هل توفّيت فاطمة (سلام الله عليها) من حزنها على رسول الله، أم من جراح أعدائها؟
المؤلف: حامد صارم

دراسة استدلالية لدعويين حول رحيل السيدة الصدّيقة الطاهرة (عليها السلام): «الوفاة بسبب الحزن» أم «الشهادة نتيجة الهجوم» — بالاستناد إلى الآيات والروايات المعتبرة والنصوص التاريخية
منذ سنوات وهم يحاولون اختزال شهادة فاطمة الزهراء (عليها السلام) في «الموت من الحزن»؛ غير أن المصادر الشيعية والسنية تتحدث عن إسقاط محسن، والضرب والجرح، وكسر الضلع. فإذا كانت كلمة «الوفاة» دليلاً على عدم الشهادة، فلماذا استُعملت الكلمة نفسها في حق حمزة، وجعفر الطيار، والإمام الحسين (عليه السلام) أيضاً؟ والسؤال الرئيس هنا هو: هل ماتت فاطمة (عليها السلام) حزناً على فراق أبيها، أم تحت ضربات المهاجمين؟ إن الجواب عن هذا السؤال ليس مجرد قضية تاريخية، بل هو خط التمييز بين حقيقة الغدير وتحريف السقيفة؛ وكل من يتهرب من مواجهته يقف، من غير قصد، في صف منكري الولاية.
الملخص
إن البحث في كيفية رحيل السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) ليس مجرد مسألة تاريخية، بل هو نقطة محورية في فهم حقيقة الغدير وهوية التشيع. وقد تشكلت عبر التاريخ روايتان رئيسيتان بشأن سبب وفاة السيدة: رواية ترى أن شهادتها كانت نتيجة الضرب والجرح بعد الهجوم على بيت فاطمة (عليها السلام)، ورواية تعزو سبب الوفاة حصراً إلى الغم والحزن الناشئين عن رحيل النبي (صلى الله عليه وآله). وتُظهر هذه الدراسة، من خلال تحليل نقدي للمصادر الشيعية والسنية المعتبرة، أن استعمال كلمة «الوفاة» لا يمكن أن يكون دليلاً على إنكار الشهادة؛ لأن هذه الكلمة استُعملت في القرآن والنصوص الروائية استعمالاً عاماً لكل أنواع الموت، بما فيها الشهادة. كما أن التقارير التاريخية المتعددة عن كسر الضلع، والإسقاط، والإصابات الجسدية التي لحقت بالسيدة الزهراء (عليها السلام)، تمثل شهادة واضحة على الطابع الاستشهادي لرحيلها. وإن الاستناد إلى «الموت من الحزن» مع تجاهل هذه الشواهد هو نوع من الاختزال التحريفي الذي يفضي في النهاية إلى إضعاف رسالة الغدير وتبرئة أحداث السقيفة. وتبيّن هذه المقالة، بمنهج احتجاجي واستدلالي، أن إنكار شهادة السيدة الزهراء (عليها السلام) ليس خطأً تاريخياً بسيطاً، بل هو إنكار لجزء أساسي من الهوية العقدية للإسلام الأصيل.
الكلمات المفتاحية
استشهاد السيدة فاطمة (عليها السلام)، السقيفة، الغدير، الضرب والجرح، إسقاط المحسن (عليه السلام)، الهجوم على بيت فاطمة، الوفاة أم الشهادة، تحريف التاريخ الإسلامي، الاحتجاج، المصادر الشيعية والسنية، العصمة، الولاية، تاريخ صدر الإسلام، الأدب الفاطمي.
المقدمة
إن مسألة كيفية رحيل السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) ليست مجرد قضية تاريخية محدودة بمرحلة زمنية معيّنة؛ بل هي إحدى أعقد النقاط وأكثرها جوهرية في تاريخ الإسلام، وترتبط ارتباطاً مباشراً بمسألة الولاية، والغدير، والشرعية السياسية بعد النبي (صلى الله عليه وآله)، وصياغة الهوية الشيعية. والاختلاف بين الروايتين الرئيسيتين ــ «الشهادة نتيجة الضرب والجرح بعد الهجوم على بيت فاطمة (عليها السلام)» في مقابل «الرحيل بسبب الحزن على فقد النبي (صلى الله عليه وآله)» ــ ليس اختلافاً جزئياً، بل نزاع حول حقيقة التاريخ وأصالة المرجعية الدينية.
وعلى مرّ التاريخ، سعت جماعات، عبر إبراز لفظ «الوفاة» ونسبة رحيلها إلى «الغم والحزن»، إلى التقليل من حقيقة استشهاد فاطمة الزهراء (عليها السلام) والابتعاد عن الرسالة السياسية والعقدية والإلهية لهذا الحدث. في حين أن مصادر شيعية وسنية متعددة ذكرت صراحةً الضرب على الجنب، وكسر الضلع، وإسقاط المحسن (عليه السلام)، والأضرار الجسدية بوصفها السبب الرئيس لرحيل تلك السيدة. والسؤال الرئيس لهذا البحث هو: هل تتوافق الشواهد التاريخية المتاحة أكثر مع رواية «الموت من الحزن» أم مع «الشهادة نتيجة الجراحات»؟
تكمن أهمية تناول هذا الموضوع في أن التصور لكيفية رحيل السيدة الزهراء (عليها السلام) يؤثر مباشرةً في فهمنا للغدير، وشرعية الخلافة، ومكانة الإمام علي (عليه السلام). وإنكار استشهاد تلك السيدة يفضي عملياً إلى إنكار الظلم الذي وقع بعد النبي (صلى الله عليه وآله)، ومن ثم إلى إضعاف أصل الإمامة والولاية. ومن هنا، فإن إعادة قراءة هذه المسألة ليست بحثاً تاريخياً محضاً، بل هي دفاع علمي واحتجاجي عن حقيقة الإسلام الولائي.
يعتمد منهج هذا البحث على التحليل المقارن للمصادر الشيعية والسنية المعتبرة، والتقييم الدلالي التطبيقي لألفاظ من قبيل «الوفاة» و«الشهادة»، والفحص التوثيقي للتقارير المباشرة المتعلقة بالإصابات الجسدية للسيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام). وفي ضوء هذا البحث، سيتضح أن اختزال رحيلها في «الموت الطبيعي» أو «الوفاة من الغصّة» ــ على خلاف مظهره العلمي ــ ليس إلا إعادة إنتاج لقراءة محرّفة لتاريخ صدر الإسلام.
تسعى هذه المقالة، من خلال منهجٍ استدلاليٍّ موثَّق، إلى نقد الشبهات المذكورة نقداً علمياً، وإيضاح الحقيقة التاريخية لاستشهاد السيدة فاطمة (عليها السلام) استناداً إلى المصادر المعتبرة، وإثبات أن الجدل حول «الوفاة أم الشهادة» هو جدل حول جوهر الإسلام نفسه؛ كما أن إنكار استشهاد تلك السيدة ينتهي، في المحصلة، إلى إنكار الغدير وإنكار الإسلام كله.
بحث «العلّة الرئيسية» لاستشهاد السيدة فاطمة (عليها السلام)
في ضوء الوثائق الكثيرة الواردة في المصادر الشيعية والسنية بشأن استشهاد أعظم مظلومة في التاريخ، السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام)، فإن حصر سبب وفاتها في الآلام الروحية الناجمة عن رحيل رسول الله (صلى الله عليه وآله) ليس تحليلاً ناقصاً فحسب، بل هو أيضاً تحريف خطير لحقيقة تاريخية عظيمة. والسؤال المحوري في هذه الدراسة هو: هل توفيت السيدة الزهراء (عليها السلام) لمجرد ألم فراق رسول الله (صلى الله عليه وآله)، أم أن شدة الإصابات التي لحقت بجسدها كانت العلة الرئيسية لاستشهادها؟
تتناول هذه المقالة، بعد بيان المقام الوجودي للسيدة الزهراء (عليها السلام) وإظهار حساسية مسألة استشهادها، شبهتين رئيسيتين بشأن «وفاتها» أو «استشهادها»: ١. شبهة استعمال لفظ «الوفاة» بدلاً من «الشهادة» في بعض المصادر، ٢. شبهة حصر سبب رحيل السيدة في الحزن والأسى على وفاة النبي (صلى الله عليه وآله).
ويثبت الكاتب، بالاستناد إلى آيات القرآن والروايات المعتبرة والتقارير التاريخية المتعددة، أولاً أن لفظ «الوفاة» في القرآن والنصوص الحديثية أعم من الموت الطبيعي والشهادة، وثانياً أن الضرب والإصابات الناجمة عن الهجوم على بيت فاطمة (عليها السلام) كانت، وفقاً لشواهد متعددة، العلّة الرئيسية لاستشهاد تلك السيدة، لا مجرد الحزن على فراق رسول الله (صلى الله عليه وآله).
١. المقام الوجودي للسيدة الزهراء (عليها السلام) وأهمية مسألة استشهادها
السيدة فاطمة الزهراء (ع)، بنصّ الروايات المعتبرة، هي سيدة نساء العالمين (١)، وتتمتع بمقام العصمة؛ وقد نزلت الآية الشريفة في التطهير: «اِنَّما یُریدُ اللهُ لِیُذهِبَ عَنکُمُ الرِّجسَ اَهْلَ البَیتِ وَ یُطَهِّرَکُمْ تَطهیراً» في شأنها وسائر أهل البيت (ع). وإن احترام تلك السيدة وعظمتها لا يرجعان فحسب إلى انتسابها النسبي إلى النبي الأكرم للإسلام (ص)؛ وإن كان هذا الانتساب في ذاته شرفاً عظيماً، إلا أن الروايات الكثيرة الواردة في شأن السيدة الزهراء (ع) تجعل مكانتها في الأمة الإسلامية، بوصفها معياراً إلهياً للحق والباطل، أكثر حساسية وحسماً.
يقول النبي الأكرم (ص) في شأن هذه السيدة المكرّمة: «اِنَّ اللهَ یَرْضی لِرِضاها وَ یَغْضَبُ لِغَضَبِها» (٢)، ويقول في رواية أخرى: «فاطِمَةُ بَضعَةٌ مِنّی، مَنْ آذاها فَقَدْ آذانی...» (٣)
إذا كان رضا فاطمة، استناداً إلى هذه الروايات، رضا الله، وكان غضبها غضب الله، فإن هذا السؤال الجوهري والمزلزل يطرح نفسه منطقياً:
إذا كان غضب فاطمة (ع) هو عين غضب الله تعالى، ففي أيّ مرتبة من الغضب الإلهي سيكون قتلة السيدة الزهراء (ع)؟
ومن جهة أخرى، لما كان إيذاء فاطمة الزهراء (ع)، بنصّ النبي (ص)، إيذاءً لرسول الله نفسه، وكان غضبها غضباً إلهياً، فلا بد من تقييم منزلة الذين كان لهم دور في إيذائها وضربها وجرحها على أساس الآية الصريحة من القرآن؛ حيث يقول الله تعالى: «اِنَّ الَّذینَ یُؤذونَ اللهَ وَ رَسولَهُ لَعَنَهُمُ اللهُ فِی الدُّنْیا وَ الآخِرَةِ وَ اَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً مُهیناً» (٤)
وعليه، فإن مسألة شهادة السيدة الزهراء (ع) ليست مجرد قضية تاريخية بسيطة؛ بل هي معيار مهم لقياس موقف الإنسان من الله ورسوله. ومن هنا تكتسب شهادة فاطمة الزهراء (ع) أهمية خاصة في التاريخ الإسلامي، ومن الطبيعي أن الذين تكشف شهادة تلك السيدة بطلان مبانيهم وأفكارهم قد سعوا عبر التاريخ إلى إنكار هذه الحقيقة أو التقليل من شأنها.
٢. ماهية الشبهات وأساليب إنكار الشهادة
تسعى جماعةٌ، من خلال إثارة شبهات متنوّعة، إلى محو هذه الحقيقة العظيمة من أذهان المسلمين وضمائرهم. ومن الواضح أنّ التشكيك في عقيدة عاش الشيعة معها قروناً وشكّلوا هويتهم على أساسها لا يمكن أن يتمّ بشبهة سطحية ومباشرة؛ ولذلك تُصاغ هذه الشبهات وتُطرح بأسلوب ماكر ومعقّد.
ويؤكّد الكاتب، بحقّ، أنّ:
«كلّما صيغت الشبهات بقدر أكبر من اللطافة، كانت أشدّ خداعاً وخطورةً.»
وهذه الشبهات أصعب اكتشافاً واستخراجاً، كما أنّ الردّ عليها أشدّ صعوبةً بالنسبة إلى عموم الناس. وأكثر الشبهات تعقيداً هي تلك التي تُطرح في قالب البحث والتحقيق العلمي، ويتحدّث مصمّموها من موقع «الباحث الفضولي»؛ وكأنّهم يسعون إلى اكتشاف الحقيقة، بينما تكون الحقيقة هي المستهدفة في المستوى الكامن.
وقد قيل بحقّ في وصف هذا الصنف من الشبهات: «إنّ هذه الشبهات لا تلجأ أبداً إلى إنكار حقيقة تاريخية بصورة مباشرة؛ بل إنّ الحيلة الرئيسة في صياغتها هي إغراق القارئ في التردّد والدهشة. وما ينشأ بعد قراءة هذا النوع من الشبهات موجةٌ من الشكّ والإبهام والاستغراب، تدفع القارئ في النهاية، من حيث لا يشعر، نحو الإنكار؛ إنكارٍ يخدش الروح، ولعلّه لا يجري على اللسان أبداً.» (٥)
وفيما يلي، وعلى سبيل المثال، يُنقل ويُنقَد أحد هذه التشكيكات، الذي طُرح في العدد ٦٦٨ من صحيفة «آفتاب» بشأن سبب وفاة السيدة فاطمة (ع).
٣. عرض الشبهة: «الوفاة» في مقابل «الشهادة» و«الموت من الحزن»
يدّعي ذلك المقال، في معرض الإجابة عن سبب وفاة السيدة فاطمة (ع)، ما يلي:
فيما يتعلق بوفاة السيدة فاطمة (ع)، استُعملت كلمة «وفاة» في المصادر المتقدمة والمتأخرة، ومنها مناقب ابن شهرآشوب، وروضة الواعظين لابن فتال النيشابوري، ومنتهى الآمال للمحدّث القمي، وأعيان الشيعة للسيد محسن أمين العاملي، وكثير من المصادر الأخرى. ووفقاً لما ورد في هذه المصادر، فإن السيدة فاطمة (ع) بعد رحيل رسول الله (ص) حزنت إلى حدّ أنها كانت تبكي ليلاً ونهاراً، وأصابها لوعة شديدة، فهزلت ونحلت، ثم رحلت بعد مدة بسبب المرض. وفي بعض الكتب، عُدّت أيضاً المتاعب الناشئة عن المشاجرات والصراعات التي أعقبت وفاة رسول الله (ص) عاملاً إضافياً. ثم يُستنتج أنه لا يمكن عدّ كل ما يُنقل اليوم عن شهادة السيدة متواتراً ومجمعاً عليه، ويُقال في النهاية: إن شهادة السيدة فاطمة (ع) أو وفاتها مسألة تاريخية، وإن كبار الشيعة الذين سجلوا رحيلها بلفظ «وفاة» لم يكونوا من السنّة.
يفترض هذا المقال أن لفظ «الوفاة» في حق السيدة فاطمة (ع) مرادف لـ«عدم الشهادة»، ويسعى كاتبه إلى الإيحاء بأن المراد من استعمال هذا اللفظ، حيثما ورد، هو الموت الطبيعي غير الاستشهادي. وإضافة إلى ذلك، يحصر سبب رحيل السيدة في الأحزان الناشئة عن فقد رسول الله (ص) والأسى الشديد الناتج عن وفاته؛ ومن خلال المبالغة في تصوير هذا الحزن، يُقدَّم «الحزن والأسى وحدهما» سبباً لرحيل فاطمة (ع). ويبحث النص الحاضر، بإيجاز وبأسلوب استدلالي في الوقت نفسه، الشبهتين الرئيسيتين في هذا المقال:
- ١. شبهة استعمال «الوفاة» بدلاً من «الشهادة»؛ ٢. شبهة حصر سبب الرحيل في الآلام الروحية والحزن على فقد النبي (ص).
٤. الشبهة الأولى: استعمال لفظ «الوفاة» بدلًا من «الشهادة»
بشيءٍ من التأمل في لفظ «الوفاة» والتدقيق في استعماله القرآني، تتضح المغالطة المستخدمة في هذه الشبهة. فقد استُعمل لفظ «الوفاة» في القرآن للموت على إطلاقه: «اللهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا» (٦).
وبالنظر إلى أن استعمال لفظ «الوفاة» في القرآن أعمّ من الموت الطبيعي والشهادة، يتضح أنه لا يوجد أي تعارض بين شهادة السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) واستعمال لفظ «الوفاة» بشأنها؛ لأن «الوفاة» تشمل كل أنواع الموت ولا تنفي الشهادة.
واستعمال هذه الكلمة في كتب كبار علماء الشيعة من المتقدمين والمتأخرين هو كذلك بهذا المعنى العام، ولم يكن مراد العلماء الشيعة من استعمال لفظ «الوفاة» قطّ إنكار شهادة السيدة الصدّيقة الكبرى (عليها السلام)؛ ولا سيما أن لفظ «الوفاة» قد استُخدم أيضًا في حق أشخاص ثبتت شهادتهم يقينًا في ساحة القتال أو بسبب الاغتيال أو التسميم.
على سبيل المثال:
- ينقل الشيخ الصدوق (المتوفى سنة ٣٨١ هـ) (٧) روايةً بشأن جعفر الطيار وزيد بن حارثة بهذا المضمون: «اِنَّ النَّبيَّ (ص) حينَ جاءَتهُ وَفاةُ جَعْفَرِ بنِ أَبيطالبٍ وَ زَيدِ بنِ حارثةَ، كانَ اِذا دَخَلَ بَيتَهُ كَثُرَ بُكاؤُهُ عَلَيهِما جِدّاً...» (٨). أي: حينما بلغ رسولَ الله (ص) خبرُ «وفاة» جعفر بن أبي طالب (الطيار) وزيد بن حارثة، كان بكاؤه عليهما يشتد كلما دخل منزله. ومن الواضح أن جعفر الطيار وزيد بن حارثة استشهدا في ميدان القتال. وينقل ابن شهرآشوب (المتوفى سنة ٥٨٨ هـ) بشأن تاريخ ولادة الإمام السجاد (عليه السلام): «قَبْلَ وَفاةِ أَميرِالمؤمنينَ بِسَنَتَينِ...» (٩)، مع أن وفاة أمير المؤمنين (عليه السلام) في متن التاريخ مقترنة بالشهادة يقينًا. ويكتب الطبرسي (المتوفى في القرن السادس الهجري)، في إشارته إلى أداء محمد بن الحنفية بعد شهادة الإمام الحسين (عليه السلام): «بَعْدَ وَفاةِ أَخيهِ الحُسَينِ صَلَواتُ اللهِ عَلَيهِ...» (١٠)، مع أن شهادة الإمام الحسين (عليه السلام) من أوضح حوادث التاريخ الإسلامي وأثبتها.
وفي مصادر أهل السنّة أيضاً، استُعملت كلمة «الوفاة» في حقّ شهيدين عظيمين من صدر الإسلام، وهما حمزة (١١) وجعفر الطيّار (١٢). فهل مجرّد استعمال كلمة «الوفاة» بشأن الإمام الحسين (ع) وأمير المؤمنين (ع) يجيز لنا أن نقول إنّ هذين الإمامين العظيمين لم يُستشهدا، بل ماتا موتاً طبيعياً؟ وإذا قُبل هذا المنطق، للزم في حادثة عاشوراء أيضاً أن نشكّ في أصل الشهادة لمجرّد استعمال كلمة «الوفاة»! وهذا بنفسه يدلّ على بطلان أساس استدلال ذلك الكاتب.
ومع أنّ المحدّث القمّي استعمل في كتاب «منتهى الآمال» كلمة «الوفاة» بشأن السيّدة الصدّيقة الكبرى (س)، فإنه يستخدم في كتابه الآخر المسمّى «بيت الأحزان» تعبيراً صريحاً في حقّ السيدة نفسها: «الشَّهيدَةُ المَظلُومَةُ المَقهُورَةُ...» (١٣). ولذلك، فإنّ الذين استعملوا كلمة «الوفاة» أنفسهم لم ينكروا قطّ شهادة تلك السيدة.
والنماذج والشواهد الكاشفة عن هذه المغالطة كثيرة؛ ولكن يُكتفى بهذا المقدار مراعاةً للاختصار. وخلاصة هذا القسم هي أنّ استعمال كلمة «الوفاة» لا في القرآن ولا في النصوص الحديثية والتاريخية يعني نفي الشهادة، وأنّ الاستناد إلى هذه الكلمة لإنكار شهادة السيدة الزهراء (س) مغالطة لغوية واضحة.
٥. الشبهة الثانية: حصر علّة الرحيل في الآلام الروحية الناشئة عن وفاة النبيّ (ص)
والشبهة الثانية في ذلك المقال هي أنّ السبب الرئيس لوفاة السيدة الزهراء (س) كان حصراً الأحزان الناشئة عن فقد رسول الله (ص) والأسى الشديد بعد رحيله، وأنّ الحديث عن الضرب والجرح والهجوم على بيت فاطمة (س) إمّا لا أساس له، أو ليس متواتراً ولا محلّ إجماع، على الأقل.
وفي الجواب يُقال: لا أحد ينكر حزن السيّدة الصدّيقة الكبرى (س) العميق وأسَاها على وفاة أبيها العظيم. ولا ريب أنّ هذا الحزن كان متجذّراً وعميقاً في نفس تلك السيدة. لكنّ موضع النزاع هو المبالغة المفرطة في تضخيم هذا الحزن، بحيث يُتصوَّر أنّ العلّة الحصرية لاستشهاد تلك السيدة العظيمة ليست إلا «الحزن والأسى»، ويُتغاضى عن دور العوامل الأخرى، ولا سيّما الضرب والجرح اللذين وقعا بعد السقيفة.
مع التسليم بالتأثير العميق لحزن الصدّيقة الطاهرة (عليها السلام) الذي لا ينتهي على فقد رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ينبغي، استناداً إلى الشواهد التاريخية، التأكيد على دور عوامل أخرى بالغة الأهمية في رحيل السيدة فاطمة (عليها السلام). ومن الضروري التذكير بأنه لا يظهر في صفحات التاريخ أيّ أثر لضعف جسدي لدى السيدة فاطمة (عليها السلام) قبل أحداث السنة الحادية عشرة للهجرة (١٤). وعلى خلاف ما ظنّه بعضهم (١٥)، تدلّ النصوص التاريخية على قوة السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) الجسدية (١٦)، وإن قيل: «كانت فاطمة صغيرة الجسم ونحيلة...» (١٧). ومن ثمّ، فإن تصوير امرأة ضعيفة وهزيلة في أصل خلقتها تنهار لأدنى حزن لا يمثّل الواقع التاريخي تمثيلاً صحيحاً.
٦. المصادر المصرّحة باستشهاد السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام)
بعد نقد الشبهتين المذكورتين، ينتقل النص إلى بعض المصادر التي تؤكد صراحةً استشهاد السيدة فاطمة (عليها السلام)، وتبيّن أن الضرب والإيذاء الناجمين عن الهجوم على منزلها كانا المقدمة المباشرة لرحيلها.
ينقل القاضي النعمان المغربي (المتوفى ٣٦٣ ق) عن الإمام جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام)، عن أبيه، أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أخبر فاطمة (عليها السلام) سراً بأنها أول من يلحق به من أهل بيته (١٨). وبعد رحيل رسول الله (صلى الله عليه وآله) وما أصاب تلك السيدة من أذى على يد الجماعة، لزمت فراشها، فضعف بدنها، وذاب لحمها، وصارت كالخيال: «وَ نَحَلَ جِسْمُها وَ ذابَ لَحْمُها وَ صارَتْ کَالْخَیالِ.» (١٩) ويصرّح الشيخ الطوسي (المتوفى ٤٦٠ ق): «... والمشهور الذي لا خلاف فيه بين الشيعة هو أن عمر ضرب بطن تلك السيدة ضربةً أسقطت جنينها...» (٢٠). ويكتب العلامة الحلي (المتوفى ٧٢٦ ق): «وَ ضُرِبَتْ فاطِمَةُ علیهاالسّلام فَأَلْقَتْ جَنیناً اُسْمُهُ مُحْسِنٌ...» (٢١)، أي إن فاطمة (عليها السلام) تعرّضت للضرب، فأسقطت نتيجةً لذلك جنيناً اسمه محسن.
تُظهر هذه التصريحات أن الضرب والإيذاء الجسديين حقيقة جديّة في قضية رحيل السيدة فاطمة (عليها السلام)، وليسا أمراً هامشياً أو شيئاً أضافه المتأخرون فحسب.
٧. تبيين «العلة الرئيسية» لرحيل السيدة فاطمة (عليها السلام)
استنادًا إلى مجموع الشواهد المنقولة، يمكن القول إن السيدة فاطمة (ع) تحمّلت، في سبيل الدفاع عن أمير المؤمنين علي (ع)، آلامًا نفسية عميقة، ولا سيما إصابات جسدية شديدة؛ وأن السبب الرئيس لرحيلها كان الضرب والجرح الناتجين عن هجوم أنصار الخليفة على «بيت فاطمة (ع)»، لا مجرد الحزن لفراق النبي (ص).
يروي الطبري الإمامي (المتوفى في القرن الخامس الهجري) عن أبي بصير، عن الإمام الصادق (ع): «إن سبب وفاة تلك السيدة أن قنفذًا ـ غلام عمر ـ ضربها بأمره ضربة شديدة بنعل السيف (وهو الحديد الموضوع في نهاية غمد السيف)، حتى أسقطت المحسن، ومنذ ذلك الحين أصابها مرض شديد...» (٢٢)
يكتب الكفعمي (المتوفى سنة ٩٠٥ هـ): «إن سبب وفاة تلك السيدة أنها ضُربت، وعُصرت، وأسقطت جنينها». (٢٣)
ينقل الطبرسي (المتوفى في القرن السادس الهجري): «وقفت فاطمة (ع) عند الباب حائلًا بين زوجها وبينهم (المهاجمين). فضرب قنفذ ذراع تلك السيدة بالسوط، فبقي أثره على عضدها كالسوار. وأرسل أبو بكر إلى قنفذ: اضربها! ثم ألقوا تلك السيدة في ناحية من بيتها، فكُسر ضلع من جنبها، وأسقطت جنينًا من بطنها. ثم ظلت طريحة الفراش حتى مضت شهيدة بسبب تلك اللطمات نفسها...» (٢٤)
تقدّم هذه الشهادات مجتمعةً صورة واضحة عن «السبب الرئيس» لرحيل تلك السيدة المظلومة: الاستشهاد إثر الضرب والجرح وإسقاط الجنين، خلال الهجوم على بيت الوحي.
٨ . الخاتمة: إنكار الشهادة وتحريف الغدير والإسلام
في ضوء الوثائق المعتبرة والأدلة الكثيرة المتوافرة بشأن استشهاد تلك المظلومة الكبرى في التاريخ، فإن حصر سبب وفاة السيدة فاطمة الزهراء (ع) في المعاناة والآلام الروحية الناشئة عن رحيل رسول الله (ص) ظلمٌ عظيم وذنبٌ لا يُغتفر في حق تلك السيدة الجليلة. وهذا الاختزال صورة أخرى من تحريف التاريخ وقلب موضع الجلاد والشهيد.
ولا مبالغة إذا قلنا إن إنكار هذا الاستشهاد المفجع هو في ذاته ظلم عظيم لتلك السيدة المظلومة. فإن إنكار استشهاد السيدة فاطمة الزهراء (ع) كإنكار الغدير، وإنكار الغدير يعني إنكار الإسلام كله؛ لأن الغدير كان يوم إكمال الدين وإتمام النعمة، وكانت السيدة فاطمة الزهراء (ع) هي التي واجهت الجهاز الحاكم صونًا لرسالة الغدير، لا طلبًا لمنافع شخصية. وكان همّ تلك السيدة الكريمة هو الدوس على رسالة الغدير؛ ذلك الغدير الذي لولاه لما اكتملت رسالة الله في الأرض.
وبعبارة أخرى، فإن إنكار استشهاد تلك المظلومة هو إنكار للغدير؛ وإنكار الغدير إنكار لحقيقة الولاية وجوهر الإسلام. ولا ريب أن استشهاد سيدة نساء العالمين غريبةً من أهم الأسباب التي تجعل صوت رسول الله (ص) لا يزال يتردد في أذن التاريخ إلى اليوم: «مَنْ کُنتُ مَولاهُ فَهذا علیٌّ مَولاه.»
هذه الحقيقة ليست مجرد مسألة تاريخية، بل هي معيار لموقف الإنسان الإيماني من الولاية والهداية الإلهية.
الكلمة الأخيرة:
أظهرت دراسة الأدلة التاريخية والروائية والتحليلية في هذا البحث أن اختزال رحيل السيدة فاطمة الزهراء (ع) في «الموت الناجم عن الحزن لفقد النبي (ص)» هو فهم اختزالي مخالف للواقع، ولا ينسجم لا مع المصادر الشيعية المعتبرة فحسب، بل مع تقارير أهل السنة المتعددة أيضًا. كما كشف التحليل الدقيق لكلمة «وفات» في النصوص الدينية أن هذا المصطلح في القرآن والحديث يشمل الموت الطبيعي والاستشهاد معًا، ولا ينفي الاستشهاد أبدًا؛ إذ استُعملت كلمة «وفات» كذلك في حق كثير من شهداء التاريخ الإسلامي المقطوع باستشهادهم.
في المقابل، تؤكد مجموعة من الروايات المعتبرة، والنقول التاريخية المبكرة، والتصريحات الصريحة لكبار العلماء، بوضوح هذه الحقيقة، وهي أن السيدة فاطمة الزهراء (ع) تعرّضت، في أثناء الهجوم على بيتها ودفاعها عن الولاية، لضربٍ وإصاباتٍ شديدة، وفقدت جنينها، واستشهدت نتيجة هذه الجراح نفسها. وإنكار هذه الحقيقة التاريخية ليس خطأً منهجيًا أو اختلافًا علميًا في الرأي، بل هو تحريف واعٍ لتاريخ صدر الإسلام، ونتيجته المباشرة تبرئة المتسببين في الهجوم على بيت الوحي ومحو صورة الظلم من المشهد الذي أعقب النبي (ص).
وتخلص هذه الدراسة إلى أن السبب الرئيس لرحيل السيدة فاطمة الزهراء (ع) كان الجراح الجسدية الناجمة عن الهجوم والضرب، لا مجرد الآلام الروحية الناشئة عن الحزن لفقد النبي (ص). وهذه النتيجة لا تبيّن حدثًا تاريخيًا فحسب؛ بل ترسم حدًا عقديًا وحضاريًا بين قراءتين للإسلام: إسلامٍ انتهى في غدير خم إلى الولاية، وإسلامٍ فصلت السقيفة مساره عن طريق الهداية.
وعليه، فإن مسألة استشهاد السيدة فاطمة الزهراء (ع) معيارٌ لتمييز الحق من الباطل في تاريخ الإسلام؛ كما أن إنكارها مقدمة لإنكار الغدير والإمامة، وفي نهاية المطاف حقيقة الإسلام الولائي. والدفاع عن استشهاد تلك السيدة المظلومة ليس مجرد دفاع عن واقعة تاريخية؛ بل هو دفاع عن العدالة والرسالة والولاية والجوهر الأصيل للدين؛ دينٍ يصرخ بوضوح:
«مَنْ آذى فاطِمَةَ فَقَدْ آذاني، وَمَنْ آذاني فَقَدْ آذَى اللهَ.»
واليوم، بعد أربعة عشر قرنًا، لا يزال هذا السؤال قائمًا:
إذا كان غضب فاطمة غضبَ الله، ففي أيّ مقام يقف قتلة فاطمة؟
الهوامش:
- الكافي، ج١، ص٤٥٨. بحار الأنوار، ج٢٧، ص٦٢. المصدر نفسه. الأحزاب، ٥٧. به رنگ خون، علي لباف. الزمر، ٤٢. المتوفّى سنة ٣٨١هـ. من لا يحضره الفقيه، الحديث ٥٢٧. المتوفّى سنة ٥٨٨هـ، مناقب آل أبي طالب، ج٤، ص١٧٥، مؤسسة انتشارات العلّامة، قم. الاحتجاج، ج٢، ص٢٧٣. العاصمي الشافعي، ت ١١١١هـ، سمط النجوم العوالي، ج١، ص٤٢٦، دار الكتب العلمية. ابن أبي شيبة، ت ٢٣٥هـ، المصنّف، ج٣، ص٦٢ وج٧، ص٤١٤، مكتبة الرشد. بيت الأحزان، ص٣. عباس محمود العقاد، فاطمة الزهراء والفاطميون، الطبعة الثانية، ص٦٨. الدكتور علي شريعتي، فاطمة هي فاطمة، ص١١٧؛ «كانت فاطمة في الأصل ضعيفة البنية». السيد محسن الأمين، أعيان الشيعة، ج١، ص٣٠٧، نقلاً عن مستدرك الحاكم النيسابوري. أيوب گنجي، فاطمة الزهراء تدافع عن نفسها، ص٣٦. تنبيه: ذهب بعض الكتّاب، بالاستناد إلى «الحتمية الجبرية» في الفكر السني، إلى أن سبب الوفاة المبكرة للسيدة الزهراء (ع) لم يكن إلا «تحقق نبوءة النبي»؛ وينبغي البحث عن الدافع إلى تدوين هذه الروايات لدى أنصار مدرسة الخلفاء (ومنهم عائشة) في هذه النقطة نفسها. دعائم الإسلام، ج١، ص٢٣٢. تلخيص الشافي، ج٣، ص١٥٦. شرح التجريد، ص٣٧٦. دلائل الإمامة، ص٤٥، الطبعة الجديدة: ص١٣٤. مصباح، ص٥٢٢. الاحتجاج، ج١، ص٨٣.
المؤلف: حامد صارم
مقالات مشابهة
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد.