23 بهمن 1393 ه.شالنبي الأعظم صلى الله عليه وآله
المولود الذي تفتح بسجدته أبواب الجنة يوم القيامة

إنّ الله تعالى قد أتاح للبشرية، بكرمٍ منه، أرفع مخلوقاته وأقدسهم: ذلك الذي امتاز بين جميع المخلوقات، وفاق جميع الأنبياء، وكان، في كلمةٍ جامعة، أشرف الأنبياء الكرام. ولا شكّ في أنّ وجود النبي في هذا العالم الترابي هو الرحمة الإلهية للحق سبحانه وتعالى في هذا العالم السفلي.
لا شكّ أنّه لولا محمد المصطفى صلى الله عليه وآله لما استطاع أيّ بشر أن يجد تفسيرًا لـ«الرحمن» و«الرحيم». نعم، إنه التفسير التكويني لقوله: «رحمته وسعت فی کل شیء»؛ لأنه تجلّي الرحمة الإلهية، وهو معلّم التوحيد للبشرية.
والنبي هو الذي تعلّم منه الأنبياء التوحيد في عالم الأرواح، وتعلّم الأصفياء التوحيد من وصيّه، وفتحت الملائكة أفواهها بالتهليل والتكبير بتعليم النور. ومع كلّ هذه العظمة والجلالة ورفعة المقام، كان «حريصًا». كان حريصًا على هداية الضالين، حريصًا على إغاثة البائسين والمساكين، وحريصًا على أن ينير ظلمات هذا العالم السفلي بالنور الإلهي؛ لأن خالقه هو نور السماوات والأرض، وأهل بيته الطاهرون المعصومون كمثل النور الإلهي.
نعم، كان ضلال الخلائق وانحرافها وظلمتها شديدًا عليه؛ ومن هنا كان «حریص علیکم» و«بالمومنین رئوف رحیم». فماذا يمكن أن يقال في وصفه؟ إنه الذي أثنى الله عليه في كتاب هدايته ورفع ذكره: «و رفعنا لک ذکرک».
ولادة النبي
هو الذي كانت خلقته من نور عظمة الله، وبكلام الله تعالى وطئت أنوار وجوده ساحة الوجود. وانتقل نوره من صلب آدم، ظهرًا بعد ظهر، بين الموحّدين وأولياء الله، وها هو الآن، في هيئته البشرية، يريد أن يطأ ساحة الوجود. وهذه الشخصية، التي هي معلّم التوحيد للعالمين، دخلت إلى الوجود بمراسم خاصة.
في فجر السابع عشر من ربيع الأول، أشرق مصلّى بيت آمنة بإشراقة عجيبة ببركة وجود الإنسان الكامل. وقد تزامنت ولادة النبي الأكرم (ص) مع وقوع أحداث عظيمة، لكي يدرك عالم البشرية الصامت والضمائر الغافلة ظهورَ مثل هذا الحدث المهم. ففي تلك الليلة المرصعة بالنجوم، انهارت أربع عشرة شرفة من قصر أنوشيروان، وخمد معبد النار الفارسي الذي ظلّ مشتعلاً ألف سنة، وأخذت بحيرة ساوة تجفّ في أعقاب ذلك.
نعم، مع وجود النبي ينبغي أن تزول أقواس الكِبر والغرور، وأن يضع الجميع جباههم ساجدين خضوعاً لله تعالى. وينبغي أن تخمد نيران عبادة الخرافة والنزعة الباستانية الجاهلية؛ إذ جاء نور من عند الرب، ولا بقاء للنار في مواجهة النور. كما ينبغي أن تجفّ بحيرات الأفكار الجاهلية الموحلة، وأن تتجذّر بدلاً منها مكارم الأخلاق في قلوب البشر؛ وهو أمر سيتحقق بنهضة آخر الباقين من عترته الطاهرة، الإمام المهدي عليه السلام.
النبي بشر، لكنه معصوم من الذنب
نعم، لقد وطئت قدماه هذا العالم، لا على هيئة خلق نوراني بل في كسوة بشرية، لكنه جاء منزهاً عن ألوان النسيان البشري. دخل هذا العالم في ظاهر البشر، لكنه مطهّر من الذنوب. فإذا نظرت إليه لم ترَ في ظاهره إلا البشرية؛ لأنه أيضاً «یمشی فی الاسواق»، غير أن الله أراد أن يكون هو وابنته وصهره وسبطاه طاهرين مطهّرين من كل دنس وقذارة ورجس في هذه الدنيا، إذ يقول: «انما یرید الله لیذهب عنکم الرجس اهل البیت و یطهرکم تطهیرا».
ولا ينبغي لرفعة مقامه وعلو منزلته أن توهم أنه «رب». بل إنه، بلسان ربه، يقول لطالبي الهداية: «قل انما انا بشر مثلکم ...»؛ قل: إنما أنا بشر مثلكم. ولكن، أحقاً النبي بشر مثل «نا»؟ «نحن» الذين نعاني من «الأنا»؟ كيف يكون شخص أسوة حسنة—«فی رسول الله اسوه حسنه»—وهو مبتلى بالأنا؟ وهل هو أيضاً خاضع لهوى نفسه؟ وهل يعقل أن يكون الإنسان قدوة، ثم يشبه أولئك الذين ظلوا سنين يخضعون ويخشعون أمام الأصنام؟
نعم، لا يقبل العقل ذلك ولا يرضاه الوجدان، بل إن الله سبحانه لا يقبله أيضاً؛ وإنما يقول: «انما انا بشر مثلکم یوحی الی ...». أنا بشر مثلكم، لكن ثمة فرقاً واحداً: «یوحی الی»؛ يوحى إليّ.
لذلك تجيب الآية الكريمة عن جميع هذه الأسئلة: فهو ليس مثلكم في كل شيء. إنه نبي يقف في منزلة سامية من المعرفة والعرفان بالله تعالى، وقد جعله ربّه حاملاً للوحي. فلتُكسر الأقلام التي تصوّر النبي، من خلال نظرة ناقصة إلى آيات القرآن، رجلاً أسيراً للذنب والشهوات.
كل أقوال النبي حق
لقد قدّم الله تعالى أسمى ثناءٍ على نبيّه، وخاطب حبيبه قائلاً: «و ما ودعک ربک و ما قلی»؛ أي: إن ربك لم يتركك قط، ولم يغضب عليك قط. ومن هنا يؤكد الله أن جميع أقوال النبي وأفعاله عين الحق، وليست صادرة عن غضب أو عن باعث بشري.
نعم، إن النبي هو ذلك الشخص الذي ستُفتح له أبواب الجنة عند سجوده يوم القيامة، وسيقوم وصيّه بقسمة الجنة والنار، وستشفع فاطمة ابنته لشيعة أبيها ومحبّي وصيّه، فتقودهم نحو الجنة.
المؤلف: حامد صارم
مقالات مشابهة
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد.