العيش بإيمان: تأمل موجز في المفهوم القرآني للأمل (٢)
المؤلف: حامد صارم

الملخص:
تقدّم هذه المقالة دراسة تحليلية وموضوعية لعدة مفاهيم أساسية في القرآن الكريم، منها الصبر، والتواصي بالحق، والمصابرة، ورابطوا، وتبحث دورها في استمرارية الإيمان وتعزيزه والولاء للولاية ــ ولا سيما في سياق واقعة الغدير وغيبة أهل البيت (عليهم السلام) ــ. وتركّز الدراسة على آيات مختارة من سور آل عمران، والعصر، والقصص، والكهف، حيث تتناول هذه المفاهيم، صراحةً أو ضمناً، العلاقات الروحية والاجتماعية.
تكشف النتائج أن:
- الصبر في السياق القرآني ليس مجرد تحمّلٍ للمشقات، بل هو أساس للثبات الروحي والعقدي؛ والتواصي بالحق والتواصي بالصبر دعوتان إلى التذكير المتبادل وتعزيز الفضائل والمبادئ الدينية، بما يتيح استمرار طريق الولاية؛ والمصابرة تدلّ على التعاون والدعم المتبادلين في الصبر والمقاومة، وتعمل عنصراً أساسياً في توطيد تضامن المؤمنين؛ ورابطوا تشير إلى ترابط القلوب واتصالها، بما يعزز التماسك الجماعي والتعاطف الجمعي، ويشكّل حصناً متيناً في مواجهة تأثير أعداء الولاية.
استناداً إلى هذه التحليلات، تجادل المقالة بأن هذه المفاهيم الأربعة تشكّل معاً إطاراً منسجماً وفعّالاً لحفظ الولاية واستمرارها خلال الفترة المعقدة للغيبة. وفي النهاية، تؤكد أن تقوية هذه الروابط الروحية والاجتماعية ليست فضيلة فردية فحسب، بل ضرورة استراتيجية للمجتمع الشيعي في مواجهة تحديات عصر الغيبة.
الكلمات المفتاحية: الولاية، الغيبة، الصبر، التواصي بالحق، المصابرة، رابطوا، الوحدة العقدية، المرونة الجماعية، التعاليم القرآنية، المجتمع الشيعي، ديناميات الولاية
عصر الغيبة
المقدمة
الانتظار، أو الترقّب، أحد المفاهيم الأساسية والمحورية في الثقافة الإسلامية، ويكتسب معنى أعمق ومختلفًا، ولا سيما في عصر غيبة الإمام المهدي (عليه السلام). وفي هذه الفترة، التي يكون فيها الحضور الظاهر للإمام المعصوم بعيدًا عن متناول المؤمنين، يبرز السؤال الجوهري: ما واجباتنا الدينية، وكيف يمكننا سلوك الطريق الصحيح للعبودية والوفاء للإمام؟ وبينما كانت نصرة الإمام الحسين (عليه السلام) في واقعة عاشوراء واجبًا واضحًا على الجميع، فإن فهم الواجبات الدينية وأدائها في عصر الغيبة يتطلب التأمل والبصيرة والرجوع الدقيق إلى القرآن والسنة.
تستكشف هذه المقالة، بمنظور جديد وتحليلي، مفهوم الانتظار من وجهة نظر القرآن الكريم، وتسعى إلى بيان أن الانتظار ليس مجرد صبر وترقّب؛ بل هو استراتيجية فاعلة وواعية وجماعية لمواجهة الابتلاءات وحفظ الإيمان. وتوفّر الآيات الختامية من سورة آل عمران وسورة العصر، بوصفهما مثالين بارزين، إطارًا قرآنيًا لفهم واجبات المؤمنين في عصر الغيبة؛ وهي واجبات تقوم على الصبر، والدعم المتبادل، والثبات، والتواصي بالحق والصبر، التي تُعرَّف بوصفها شروطًا أساسية للفلاح والنجاة.
تهدف هذه الدراسة إلى إعادة فحص هذه الآيات بدقة واستخراج مسؤوليات المؤمنين في عصر الغيبة على أساس المفاهيم القرآنية. في هذا
في هذه العملية، يتّضح أن الصبر والانتظار لا يقتصر معناهما على المستوى الفردي؛ بل إن تحققهما في صورة جماعية، مقترناً بالتقوى والمسؤولية الاجتماعية، يمكن أن يهدي جماعة المؤمنين نحو النجاة الحقيقية.
التواصي المتبادل في القرآن: التواصي بالحق والصبر (وصية بعضهم بعضاً بالحق والصبر)
يشير مفهوم التواصي في القرآن إلى الوصية المتبادلة بين المسلمين؛ وهي وصية يجب فيها على الجميع أن يشجّع بعضهم بعضاً على التمسك بالحق ــ وهو حقيقة محددة ومعيّنة. ولا استثناء في هذه الوصية، فجميع الأفراد، بصرف النظر عن مكانتهم أو مراتبهم، ملزمون بأن ينصحوا الآخرين بالتمسك بالحق وأن يقبلوا هذه النصيحة من غيرهم. وإلا فإن الفرد يكون في طريق الخسران.
ومن جهة أخرى، فإن الوصية بالصبر ــ الصبر المعرّف والمحدد ــ تعدّ من الركائز الأساسية للنجاح والنجاة. ولهاتين الوصيتين، أي التواصي المتبادل بالحق والصبر، معاً أهمية خاصة في نمو الفرد المؤمن وارتقائه. كما تؤكد سورة العصر أن غياب مثل هذا التواصي والعمل به يساوي الخسران.
مفهوم التَّواصي في الخطاب القرآني
كلمة «التَّواصي» في العربية مشتقة من باب التفاعل ومن الجذر «وصّى»، ومعناها التوصية المتبادلة. وفي القرآن، ولا سيما في سورة العصر، يشير هذا المصطلح إلى واجب جماعي ومتبادل بين المؤمنين؛ فكل فرد مكلّف بأن ينصح الآخرين وأن يقبل نصحهم أيضاً. وهذا التفاعل الثنائي ليس علامة على التواضع والإيمان فحسب، بل يؤسس كذلك القاعدة التربوية للمجتمع الإسلامي على أساس التواصي وقبول الوصية.
التواصي بالحق: واجب على جميع المؤمنين
- ١. «تَواصَوا بِالحَقّ»: واجب غير مشروط على جميع المؤمنين. إن عبارة «تَواصَوا بِالحَقّ» في القرآن لا تضع أي قيد أو استثناء على مخاطبيها؛ فجميع المؤمنين، بصرف النظر عن الرتبة أو المكانة، ملزمون بالمشاركة الفاعلة في هذه العملية المتبادلة. وإهمال هذه المسؤولية، وفقاً للبنية المنطقية لسورة العصر، يؤدي إلى الوقوع في نطاق «خُسران»؛ وهي خسارة واسعة وشاملة تُنزل النفس والروح نحو الهلاك. «الحَقّ»: إشارة إلى حقيقة محددة ومعروفة. إن «الـ» في «الحَقّ» تدل على التعين والتخصيص؛ فالقرآن يدعو المؤمنين إلى التواصي بحقيقة محددة وموحّدة وغير نسبية. وهذه الحقيقة، من المنظور القرآني، قابلة للمعرفة وغير متعدّدة، ويجب إقامتها مبدأً أخلاقياً وعملياً هادياً في حياة المؤمنين. الصبر المحدد («الصَّبر»): محور المثابرة والثبات في طريق الحق. ترد كلمة «الصَّبر» مقرونة بـ«الـ»، بما يدل على نوع معين ومحدد من الصبر، لا على تحمّل مبهم أو عام. وهذا الصبر يتجاوز مجرد الاحتمال في الشدائد، وهو موضوع مستقل للتواصي. ويبرز التأكيد على «الصَّبر» ضرورة التوصية والتشجيع المستمرين على هذا اللون الخاص من الصبر، الذي يحفظ الالتزام بمبادئ الإيمان وطريق الحق. ووجود «الـ» يؤكد أهميته ومكانته الخاصة التي ينبغي التشديد عليها باستمرار في سلوك المؤمنين وتفاعلاتهم. التواصي بالحق والصبر: مفتاح النجاة من الخسران. تعرض سورة العصر بنية منطقية ومنظمة تجعل استيفاء أربعة أركان السبيل الوحيد للنجاة من الخسران: الإيمان، والعمل الصالح، والتواصي بالحق، والتواصي بالصبر. وتبيّن المكوّنان الأخيران، بطبيعتهما الاجتماعية والمتبادلة، أن طريق النمو والنجاة ليس فردياً فحسب، بل هو عملية تفاعلية وجماعية. وكل مؤمن مسؤول عن هداية إخوانه المؤمنين، وتقوية ثباتهم، ودعم صبرهم؛ لأن مسيرة الإيمان واجب اجتماعي وجماعي، وليست مجرد شأن شخصي.
التواصي: التزام جماعي لا امتياز حصري
إن مفهوم «التواصي» في القرآن، على خلاف الفهم الشائع الذي يرى الوعظ عملية أحادية الاتجاه وهرمية، يؤكد علاقة متبادلة ومتساوية بين المؤمنين. وهذا المصطلح، المشتق من صيغة التفاعل، يدل على تفاعل مستمر يكون فيه كل فرد محتاجاً إلى تلقي النصيحة والهداية من الآخرين، كما يكون مكلفاً بنصح الآخرين ودعمهم. وهذا المنظور يحوّل التواصي إلى التزام عام شامل يشكل أساس الجماعة المؤمنة.
رفض النموذج العمودي في التواصي بالحق
وفقاً للمنطق القرآني، لا يُعفى أحد من المسؤولية الثنائية المتمثلة في «التواصي بالحق والصبر». فلا المنزلة العلمية، ولا اللقب الاجتماعي، ولا المكانة الدينية، تغني عن هذا الواجب. فالعلماء، وأساتذة الجامعات، والأطباء، والمهندسون جميعاً معرضون للخطأ ويحتاجون إلى تلقي النصح والتذكير. وفي المقابل، يجب على كل فرد أن يهدي الآخرين إلى الحق والصبر بقدر قدرته المعرفية.
إن مفهوم «التواصي» في القرآن، على خلاف الفهم الشائع الذي يرى الوعظ عملية أحادية الاتجاه وهرمية، يؤكد علاقة متبادلة ومتساوية بين المؤمنين. وهذا المصطلح، المشتق من صيغة التفاعل، يدل على تفاعل مستمر يكون فيه كل فرد محتاجاً إلى تلقي النصيحة والهداية من الآخرين، كما يكون مكلفاً بنصح الآخرين ودعمهم. وهذا المنظور يحوّل التواصي إلى التزام عام شامل يشكل أساس الجماعة المؤمنة.
رفض النموذج العمودي في التواصي بالحق
وفقاً للمنطق القرآني، لا يُعفى أحد من المسؤولية الثنائية المتمثلة في «التواصي بالحق والصبر». فلا المنزلة العلمية، ولا اللقب الاجتماعي، ولا المكانة الدينية، تغني عن هذا الواجب. فالعلماء، وأساتذة الجامعات، والأطباء، والمهندسون جميعاً معرضون للخطأ ويحتاجون إلى تلقي النصح والتذكير. وفي المقابل، يجب على كل فرد أن يهدي الآخرين إلى الحق والصبر بقدر قدرته المعرفية.
تُفكك سورة العصر، باستعمالها الفعل «تواصى»، البنية الهرمية والعمودية للوعظ، وتقترح بدلاً منها نموذجاً أفقياً تشاركياً متبادلاً. وعلى خلاف بعض التصورات الاجتماعية التي تجعل التواصي بالحق صادراً من العلماء أو القادة الدينيين وحدهم، يخاطب القرآن جميع المؤمنين في آن واحد بوصفهم متلقين للوعظ وناقلين له. وينشئ هذا البناء مجتمعاً حيوياً مسؤولاً وناقداً لذاته، لا يُعفى فيه أحد من تلقي التواصي بـ«الحق» و«الصبر»، وتتوقف حيوية المجتمع المؤمن على التذكير المتبادل المستمر في جميع المستويات.
التواصي بالحق: آلية للتصحيح الذاتي في جماعة المؤمنين
يعمل التواصي بالحق بوصفه آلية للضبط الذاتي والتصحيح الذاتي داخل المجتمع الإسلامي. ومن خلال هذه التواصيات المتبادلة، تُكتشف الانحرافات وتُضبط قبل أن تقود إلى التراجع والانهيار. والتواصي بالحق تذكير بالحقيقة الثابتة والمعايير الإلهية المعرضة دائماً للنسيان أو التحريف. ويجري هذا التواصي على أساس المحبة والمسؤولية الاجتماعية، بعيداً عن الكبر أو الفرض.
يعمل التواصي بالحق بوصفه آلية للضبط الذاتي والتصحيح الذاتي داخل المجتمع الإسلامي. ومن خلال هذه التواصيات المتبادلة، تُكتشف الانحرافات وتُضبط قبل أن تقود إلى التراجع والانهيار. والتواصي بالحق تذكير بالحقيقة الثابتة والمعايير الإلهية المعرضة دائماً للنسيان أو التحريف. ويجري هذا التواصي على أساس المحبة والمسؤولية الاجتماعية، بعيداً عن الكبر أو الفرض.
التواصي بـ«الحق»: دعوة إلى حقيقة مخصوصة ومحددة
تحذر الآية الكريمة من سورة العصر، بعبارتها المؤكدة «إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ» (إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ)، من أن البشر في خسران بطبيعتهم ما لم يلتزموا بأربعة أركان أساسية، منها «التواصي بالحق» (تَواصَوا بالْحَقِّ). وكلمة «الحق» المقترنة بـ«أل» التعريف تدل على حقيقة مخصوصة ومحددة، لا على أي حقيقة مبهمة أو عامة. ومن ثم فإن التواصي بـ«الحق» يعني الدعوة إلى معرفة حقيقة معلومة أكدها الوحي والالتزام بها. ومعرفة هذه الحقيقة والتواصي بها شرط لازم للنجاة من الخسران.
إمكان تفسير «الحق» على أنه شخص: قراءة تأملية
يثير التأمل في آيات القرآن سؤالاً: هل «الحق» مجرد مفهوم عام، أم يمكن أن يشير أيضاً إلى شخص معين؟ وبما أن ألفاظاً مثل «الإيمان» و«الإسلام» و«الكفر» تستعمل أحياناً في القرآن أسماءً خاصة تشير إلى أفراد أو جماعات محددة، فهل يمكن أن يمثل «الحق» كذلك حقيقة متجسدة في إنسان؟ وبعبارة أخرى، قد يعني التواصي بالحق الدعوة إلى اتباع شخص يتجلى فيه الحق تجلياً ملموساً، كما يشير تعبير «أهل الإيمان» إلى جماعة ذات خصائص معينة.
«الحق» و«الصبر»: ركنان للنجاة من الخسران
في سورة العصر، يرد «الصبر» بعد «الحق»، وكلا اللفظين مسبوق بـ«أل» التعريف، بما يدل على خصوصيتهما وتعيّنهما. ويشير هذا إلى أن «الحق» حقيقة واضحة ومعروفة، وأن «الصبر» يراد به نوع مخصوص من الصبر؛ صبر يتجاوز مجرد احتمال المشقة ويضمن الاستمرار والثبات على طريق الحق.
التواصي بأشخاص محددين: «الحق» و«الصبر» بوصفهما نماذج بشرية
يتيح التحليل التفصيلي لآية سورة العصر تفسيراً خاصاً: فقد يشير التواصي بـ«الحق» و«الصبر» إلى نماذج بشرية معينة، لا إلى مفاهيم مجردة فحسب. ولما كان الله يأمر بـ«التواصي بالحق» ثم بـ«التواصي بالصبر»، فقد يعني ذلك التواصي المتبادل بين المؤمنين على اتباع شخص أو أشخاص تتجسد فيهم هاتان الحقيقتان، والثبات عليهم. وفي القرآن، تُستخدم ألفاظ مثل «الإيمان» و«الهدى» و«العدل» أحياناً للإشارة إلى أفراد محددين يمثلون هذه المفاهيم تمثيلاً كاملاً. وبناءً على ذلك، قد يشير «الحق» إلى إمام أو قائد يكون اتباعه ضرورياً للنجاة من الخسران، وقد يعني «الصبر» الثبات على قيادته، وهو اختبار لإيمان المؤمنين.
تحذر الآية الكريمة من سورة العصر، بعبارتها المؤكدة «إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ» (إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ)، من أن البشر في خسران بطبيعتهم ما لم يلتزموا بأربعة أركان أساسية، منها «التواصي بالحق» (تَواصَوا بالْحَقِّ). وكلمة «الحق» المقترنة بـ«أل» التعريف تدل على حقيقة مخصوصة ومحددة، لا على أي حقيقة مبهمة أو عامة. ومن ثم فإن التواصي بـ«الحق» يعني الدعوة إلى معرفة حقيقة معلومة أكدها الوحي والالتزام بها. ومعرفة هذه الحقيقة والتواصي بها شرط لازم للنجاة من الخسران.
إمكان تفسير «الحق» على أنه شخص: قراءة تأملية
يثير التأمل في آيات القرآن سؤالاً: هل «الحق» مجرد مفهوم عام، أم يمكن أن يشير أيضاً إلى شخص معين؟ وبما أن ألفاظاً مثل «الإيمان» و«الإسلام» و«الكفر» تستعمل أحياناً في القرآن أسماءً خاصة تشير إلى أفراد أو جماعات محددة، فهل يمكن أن يمثل «الحق» كذلك حقيقة متجسدة في إنسان؟ وبعبارة أخرى، قد يعني التواصي بالحق الدعوة إلى اتباع شخص يتجلى فيه الحق تجلياً ملموساً، كما يشير تعبير «أهل الإيمان» إلى جماعة ذات خصائص معينة.
«الحق» و«الصبر»: ركنان للنجاة من الخسران
في سورة العصر، يرد «الصبر» بعد «الحق»، وكلا اللفظين مسبوق بـ«أل» التعريف، بما يدل على خصوصيتهما وتعيّنهما. ويشير هذا إلى أن «الحق» حقيقة واضحة ومعروفة، وأن «الصبر» يراد به نوع مخصوص من الصبر؛ صبر يتجاوز مجرد احتمال المشقة ويضمن الاستمرار والثبات على طريق الحق.
التواصي بأشخاص محددين: «الحق» و«الصبر» بوصفهما نماذج بشرية
يتيح التحليل التفصيلي لآية سورة العصر تفسيراً خاصاً: فقد يشير التواصي بـ«الحق» و«الصبر» إلى نماذج بشرية معينة، لا إلى مفاهيم مجردة فحسب. ولما كان الله يأمر بـ«التواصي بالحق» ثم بـ«التواصي بالصبر»، فقد يعني ذلك التواصي المتبادل بين المؤمنين على اتباع شخص أو أشخاص تتجسد فيهم هاتان الحقيقتان، والثبات عليهم. وفي القرآن، تُستخدم ألفاظ مثل «الإيمان» و«الهدى» و«العدل» أحياناً للإشارة إلى أفراد محددين يمثلون هذه المفاهيم تمثيلاً كاملاً. وبناءً على ذلك، قد يشير «الحق» إلى إمام أو قائد يكون اتباعه ضرورياً للنجاة من الخسران، وقد يعني «الصبر» الثبات على قيادته، وهو اختبار لإيمان المؤمنين.
١٣. أهمية تكرار «تَواصَوا»: الدور المحوري للتواصي المتبادل في المنطق القرآني للنجاة إن تكرار الفعل «تَواصَوا» في الآية، مقترناً بمفعولين مخصوصين ومعيّنين ــ «الْحَقّ» و«الصَّبْر» ــ يدلّ على المكانة البالغة الأهمية والخصوصية للتواصي المتبادل ضمن البنية القرآنية للنجاة. فالقرآن لا يكتفي بالالتزام الفردي بالحق أو بالصبر وحده؛ بل يُلزم المؤمنين بأن يوصي بعضهم بعضاً بهاتين الحقيقتين وأن يذكّروا بها. وهذه عملية اجتماعية حيّة ومستمرة، تتوقف فيها النجاة من «الخسران» على الحوار المتبادل، والرعاية الجماعية، والتأكيد والتذكير الدائمين بالحق والصبر. ويُظهر هذا التأكيد أن النجاة ليست مجرد ثمرة للممارسة الفردية أو للاكتفاء الذاتي في المعرفة، بل هي مسؤولية جماعية لا يعفي منها المؤمنين أي موقع علمي أو اجتماعي أو ديني.
١٤. حديث الإمام الصادق (ع): معرفة «أمر أهل البيت» شرط للنجاة من الفتن قال الإمام الصادق (عليه السلام): «مَن لم يعرف أمرنا (أهل البيت) من القرآن، لم يتجنّب الفتن». يسلّط هذا الحديث الضوء على أهمية معرفة أهل البيت بوصفها مفتاحاً للعبور من الفتن؛ فأمر أهل البيت حقيقة حيّة ومستمرة وذات دلالة في نص القرآن، وفهمه الصحيح ضروري لتجاوز التحديات الفكرية والاجتماعية. إن دراسة القرآن من دون فهم دور أهل البيت تؤدي إلى فهم ناقص وإلى العجز عن مواجهة الفتن، حتى لو ظنّ المرء أنه يفهم القرآن.
١٥. معرفة الفتنة، وفهم الغيبة، وضرورة التواصي بـ«الحق» في عصر الانتظار في زمن غيبة الإمام المهدي (عجّل الله تعالى فرجه)، يواجه المؤمنون فتنة عميقة وتاريخية تحجب الحق، وإن بقيت علاماته واضحة في القرآن. يعرّف القرآن «الحق» ويوجب التواصي به، محذّراً من أن تركه يفضي إلى خسران محقق. فإذا عرف المؤمن الفتنة وفهم غيبة الإمام، لكنه أهمل التواصي بـ«الحق» و«الصبر»، فإنه ــ وفقاً للآية ــ يُعَدّ من الخاسرين. وإن التواصي بالإمام، واتباع حجة الله، والصبر على تحمّل الفراق عنه، ليس مجرد توصية أخلاقية في هذا العصر، بل هو شرط حيوي ومتبادل ومنجٍ.
١٦. سبب نزول سورة العصر في شأن الإمام علي (ع): رواية النبي في خطبة الغدير من الروايات المهمة للفهم الدقيق لسورة العصر المباركة التصريح الواضح للنبي محمد (صلى الله عليه وآله) في خطبة الغدير. فقد قال عند تلاوة هذه السورة: «والله إنها نزلت في علي». يوضح هذا الإعلان النبوي سبب نزول السورة، ويكشف مفتاح فهم مصطلحاتها المحورية، وهما «الحق» و«الصبر». وتشير عبارة «تَواصَوا بِالْحَقّ» إلى أن يوصي بعضهم بعضاً بذلك الحق نفسه الذي عرّفه النبي صراحة يوم الغدير؛ وهو حق تتمثله إمامة الإمام علي (عليه السلام).
١٧. التواصي بالحق في ضوء الغدير: استمرارية رسالة الولاية في حياة المؤمنين
إذا كان الحق قد سُمّي وعُرّف يوم الغدير، فإن «تَواصَوا بِالحَقّ» تعني أن على المؤمنين أن يوصي بعضهم بعضاً بذلك الحق باستمرار وفي كل الأوقات، وأن يذكّر بعضهم بعضاً به. ووفقاً لخطبة الغدير وتعاليم سورة العصر، فإن التواصي بالحق ليس مجرد أمر مفهومي أو عام، بل هو ممارسة اجتماعية وعقدية تتمحور حول الإمامة. ومن ثمّ، فإن كون المرء شيعياً ليس مجرد توجّه أيديولوجي، بل استجابة فاعلة لنداء القرآن إلى «تَواصَوا بِالحَقّ». ومن يهمل أو يرفض هذا التواصي المتعلق بحقيقة الغدير يواجه الوعيد الإلهي و«الخسران» (خُسران).
إذا كان الحق قد سُمّي وعُرّف يوم الغدير، فإن «تَواصَوا بِالحَقّ» تعني أن على المؤمنين أن يوصي بعضهم بعضاً بذلك الحق باستمرار وفي كل الأوقات، وأن يذكّر بعضهم بعضاً به. ووفقاً لخطبة الغدير وتعاليم سورة العصر، فإن التواصي بالحق ليس مجرد أمر مفهومي أو عام، بل هو ممارسة اجتماعية وعقدية تتمحور حول الإمامة. ومن ثمّ، فإن كون المرء شيعياً ليس مجرد توجّه أيديولوجي، بل استجابة فاعلة لنداء القرآن إلى «تَواصَوا بِالحَقّ». ومن يهمل أو يرفض هذا التواصي المتعلق بحقيقة الغدير يواجه الوعيد الإلهي و«الخسران» (خُسران).
١٨. الخاتمة: التواصي سرّ بقاء الحق في عصر الغيبة
إن الأمرين المتلازمين «تَواصَوا بِالحَقّ وَ تَواصَوا بِالصَّبر» ليسا مفتاح النجاة من الخسران فحسب، بل هما أيضاً صيغة إلهية لحفظ الحق في عصر الغيبة. فالحق والصبر المذكوران هما تحديداً ما عُرّف في الغدير، وهما ضروريان في فترة الانتظار (Intizar). وبناءً عليه، فإن معرفة الولاية وحدها لا تكفي، بل إن الدعوة المتواصلة إليها واجب يجب على كل مؤمن أن يستوعبه ويحققه في المجتمع.
إن الأمرين المتلازمين «تَواصَوا بِالحَقّ وَ تَواصَوا بِالصَّبر» ليسا مفتاح النجاة من الخسران فحسب، بل هما أيضاً صيغة إلهية لحفظ الحق في عصر الغيبة. فالحق والصبر المذكوران هما تحديداً ما عُرّف في الغدير، وهما ضروريان في فترة الانتظار (Intizar). وبناءً عليه، فإن معرفة الولاية وحدها لا تكفي، بل إن الدعوة المتواصلة إليها واجب يجب على كل مؤمن أن يستوعبه ويحققه في المجتمع.
١٩. من الصبر الفردي إلى الثبات الجماعي: ربط سورتين في رسم طريق النجاة
يرسم القرآن الكريم، عبر آيات متعددة، طريق النجاة والفلاح للمؤمنين. ومن السورتين الأساسيتين في هذا الطريق سورة آل عمران وسورة العصر، إذ تنقلان معاً رسالة موحّدة متعددة الطبقات. وهذه الرسالة دعوة إلى الصبر والثبات والتواصي على طريق الحق.
يرسم القرآن الكريم، عبر آيات متعددة، طريق النجاة والفلاح للمؤمنين. ومن السورتين الأساسيتين في هذا الطريق سورة آل عمران وسورة العصر، إذ تنقلان معاً رسالة موحّدة متعددة الطبقات. وهذه الرسالة دعوة إلى الصبر والثبات والتواصي على طريق الحق.
الثلاثية القرآنية في سورة آل عمران: «اصبروا وصابروا ورابطوا»
ورد في الآية ٢٠٠ من سورة آل عمران: يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون.
ورد في الآية ٢٠٠ من سورة آل عمران: يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون.
تُقدِّم هذه الآية أربعة أوامر أساسية لنيل الفلاح:
- ١. «اصبروا»: الصبر الفردي؛ ٢. «صابروا»: التواصي بالصبر وبالحق؛ ٣. «رابطوا»: الحراسة المتواصلة لثغور الإيمان وحصونه؛ ٤. التقوى: اليقظة الدائمة من الزلات.
هذه المبادئ الأربعة، ولا سيما «صابروا» و«رابطوا»، لا يمكن فهمها على مستوى سطحي فحسب، بل ترتبط ارتباطًا عميقًا بمفهوم «التواصي» في سورة العصر.
إعادة النظر في معنى «صابروا» في ضوء سورة العصر: تقرر سورة العصر أن السبيل الوحيد للنجاة من الخسر هو الإيمان، والعمل الصالح، والتواصي بالحق، والتواصي بالصبر. ومن هذا المنظور، يفسر «صابروا» في سورة آل عمران و«تواصوا بالصبر» في سورة العصر أحدهما الآخر. والصبر المذكور في الآيتين صبر مخصوص ومحدد، وليس مجرد أي تحمّل أو مثابرة عادية.
إنَّ القرآن الكريم، باستعماله «الـ» التعريف في عبارة «وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ»، يُحيلنا إلى صبرٍ معيّنٍ ومعروف؛ صبرٍ ذي سمةٍ وإطارٍ محدَّدين يتجاوزان فضيلةً أخلاقيةً عامةً ومبهمة.
الصبر والحق في ظلّ الغدير: الوصية بالإمام، لا بمفهومٍ مجرّد. في يوم الغدير، أكّد النبي محمد (صلى الله عليه وآله) صراحةً حقَّ أمير المؤمنين (عليه السلام)، وأمر قائلاً: «ليبلّغ الحاضرُ الغائبَ، والوالدُ الولدَ إلى يوم القيامة.»
وهذا الأمر هو في جوهره الدعوة إلى «التواصي بالحق» و«التواصي بالصبر». فالحق الذي تبيّن في ذلك اليوم هو عين «الحق» المذكور في سورة العصر؛ والصبر الموصى به يعني الثبات والمثابرة على عهد الولاية إلى يوم القيامة. ولذلك، فإن التواصي بهذين الأصلين ليس واجباً دينياً فحسب، بل هو أيضاً ضمانٌ للنجاة من الخسران في عصر الغيبة.
المثابرة المتبادلة والتواصي: وجهان لحقيقةٍ واحدة. في الآية ٢٠٠ من سورة آل عمران، استُعملت كلمة «صابروا» بمعنى «المثابرة المتبادلة (المصابرة)». وتحمل هذه الكلمة دلالةً خاصة؛ لأنها من باب «الأفعال الثنائية» في العربية، فتدل على فعلٍ متبادل، على غرار الفعل «تواصوا» في سورة العصر.
في هذا البناء، لا تُدعى إلى الصبر فحسب، بل تُلزم أيضًا بدعوة الآخرين إليه؛ ولا تتلقى الموعظة وحدك، بل تصبح أنت أيضًا واعظًا. إنها علاقة حيّة وديناميكية، والتزام متبادل وثنائي في طريق الإيمان والثبات.
غير أن النقطة المهمة هي أن هذا التواصي المتبادل بالصبر ــ أي الحثّ المتبادل على الصبر ــ لا يكون ذا معنى إلا بعد أن تكون حقيقة قد توضحت؛ أي حين يُعرَف «الحق» (الحقيقة) ويُفهَم المفهوم الدقيق لـ«الصبر» (التحمّل).
الحق: حقيقة محددة كُشفت في غدير. الصبر: حقيقة عظيمة كالحق، بُيّنت في غدير. ومن ثمّ، لا يكون التواصي المتبادل بالصبر ذا معنى إلا إذا اقترن بالحثّ على ذلك «الحق» و«الصبر» نفسيهما.
دور «رابطوا»: حراسة حدود الحق في عصر الغيبة. فإلى جانب الصبر والتواصي المتبادل بالثبات، يأمر القرآن: «رابطوا»؛ أي كونوا حراسًا، على أهبة الاستعداد دائمًا ومرتبطين على نحو مستمر. غير أن هذه الحراسة ليست عسكرية محضة، بل تشمل حماية حدود الإيمان والإمامة والولاية والانتظار.
في عصر الغيبة، يكتسب هذا الأمر أهميةً ومعنىً خاصّين: فـ«رابِطوا» تعني الارتباط المستمرّ بولاية الإمام المهدي (عج)، والحفاظ على الصلة الروحية والعملية بالإمام وبتيار الحق، والثبات في مواجهة جميع الانحرافات والفتن.
رابِطوا؛ أمرٌ لوصل القلوب. في الآية ٢٠٠ من سورة آل عمران، بعد الحثّ على الصبر والمصابرة، يقول الله: «وَ رابِطوا». وهذه الكلمة مشتقة من «الرَّبط»، بمعنى الشدّ والوصل والعقد. وتحمل بساطتها الظاهرة معنىً عميقًا في السياقات الاجتماعية والإيمانية؛ وهو مفهوم يستخدمه القرآن بصورة خاصة بشأن الإيمان واتصال القلوب بالحق. الرَّبط؛ توثيق القلوب في لحظات الابتلاء.
في سورة القصص، تمثّل قصة ولادة النبي موسى (عليه السلام) مثالًا واضحًا على المعنى الدقيق لـ«الرَّبط». يقول الله تعالى: «وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَىٰ فَارِغًا ۖ إِن كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَن رَّبَطْنَا عَلَىٰ قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ». (القصص: ١٠)
كان قلب أمّ موسى على وشك الانهيار؛ فقد أفرغ خوفُ قتل طفلها على أيدي جلّادي فرعون قلبَها. وتدلّ الآية على أنها كانت قريبةً من إفشاء السرّ لولا أن الله «ربط» على قلبها.
عبارة «رَبَطْنَا عَلَىٰ قَلْبِهَا» مشتقة من الفعل نفسه المستعمل في الأمر «رابِطُوا». وهذا الربط للقلب ليس مجرد سكينة نفسية، بل هو اتصال عميق بالإيمان. ونتيجة هذا الاتصال، كما تنص الآية، هي «لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ»، أي إن هذا الارتباط القلبي ضروري للإيمان الحقيقي.
ربط القلوب: تمهيد للإيمان في عصر الغيبة بالنظر إلى المعنى الدقيق لـ«رابِطُوا»، يمكن فهم هذا الأمر في سورة آل عمران بوصفه دعوة إلى اتصال داخلي للقلوب بالحق؛ اتصال يجب الحفاظ عليه حتى في ظلمات الابتلاء والخوف وعدم اليقين. وكما نجا قلب أم موسى من الانكسار بفضل إلهي وبقي متصلاً بالحق، ينبغي لقلب المؤمن في عصر الغيبة أن يظل متصلاً وحياً بحقيقة الإمامة، أي بالإمام الغائب (عليه السلام). وهذا «الربط» ليس مجرد معرفة؛ بل هو التزام قلبي، وتعلق روحي، واستعداد دائم لمرافقة حجة الله. رابِطُوا: آلية مجتمع المؤمنين في مواجهة التفرقة والانقطاع إن الأمر «رابِطُوا» ليس مجرد توصية أخلاقية أو فردية؛ بل هو مخطط لبنية المجتمع المؤمن. وهو مجتمع يقاوم، من خلال ربط القلوب والاتصال المستمر بين المؤمنين، التفرقة والعزلة واليأس والانقطاع. رابِطُوا تعني شبكة من القلوب التي تحرس الحق ولا تسمح للابتلاءات بأن تفصلها عن بعضها بعضاً أو عن إمامها.
من ربط القلب إلى التواصي بالحق: ثلاثية النجاة بضم المفاهيم الأساسية من ثلاث سور قرآنية (القصص، وآل عمران، والعصر)، يمكن صياغة ثلاثة أوامر حيوية للنجاة من الخسران على النحو الآتي:
خلاصة تحليلية: ربط القلب، ضمانة بقاء الإيمان في منطق القرآن، إذا لم يرتبط قلب الإنسان بالحق، فإنه ينهار في لحظات الابتلاء. ولا يكتسب هذا الربط معناه إلا من خلال حقيقة محددة: ذلك «الحق» نفسه الذي عُرِّف في الغدير. وقلب المؤمن، ما دام متصلاً بهذه الحقيقة وبقلوب المؤمنين الآخرين، سيبقى على طريق الإيمان، وسيتحرك المجتمع نحو الفلاح والنجاة من الخسران. أما إذا انقطع هذا الاتصال، سواء بسبب الإهمال الفردي أو التشتت الجماعي، فإن تحذير سورة العصر يتحقق: السقوط في الخسران.
ترابط القلوب في قصة أصحاب الكهف؛ صلةٌ في طريق الإيمان. ومن أوضح أمثلة ترابط القلوب في القرآن قصة أصحاب الكهف. يقول الله تعالى في سورة الكهف:
«نحن نقص عليك نبأهم بالحق. إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى. *وربطنا على قلوبهم إذ قاموا فقالوا ربنا رب السماوات والأرض...» (الكهف، ١٣–١٤)
في هذه الآيات ذُكرت جماعة من الشباب الذين وقفوا، بإيمانهم بربهم، في وجه الانحراف والظلم. والذي منحهم القوة على الوقوف والثبات هو: «وَرَبَطْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ» (وثبّتْنا قلوبهم).
وهنا أيضًا استُخدمت الكلمة الجذرية نفسها «رابط»؛ وهو الفعل نفسه الذي سبق أن رأيناه في القصص وآل عمران.
ربط القلب: ضرورة الثبات في الإيمان — سواء في قصة أمّ موسى (القصص: ١٠) أو في قصة أصحاب الكهف (الكهف: ١٤)، فإن ما يحفظ الإنسان كلما واجه اختباراً شديداً أو ابتلاءً عظيماً هو ربط القلب؛ لا مجرد السكينة النفسية، بل التثبيت الإلهي للإيمان وسط عاصفة الأحداث.
وهذا الربط يعني وصل القلب بحقيقة تحمي المؤمن من الشك والانهيار، حتى في خضم الخوف أو الضغط أو العزلة. ولذلك، حين يأمر الله في سورة آل عمران: «رابطوا»، فإنه في الحقيقة يشرّع لجميع المؤمنين هذا الربط الباطني المقوّي للإيمان؛ ربطاً يضمن الثبات الجماعي ويكون الحصن الأخير في أيام الغيبة والفتنة.
رابطوا: واجب متبادل لتقوية القلوب في الإيمان — في ضوء المعنى الدقيق لـ«ربط»، يمكن فهم الأمر «رابطوا» بوصفه مسؤولية متبادلة بين المؤمنين:
يجب أن تضمن بقاء قلوب من حولك ثابتةً على الإيمان، وعليهم بدورهم أن يقوّوا قلبك في طريق الحق. وهذه المسؤولية المتبادلة، إلى جانب الصبر الفردي (ṣabru) والمصابرة الجماعية (ṣābirū)، تُشكّل بناءً متكاملاً لحماية الإيمان. فالإيمان لا يُصان بالمعرفة الشخصية وحدها؛ بل يحتاج المؤمن إلى أن يكون جزءاً من شبكة حيّة وفاعلة ومترابطة من المؤمنين، شبكة تتصل فيها القلوب ويكون كلُّ شخصٍ حارساً لإيمان الآخر.
رَبْطُ القلوب والتواصي بالصبر: جوابٌ لأعداء الحق
يلفت القرآن الكريم انتباهنا بوضوح، من خلال تكرار أوامر مثل «الصبر» و«التواصي» و«اتصال القلوب»، إلى حقيقة عظيمة:
يلفت القرآن الكريم انتباهنا بوضوح، من خلال تكرار أوامر مثل «الصبر» و«التواصي» و«اتصال القلوب»، إلى حقيقة عظيمة:
ثمّة حقيقة حيوية، وأعداء خطيرون يسعون إلى إطفاء الإيمان بتلك الحقيقة. وهم لا يستطيعون إزالة «الحق» ذاته، لكنهم يحاولون انتزاع الإيمان به من قلوب المؤمنين. وفي مثل هذه الظروف، لا يكون طريق النجاة الانسحاب والعزلة، بل الصبر والتواصي واتصال القلوب؛ ذلك الربط الذي يُبقي الإيمان حيّاً وسط عواصف الأحداث.
وهذه الحقيقة هي عينُ ما تبيّن في واقعة الغدير، حين قال النبي محمد (صلى الله عليه وآله):
«والله، إنّ سورةَ العصر نزلت في عليٍّ (عليه السلام): ﴿وَالْعَصْرِ، إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ...﴾ إلى آخر السورة.» (خطبة الغدير)
وعليه، فإنّ الإيمان بأمير المؤمنين (عليه السلام) وولايته هو عينُ «الحق» الذي يجب الدفاع عنه في مواجهة أعدائه بالصبر، والتواصي بالصبر، والارتباط القلبي؛ وإلّا كانت العاقبة هي الخسران الذي حذّرت منه سورة العصر.
اربطوا القلوب بوليّ الله. إنّ الأمرَ «رابِطوا» ليس مجرّد دعوة إلى التواصل الاجتماعي أو التضامن السطحي بين المؤمنين، بل هو تعبير عن ارتباط قلبي عميق يتمحور حول الحقّ والصبر والإيمان.
وفي هذا الإطار، يُكلَّف المؤمنون بما يلي:
- أن يربطوا قلوبهم وقلوب الآخرين بإمام الحقّ؛ وأن يصبروا ويثبتوا أمام الولاية الإلهية؛ وأن يبقوا عونًا وناصحين لبعضهم بعضًا في حفظ هذه الصلة القلبية.
تكتسب هذه الوظيفة معنىً وضرورةً أكبر، ولا سيّما في عصر الغيبة، وهو عصرٌ حافل بالابتلاءات وتكون فيه الحقيقة عرضةً للتحريف. ففي مثل هذه الأزمنة، لا سبيل إلى النجاة والفلاح إلا بتشكّل شبكة من المؤمنين ترتبط قلوبهم بعضها ببعض في طريق الإيمان، ويقوّي بعضهم بعضًا على حفظه.
المرابطة؛ مفهوم جديد في المنظومة الإيمانية القرآنية. ففي الآية ٢٠٠ من سورة آل عمران، رسم الله نظامًا متعدد الطبقات للثبات في الإيمان:
«يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ.»
في هذه الآية أربعة أوامر متعاقبة:
- «اصبروا»: الصبر الفردي؛ «صابروا»: المثابرة المتبادلة وتلقّي الصبر الثابت؛ «رابطوا»: المرابطة وحراسة القلب، لا الجانب العسكري فحسب؛ «اتقوا الله»: وعيٌ بالله يشرف على جميع هذه المراتب.
ومن النقاط المهمة في لفظ «صابروا» أنه جاء على صيغة الفعل المتبادل (المفاعلة)، أي الحثّ على الصبر وقبول الحثّ عليه معاً. ولكنه ليس أيَّ صبر، بل صبر مخصوص عرّفه القرآن وعُرف فيه باسم «الصبر».
ويظهر التعبير نفسه في سورة العصر:
«تَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ»
أي صبرٌ معروفٌ ومحدَّدٌ ومنجٍ.

٣٧. الصبر والحق؛ مفهومان حيّان وحاضران على الدوام
في الإطار القرآني، لا تحمل مفاهيم مثل «الحق» (al-ḥaqq) و«الصبر» (al-ṣabr) دلالةً عامةً غير محدودة؛ بل إنها:
- تشير إلى واقعٍ محدَّدٍ حيٍّ حاضرٍ على الدوام؛ ويجب أن تكون لها تجلّياتٌ تكون عبر التاريخ معاييرَ للهداية؛ وتُعرَّف في آيات القرآن أو في أقوال النبي (صلى الله عليه وآله)؛ وهي موضوعُ التواصي المستمرّ والأبديّ لجميع الناس.
صرّح النبي محمد (صلى الله عليه وآله) في خطبة الغدير قائلاً:
«والله، لقد نزلت سورة العصر في عليّ (عليه السلام)». «وإنها في عليّ، والله، نزلت...»
وبناءً على ذلك، فإن «الحق» و«الصبر» في آية سورة العصر يشيران إلى شخصٍ معيّن: الإمام عليّ (عليه السلام)، الذي عُرّف يوم الغدير إماماً ووليّاً للمؤمنين، وبويع له.
وعليه، فإن «المرابطة» في معناها القرآني هي:
الدفاع عن الإيمان بربط القلوب بإمام الحق والصبر في ولايته.
٣. المرابطة؛ صلة قلبية لحفظ الإيمان
كلمة «رابِطوا» (رابطوا) مشتقة من الجذر «ر-ب-ط» (ر-ب-ط). ويستعمل القرآن تطبيقًا خاصًّا لهذا الجذر في عدة آيات:
أ) سورة الكهف — «وربطنا على قلوبهم»:
«وَرَبَطْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ…» (الكهف: ١٤)
في هذه الآية، ثبّت الله قلوب أصحاب الكهف حين قاموا لإعلان التوحيد. وتدلّ على هذه النقطة كلمة «حين» (إذ) في تتمة الآية. ومن ثمّ، وقع ربط القلوب في سياق نهوض توحيدي.
ب) سورة الأنفال ـ تثبيت القلوب:
«… لِيَرْبِطَ عَلَىٰ قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ.» (الأنفال: ١١)
في هذه الآية، اقترانُ ترابط القلوب بالثبات في ساحة القتال والاستقامة على الإيمان.
٤. المرابطة: واجب قلبيّ اجتماعيّ
وبتلخيص الآيات المتقدمة، يتّضح أنّ:
- «رابِطوا» تعني إيجاد الطمأنينة والثبات في الإيمان في قلوب بعضكم بعضًا. والمرابطة واجب متبادل لتقوية الإيمان في مواجهة الابتلاءات والمحن. وتشمل المرابطة إيجاد الطمأنينة القلبية للمرء وللآخرين في مجال الإيمان. والمرابطة مفهوم قرآني دقيق يرتبط بالصبر والتواصي بالحق.
٥. النجاة مقتصرة على جماعةٍ مخصوصة
في عالمٍ يدّعي فيه كلُّ باطلٍ أنه الحق، لن تنجو إلا جماعةٌ واحدة؛ كما ورد في سورة العصر:
«إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ».
وكذلك تعرّفهم سورة آل عمران على النحو الآتي:
«يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ.»
وهكذا، فإنّ الفلاح لا يعتمد إلا على الإيمان المقترن بالصبر والمصابرة والمرابطة.
الخاتمة:
المرابطة ليست قضيةً سياسيةً أو عسكريةً، بل هي مهمة إيمانية جديدة. وهي واجب يرمي إلى حماية القلوب من الانهيار، ويتمحور حول حقيقة محددة، هي الحق والصبر، كما قُدِّما في القرآن والسنة. وهذا الرباط هو عين الصلة التي طمأنت قلب أم موسى وحفظت أصحاب الكهف في زمن الفتنة.
اليهود والحقيقة التي يجب حراستها في المرابطة: «المرابطة»؛ درعٌ في مواجهة إضعاف الإيمان
من الجوانب المهمة لـ«المرابطة» في القرآن التركيزُ على حقيقةٍ محددة كرّس أعداء الإيمان ــ ولا سيما اليهود وأتباعهم الفكريون ــ جميعَ جهودهم لتدميرها.
في الآية ٧٢ من سورة آل عمران، تُكشَف مؤامرةٌ صريحة من أهل الكتاب:
«وقالت طائفةٌ من أهل الكتاب آمنوا بالذي أُنزل على الذين آمنوا وجهَ النهار واكفروا آخرَه لعلهم يرجعون [أي يرتدّون].»
في هذه الآية، تأمر جماعة من أهل الكتاب ــ والمقصود بحسب السياق اليهود ــ بأن يُظهروا الإيمان في أول النهار ثم يكفروا في آخره، ابتغاءَ إلقاء الشك في قلوب المؤمنين لعلهم يرجعون عن إيمانهم.
إضعاف قلوب المؤمنين: الهدف الكامن
وهذا الفعل مقصودٌ تماماً: إحداث الشك والاضطراب والضعف في قلوب المؤمنين. وهذا هو بالضبط ما تبيّن الآية ٢٠٠ من السورة نفسها سبيلَ تحييده بقولها:
«يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا...»
بعبارة أخرى، في ختام السورة، يصدر الله أمراً يُعدّ بوضوح استجابة مباشرة لتلك المؤامرة ذاتها: في مواجهة أساليب هدم الإيمان، لا بدّ من المصابرة (muṣābara) والمرابطة.
ترابط القلوب في صميم الفتنة
إذا نُظر إلى الآية ٧٢ إلى جانب آيات أخرى مثل:
آل عمران ٣:١٠٠ — «سيردّونكم بعد إيمانكم كافرين…» وكذلك الآيات المتعلقة بـ«الربط على القلوب» (رَبَطَ عَلَى الْقُلُوبِ) في سورتي الكهف والأنفال،
يتّضح أنّ العدوّ يسعى إلى قطع هذه الصلة القلبية وإضعاف إيمان المؤمنين على مستوى القلب.
اشتداد الفتنة في عصر الغيبة
والنقطة الأهمّ أنّ هذه الفتن لم تكن موجودة في زمن حياة النبيّ (ص) ونزول القرآن فحسب، بل تشتدّ في عصر غيبة الإمام المعصوم (ع).
- إنّ عدم الوصول المباشر إلى الإمام والحجّة الإلهية يترك المؤمنين كالأيتام وسط اضطراب الابتلاءات والشبهات. وفي هذا العصر تكتسب المرابطة وصلة القلوب أهمية مضاعفة. ويسعى أعداء الحقّ، الذين يظهرون بهويات متعدّدة، منها اليهود التاريخيون، والأشخاص المتهوّدون، بل وحتى المسلمون المخدوعون، إلى إضعاف اليقين القلبي للمؤمنين تجاه محور الحقّ.
الخاتمة:
في المنظومة القرآنية، ليست المرابطة مجرد عمل اجتماعي أو عسكري، بل هي حركة قلبية وثقافية وعقدية واستراتيجية في مواجهة المؤامرات الشبكية لأعداء الإيمان. ولما كانت هذه المؤامرات تهدف إلى اجتثاث أصل الإيمان من القلب، فقد جعل الله الصبر والمصابرة والمرابطة سبيل النجاة في هذا العصر المضطرب. إن ارتباط قلوب المؤمنين بمحور الحق هو الحقيقة نفسها التي سعى العدو، من البداية إلى النهاية، ولا يزال يسعى إلى قطعها.
لا مجال للتردد؛ «رابطوا» ـ ميثاق انتظار آخر حجةٍ لله
يصدر الله تعالى في الآية الكريمة ٢٠٠ من سورة آل عمران ثلاثة أوامر متتابعة، ويرسم للمؤمنين خريطة طريق:
«يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ»
هذه الآية هي سرّ الثبات واليقظة في أزمنة الفتن. ولا سيما الأمر الثالث، «رابطوا»، فإنه يحمل رسالة حاسمة:
لديك قلب قوي، وعليك أيضاً أن تهيّئ أسباب القوة لقلوب الآخرين. وفي عالم ممتلئ بالقلق وعدم الاستقرار، تعني المرابطة إيجاد الطمأنينة. فالمؤمن لا يرفض التزلزل بنفسه فحسب، بل يصبح أيضاً حصناً من اليقين للآخرين.
المرابطة، سبيل انتظار المهدي الموعود (عجّل الله تعالى فرجه الشريف)
إنّ الخطبة التاريخية الفريدة للنبي محمد (ص)، التي ألقاها في غدير خم، تُعلن بوضوح وتحذير عن ظهور آخر حجّةٍ لله:
«أيها الناس! إنّ نور الله العزيز الجليل فيّ، ثم يُنقل إلى عليّ، ثم إلى ذريته حتى القائم، المهدي…»
تُطرح في هذا المقطع من الخطبة النقاط الأساسية الآتية:
- استمرار النور الإلهي في عليّ (ع) وذريته إلى القائم من آل محمد (عجّل الله تعالى فرجه الشريف)؛ وهو نور لا يمكن انقطاعه، لأن حجّة الله لا تترك الأرض خالية أبداً؛ والقائم (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) هو الشخصية الوحيدة في التاريخ التي ستسترد جميع الحقوق الإلهية وحقوق المؤمنين؛ وتحذير شديد من الارتداد والانصراف عن طريق الحق بعد رحيل النبي — وهو تهديد لا يقاومه إلا الصبر، والثبات والمصابرة، والمرابطة؛ ووصف أمير المؤمنين (ع) في القرآن بصفتين أساسيتين: الصبر والشكر؛ وبناءً على ذلك، فإن الأوصياء الإلهيين أيضاً يحملون هاتين الصفتين نفسيهما.
المرابطة؛ الميثاق القرآني للانتظار. في عصر الغيبة، يكون المؤمنون كالأيتام الذين انقطعت أيديهم عن الأب الهادي؛ ولذلك يصدر الله أمراً استراتيجياً:
«اصبروا وصابروا ورابطوا.»
هذا الأمر هو ميثاق حياة المنتظرين:
اصبروا: حافظوا على أنفسكم في الشدائد؛ وصابروا: اصبروا على «الحق» و«الصبر» وادعوا الآخرين إلى الصبر؛ ورابطوا: اشغلوا مواقع حراسة الإيمان وثبّتوا قلوب الآخرين على الإيمان أيضاً.
الخاتمة
في عالمٍ يكون فيه الإيمان الهدف الرئيس للاضطراب، وتتسلل فيه حالة عدم الاستقرار بسهولة إلى القلوب، لا علاج إلا المرابطة. فالمرابطة ليست نصيحة فردية فحسب، بل هي واجب اجتماعي في مجال الإيمان؛ ومن يثبت في موقع «المرابطة» زمن الغيبة، فإنه سينال حقاً النجاة والفلاح في ذلك الزمان، ولن يكون ممن يفقدون إيمانهم في فتن آخر الزمان وعصر الغيبة.
اعبروا عطاشى؛ الابتلاء عند النهر واستمرار المرابطة
من أهم تجليات السنّة الإلهية في النظام التربوي القرآني أن الإيمان لم يكن يوماً منفصلاً عن الابتلاء والمشقة. وتتجلى هذه الحقيقة بوضوح في سورة البقرة من خلال قصة طالوت وجالوت. فبعد سنوات من الظلم واغتصاب جالوت لأرضهم، طلب بنو إسرائيل من نبيهم أن يعيّن لهم قائداً مختاراً من الله لكي ينهضوا للجهاد لاسترداد حقهم. ويبدو هذا الطلب ظاهراً تعبيراً عن الحمية الدينية والرغبة في الإيمان، إلا أن القرآن يبيّن أن بين الادعاء والعمل ابتلاءً دقيقاً.
عيَّن الله طالوت قائدًا لتلك الحركة الإلهية. فتشكّل الجيش، وعقدت القوات عزمها. ولكن قبيل الوصول إلى ساحة القتال، صدر الأمر الإلهي:
«إنَّ اللهَ مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ، فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي، وَمَن لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي.» (البقرة: ٢٤٩)
اعترض النهر الطريق في اللحظة ذاتها التي كان الجنود فيها عطاشًا. وكان الاختبار بسيطًا ومعقّدًا في آنٍ واحد: أن يشربوا أو يصبروا؛ لكن لكل اختيار ثمنه.
هنا بالضبط تكتسب طبقات «المرابطة» و«المصابرة» معناها. فهذا النهر ليس إلا التجسيد الملموس للحظة التي يجب فيها أن تتغلب على نفسك، وشهواتك، وتعبك، وآلامك، وأن تبقى في صفوف الأوفياء. لم يعد الأمر متعلقًا بالشعارات؛ بل بالاستمرار في العبودية، لا في الظروف المثالية، وإنما في أشدّ الأحوال صعوبة.
هذا السُّنَّة ما زالت ثابتةً راسخةً اليوم. وفي طريق الأسرة المؤمنة تكثر الأنهار؛ فتارةً في صورة الإرهاق اليومي، وتارةً في صورة الضغوط الاقتصادية، وتارةً في صورة نفاد الصبر، وتارةً في صورة ضيق الوقت. ولكن السؤال هو: هل ينبغي أن يُهمَّش تعليم القرآن للطفل، أو الدراسة الشخصية للقرآن، في مثل هذه الظروف؟
لعلّه في نهاية يوم عمل شاق، وسط ثقل الديون وتزاحم الأفكار والضغوط، تنشأ هذه الوسوسة: «لم أعد أستطيع... فلنضع القرآن جانبًا الآن...» ولكن هنا عينُه النهر؛ النقطة ذاتها التي ينبغي أن تعبرها ظامئًا، حيث ينظر الله ليرى: أَتطلب الإيمان في الرخاء وحده، أم تبقى وفيًّا في الشدّة أيضًا؟
الطفل الذي يتعلّم الليلة «بسم الله» بصوتك المتعب ينشأ بين الصخور. والأسرة التي لا تطفئ نور القرآن رغم صعوبات المعيشة هي «الفئة القليلة» التي وعد الله لها بالنصر:
«كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ». (البقرة: ٢٤٩)
وهكذا، لا يتحقق طريقُ المرابطة والمصابرة في ساحة القتال وحدها؛ بل قد تكون الساحةُ الرئيسة بيتًا بسيطًا، ومائدةً متواضعة، حيثُ
يُتخذ القرار بألّا يُهجَر القرآن. وهذا الاستمرار في الوفاء هو الحصن الحقيقي لـ«الرِّباط».
المرابطة في عصر الغيبة: تقوية القلوب، جبهة الإيمان الأمامية. من المنظور القرآني، لا تقتصر مهمة المنتظرين على مجرد الادعاء أو الشوق العاطفي؛ بل هم مكلَّفون بـ«المرابطة». وتختتم الآية الأخيرة من سورة آل عمران، التي تتضمن أربعة أوامر أساسية، بأمرٍ متميز:
«يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ». (آل عمران: ٢٠٠)
يجب على المؤمن أن يثبّت، بجدّ واجتهاد، قلبه وقلوب من حوله على طريق الإيمان بالإمام الغائب (عجّل الله تعالى فرجه الشريف).
وبعبارة أخرى، في زمن يستحيل فيه الوصول المباشر إلى الإمام، تكون رسالتنا أن نبقي قلوب بعضنا بعضاً متصلة بالإمام، وألّا ندع سلسلة المعرفة والمحبة تنقطع. وقد عبّر الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) عن هذا المعنى بوضوح في روايته النيّرة؛ إذ وصف علماء الشيعة بأنهم «مرابطون» يحرسون قلوب المؤمنين من تسرّب الأعداء الفكريين.
«قال جعفر بن محمد (عليه السلام): إنّ علماء شيعتنا مرابطون بالثغر الذي يلي إبليس وعفاريته؛ يمنعونهم عن الخروج على ضعفاء شيعتنا، وعن أن يتسلّط عليهم إبليس وأتباعه، وهم النواصب.
واعلموا أنّ من انتصب لذلك من شيعتنا كان أفضل ممّن جاهد الروم والترك والخزر ألف ألف مرّة؛ لأنّه يدفع عن دين محبّينا، وذلك المقاتل إنّما يدفع عن أبدانهم.»
علماءُ شيعتِنا هم الحُرّاس في خطّ المواجهة الأماميّ مع إبليس وشياطينه؛ فلا يدعون الأعداء يقتربون من ضعفاء شيعتنا، ولا يسمحون لإبليس وأتباعه النواصب أن يتغلّبوا عليهم. ومن يهيّئ نفسه لهذه المهمّة فهو أعظم من مقاتلٍ يخوض مليون معركة ضدّ الأعداء الخارجيين؛ لأنّ دفاعه عن إيمان محبّينا، بينما لا يدافع المقاتل إلا عن أجسادهم.
شيعتُنا مُرابطون؛ ولولاهم لاستولت شياطينُ الجنّ والإنس على القلوب الأضعف لشيعتنا.
في هذه الرواية، تُنقَل الحدود الدفاعية للأمّة الإسلامية إلى القلوب. فثغرُ العقيدة هو تحديداً الموضع الذي يسعى إبليس والنواصب إلى زعزعته. ودور المؤمن في هذه الجبهة لا يقتصر على التمسّك الثابت بإيمانه، بل يشمل أيضاً تقوية قلب أخيه الديني وتحصينه، ممّن قد يتعرّض للشبهة أو دعاية العدوّ أو الهجمات الإعلامية.
وفي ضوء هذا الفهم، تصبح حتى اللقاءات الودّية البسيطة بين المؤمنين، والمجالس التي يُحيى فيها ذكر الإمام المهدي، والحلقات التي تُناقش فيها المفاهيم الدينية وتُجاب فيها الأسئلة، كلّها تجلّياتٍ لترابط القلوب والمرابطة.
كلّما قرّر أبٌ أو أمّ، وسط مشقّات الحياة، بعزمٍ راسخ أن يقوّي إيمان طفله، وأن يغرس اسم الإمام وذكراه في قلبه، وأن يجيب عن شبهاته بالمحبّة والمنطق، فإنّه يحمي حقّاً قلباً من الشياطين.
ولهذا قال الإمام جعفر الصادق (عليه السلام): من دخل هذا الميدان وأنقذ قلبَ شيعيٍّ من الانحراف والضعف، فهو أفضل من ألف مقاتل يُقتلون في ساحة القتال وهم يحاربون الكفّار.
وفي هذا البيان، تُعَدّ قيمة الجهاد الثقافي والروحي في عصر الغيبة مساويةً للجهاد العسكري، بل أعلى منه؛ لأنّ «قلب المؤمن» في نظر القرآن وأهل البيت هو مركز الإيمان وموضع الصلة بالإمام المهدي، وكلّ خطوة تُتخذ لحفظ هذه الصلة وتقويتها هي مصداقٌ واضح للمرابطة.
ومن ثمّ، تكتسب المرابطة في زماننا صورةً متجدّدة: لقاءً دينياً صغيراً في منزل، أو نقاشاً ودّياً أثناء التنقّلات، أو إقامة احتفال منتصف شعبان مع الأسرة، أو دعوة صديق إلى مجلس لأهل البيت، أو الإجابة بهدوء عن شبهةٍ إيمانية، أو حتى حديثاً بسيطاً لتقوية قلب مؤمن.
كلُّ هذه الأمور تتحوّل، في منظومة الانتظار، إلى حصونٍ للمرابطة.
وهنا، فإن الآية الأخيرة من سورة آل عمران ليست مجرّد توصيةٍ تربوية، بل هي خارطة طريقٍ للمنتظِرين: الصبر، والمصابرة، والمرابطة، والتقوى. فإذا روعيت هذه المبادئ الأربعة، تحقّق الوعد الإلهي:
«لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ.»
المرابطة في ميدان التربية: واجب النخب والمعلّمين والوالدين في عصر الغيبة
إذا كانت المرابطة تعني حراسة إيمان القلوب وتقوية الكيان الداخلي للمؤمنين، فإن أولى حصون هذا الجهاد، من دون شك، هي بيوتنا، وفصولنا الدراسية، وحلقاتنا التربوية، وفضاءاتنا الإعلامية. والذين يشغلون هذه المواقع تقع على عاتقهم مسؤولية مضاعفة: إذ يُكلَّفون بأن يكونوا ملاذًا آمنًا لإيمان الأجيال وسط الاضطراب الذي تثيره شياطين الجن والإنس.
إذا كانت المرابطة تعني حراسة إيمان القلوب وتقوية الكيان الداخلي للمؤمنين، فإن أولى حصون هذا الجهاد، من دون شك، هي بيوتنا، وفصولنا الدراسية، وحلقاتنا التربوية، وفضاءاتنا الإعلامية. والذين يشغلون هذه المواقع تقع على عاتقهم مسؤولية مضاعفة: إذ يُكلَّفون بأن يكونوا ملاذًا آمنًا لإيمان الأجيال وسط الاضطراب الذي تثيره شياطين الجن والإنس.
الوالدان في البيت هما طليعة هذا الخطّ الأمامي. فالأم التي، رغم كلّ أتعابها اليومية، تُبقي ذكر أهل البيت حيًّا في أجواء الأسرة، أو الأب الذي، وسط هموم المعيشة، يخصّص وقتًا لأبنائه للحديث عن الإمام الزمان، لا يقومان بالتربية فحسب؛ بل ينخرطان في جهاد المرابطة. فهو يحرس قلب طفله لكيلا تذبل جذور الإيمان في أزمنة الشك.
يشكّل المعلّمون والمرشدون الدينيون الحلقة الثانية من هذه المسؤولية. وهم يواجهون يوميًّا جيلاً يتعرّض لإعلام لا يهدأ، وشبهات، ودعايات سلبية. فإذا خطا معلّم، برفق ومنطق ومحبة واهتمام بالحاجات الفكرية للمراهقين والشباب، في سبيل تربيتهم الروحية، فهو أيضًا «مرابط»؛ حارسٌ لحدود قلوب الشباب في مواجهة النواصب الذين يستهدفون الإيمان تحت ستار المزاح أو الترفيه أو التثقّف.
نخب المجتمع: إنّ الميدان الثالث من هذا الجهاد يقع على عواتقهم. فشبابنا اليوم يواجهون آلاف المضامين المثيرة للتحدّي وشبهات كثيرة، ويحتاجون إلى أجوبة منطقية ودقيقة وعميقة. وكلّ طالب علم يكرّس وقتًا، ويدرس المصادر الموثوقة، ويكتب ردودًا استدلالية موثّقة، وينشرها في صيغ متنوّعة (النصوص، والخطب، والبودكاست، وغير ذلك)، إنما يبني في الواقع حصنًا جديدًا متينًا للمرابطة. وهو رفيق سلاح لمقاتل يحارب في ميدان المعركة ضد إبليس والنواصب، متسلّحًا بالقلم والبيان.
قد يبدو هذا العمل العلمي والفكري بسيطًا وروتينيًا، لكنه في الحقيقة يحمي القلوب والعقائد. ولولا هذه الجهود، لغرق كثير من الشباب في بحر الشك والحيرة. لذلك، يجب على نخب المجتمع أن يبقوا يقظين دائمًا وأن يعدّوا المرابطة واجبًا جادًّا؛ لأن هذه المرابطة هي الركن الرئيس لقوّة مجتمعنا الإيماني.
المرابطة والواجب الاجتماعي: دور جميع الناس في صون الإيمان العام
لا تقتصر المرابطة على البيت أو المدرسة أو الحوزة العلمية؛ بل إنّ علينا جميعًا، في أي موقع اجتماعي أو ثقافي أو سياسي، واجب الحفاظ على هذه الرابطة القلبية والروحية. فإذا استطاع كل فرد أن يحافظ على المرابطة في قوله وسلوكه، وفي الحوارات اليومية، وفي نصرة المظلومين، وفي تبيين حقائق الدين والعصر، نشأت في المجتمع موجة واسعة من الإيمان الراسخ.
لا تقتصر المرابطة على البيت أو المدرسة أو الحوزة العلمية؛ بل إنّ علينا جميعًا، في أي موقع اجتماعي أو ثقافي أو سياسي، واجب الحفاظ على هذه الرابطة القلبية والروحية. فإذا استطاع كل فرد أن يحافظ على المرابطة في قوله وسلوكه، وفي الحوارات اليومية، وفي نصرة المظلومين، وفي تبيين حقائق الدين والعصر، نشأت في المجتمع موجة واسعة من الإيمان الراسخ.
هذه المرابطة العامة جسرٌ بين الفرد والمجتمع، وبين عصر الغيبة والظهور. وبعبارة أخرى، كلما اشتدت هذه الصلة، كان الانتظار أكثر واقعيةً وفاعليةً، وتسارع الأمل بالظهور.
قراءة المقال باللغة الفارسية
المؤلف: حامد صارم
مقالات مشابهة
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد.