل الإسلام في عام فتح مكة بقوة سيوف المسلمين، وبقي بعد إسلامه في مكة ولم يهاجر إلى المدينة ولم يكن في ركاب النبي. فأي وحي كتبه إذن؟
إقرار محققي أهل السنة بأن معاوية لم يكن كاتب وحي
اعترف كثير من كتاب أهل السنة صراحة بأن معاوية لم يكن كاتب وحي. ومنهم عبد الرحيم خطيب، من كتاب أهل السنة المعاصرين في بندر عباس، إذ يقول: «خلافا لما يسمع، لم يكن معاوية من كتاب الوحي، بل كان أحيانا يكتب رسالة عادية لرسول الله صلى الله عليه وآله، وهذا الأمر كان منشأ الاشتباه بأنه من كتاب الوحي» (١).
وينقل الذهبي هذا المعنى نفسه عن عبد الله بن عمر (٢). ويصرح ابن عبد ربه الأندلسي أيضا بأن معاوية وخالد بن سعيد كانا يكتبان الرسائل العادية (٣). ويرى الدينوري أن سبب استخدام النبي الأكرم صلى الله عليه وآله لمعاوية وغيره في كتابة الرسائل العادية هو قلة المتعلمين (٤).
ويكتب أبو رية، الكاتب المعروف من أهل السنة في مصر: «أراد جماعة أن يتملقوا معاوية ويتقربوا إليه، فسموه كاتب الوحي، وتوهموا أنه كتب آية الكرسي بقلم من ذهب جاء به جبرئيل من فوق العرش هدية لمعاوية.
وهذه القصة، فضلا عن كونها كذبا، ينكرها الواقع والعقل أيضا؛ فكيف يطمئن النبي الأكرم صلى الله عليه وآله إلى معاوية ويجعله كاتبا للقرآن، وهو وأبوه وأمه أسلموا بقوة السلاح، ولم ينفذ الإسلام إلى قلوبهم قط؟
ومن جهة النقل أيضا لم يثبت ذلك؛ إذ كان الأجدر بمدعي هذا المنصب لمعاوية أن يأتوا ولو بنموذج واحد من الآيات التي نزلت وكتبها معاوية، وأن يبينوا متى وأين كتب آيات القرآن بحضور النبي صلى الله عليه وآله، مع أنه بقي بعد فتح مكة في مكة ولم يكن في المدينة.
نعم، ليس بعيدا أن يكون قد كتب بعض الرسائل التي لا صلة لها بالوحي للنبي الأكرم صلى الله عليه وآله، أما القول بأنه كتب شيئا من القرآن، وأنه كان كاتب الوحي، فهذا من المحالات. ويقول المدائني إن كاتب الوحي كان زيد بن ثابت» (٥).
لماذا يعرف بعضهم معاوية بأنه كاتب الوحي؟
وعلى أي حال، هذه الفضيلة لهذا المبتدع الكبير في التاريخ ليست إلا كذبا. والغاية الوحيدة من هذا الجعل الكبير هي إقناع المجتمعات المسلمة ببدعه، ليتمكنوا من ترويج الإسلام الأموي العنيف، وحتى يهاجم اليوم بعض الناس، استنادا إلى أعمال معاوية، عزاء الإمام الحسين عليه السلام بسهولة، ويقتلوا عددا ممن أقاموا العزاء لسبط النبي وسيد شباب أهل الجنة.
وبصرف النظر عن كذب كتابة معاوية للوحي، ينبغي أن يقال إن مجرد كتابة الوحي لا تمنح أي عصمة، وكون الإنسان كاتب وحي ليس دليلا على صحة أقواله وآرائه. فقد ارتد بعض الكتاب مثل عبد الله بن أبي سرح (٦).
يقول ابن كثير: «كان كاتب النبي، فأضله الشيطان ولحق بالمشركين» (٧). ومعاوية، في مقام الاعتراض أو النصيحة، يذكر زيد بن ثابت، وهو من كتاب الوحي، بألا يغتر بهذه الرتبة والمقام (٨).
ومع الالتفات إلى أن كل الفضائل التي نقلت لمعاوية كذب محض، وخصوصا كتابة الوحي التي يصر عليها أتباع الإسلام الأموي كثيرا، ينبغي أن نستنتج أن معاوية إنسان بلا نسب واضح، وفاقد لأي سابقة أو فضيلة في الإسلام. لقد بذل كل اهتمامه لمحاربة الإسلام، ومن أهم أعماله القبيحة والخطيرة، التي بقي أثرها حتى اليوم، ترويج بدع كثيرة في الدين.
شرب معاوية للخمر
أفضل شاهد على صدق هذا الادعاء حديث أحمد بن حنبل والذهبي بأن معاوية جلس على مائدة الخمر وشرب الخمر. وها نحن نذكر عدة شواهد على تقوى معاوية!
يقول عبد الله بن بريدة: دخلت أنا وأبي على معاوية، فأمر بالطعام، فأكلنا. ثم جاء بالشراب، فشرب معاوية وقدمه إلى أبي. فقال أبي: منذ اليوم الذي حرمه النبي الأكرم صلى الله عليه وآله لم أشربه (٩).
يقول ابن عساكر: أرسل عبد الرحمن بن سهل الساعدي في زمن عثمان إلى الشام للمشاركة في الحرب. وفجأة مرت به قافلة إبل تحمل الخمر لمعاوية. فأخرج سكينا من جيبه ومزق كل قرب الخمر. فلما بلغ الخبر معاوية قال: دعوه، فقد كبر وذهب عقله. فأجاب عبد الرحمن: كلا، ليس كذلك. عدو الله معاوية يكذب؛ بل نهانا النبي الأكرم صلى الله عليه وآله أن ندخل الخمر في بطوننا (١٠).
أكل معاوية للربا
ومن الشواهد الحية على ابتداع معاوية أكله للربا، إذ باع أواني الفضة بفضة أكثر من وزنها. ولما اعترض عليه بأن هذه معاملة ربوية، قال: كنا عند النبي صلى الله عليه وآله، وهذا العمل لا إشكال فيه، ولم نسمع مثل هذا.
قال عبادة بن الصامت: نحن ننقل الأحاديث التي سمعناها من النبي صلى الله عليه وآله، ونرغم أنف معاوية (١١). ويقول أبو الدرداء: «من عذيري من معاوية، أخبره عن الرسول، وهو يخبرني عن رأيه»؛ أي لا أدري ماذا أفعل بمعاوية، أخبره عن الرسول فيخبرني برأيه (١٢).
هذه العبارة التي نقلها التاريخ عن أبي الدرداء تحكي حقيقة مهمة. فمن يعد نفسه خليفة للنبي وخليفته ليس خاضعا لأوامر النبي، بل يعد نفسه مساويا للنبي في أمور الدين والشريعة.
النبي رسول الله والواسطة بين الأرض والسماء، ومقام رسول الإسلام المكرم إلى حد أنه يستطيع التصرف في التشريعات. لذلك فما هو جزء واقعي من الدين ينتهي إلى سنة النبي، وكلما ابتعد شخص أو قوم عن سنة النبي ابتعدوا لا محالة عن القرآن والإسلام، وإن سموا أنفسهم مسلمين وادعوا أنهم أتباع القرآن.
عطش معاوية لإيجاد البدعة ونشرها في المجتمع الإسلامي
هذا التقرير التاريخي يظهر عطش معاوية لإيجاد البدعة ونشرها في المجتمع الإسلامي. قليل من التأمل يفهمنا أنه لم يكن تابعا للدين، بل جعل الدين تابعا له. فحيثما استقر رأيه على أمر، ولو كان مخالفا للأمر القطعي للنبي صلى الله عليه وآله، عمل برأيه وأصدر الأوامر. وصارت مخالفة النبي جزءا لا ينفك عن هذا الإسلام، وهذه الحقيقة تظهر بوضوح اليوم فيمن يتبعون بني أمية.
يقف معاوية بكل وقاحة أمام حكم النبي الإسلامي المشهور والقطعي ويصدر حكما، وليس هذا إلا عطش معاوية لمحاربة الدين الذي جاء به النبي. يعلن معاوية رسميا: أنا أيضا أشرع في عرض النبي.
حكم معاوية في مقابل حكم رسول الله صلى الله عليه وآله
لما وقع الخلاف بين عبد الرحمن بن خالد ونصر بن الحجاج حول ولد يدعيه كل منهما، قضى معاوية بالولد لعبد الرحمن مستندا إلى قول النبي صلى الله عليه وآله، ولما اعترض نصر بن الحجاج قائلا: لماذا لم تقض هكذا في قضية زياد بن أبيه؟ قال معاوية: «ذاك حكم معاوية وهذا حكم رسول الله صلى الله عليه وآله» (١٣).
كان معاوية يتدخل تقريبا في جميع الأمور الدينية، وكان سعيه إزالة آثار النبوة من دين رسول الله. وبحسب تقرير المغيرة، كان يتأذى حتى من ذكر اسم رسول الله من المآذن في أوقات الصلاة، وسعى لمحو ذلك الاسم. بل حتى في الحج، وهو أمر عبادي، حاول أن يبتدع.
تحريم رفع التلبية يوم عرفة
من أبرز مصاديق اهتمام معاوية بهدم سنة رسول الله صلى الله عليه وآله ومنعها، منعه التلبية يوم عرفة. ينقل النسائي والبيهقي عن سعيد بن جبير: في يوم عرفة قال ابن عباس لسعيد: لماذا لا أسمع اليوم صوت التلبية من الحجاج؟ قال سعيد: يخافون معاوية.
فخرج ابن عباس من خيمته وصرخ بصوت عال: «لبيك اللهم لبيك، وإن رغم أنف معاوية، اللهم العنهم فقد تركوا السنة من بغض علي»؛ أي نرغم أنف معاوية. اللهم العنهم وأبعدهم عن رحمتك، لأنهم تركوا سنة النبي صلى الله عليه وآله بسبب بغض علي عليه السلام.
يقول السندي في شرح هذه العبارة: كان علي عليه السلام ملتزما بسنة رسول الله صلى الله عليه وآله، وكانت بنو أمية تترك سنة رسول الله صلى الله عليه وآله مخالفة لعلي عليه السلام (١٤). إن ابن عباس، الذي وقف بشجاعة أمام بدعة معاوية، يكشف الستار عن سر معاوية. وحقا، إن رفع التلبية أو خفضها لا يضعف أسس حكومته الشيطانية ولا يقويها، فلماذا يأمر بخفض التلبية؟
يجيب ابن عباس عن هذا السؤال: إن معاوية وبني أمية كانوا يتركون السنة بسبب بغضهم وحقدهم على علي عليه السلام. حتى رفع التلبية لم يتحمله، وسعى إلى تغييره وتبديله؛ لأن محو السنة هو عداوة لعلي عليه السلام، إذ ليس إلا علي بن أبي طالب عليه السلام ملتزما بالشريعة المحمدية. فإذا استطاع أن يزيح عليا عليه السلام بأي طريقة، وأن يخالف أعماله، فقد استطاع في الحقيقة أن يعارض رسول الله ويدمر دين الإسلام.
معاوية كان النموذج العملي لأهل السقيفة
حقا وصدقا، معاوية هو الوجه العملي لأهل السقيفة. فإذا طرحت في السقيفة نظرية فصل خلافة رسول الله عن القرآن، وإذا استطاعت السقيفة بقوة سيوف بني أسلم أن تنزل الولي والقائد الذي هو خليفة الله إلى مستوى اختيار عدة متجبرين، فإن هذه النظرية طبقت عمليا في حكومة معاوية.
كان معاوية ثمرة ونتاج خلافة العصا، والفكر الذي نشأ وعمل بسيوف بني أسلم كان لا بد أن يصل إلى معاوية؛ لأن كل ما كان من نيات أهل السقيفة، ولم يملكوا القدرة أو الفرصة لارتكابه لأي سبب، نفذه معاوية. وحقا ينبغي أن يقال إن الذين سلطوا معاوية على الشام في زمن خلافتهم اختاروا أفضل خيار لمواصلة طريق السقيفة وتنفيذ مؤامراتهم.
بكلمة واحدة، لم يكن معاوية منفردا في جرائمه وبدعه، بل كان امتدادا لمشروع مؤامرة السقيفة. كان معاوية حليف السقيفة، لذلك ينبغي عد كل أفعاله وأعماله الشنيعة مهمة خاصة من مجلس السقيفة وأصحاب الصحيفة. وبكلمة واحدة، كان معاوية المأمور الخاص للسقيفة وأصحاب الصحيفة، ولم يكن يفعل إلا تنفيذ مهمته.
ومن هنا ينبغي أن نرى من هم الذين أجلسوه على كرسي السلطة ليتضح الأمر أكثر. ولا شك أن من هنا وقعت حرب عظيمة بين الخليفة الوحيد الذي وصل إلى الخلافة الظاهرية وكان في الوقت نفسه خصما شديدا للسقيفة، وبين هذا الخصم الخاص للسقيفة ومأمورها الخاص، فتقاتلا أشهرا في صفين.
معاوية دافع في صفين عن منجز السقيفة
مع أن ظاهر حرب صفين والنزاع المضحك حول التحكيم الذي طرحه السذج كان حول الخلافة، فإن صفين في الحقيقة كانت ميدان أهل السقيفة ومخالفيها. دافع معاوية في صفين بكل وجوده وقوته عن منجز السقيفة، وبعده أشعل ابنه الملعون يزيد هذه الحرب في كربلاء؛ حربا على أساس نظرية السقيفة، وقف فيها اليزيديون في طرف مصرين على السقيفة، وفي الطرف الآخر وقف أصحاب أبي عبد الله على عهد رسول الله في ولاية علي عليه السلام وأبنائه المعصومين.
ومع أن السقيفة هي أول المصيبة وبداية كل البدع والانحرافات إلى قيام قائم أهل البيت، ينبغي أن يقال إن السقيفة وصلت في زمن معاوية إلى نقطة تحول. فقد استطاع معاوية، ببدع كان منبعها السقيفة، أن يؤسس الإسلام الأموي، وأن يبتلي العالم الإسلامي إلى اليوم بإسلام أموي جاف ومتحجر ودموي.
الهوامش
١. الشيخان، ص ١٥٩. ٢. سير أعلام النبلاء، ج ٣، ص ١٣٢. ٣. العقد الفريد، ج ٤، ص ١٦٠. ٤. المعارف، ص ٣٠. ٥. أبو هريرة، ص ٢٠٤. ٦. أسد الغابة، ج ٣، ص ١٧٣؛ تاريخ خليفة، ص ١٠٥. ٧. البداية والنهاية، ج ٥، ص ٣٠٤. ٨. ربيع الأبرار، ج ١، ص ٦٨٩. ٩. مسند أحمد، ج ٥، ص ٣٤٧؛ ج ٦، ص ٤٧٦؛ سير أعلام النبلاء، ج ٥، ص ٥٢. ١٠. تاريخ مدينة دمشق، ج ٣٤، ص ٤١٩؛ أسد الغابة، ج ٣، ص ٤٥٨. ١١. صحيح مسلم، ج ٢، ص ٣٥؛ السنن الكبرى، ج ٥، ص ٢٧٦؛ المصنف، ج ٨، ص ٣٤. ١٢. شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد، ج ٢٠، ص ٢٧. ١٣. العقد الفريد، ج ٦، ص ١٣٤. ١٤. سنن النسائي، ج ٥، ص ٢٥٢.
المؤلف: حامد صارم
مقالات مشابهة
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد.