تشييد المطاعن: تحليل علمي في ردّ دعوى مشروعية الخلفاء الأوائل (١٤) — القتيل المستند إلى القرآن؛ القاتل المتعطش للسلطة والمنغمس في الشهوات
المؤلف: حامد صارم
«قتيلٌ مستندٌ إلى القرآن ومُثبِتٌ للمقام النبوي؛ قاتلٌ شهوانيٌّ يسعى إلى السلطة»
اقرأ الحقَّ جهارًا: لقد استند المقتول إلى القرآن، واستند القاتل إلى السلطة. لم تكن المسألة مسألةَ زكاةٍ، بل مرجعيةً—في يدِ مَن يكتسب «خُذْ/صَلِّ/سَكَنٌ» معناه؟ حين يجلس القياس على النص، تسقط العدالة من الميزان ويقطر الدم قطرةً قطرة. لم يكن هذا القتل حادثةً؛ بل كان محاكمةً للشرعية. فإذا كانت صلاة النبي سَكَنًا، فلا جواب لقتالٍ بلا نصّ—والتاريخ يطلب شهودًا.
الملخص:
تُظهر هذه المقالة، من خلال إعادة قراءة قضية مالك بن نويرة في ضوء الآية ٩:١٠٣ من سورة التوبة («خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً… وَصَلِّ عَلَیْهِمْ إِنَّ صَلَاتَکَ سَكَنٌ لَهُمْ»)، أن سلوكه لم يكن «منعًا للزكاة»؛ بل إنه استند إلى الآية نفسها في استدلالٍ قرآني بشأن المرجع الشرعي لأخذها والأثر النبوي لـ«الصلاة/السكن». وبناءً على ذلك، فإن نسبة «الردة» إلى مالك بن نويرة تفتقر إلى سندٍ معتبر ولا يمكن قبولها. وفي الوقت نفسه، كان الإقدام على قتله وتبرير ذلك تجاوزًا ظاهرًا لحدود العدالة واستخفافًا بالمعايير اللازمة لصون دماء المسلمين. وخلاصة المقالة التحليلية هي الآتية: إن قتلة مالك—ومن ساند قرارهم—لم تكن لديهم، بسبب تجاوزهم المعايير اللازمة للالتزام بالعصمة والعدالة في الحكم والسياسة، أهليةٌ للخلافة وقيادة مجتمع المسلمين؛ وتمثل هذه القضية نموذجًا عينيًا يزعزع من الأساس دعوى مشروعية تلك الخلافة.
الكلمات المفتاحية: الآية ٩:١٠٣، مالك بن نويرة، ردّ الصدقات، مانع الزكاة، الردة، الصلاة والسكن، العدالة، العصمة، مشروعية الخلافة، خالد بن الوليد، أبو بكر.
المقدمة:
هذه المقالة هي الامتداد المنطقي للبحث السابق حول «الضرورة العقلية للعصمة في الإمامة». وقد بيّنا هناك أن الطاعة المطلقة للحاكم غير المعصوم، ولا سيما في مقام السياسة بعد النص، تفضي حتماً إلى نزع المشروعية عن العدالة وتحويل «الفعل الحرام» إلى «اجتهاد مأجور». وقد كشفت القضية التاريخية لمالك بن نويرة—قتله على يد خالد بن الوليد ومباشرة خالدٍ زوجته—في صلتها بدعم أبي بكر واعتراض عمر الصريح (مطالبته بالحد والقصاص)، عن فجوة منهجية بين تقديم «القياس» على «النص»، وعزّزت البرهان العقلي على اشتراط العصمة.
تتناول المقالة الحاضرة، مع التركيز على البعد الفقهي-التفسيري للقضية نفسها، «دعوى ردّ الصدقات» والسؤال المحوري: «هل أخذ الزكاة مختص برسول الله (ص)؟». ومحور البحث هو فحص استدلالات مانعي الزكاة استناداً إلى الآية ٩:١٠٣ («خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً… وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ») وتحليل دلالة «التطهير/التزكية» و«السكن» في نسبة شخص النبي إلى فعل الأخذ والدعاء اللاحق له؛ ثم يبحث هل يمنع هذا الفهم، على الأقل بوصفه «تأويلاً معتبراً»، من الحكم بالردة ويوجب سقوط جواز القتال أم لا. وفي هذا المسار، تُقيَّم بصورة مقارنة تقارير فخر الرازي، والقسطلاني (شارح البخاري)، وتقرير ابن أبي الحديد لاحتجاج مانعي الزكاة، إلى جانب النقل التاريخي ذي الصلة، ليتضح أن: ١) «ردّ الصدقات» بمعنى التوزيع المحلي ينسجم مع نصوص الصحيحين؛ ٢) حتى على فرض إرجاعها إلى المزكّين، فإن تأويل «اختصاص الأخذ بشخص النبي (ص)» من قبيل الشبهة المسقطة للحد والقتال؛ ٣) القتال العام لمانعي الزكاة كان واقعاً في تعارض منهجي مع النقل الإجماعي في تلك الفترة نفسها ومع الاحتجاج بالنص.
ما نسبة «خُذْ/صَلِّ/سَكَن» في الآية ٩:١٠٣ إلى «الاختصاص النبوي بأخذ الزكاة»، وهل يمكن أن تكون أساساً لعذر شرعي معتبر لمانعيها؟ وإذا كان «الاختصاص» أو «التوزيع المحلي» مقبولاً، فهل يبقى الحكم بالردة والقتال في واقعة مالك بن نويرة مبرراً؟ وكيف أثّر التعارض المنهجي بين «النص/القياس» في القضاء بعد النص في القرار السياسي للخلافة الأولى؟ وما كانت، على وجه الدقة، مكانة «إجماع الصحابة» في مسألة قتال مانعي الزكاة، على أساس النقل التاريخي في ذلك الزمان؟
جِدّة البحث وإسهامه
نقلُ البحث من مستوى الرواية-الواقعة إلى مستوى «مبنى الفقه السياسي»: لإظهار أن مصير دماء المسلمين وأموالهم قد ارتبط بقراءة مخصوصة لآية واحدة، وبإحلال «القياس» محل «النص». وبيان أن دعوى «الردة الجماعية» و«جواز القتال» في قضية مالك، حتى على أساس «قاعدة الإلزام» والمستندات الموثوقة لدى أهل السنة، لا تملك قاعدة استدلالية كافية. وإقامة جسر تحليلي من «ملف تاريخي» إلى «الأصل النظري للإمامة»: فعندما تُترك العدالة لـ«مصلحة السلطة»، لا تكون الضرورة العقلية للعصمة مجرد قضية كلامية، بل تكون ضمانة للحقوق العامة.
خطة المقالة التالية وبنيتها
عرض الدعوى وصياغة الدهلوي بشأن «ردّ الصدقات» والردة؛ تحليل تفسيري للآية ٩:١٠٣ مع التركيز على «خُذ/صَلِّ/سَكَن» (فخر الرازي، القسطلاني)؛ دراسة فقهية لثنائية «التوزيع المحلي/إرجاعها إلى المزكّين» وصلتها بالردة؛ قاعدة الإلزام وتعارض النص والقياس في الحكم بالقتال؛ الإجماع والشورى ومعارضة قتال مانعي الزكاة في الروايات المنقولة من العصر نفسه؛ الخلاصة: الآثار الفقهية-السياسية على قضية مالك وصلتها بمعيار المشروعية.
إعادة قراءة موثقة لكتاب «تشييد المطاعن» للسيد محمد قلي كنتوري
دعوى «ردّ الصدقات»: ذريعة للتكفير والقتل
١) أولاً: إشكال سندي على رواية الدهلوي (التعارض وفقدان النص في الطبري)
يقول الدهلوي في موضع: «إن مالك بن نويرة ردّ الصدقات المأخوذة إلى قومه بعد وفاة النبي (ص)». لكنه ينقل في حاشيته عن الطبري أن مالكًا قال، على العكس: «لنجمع الصدقات ونرسلها إليه ليعلم أننا على دين الإسلام…»، وأن خالدًا أيضًا «جاء فأخذ الصدقات وأرسلها». وهنا يقع تعارضان:
تعارض مضموني (ردّها إلى قومه ↔ جمعها وإرسالها إعلانًا للإسلام)، وتعارض مصدري: فإن أصل العبارة المدّعاة التي ينسبها الدهلوي إلى «الطبري» لم يُعثر عليه في النسخ المعتبرة من الطبري، ومن ثمّ فاستناده ضعيف.
ملاحظة منهجية: «عدم العثور على النص في الطبري» + «التنافي المضموني بين النقلين» = انهيار الركن الأول من استدلال الدهلوي في هذا الباب.
٢) جواب السيد محمد قلي: صورتا «ردّ الصدقات» ولا واحدة منهما موجبة للتكفير
يقسم السيد محمد قلي الكنتوري في تشييد المطاعن قضية «ردّ الصدقات» إلى صورتين، ويبيّن في كلتيهما عدم لزوم الارتداد:
الصورة الأولى: «ردّها إلى فقراء القوم أنفسهم» (الصرف المحلي للزكاة).
إذا كان «الرَّدّ» يعني أن الصدقات نفسها التي أُخذت من الأغنياء وُزِّعت بين فقراء القبيلة نفسها، فهذا موافقٌ للنصّ؛ إذ ورد في حديث معاذ (في الصحيحين):
«… إنَّ الله افترضَ عليهم صدقةً تؤخذُ من أغنيائهم وتُرَدُّ في فقرائهم …» (صحيح مسلم، كتاب الإيمان؛ صحيح البخاري، كتاب الزكاة)
كما تؤيّد شروح أهل السنّة المعتمدة الصرفَ المحلي، وتمنع نقل الزكاة من بلد المال—عند وجود الأصناف المستحقّة فيه:
القسطلاني: «… وفيه منعُ نقلِ الزكاة من بلد المال؛ لأن الضمير في “فقرائهم” يعود على أهل اليمن…» (إرشاد الساري، ٣/٣٧–٣٨). النووي: «… الزكاة لا تُنقَل عن بلد المال لقوله(ص): “فتُردّ في فقرائهم”» (شرح صحيح مسلم).
وعليه، فإذا وزّع المالكُ الزكاةَ في القوم أنفسهم، فلا شناعةَ عليه البتّة.
الصورة الثانية: «إرجاعها إلى المُزكّين» بتأويل «اختصاص الأخذ برسول الله(ص)»
وإن كان معنى «الرَّدّ» هو إعادتها إلى الدافعين أنفسهم، فلا يلزم من ذلك أيضاً الحكمُ بالردّة؛ إذ يمكن—كما صرّح به السيد محمد قلي الراحل في تشييد المطاعن—حمل هذا السلوك على تأويل فقهيّ يرى أن «أخذ الزكاة» مختصّ بشخص الرسول (ص). وقد نقل فخر الرازي تحت الآية ١٠٣ من سورة التوبة: «خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً… وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ» هذا التأويل عن «مانعي الزكاة»، كما أورد القسطلاني ذلك الاحتجاج: فزكاةُ ما يأخذه النبي (ص) متصفة بآثار لا تصدر إلا عن صلاته هو وتطهيره وتزكيته؛ فليس غير الرسول (ص) «قائماً مقامه» في هذه الآثار. وبناءً على ذلك، قد تكون الإعادة ثمرةَ هذا الفهم؛ وهو فهمٌ—وإن كان مخطئاً—من باب التأويل/الاجتهاد، لا من باب إنكار أصل الزكاة ولا موجباً للتكفير.
النصّ الصريح للسيد محمد قلي (النصّ الحرفي من تشييد المطاعن):
«وإن كان مراده أنه ردّ إلى أولئك أنفسهم صدقاتِ أموالهم التي كان مالك قد أخذها، فعلى تقدير صدق هذا الخبر—وعلى فرض صحته—فلعلّ وجهه أن مالكاً كان يرى أن الأمر بأخذ الصدقات مختصّ برسول الله صلى الله عليه وآله، وهذا المعنى لا يمكن أن يوجب الردّة.»
وتُظهر عبارة السيد محمد قلي هذه—وهي عماد استدلال هذا الفصل في تشييد المطاعن—على وجه الدقة أن كلا احتمالي «الرَّدّ» (التوزيع المحلي/إرجاعها إلى المزكّين على تأويل الاختصاص) لا ينافيان إسلام مالك، وأن أياً منهما لا يبرّر القتال أو القتل الجماعي.
النتيجة النقدية لتشييد المطاعن
من جهة السند: إن دعوى الدهلوي بشأن الطبري إما متعارضة في ذاتها (الإرجاع ↔ الإرسال)، وإما بلا أصل في نصّ الطبري؛ فينهار بذلك أساسه الاستنادي. ومن جهة الدلالة: إن «ردّها إلى فقراء القوم أنفسهم» موافق للنص: «تُرَدّ فی فقرائِهم»؛ وأما «إرجاعها إلى دافعي الزكاة»—على أساس تأويل «اختصاص الأخذ بالرسول (ص)» الذي نقله أيضاً فخر الرازي والقسطلاني—فهو من قبيل التأويل الفقهي، لا إنكار الوجوب.
وعليه، كما يبيّن كتاب «تشييد المطاعن»، فإن «ردّ الصدقات» — في كلتا الصورتين المحتملتين — لا يُعدّ دليلاً على ارتداد مالك، ولا مبرّراً لفعل خالد، ولا رافعاً للمسؤولية الشرعية عن أبي بكر في تعطيل الحدّ والقصاص بحق خالد بن الوليد.
إعادة قراءةٍ موثقةٍ قرآنيةٍ حديثيةٍ في ضوء «تشييد المطاعن»، ونقدُ ازدواجيةِ الدهلوي
٢) هل «أخذ الزكاة» مختصّ برسول الله (ص)؟
٢.١ السؤال المحوري
المسألة هي: هل إن «أخذ الزكاة» وما يترتب عليه من آثار شرعية (التطهير، والتزكية، وطمأنة قلب المزكّي) مختصّ حقاً بشخص النبي (ص)؟ أم لا يمكن إلا افتراض أن مالك بن نويرة قد فهم الأمر على هذا النحو؟ إن الجواب عن هذا السؤال يحدد ما إذا كان «ردّ الصدقات» من جانب مالك تأويلاً أم ارتداداً. (
٢.٢ صورتا «ردّ الصدقات» في بيان السيد محمد قلي الكنتوري
يقول الكنتوري بوضوح وصراحة: «إن كان المراد أن يردّ مالك الصدقات التي كان قد أخذها إلى أولئك الأشخاص أنفسهم، فعلى فرض صحة الخبر، فوجهه أنه كان يعلم أن أمر أخذ الزكاة مخصوص برسول الله (ص)؛ وهذا الفهم لا يوجب الارتداد». (تشييد المطاعن) وعليه، فإن كلاً من «إرجاعها إلى فقراء القوم أنفسهم» و«ردّها إلى دافعيها أنفسهم»—إذا كان مبنياً على مثل هذا التلقي—فلا يعدّ إنكاراً لأصل الزكاة ولا مسوّغاً للتكفير. (تشييد المطاعن)
٢.٣ الاحتجاج الداخلي السني بآية ٩:١٠٣ (نقلاً عن فخر الرازي)
ينقل تشييد المطاعن أن فخر الرازي ذكر عند تفسير آية: «خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً… وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ» أن جماعة في عصر أبي بكر استدلوا بهذه الآية نفسها؛ وقالوا إن وجوب الزكاة، في نظرهم، مرتبط بآثار لا تتحقق إلا بفعل النبي (ص): «أخذ الزكاة» بيد النبي، و«التطهير والتزكية» بواسطة ذلك الأخذ، و«الصلاة» التي تكون حقاً سبباً لسكينة المكلّف. وعلى هذا الأساس، يكون دفع الزكاة إلى غير النبي (ص) محل إشكال. وهذا القول—إن عُدَّ خطأً—فهو تأويل لا إنكار لضروري. (التفسير الكبير لفخر الرازي، ذيل التوبة:١٠٣؛ نقلاً عن تشييد المطاعن)
٢.٤ شاهد حديثي من أهل السنة (القسطلاني شارح البخاري)
وجاء كذلك في إرشاد الساري (شرح صحيح البخاري): أنه بعد وفاة النبي (ص)، تمسكت جماعة حافظت على إيمانها لكنها لم تؤدِّ الزكاة بهذه الآية نفسها، وقالت إن هذا التكليف خاص بالعصر النبوي؛ لأن «أخذ الزكاة»، و«تطهير/تزكية المؤدي»، و«الصلاة التي تكون باعثة على السكينة» ليست من صلاحية غير النبي. (إرشاد الساري للقسطلاني؛ نقلاً عن تشييد المطاعن)
٢.٥ التقرير الكلامي للنزاع (ابن أبي الحديد)
وينقل ابن أبي الحديد هذا المنطق أيضًا: فإن الوصف القرآني للزكاة المفروضة يدلّ على أن «الرسول» بتلقّيها يطهّر ويزكّي، وأن «صلاته» سكنٌ وطمأنينة؛ وهذه الأوصاف لا تتحقق في غيره. فكان نزاع مانعي الزكاة في الجهة التي تُسلَّم إليها الزكاة، لا في أصل وجوبها. وعليه، فإن قولهم ليس نفيًا لضرورة من ضرورات الدين، بل هو دعوى «الوجوب المشروط»؛ ونفي هذا الشرط أو إثباته بحثٌ نظري لا بديهي. (شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، ج١٧؛ نقلاً عن تشييد المطاعن)
٢.٦ النتيجة الفقهية–الحديثية
استنادًا إلى هذه المستندات السنية الداخلية نفسها التي جمعها تشييد المطاعن:
إذا كان «ردّ الصدقات» إلى فقراء البلدة/القوم أنفسهم، فهو منسجم مع حديث معاذ والفهم المشهور القائل بعدم نقل الزكاة من بلد المال؛ فلا مجال للطعن. (شرح صحيح مسلم للنووي؛ إرشاد الساري للقسطلاني؛ نقلاً عن تشييد المطاعن) وإذا كانت «إعادتها إلى الدافعين» مبنية على اختصاص أخذ الزكاة وآثارها بشخص النبي (ص)، فهي في أقصى الأمر تأويل، ولا توجب الارتداد. (التفسير الكبير؛ إرشاد الساري؛ شرح ابن أبي الحديد؛ نقلاً عن تشييد المطاعن)
٢.٧ ضربة منطقية قاضية لدفاع أهل السنة
يرتكز تشييد المطاعن على اعترافٍ محوري: فقد قال أبو بكر نفسه في شأن قتل مالك: «تأوّل فأخطأ». وفي هذا الكلام أقرّ أبو بكر بوضوح بخطأ خالد. والنتيجة جلية: فإما أن يقولوا إن إنكار الزكاة لم يقع من مالك —وحينئذٍ تبطل نسبة الارتداد إليه—، وإما أن يقولوا إن إنكار الزكاة لا يوجب القتل —وحينئذٍ ينهار قتال مانعي الزكاة وبناء الفضيلة عليه. وعلى كلا التقديرين ينقلب دفاع الدهلوي، ويبقى الطعن على أبي بكر قائمًا. (تشييد المطاعن)
الخلاصة
١) استنادًا إلى الشواهد القرآنية والحديثية من داخل المدرسة السنية، فإن فهم «اختصاص أخذ الزكاة وآثارها بشخص النبي (ص)» مسبوق بنقل معتبر؛ ومن ثم فإن «ردّ الصدقات» من مالك ـ إن كان قد فعله ـ تأويلٌ لا ردة. ٢) وتبيّن روايات القسطلاني وابن أبي الحديد بوضوح أن النزاع كان في موضع التسليم وشرط ترتب الآثار النبوية، لا في إنكار وجوب الزكاة؛ ولذلك فالتكفير والقتال على هذا الأساس بلا وجه. ٣) ومع اعتراف أبي بكر الصريح بـ«التأويل والخطأ»، لا بد للمدعين من سلوك أحد طريقين باطلين؛ وعلى كلا التقديرين ينهار أساس دفاع الدهلوي و«تطهير خالد».
وهذا يبيّن بوضوح أن قضية مالك بن نويرة ليست طعنًا في سلوك خالد وفي دعم أبي بكر له فحسب، بل هي أيضًا شهادة تجريبية على المدعى الكلي للمقال: حين تُجرَّد الإمامة من العصمة وتطلب طاعةً مطلقة، تصبح العدالة ضحيةً للتبريرات المصلحية؛ وكتاب «تشييد المطاعن» يثبت ذلك خطوةً خطوةً بأدلة من داخل التراث المنافس.
٣) النكتة الذهبية في الآية: «التطهير» و«السكن» من عمل النبي، لا من عمل المال نفسه
٣.١ لا نُغفل الفاعل الرئيس
في القراءة الدقيقة للآية، تمر سلسلة الأثر عبر «المال»، لكنها تنعقد في «شخص الرسول»: فهو الذي يأخذ؛ وهو الذي يطهّر ويزكّي بواسطته؛ وهو الذي تكون «صلاته» مصدرًا لـ«السكن». فالمحور ليس آليةً إدارية، بل الفاعلية النبوية التي تحقق الطهارة والتزكية.
٣.٢ «الصلاة»؛ ليست مجرّد دعاء، بل هي أثر وضعيّ نبويّ
في الآية، لا تعادل «الصلاة» كلَّ دعاءٍ معتاد؛ فهي باعثةٌ على السكينة (تأتي بـ«سَكَن»). وهذه «السَّكَن» تنشأ من صلاة الرسول، لا من الألفاظ التي ينطق بها أيّ شخص. وهكذا، مرّةً أخرى، يكون «شخص النبي» محورَ الأثر؛ لا مجرّد الدفع والقبض.
نكتةٌ كلاميةٌ متضافرة: إنّ هذا السياق نفسه يفهم منه أن للنبي في العالم منزلةً وقدرةً خاصتين—القدرة على «التطهير» و«التزكية» و«الصلاة» التي تمنح السَّكَن. ولم تضع الآية أيَّ قيدٍ زمنيّ على هذه المنزلة؛ ولذلك يبقى أصلُ التوسل بالنبي ذا معنى ومسوَّغًا. وإذا كان أصلُ خلافة النبي أيضًا غير قابلٍ للتعطيل، فإن الخليفة الحقيقي يجب أن يحمل هذه المنزلة نفسها؛ وهو ادعاء لم يكن صادقًا في حق أبي بكر—بتصريح الموافق والمخالف. ومن هنا، إن لم يسلّم مالك الزكاة إلى أبي بكر، فكان ذلك على هذا الأساس: «صلاتك لا تأتي بالسَّكَن».
٣.٣ الصلة المباشرة بقضية مالك بن نويرة
إذا كان مالك قد ردّ الزكاة المأخوذة—على أساس فهمه أن الأخذ وآثاره يختصّان بالنبي—فهذا ليس رِدّةً؛ بل تأويلٌ. كما أن الروايات السنية نفسها تقول إن بعضهم بقوا مسلمين، ولم يمتنعوا إلا عن إعطاء الزكاة لغير النبي، واستدلّوا بهذه الآية نفسها؛ أي إن النزاع كان حول المرجع المشروع للأخذ، لا حول أصل الزكاة. (انظر الاستنادات في القسم السابق).
٣.٤ أين تتعثر دفاعية الدهلوي؟
إنّ الغفلة عن الفاعل الحقيقي في الآية تختزل الوظيفة النبوية المتمثلة في «الأخذ/التطهير/التزكية/السَّكَن» إلى إجراءٍ إداريّ لاحق، وتستخرج من ذلك حكمَ الردة؛ بينما هذا السياق لا يحتمل مثل هذا الحكم.
٣.٥ النتيجة الفقهية–الكلامية
بناءً على هذه القراءة نفسها، يمكن أن يكون «ردّ الصدقات» في ذلك السياق تأويلاً مقبولاً، لا كفراً. (وقد قال أبو بكر نفسه: «تأوّل فأخطأ». فإمّا أنه لم يكن ثمة إنكار، أو أنه لم يكن مما يستوجب القتل؛ وكلا الاحتمالين يهدم أساس تبرئة خالد وتبرير القتل. (تشييد المطاعن))
خلاصة موجزة
تبرز الآيةُ عامليّةَ النبي في الأخذ والتطهير والتزكية وإيجاد السَّكَن؛ وهي أمور لا تتعلّق بـ«المال» بل بـ«شخص الرسول». وبهذا المعيار، لم يكن سلوك مالك «إنكاراً لضرورة»، بل خلافاً حول صاحب الصلاحية؛ وهذا هو الضربة القاضية لدعوى الردة في هذه القضية.
التمسّك بالقرآن وعدم جواز القتل
يطرح السيد محمد قلي الكنتوري سؤالاً بسيطاً وحاسماً: «فكيف يكون قتلُ مالكٍ ـ وهو مستمسكٌ بالقرآن ـ جائزاً في هذه الحالة؟» كيف يُعَدّ من يتمسّك بآيةٍ في عمله ويحتجّ بدليلٍ قرآنيّ «مرتدّاً جائزَ القتل»؟ فإذا كان التمسك الصريح بالقرآن يفضي، مع ذلك، إلى السيف، فأين موضع العمل بالقرآن؟ (تشييد المطاعن، ص١٤٥–١٤٦)
«مكيالان» في تبرير الاجتهاد
يكشف السيد محمد قلي الكنتوري عن ازدواجيةٍ شائعة: فأهل السنة يبرّرون قتال معاوية وعائشة لأمير المؤمنين(ع) بأنه «شبهة وخطأ اجتهادي»؛ فإذا أخطأ أحد ـ على فرض المحال ـ في باب الزكاة بسبب «الاجتهاد»، فلماذا لا يشمله التخفيف نفسه؟ وتغدو هذه الازدواجية أكثر انكشافاً حين نتذكر أن مالكاً لم يُبدِ رأياً شخصياً ولم يعمل بالقياس؛ بل «استدلّ بالقرآن، لا برأيه»، وهذا وحده يهدم أساس نسبة الردة إليه. (تشييد المطاعن، ص١٤٦)
«لأن أهل السنة يجوّزون مقاتلة معاوية وعائشة للجناب أمير المؤمنين(ع) بالشبهة والخطأ الاجتهادي؛ فإذا أنكر أحد وجوب الزكاة أيضاً بسبب خطأ اجتهادي، فأيّ موضعٍ للوم؟» (المصدر نفسه)
مخالفة الإجماع الناهي عن قتال مانعي الزكاة: تقرير «الإجماع»
وهنا تكمن النقطة المحورية لدى السيد محمد قلي الكنتوري: فقد ذُكر أن قتال مانعي الزكاة كان مخالفاً لـ«إجماع المسلمين» في ذلك الوقت. وهو ينقل عن ابن أبي الحديد، عن الطبري: «اجتمعت كلمة المسلمين على إجابة العرب إلى طلب إسقاط الزكاة؛ غير أن أبا بكر خالف هذا الإجماع وقال: يفعل ما كان رسول الله يفعله، ويأخذ ما كان يأخذه». (شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، ١٧/٢٠٨؛ منقول عن الطبري؛ والنقل في تشييد المطاعن، ص١٤٦–١٤٧)
وفي متابعةِ التقرير نفسه، سُجِّلت المشاورةُ العامة: استشار أبو بكر المهاجرين والأنصار في القتال؛ فسكت الجميع مدةً. ثم اقترح عمر أن «تُقبل صلاتُهم وتُترك زكاتُهم»، لأنهم «خرجوا حديثاً من الجاهلية». وقال عثمان القول نفسه؛ و«قال علي بن أبي طالب صلوات الله عليهما القول نفسه أيضاً»، فتابع المهاجرون والأنصار ذلك.
خلاصة السيد محمد قلي الكنتوري: «يتضح من هذه الرواية صراحةً ووضوحاً أن عمر وعثمان والجناب أمير المؤمنين عليه السلام والمهاجرين والأنصار، جميعهم أجمعوا على ترك قتال مانعي الزكاة». (كنز العُمّال، ذيل مشاورة القتال؛ منقول في تشييد المطاعن، ص١٤٧)
خلاصة استدلالات المرحوم السيد محمد قلي الكنتوري في ردّ تحفة اثني عشرية
١) كان مالك بن نويرة يتمسّك بالآية في أخذ/ردّ الصدقات؛ ومثل هذا التمسك ليس ارتداداً. ٢) المعيار المزدوج في «الاجتهاد»: إذا كانت إراقة الدماء الواسعة تُبرَّر بـ«خطأ اجتهادي»، فكيف يوجب استدلال مالك القرآني قتله؟ ٣) إن قتال مانعي الزكاة، بحسب النقل الذي يستند إليه أهل السنّة أنفسهم، كان مخالفاً لإجماع المهاجرين والأنصار؛ ففعل أبي بكر لا يحظى، فضلاً عن عدم تأييده بـ«نص»، بسند «إجماع معلن» أيضاً. (تشييد المطاعن، ص١٤٥–١٤٧)
هذه المحاور الثلاثة تُحكم استدلال السيد محمد قلي الكنتوري: فعندما عُدَّ «التمسّك بالقرآن» جريمة، وبُرِّئ «الاجتهاد المسفك للدماء»، وتُجاهل «إجماع العصر»، لم يعد ممكناً تصوير هذه القضية بوصفها «فتحاً مشروعاً». وهنا بالضبط ينتقل برهان المقالة بشأن «الضرورة العقلية للعصمة في الإمامة» من مستوى النظر إلى ميدان التاريخ، ويثبت أن تقديم القياس ومصلحة السلطة على النص والعدالة يفضي إلى إضفاء الطابع المؤسسي على الخطأ والجريمة.
النتيجة العملية ضد أبي بكر الحاصلة من هذا البحث واضحة: إن إرسال خالد لقتال جماعة ظهرت منها علامات الإسلام الواضحة أفضى إلى «قتل نفس محترمة»، و«تخريب قبيلة مسلمة»، و«هتك الأعراض»؛ وهذه النتائج، من حيث المسؤولية السياسية والشرعية، تتوجه مباشرةً إلى أبي بكر. وفوق الطبيعة الإجرامية للواقعة، فإن أصل هذا القرار ـ بحسب التقارير التي يستند إليها أهل السنّة ـ كان مخالفاً لـ«إجماع المهاجرين والأنصار»؛ ذلك الإجماع نفسه الذي يعدّه المخالفون حجّة، ويعتبرون الخروج عنه خروجاً من الدين. ولذلك فإن أبا بكر مؤاخذ في «أصل الفعل» وفي «طريقة اتخاذ القرار» معاً؛ واجتماع الأمرين يشدّد الطعن ويزعزع من أساسه المشروعية المدعاة لخلافته. (تشييد المطاعن، ص ١٤٦–١٤٧؛ وانظر أيضاً: شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، ١٧/٢٠٨)
مخالفةُ الإجماع في قتال مانعي الزكاة: عقب ارتداد بعض القبائل أو امتناعها عن أداء الزكاة، جرت مشاورات بين المهاجرين والأنصار. وبحسب ما نقله ابن أبي الحديد عن تاريخ الطبري، كان الرأي الغالب للصحابة أن قبول صلاتهم وترك إلزامهم الفوري بالزكاة في هذه المرحلة أولى، لكي يستقر الإيمان في قلوبهم؛ غير أن أبا بكر خالف ذلك وأصرّ على تطبيق سيرة أخذ الزكاة نفسها التي كانت في عهد النبي(ص). ويفيد هذا النقل أن «كلمة المسلمين» قد اجتمعت على إجابة طلب العرب ـ في ما يتعلق بتعليق أخذ الزكاة ـ في حين خالف أبو بكر هذا الإجماع. (شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، ١٧/٢٠٨، نقلاً عن تاريخ الطبري) وتدل تقارير أخرى على المعنى نفسه: فقد روي عن عمر أنه عند ارتداد العرب، استقر رأي المهاجرين ـ وكان هو فيهم ـ على الاكتفاء بإقامة الصلاة مؤقتاً وتأخير إلزام الزكاة؛ وكان استدلالهم أنه إذا رسخ الإيمان في القلوب أقرّوا هم أنفسهم بالزكاة. (كنز العمال، ج ٥، ص ١٤١–١٤٢، ط. مؤسسة الرسالة، بيروت)
التناقض في الحكم على خالد ولوازمه: من العجيب أن أبا بكر يصرّح، من جهة، بخطأ خالد، ثم يصفه، من جهة أخرى، بأنه «مصيب»؛ والحكم بـ«الإصابة» بعد الإقرار بـ«الخطأ» هو في الحقيقة تأييد لذلك الخطأ، ويستلزم من حيث آثاره «تخطئة الحكم الأول» بل و«تفسيقه مرة أخرى». وحتى لو توقّف أحد في أصل الواقعة وقال إن هذه القصة تحتاج إلى تأمل، فالجواب واضح: فإما أن يلزم خالد قصاص القتل وحد الزنا (بحسب مقتضى الفعل المرتكب)، وإما أن يقال إنه لا يلزمانه، فيلزم من ذلك قبول كذب عمر وفسقه في شهادته المخالفة لذلك. وفي كلتا الحالتين، تنتهي المحاكمة النهائية إلى الإضرار بجهاز اتخاذ القرار آنذاك، وتُظهر اغتصاب خلافة الحكام الأوائل. (تشييد المطاعن، ص ١٤٦–١٤٧؛ كنز العمال، ج ٥، ص ١٤١–١٤٢)
الخاتمة
أظهرت هذه الدراسة أن سلوك مالك بن نويرة، في ضوء الآية ٩:١٠٣ من سورة التوبة، لم يكن «منعاً للزكاة» بمعنى إنكار أصل الحكم؛ بل كان النزاع حول المرجع المشروع لأخذها، وحول نسبة «خُذْ/صَلِّ/سَكَن» إلى العامليّة النبوية. وقد أوضحت إعادة قراءة الروايات السنية الداخلية ـ عن فخر الرازي والقسطلاني وغيرهما ـ أن صورتي «ردّ الصدقات»؛ أي توزيعها محلياً بين فقراء القوم أنفسهم، أو إعادتها إلى المزكّين مع اعتبار «اختصاص الأخذ بالرسول(ص)»، تندرجان في نطاق تأويل معتبر، وليستا من جنس جحود الزكاة. وبناءً على ذلك، فإن نسبة «الارتداد» إلى مالك تفتقر إلى سند معتبر.
ومن جهة أخرى، فإن قرار القتال والقتل، في وضع كانت فيه الأدلة القرآنية والتفاسير المعتبرة تقدم وجوهاً لتأويل سلوك الطرف المقابل، لا ينسجم مع معايير العدالة والاحتياط في دماء المسلمين. كما أن التعارض بين «النص» و«القياس» في الحكم اللاحق للنص، والتقارير المعاصرة التي تتحدث عن الميل إلى المداراة وقبول صلاة مانعي الزكاة، يضعفان أكثر الوزن الاستدلالي للإقدام على القتال. ومجموع هذه الملاحظات يبرز المسؤولية السياسية والدينية لصانعي القرار ومنفذيه.
وخلاصة التحليل في المقال هي: لا يصح ادعاء ارتداد مالك بن نويرة، ولا يبرر القتال العام على هذا الأساس. وبناءً عليه، فإن قتلته ـ ومن ساند هذا القرار ـ قد خدشوا أهليتهم للخلافة وقيادة المسلمين بتجاوزهم حدود العدالة وإعراضهم عن مقتضى النص. وتمثل هذه القضية شاهداً تاريخياً على المدعى العام للدراسة: فعندما تبتعد المرجعية الدينية–السياسية عن معيار العصمة والالتزام بالنص، تُسلَّم العدالة إلى صناعة المصلحة السلطوية وتتضرر الحقوق العامة. لذلك، فإن العودة إلى تحكيم النص والعدالة ليست مجرد موقف كلامي، بل ضرورة لصون أرواح جماعة المؤمنين وكرامتهم.