لماذا لا يتحمل بقايا معاوية قبر حجر بن عدي بعد قرون؟
المؤلف: حامد صارم

محبة علي عليه السلام ومصير محبيه
من أحب علياً عليه السلام فقد أحب رسول الله، ومن أحب علياً سهلت عليه سكرات الموت. وقبر محب علي عليه السلام روضة من رياض الجنة (١).
حجر بن عدي؛ الصحابي الحقمدار
كان حجر بن عدي من أصحاب رسول الإسلام المكرم الأوفياء ومن الصحابة الأجلاء للنبي. ومن أبرز نقاط حياته أنه كان حقمداراً؛ فبعد شهادة رسول الله لم يترك عترة النبي، وكان من السابقين في المودة والمحبة لذلك البيت.
وكان حجر بن عدي من زهاد وعباد زمانه، واشتهر بين العرب بلقب «حجر الخير». وكان من أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام، ومن الشجعان والقادة العسكريين في جيش علي عليه السلام. ولم يتردد لحظة في حربه مع معاوية، ولم تستطع فتن معاوية وخداعه ومكره أن تضعف حجر عن طريق ولاية علي عليه السلام. وقد قاتل في زمن الخلافة الظاهرية لعلي عليه السلام إلى جانبه، وكان في فتنة الجمل وصفين والنهروان من أعمدة جيش أمير المؤمنين علي عليه السلام.
حجر؛ متأدب بالأدب العلوي
كان حجر بن عدي مطيعاً لمولاه أمير المؤمنين علي عليه السلام. وفي زمن أصابت الفتنة فيه أكثر الناس، ولم يخضعوا لأوامر علي عليه السلام، كان حجر خاضعاً لأوامر أمير المؤمنين عليه السلام ومواعظه. وبعد موعظة الإمام قال لعلي عليه السلام: «يا أمير المؤمنين نقبل عظتك ونتأدب بأدبك» (٢)؛ نقبل موعظتك ونتأدب بأدبك.
لقد عاش حقاً بأدب علوي وشجاعة علوية. وقد ذكره مخالفو الشيعة في كتب التراجم بخير ومدحوه. يقول الذهبي عنه:
«أبو عبد الرحمن الشهيد، كان من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وشارك في الجهاد مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم. كان شريفاً، قائداً لائقاً، ثابتاً في الأمر بالمعروف، سباقاً إلى النهي عن المنكر، من شيعة علي عليه السلام، شارك في صفين قائداً، وكان خيراً متعبداً.» (٣)
محبة علي عليه السلام؛ سر بقاء حجر بن عدي
ومع أن حجراً مُدح بصفات كثيرة، منها شجاعته وكونه آمراً بالمعروف وناهياً عن المنكر، فإنه كان رجلاً لم يخضع للظلم والباطل قط، وعاش دائماً حراً أبياً. لكن أهم صفة شخصية في حجر، بل الصفة الوحيدة التي جعلته باقياً وحياً بعد قرون من شهادته، هي محبته لأمير المؤمنين علي عليه السلام.
ففي زمن الحكم الأموي المظلم، حين غطى المنكر المجتمع الإسلامي كله، لم يستسلم لحظة لسياسات معاوية المشؤومة. وعندما أجبروه على لعن علي عليه السلام وسبه، امتنع بشجاعة عن هذا الفعل الخبيث.
احرقوني وقطعوني إرباً
كان آخر عهد حجر مع مولاه علي عليه السلام أن يُقطع في طريق محبة علي عليه السلام. فعندما ضُرب علي عليه السلام بالسيف في محراب مسجد الكوفة، ذهب حجر معه إلى بيته. وكان أمير المؤمنين في آخر لحظات عمره الشريف يقول: «أيها الناس، سلوني قبل أن تفقدوني.» فارتفع بكاء الناس، فقام حجر وقرأ شعراً كان قد نظمه في رثاء أمير المؤمنين.
فتح أمير المؤمنين عينيه وقال له: «كيف ستكون إذا طلبوا منك البراءة مني؟ ماذا ستقول حينئذ؟» فقال حجر بشجاعة: «والله يا أمير المؤمنين لو قطعت بالسيف إرباً إرباً، وأضرم لي النار وألقيت فيها، لآثرت ذلك على البراءة منك»؛ أي والله يا أمير المؤمنين، لو قطعوني بالسيف قطعة قطعة وألقوني في النار، لفضلت تلك المصيبة على البراءة منك.
عندها قال أمير المؤمنين عليه السلام: «وفقت لكل خير يا حجر، وجزاك الله عن أهل بيت النبي خير الجزاء.» (٤)
شجاعة حجر في مسجد الكوفة
لقد وفى حجر بن عدي بما أقسم عليه: أنه لو قُطع إرباً لما خضع للكفار، ولما تبرأ من علي عليه السلام. فعندما استدعاه عامل معاوية في الكوفة وطلب منه أن يصعد المنبر ويلعن علياً عليه السلام علناً، قبل حجر وصعد المنبر، لكنه قال بشجاعة من فوقه: «يا أهل الكوفة، إن أميركم أمرني أن ألعن علياً على المنبر. أيها الناس، العنوه هو.» فلعن الجمع، بسبب كلام حجر، عامل معاوية زياداً في الكوفة.
ومن الواضح أن حجراً كان شخصية مقبولة ووجيهة عند أهل زمانه. لذلك لو خضع لأمر معاوية، لدخلت هذه البدعة الكبيرة بين الناس بقوة أكبر، ولبقيت الحقيقة خافية على كثير منهم. لكن حجر لم يخضع لهذا الذل، بل عرّف بشجاعة من يطلب لعن علي عليه السلام بأنه الملعون الحقيقي.
آخر صلاة لحجر بن عدي
سُجن حجر بسبب محبته لأمير المؤمنين علي عليه السلام، ونُفي إلى الشام عند معاوية. طلب منه معاوية أن يسب علياً عليه السلام، لكن حجر رفض، فأمر معاوية أن يؤخذوا إلى قرية عذرى ويُقتلوا.
فلما وصلوا إلى عذرى، سأل حجر: ما هذه القرية؟ قالوا: عذرى. فقال: الحمد لله الذي جعلني أول مسلم يؤتى به مغلولاً إلى قرية نبحت كلابها في سبيل الله. ثم سلّموا كل واحد من رجال الله هؤلاء، حجر واثني عشر من أصحابه، إلى واحد من أهل الشام ليقتلوهم.
وسُلّم حجر إلى حمير، فأعده للقتل. فقال حجر: «أمهلوني حتى أصلي ركعتين.» فتوضأ وصلى ركعتين، وطالت صلاته. فقيل له: أطلت صلاتك خوفاً من الموت؟ فلما فرغ قال: «ما توضأت قط إلا صليت، وما صليت صلاة أخف من هذه. ولو أردت أن أخاف لخفت حين رأيت السيف المسلول، والأكفان المعدة، والقبر المحفور...»
ولما أرادوا قطع رأس حجر قال: «اللهم إنا نشكو إليك أمتنا؛ شهد علينا أهل العراق، وقتلنا أهل الشام.» (٥)
حجر مصداق السعيد ومعاوية مصداق الشقي
أظهر حجر بشهادته أن هو وأصحابه، الذين اشتروا الشهادة في طريق محبة علي عليه السلام، مصداق هذه الرواية الشريفة عن النبي: «هذا جبرئيل يخبرني؛ أن السعيد كل السعيد حق السعيد من أحب علياً في حياته وبعد موته»؛ فالسعيد وكل السعادة وحقيقة السعادة هو من أحب علياً عليه السلام في حياته وبعد موته.
أما معاوية وأصحابه الذين قتلوا حجراً، فهم مصداق هذا الجزء من الرواية: «أن الشقي كل الشقي حق الشقي من أبغض علياً في حياته وبعد وفاته» (٦)؛ فالشقي وكل الأشقياء وحقيقة الشقاء هو من أبغض علياً في حياته وبعد وفاته.
تخريب قبر حجر على يد بقايا حزب بني أمية
اليوم، وبعد قرون من شهادة حجر، لا يزال صوته في طلب الحق عالياً، والذين تتغذى أفكارهم من بدع معاوية لا يحتملون وجود قبر لحجر بن عدي؛ لأن حجر يذكّر بمحبة أمير المؤمنين. حجر مظهر مخالفة بدع بني أمية، ورمز للشهادة في طريق أهل البيت. لذلك فإن تخريب بقعته الشريفة هو عمل معاوية غير المكتمل، وآخر محاولات الشياطين للقضاء على الحق.
ومع أن تخريب قبر حجر بن عدي المبارك، الذي تفوح من مزاره رائحة محبة أمير المؤمنين، مصيبة عظيمة، فإننا نسمع من هذا التخريب في آذان أرواحنا أنفاس الشيطان الأخيرة وبشارة ظهور النور. ومع أن التجرؤ على جسد حجر الطاهر مصيبة موجعة، فإنه يذكّر بوصية حجر: لا تغسلوا بدني ولا تكفنوني؛ لأني أريد أن ألقى معاوية في القيامة على هذه الحال وأتظلم منه عند ربي.
فالذي أقسم أن يُقطع في طريق مولاه ما زال، بعد مئات السنين، واقفاً على عهده. حتى جسده بلا روح يفتخر بالفداء في طريق محبة أمير المؤمنين. فإن كانت شهادة حجر يومئذ قد كشفت للحقطلبين وجه معاوية القبيح، فإن تخريب قبره المطهر والتجرؤ على بدنه الطاهر سيكشفان لجميع طالبي الحق الوجه الحقيقي لدول بني أمية اليوم.
نبتسم لمخربي قبر حجر بن عدي
ماذا يمكن أن يقال في مقابل هذه الجسارة الكبرى إلا نفس الكلام الذي قاله أبو عبد الله الحسين الشهيد لمعاوية بعد شهادة حجر؟ حين قال معاوية للإمام ساخراً: «أبا عبد الله! هل بلغك ما فعلت بحجر بن عدي وأصحابه وشيعة أبيك؟» قال: «وما فعلت بهم؟» قال: «قتلتهم جميعاً وكفنتهم وصليت عليهم كلهم!»
فتبسم الإمام الحسين عليه السلام وقال: «لقد غلبوك يا معاوية؛ فلو أننا قتلنا شيعتك لما كفناهم، ولا صلينا عليهم، ولا دفناهم.» (٧)
ونحن أيضاً، في مقابل هذا الهتك لحرمة جناب حجر، سنبتسم لحماقة وجمود هذه الجماعة ونقول: في صباح اليوم الذي يُسمع فيه نداء «أنا بقية الله» من الكعبة، سنحقق قول الإمام الحسين عليه السلام هذا؛ فلا نصلي على جنائزكم أيها المخربون، ولا نكفنكم، ولا ندفنكم.
وقد قال الله تعالى في القرآن الكريم: «إن موعدهم الصبح أليس الصبح بقريب» (٨). وموعدنا معكم، يا أعداء أمير المؤمنين، هو «الصبح»؛ أليس الصبح بقريب؟
الهوامش
١. بحار الأنوار، ج ٧، ص ٢٢١، باب ٨: أحوال المتقين والمجرمين.
٢. جواهر التاريخ، الشيخ علي الكوراني العاملي، ج ٢، ص ٣٧٧-٣٧٨.
٣. سير أعلام النبلاء، ج ٣، ص ٤٦٢ و ٤٦٣، رقم ٩٥.
٤. علي في الكتاب والسنة والأدب، الحاج حسين الشاكري، ج ٥، ص ٤٢٠-٤٢١.
٥. مظلومترين پيامبر، السيد عليرضا حسيني، ص ٧٧-٨١.
٦. بحار الأنوار، ج ٢٧، ص ٧٤، باب ٤: ثواب حبهم ونصرهم وولايتهم.
٧. الاحتجاج، ترجمة جعفري، ج ٢، ص ٨٧.
٨. هود، ٨١.
٢. جواهر التاريخ، الشيخ علي الكوراني العاملي، ج ٢، ص ٣٧٧-٣٧٨.
٣. سير أعلام النبلاء، ج ٣، ص ٤٦٢ و ٤٦٣، رقم ٩٥.
٤. علي في الكتاب والسنة والأدب، الحاج حسين الشاكري، ج ٥، ص ٤٢٠-٤٢١.
٥. مظلومترين پيامبر، السيد عليرضا حسيني، ص ٧٧-٨١.
٦. بحار الأنوار، ج ٢٧، ص ٧٤، باب ٤: ثواب حبهم ونصرهم وولايتهم.
٧. الاحتجاج، ترجمة جعفري، ج ٢، ص ٨٧.
٨. هود، ٨١.
المؤلف: حامد صارم
مقالات مشابهة
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد.