مودّة أهل البيت ومظلوميّة السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام): دراسة التناقض بين «أجر الرسالة» وسلوك الحكّام الأوائل في ضوء المصادر الشيعية والسنّية
المؤلف: حامد صارم

دراسة موثقة لمكانة فاطمة الزهراء (عليها السلام) بوصفها «أجر الرسالة» وشواهد مظلوميتها في المصادر الروائية والتاريخية للمذهبين
مضى ألف وأربعمائة عام على نزول آية: «قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى»؛ وهي آية عرّف النبي من خلالها «أجر الرسالة» وحده، ودعا الأمة إلى مودة أهل بيته. غير أن السؤال الجوهري في التاريخ هو: كيف يجتمع الأمر الإلهي بمودة أقرب أفراد أسرة النبي مع الغضب والدفن ليلاً وبقاء قبر فاطمة الزهراء (عليها السلام) خفياً، كما تذكره المصادر السنية المعتبرة؟ يتناول هذا البحث، بالاستناد المتزامن إلى المصادر الشيعية والسنية، هذا التعارض الظاهر بين التكليف القرآني والسلوك السياسي لحكام صدر الإسلام؛ وهو تعارض إن لم يُفهم، فستظل آية المودة وسيرة ابنة النبي أكبر سؤال بلا جواب في تاريخ الإسلام.
الملخص:
تحصر آية المودة: «قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى» أجر رسالة النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) في مودة «قرباه». وفي الرؤية الشيعية، فإن أهل البيت (عليهم السلام) — وفي مقدمتهم السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) — هم المصداق الرئيس لهذه القربى، وإن كل تقصير في محبتهم واحترامهم يعد تضييعاً لأجر الرسالة وانتقاصاً من الرسالة النبوية.
ومن جهة أخرى، تنقل طائفة من المصادر الحديثية والتاريخية السنية المعتبرة روايات عن غضب السيدة فاطمة (عليها السلام) على الخليفة الأول، ودفنها ليلاً وخفاء قبرها، والضغوط السياسية بعد السقيفة، والتهديد الموجّه إلى بيتها. وتكشف هذه الروايات، ولا سيما بالنظر إلى الوفاة المبكرة للزهراء (عليها السلام)، عن نوع من التعارض بين الأمر القرآني بالمودة والسلوك العملي لبعض الحكام الأوائل تجاه ابنة النبي (صلى الله عليه وآله).
تبيّن هذه المقالة، بمنهج وصفيّ تحليليّ ومقاربة مقارنة، أولًا الأساس القرآني والروائي لمودّة أهل البيت؛ ثم تستخرج وتحلّل، بالاستفادة من المصادر الشيعية والسنّية، مؤشرات مظلومية السيدة فاطمة (عليها السلام). ثم تعرض وتنقد أهم الآراء المخالفة المدافعة عن سلوك الخلفاء. وتخلص إلى أن التفسير الشيعي لـ«أجر الرسالة» ولمودّة أهل البيت أكثر انسجامًا من الداخل مع مجموع هذه المعطيات التاريخية، ويدعو القارئ إلى إعادة النظر في الحكم التاريخي والكلامي على تلك المرحلة.
الكلمات المفتاحية: فاطمة الزهراء (عليها السلام)، أجر الرسالة، آية المودّة، فدك، غضب فاطمة، السقيفة، عدالة الصحابة.
١. المقدمة
تحتل آية المودّة، بوصفها إحدى الآيات الأساسية في تحديد علاقة الأمة بأسرة النبي (صلى الله عليه وآله)، مكانة محورية في علم الكلام الإسلامي. فالقرآن الكريم، في مقام بيان أجر الرسالة، يأمر النبي (صلى الله عليه وآله): «قُل لَا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى» (الشورى، ٢٣).
وبذلك، فإن المحبة والمودّة تجاه «القربى» —التي انطبقت على أهل بيت النبي (صلى الله عليه وآله)— هما الجزاء الوحيد الذي عيّنه الله لرسالة خاتم الأنبياء العظيمة (صلى الله عليه وآله). وفي هذا الإطار، يتجاوز السلوك التاريخي للأمة وللحكام الأوائل تجاه أهل البيت، ولا سيما السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام)، مستوى بحث تاريخي محض، ليصبح محكًا جادًا لصدق الأمة في ادعائها أداء أجر الرسالة.
تسعى هذه المقالة، بالاعتماد على فئتين من المصادر: ١. المصادر التفسيرية والحديثية والتاريخية الشيعية؛ ٢. والمصادر الحديثية والتاريخية السنّية؛ من جهة إلى تبيين الأسس القرآنية والروائية لمودّة أهل البيت، ومن جهة أخرى إلى إظهار كيف تقدّم مجموعة من الروايات بشأن غضب السيدة فاطمة (عليها السلام)، ودفنها ليلًا، وخفاء قبرها، والضغوط التي أعقبت السقيفة، والتهديد الموجّه إلى بيتها، صورة واضحة لمظلوميتها وللتنافي بين «المودّة المأمور بها» و«السلوك الذي وقع».
٢. الأساس القرآني لأجر الرسالة ومفهوم مودّة القربى
٢.١. نصّ الآية والتفسير الشيعي
تقول آية المودّة:
«قُل لَا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى» (الشورى، ٢٣)
في التفاسير الشيعية، ومنها «مجمع البيان» للطبرسي، وفي الروايات المنقولة في «الكافي» (الكليني، ج١، باب «في أنّ الأئمة هم أهل الذكر»)، طُبِّقت «القربى» على أهل بيت النبي (ص)، أي عليّ وفاطمة والحسن والحسين (ع). والمودّة في هذا السياق ليست مجرّد محبة عاطفية، بل تشمل الاتباع والنصرة والدفاع العملي عن حقوق أهل البيت أيضاً. وبهذا يكتسب «أجر الرسالة» معناه في العلاقة الوجودية والعملية للأمة بأهل البيت.
٢.٢. إشارات في تفاسير أهل السنّة
وردت كذلك لدى المفسرين من أهل السنّة روايات تفسّر «القُربى» بأهل بيت النبي (ص)، وإن كان بعضهم قد طرح معاني أوسع، كأقارب قريش أو مطلق الأقربين. ومع ذلك، فإن أصل وجوب المحبة والاحترام الخاص لأهل البيت مقبول في تراث المخالفين للشيعة.
٣. منزلة السيدة فاطمة الزهراء (س) في روايات الفريقين
تتفق المصادر الشيعية وأهل السنّة على عظمة مقام السيدة فاطمة (س). وقد رُوي عن النبي (ص) في البخاري أنه قال:
«فاطِمَةُ بَضْعَةٌ مِنِّي، مَنْ أَغْضَبَهَا فَقَدْ أَغْضَبَنِي» (البخاري، كتاب فضائل أصحاب النبي، باب مناقب قرابة رسول الله)
وفي المصادر الشيعية، مثل الكافي (ج١، ص٤٥٨) وبحار الأنوار (ج٢٧، ص٦٢)، تُعرَّف السيدة الزهراء (س) بأنها «سيدة نساء العالمين» و«الصدّيقة»، وأنها ذات مقام العصمة. وفي الرواية المشهورة:
«هُم فاطِمَةُ و أبوها و بَعلُها و بَنوها» (عوالم العلوم و المعارف، ج١١، قسم٢، فاطمة (س)، ص٩٣٠)
تُعَدّ فاطمة (عليها السلام) محور الأنوار الخمسة الطاهرة. وقد روى الحاكم في المستدرك أيضاً حديث: «إنّ الله يرضى لرضاها ويغضب لغضبها»، وصحّحه الذهبي. وعلى هذا الأساس، فإنّ رضا فاطمة (عليها السلام) وغضبها ليسا أمراً عاطفياً محضاً، بل هما معيار إلهي لقياس موقف الأفراد من الله ورسوله.
٤. اللطمات الروحية والجسدية في الرواية الشيعية لمظلومية السيدة الزهراء (عليها السلام)
٤.١. اللطمات الروحية: اغتصاب الخلافة وغربة الولاية
في المتون الشيعية، يُعرَّف أهمّ ألمٍ روحي للسيدة الزهراء (عليها السلام) بأنه غربة ووحدة أمير المؤمنين عليّ (عليه السلام)، وانحراف مسار الخلافة عن الغدير. ولم يكن هذا الحزن ناشئاً عن العلاقة الزوجية وحدها، بل عن قلق عميق من تضييع ميراث النبوة وتبعات ذلك على الأمة الإسلامية وتاريخ البشرية.
يتحدث ابن شهرآشوب في مناقب آل أبي طالب (ج٢، ص٢٠٥) عن شكوى السيدة الزهراء (عليها السلام) من انتهاك حرمة وصيّ النبي (صلى الله عليه وآله). ومن الشعر المنسوب إليها عند قبر النبي (صلى الله عليه وآله):
«صُبَّتْ عَلَيَّ مَصَائِبُ لَوْ أَنَّهَا صُبَّتْ عَلَى الْأَيَّامِ صِرْنَ لَيَالِيَا» (بحار الأنوار، ج٧٩، ص١٠٦)
وهذه زاويةٌ من عمق هذه المصائب. وتروي المصادر حوار أمّ سلمة مع السيدة فاطمة (عليها السلام)، إذ سمعت منها الجواب:
كما نُقل في المصادر الشيعية قولُها: «بَین الغَصّة و الغَم… غَصّة فقد النبی و غَمّ ظلم وصیّه…» بوصفه دليلاً على امتزاج الحزن لفقد النبي والأسى لما وقع من ظلمٍ على عليّ (عليه السلام).
٤.٢. الحطّ من مقام العصمة في قضية فدك
في قضية فدك، طُلب من فاطمة (عليها السلام) ــ مع ما لها من مقام العصمة والصدق ــ أن تأتي بالشهود لإثبات حقّها؛ مع أن لها عند الشيعة مقام العصمة، وهي عند المخالفين سيدة نساء أهل الجنة. وقد أثبت الطبرسي في الاحتجاج (ج١، ص١٠٧) الخطبة الفدكية وشكاوى فاطمة (عليها السلام) الشديدة من سلوك الخليفة وأصحابه. وتمثّل هذه الحالة، من المنظور الشيعي، حطّاً عملياً من مقام العصمة ونقضاً ظاهراً للمودّة تجاه «بضعة النبي».
٤.٣. الإصابات الجسدية ورواية الشهادة
تذكر المصادر الشيعية إصابات جسدية متعددة انتهت في النهاية إلى شهادة السيدة، ومنها:
- كامل الزيارات لابن قولويه (ص٣٣٣): خبر جبرئيل إلى النبي عن الظلم الواقع على ابنته، والهجوم على بيتها وهي حامل، وإسقاط جنينها، ووفاتها من أثر تلك الضربات نفسها. دعائم الإسلام للقاضي النعمان (ج١، ص٢٣٢): تقرير عن الهزال الشديد لجسمها وذوبان لحم بدن السيدة بعد تلك الأحداث. تلخيص الشافي للشيخ الطوسي (ج٣، ص١٥٦): تصريح بأنه لا خلاف بين الشيعة في أن عمر ضرب بطن فاطمة (عليها السلام) فأُسقط جنينها (محسن). شرح التجريد للعلامة الحلي (ص٣٧٦): إشارة إلى ضرب فاطمة (عليها السلام) وإسقاط جنين اسمه محسن. دلائل الإمامة ونوادر المعجزات للطبري الإمامي (ص٤٥؛ ص٩٧–٩٨): بيان ضرب قنفذ لها بنعل السيف وابتلائها بمرض شديد إلى وفاتها. الاحتجاج للطبرسي (ج١، ص٨٣): تقرير عن ضرب السوط على عضدها، وبقاء أثره كالسوار، وطرحها في البيت، وكسر جنبها، وإسقاط جنينها.
في هذه المنظومة من الروايات، تُفهم شهادة السيدة فاطمة (عليها السلام) بوصفها النتيجة الطبيعية لتدهور جسدها بفعل الضربات والضغط النفسي والمرض الناشئ عنها، لا موتًا عاديًا بسيطًا بسبب الحزن.
٥. المعطيات الأساسية عن مظلومية السيدة فاطمة (عليها السلام) في مصادر أهل السنّة
والنقطة الأساسية هي أنه حتى من دون الاعتماد على الروايات الشيعية الخاصة، يمكن رسم صورة لمظلومية السيدة فاطمة (عليها السلام) بالاستناد إلى المصادر المعتبرة للمخالفين وحدها؛ وهي صورة تبدو غير منسجمة مع أمر المودّة.
٥.١. غضبها المستمر على الخليفة
ورد في البخاري، في قضية الخلاف حول فدك، ما يلي:
«فَغَضِبَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ فَهَجَرَتْ أَبَا بَكْرٍ، فَلَمْ تُكَلِّمْهُ حَتَّى تُوُفِّيَتْ» (البخاري، كتاب الخمس، حديث ٣٠٩٣)
بناءً على هذا النقل، غضبت فاطمة (عليها السلام) على أبي بكر، وهجرته، ولم تكلّمه حتى وفاتها. وعندما توضع هذه الرواية إلى جانب حديث «مَنْ أَغْضَبَهَا فَقَدْ أَغْضَبَنِي»، تتشكّل نتيجة لا مفرّ منها تتعارض مع الصورة الشائعة عن العدالة المطلقة للصحابة.
٥.٢. الدفن ليلاً وخفاء القبر
وجاء في تتمة الرواية نفسها في البخاري:
«فَلَمَّا تُوُفِّيَتْ دَفَنَهَا عَلِيٌّ لَيْلًا، وَلَمْ يُؤْذِنْ بِهَا أَبَا بَكْرٍ» (البخاري، كتاب الجنائز، حديث ١٣٤١)
إن دفن ابنة النبي (صلى الله عليه وآله) ليلاً، من دون حضور الخليفة، ومرور قرون من غير تحديد موضع قبرها، يُعدّ من المنظور الشيعي علامةً على احتجاجها الدائم على الوضع القائم. وحتى في نظر قارئ سنّي محايد، فإن ذلك لا ينسجم مع معنى المودّة؛ فلا سبيل إلا إلى تبرير بلا وجه، كما أن التكذيب غير ممكن، لأن البخاري—بحسب ادعائهم—أصحّ الكتب.
٥.٣. الوفاة المبكرة
تسجّل كتب الرجال والتاريخ لدى المخالفين، مثل «الإصابة في تمييز الصحابة» لابن حجر العسقلاني و«سير أعلام النبلاء» للذهبي، وفاة السيدة فاطمة (عليها السلام) بعد نحو ٧٥ إلى ٩٥ يوماً من رحيل النبي (صلى الله عليه وآله)—أو، في بعض الروايات، بعد مدة لا تتجاوز ستة أشهر—مع الإبلاغ عن أن عمرها كان نحو ١٨ عاماً. ويمكن تفسير هذه الوفاة المبكرة، إلى جانب صمت المصادر عن السبب الدقيق لمرضها وسائر الشواهد، تفسيراً مقنعاً بالرواية الشيعية القائلة باستشهادها نتيجة الضغوط والضربات؛ وإن كان أهل السنّة لا يقبلون هذا التفسير.
٥.٤. التهديد بإحراق البيت
يروي «تاريخ الطبري» (ج٣، ص٢٠٣) أن عمر بن الخطاب، لإخراج علي (عليه السلام) وجماعة من الصحابة من البيت وإلزامهم بالبيعة للخليفة، قال: «والله! لئن لم يخرجوا لأحرقنّ البيت عليهم». كما يروي ابن عبد ربّه في «العقد الفريد» (ج٤، ص٩٣) أنه لما قيل له: «إن في هذا البيت فاطمة»، أجاب: «ولو کانت فاطمة».
حتى لو طُرحت آراء مختلفة في التحقيق السندي لهذه الروايات، فإن مجرد وجود مثل هذه النقول في المصادر المعتبرة لدى أهل السنّة يدلّ على شدة التوتر السياسي مع بيت فاطمة (عليها السلام)؛ وهو أمر يبدو غير منسجم مع صورة المودّة والاحترام غير المشروطين.
٥.٥. الإقرار بالمظلومية في بعض آثار أهل السنّة
في مؤلفاتٍ مثل مروج الذهب للمسعودي، وشرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد المعتزلي، واللآلئ المصنوعة للسيوطي، ولسان الميزان لابن حجر، ترد تقارير عن مظلومية السيدة فاطمة (عليها السلام)، والنزاع الشديد حول فدك، والضغوط التي أعقبت السقيفة. وعلى الرغم من أن لهذه المؤلفات درجات متفاوتة من الاعتبار في التقليد السني، فإنها تدل على أن الصورة الموحّدة الخالية من التوتر لتلك المرحلة هي نتاج انتقاءٍ للروايات، لا حصيلة المصادر بمجملها.
٦. الآراء المخالفة ومحاولات تبرير سلوك الحكام الأوائل
اضطر علماء أهل السنة، حفاظاً على أصل «عدالة الصحابة» والشرعية الكاملة للخلفاء، إلى الجمع بين هذه المجموعة من النصوص ومبناهم الكلامي. وأهم الحلول المطروحة هي:
٦.١. دعوى المصالحة في الأيام الأخيرة
في مقابل تصريح البخاري باستمرار غضبها إلى وفاتها، تتحدث روايات أخرى ــ ومعظمها بأسانيد أضعف ــ عن لقاءٍ جديد بين الخليفة والسيدة فاطمة (عليها السلام) وعن نوعٍ من المصالحة. وعلى أساس هذه الروايات، يحاول بعض الكتّاب المعاصرين تأويل رواية البخاري. ومع ذلك، فمن حيث منهجية الحديث لدى أهل السنة أنفسهم، ليس من السهل ترجيح الروايات الضعيفة على نص البخاري الصريح، وهذا بحد ذاته يدل على صعوبة قبول مدلول تلك الرواية. ومع الأدلة القطعية، مثل خفاء قبرها، يتضح جلياً أن هذه الدعوى ليست إلا خداعاً.
٦.٢. إنكار أو تضعيف روايات الهجوم والتهديد بالإحراق
اعتبرت التيارات السلفية وبعض المحدّثين المتأخرين الروايات المتعلقة بالتهديد بإحراق البيت والهجوم على بيت فاطمة (عليها السلام) إمّا مخدوشةً من جهة السند، أو طرحت احتمال تدخل الغلاة والمخالفين السياسيين. غير أن وجود مضمون التهديد في آثار مثل تاريخ الطبري والعقد الفريد يمنع الحذف الكامل لهذه الشواهد من صورة التاريخ.
٦.٣. اختزال نزاع فدك في خلاف فقهي
يُختزل جزء مهم من الجهد الدفاعي لأهل السنّة في «الفقهَنة» لقضية فدك. واستناداً إلى حديث «لا نورث؛ ما ترکنا صدقة» الوارد في مصادرهم، يُدّعى أن أبا بكر عمل بتكليفه الشرعي وأبقى فدكاً بوصفها صدقةً عامة، وأن الخلاف مع فاطمة (عليها السلام) نشأ من اختلاف في الاجتهاد.
غير أن هذا التبرير غير كافٍ، بالنظر إلى تسليم فدك سابقاً إلى فاطمة (عليها السلام) في حياة النبي (صلى الله عليه وآله)، ومع لحاظ مقام عصمتها. فضلاً عن ذلك، فإن استمرار الغضب إلى الوفاة، والدفن ليلاً، وخفاء القبر، أمور يصعب جداً التوفيق بينها وبين خلاف فقهي بسيط. بل من الواضح جداً وجود خلاف عميق للغاية، كخلاف نبي الرحمة مع قريش، حيث يبيّن «لکم دینکم و لی دین» عمق هذا الشقاق والخلاف.
٧. عدم الانسجام بين «المودّة المأمور بها» و«السلوك الذي وقع»
وبجمع المطالب المتقدمة، يمكن القول:
٧.١. على مستوى النصوص: القرآن والروايات
يطرح القرآن المحبة والمودّة لذوي القربى بوصفها الأجر الوحيد للرسالة. ويصف النبي (ص) فاطمة (س) في حديث متفق عليه بأنها «بضعة منه»، ويجعل غضبها غضبه. وفي روايات أخرى، يُعَدّ رضا فاطمة (س) رضا الله وغضبها غضب الله.
٧.٢. على مستوى التقارير التاريخية — حتى في مصادر المخالفين:
كانت فاطمة (س) غاضبة على الخليفة الأول، ولم تكلّمه حتى استشهادها. ودُفنت ابنة النبي (ص) ليلاً، وظلّ الخليفة غير عالم بتشييعها. وقبرها مخفي إلى يومنا هذا. وكان البيت الذي كانت تقيم فيه هدفاً، على الأقل على مستوى التهديد، للإحراق. وقد سُجّلت وفاتها في سنّ الشباب، وبعد رحيل النبي بأشهر قليلة، من دون بيان كافٍ لسببها.
تكشف هاتان الطبقتان من المعطيات عن تعارض جاد بين «الواجب القرآني للمودّة» و«السلوك التاريخي الذي وقع». ومن المنظور الشيعي، ينشأ هذا التعارض من إخفاق جزء من الأمة — ومنهم بعض الحكّام الأوائل — في اختبار أجر الرسالة، وأن مظلومية السيدة الزهراء (س) ومرضها واستشهادها ثمرة لهذا الإخفاق. ومن منظور الغالبية من أهل السنّة، فإن الحفاظ على عدالة الصحابة يقتضي تأويل جزء من هذه المعطيات أو تقليله أو إنكاره؛ وهو جهد يواجه، كما رأينا، تحديات منهجية ونصية مهمة.
٨. الخاتمة
أظهرت هذه الدراسة أن:
- ١. إن آية المودّة تحصر أجر الرسالة في المودّة لأهل بيت النبي (ص)، وفي مقدمتهم السيدة فاطمة الزهراء (س).
- ٢. رسمت الروايات المتفق عليها مكانةً خاصة لفاطمة (س)، حتى إن غضبها عُدَّ غضبَ النبي ورضاها رضا الله تعالى.
- ٣. تدل مجموعة من الشواهد في مصادر المخالفين على غضب فاطمة (س) المستمر على الخليفة، ودفنها ليلاً، وخفاء قبرها، والضغوط السياسية التي أعقبت السقيفة؛ وهي أمور لا تنسجم مع مفهوم المودّة والاحترام غير المشروط لأهل البيت.
- ٤. لم تتمكن المحاولات المختلفة لتبرير هذه الأخبار أو تأويلها، سواء بادعاء المصالحة، أو اختزال النزاع في خلاف فقهي، أو إنكار روايات الهجوم، من إزالة هذا التعارض بصورة كاملة.
- ٥. ومن ثمّ، فإن الدراسة العلمية المنصفة لسلوك الأمة التاريخي تجاه السيدة فاطمة (س) ليست مجرد نزاع مذهبي، بل هي فرصة لإعادة قراءة العلاقة بين النص المقدس والتاريخ السياسي والأخلاق الدينية. وفي هذا السياق، يُظهر التفسير الشيعي لـ«أجر الرسالة» و«مودّة القربى» انسجاماً أكبر مع المعطيات التاريخية المتعلقة بمظلومية السيدة الزهراء (س)، ويدعو القارئ إلى التأمل من جديد في الروايات الرسمية عن صدر الإسلام.
المؤلف: حامد صارم
مقالات مشابهة
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد.