ما هي الرواية الصحيحة الوحيدة عن معاوية؟ الإسلام الحقيقي في مقابل الإسلام الأموي: شرح
المؤلف: حامد صارم

توجد رواية صحيحة عن معاوية مفادها أن أنصاره دُهشوا عند سماع هذه الفضيلة إلى حدّ أنهم قتلوا راوي الحديث. الوحيد...
نبأالعظيم، حامد صارم: إنّ دين الإسلام قائم على التأمل والاستدلال، وهو الدين الوحيد الذي يدعو البشر إلى التفكير واتباع العقل السليم. وقد ذمّ القرآن الكريم مرارًا غياب التعقّل، ويذكر، ناقلًا عن أهل جهنم، أن دخولهم النار كان بسبب عدم استعمالهم العقل. (١)
ومع ذلك، ينبغي التنبه إلى أنه كلما أُزيل الاستدلال من ثقافة المسلمين وسلوكهم، فإن الإسلام لا يعجز عن الهداية والارتقاء وإسعاد الإنسان فحسب، بل إن إسلامًا يُداس فيه التفكير يصبح، في مثل هذه الحال، خطرًا عظيمًا يفضي إلى الشقاء في الدنيا والبؤس في الآخرة.
متى لا يبقى شيء من الإسلام؟
في الحقيقة، كلما تُرك الاستدلال ودُفن العقل السليم تحت أنقاض التعصب، والحب والبغض في غير موضعهما، والتفكير المنحرف، فلا يبقى شيء من الإسلام. الإسلام دين العقلاء، ولا يمكن للجاهل أن ينال شرف اعتناق الإسلام. قال الإمام جعفر الصادق (عليه السلام): «مَنْ كانَ عاقِلًا كانَ لَهُ دينٌ، ومَنْ كانَ لَهُ دينٌ دَخَلَ الجَنّةَ». (٢)
الفرق بين الإسلام الحقيقي والإسلام الأموي
إن دور الإسلام الخالي من العقل هو خدمة الطغاة. فهو إسلام مجرّد من الفكر يختار خلفاءه من بني أمية، ولا ريب أن الإسلام بلا عقل ليس إلا الإسلام الأموي. والإسلام المعادي للعقل هو الذي يبرر الأفعال الشنيعة لمعاوية بن أبي سفيان، وفي هذا المذهب اللاعقلاني الرافض للعقل، يجب ستر جرائمه الجسيمة لمجرد أنه يحمل لقب صحابي النبي.
إن التعقل والتفكر هما ما يميزان الإنسان من الحيوان؛ ولذلك لا يمكن تسمية مذهب يُقمع فيه العقل وتُحظر فيه كل أشكال التساؤل بـ«الإسلام»، إلا بمعنى أنه الإسلام الأموي الخالي من كل تعقل. لقد ظل الإسلام الأموي عبر التاريخ في خدمة الطغاة، وللأسف لا يزال هناك حتى اليوم من يدافع عن معاوية.
لو أننا عرّفنا اليوم المفكرين غير المسلمين بمعاوية — بأفكاره وجرائمه وما أدخله في الدين من تحريفات وبدع — وعرضنا عليهم أفعاله الإجرامية واحدًا واحدًا، وهي أفعال أصر عليها إلى نهاية حياته، لما كان أمامهم إلا الإقرار بأن معاوية كان من أعظم المجرمين في تاريخ البشرية. ولذلك فمن المخزي للغاية أن يوجد، حتى بين المسلمين، من يتجرأ على الدفاع عن معاوية وأمثاله، أو يؤلف الكتب لتبرير أفعاله أو ستر جرائمه.
معاوية: ابن أربعة آباء
كان معاوية ابن هند. وعلى الرغم من شيوع الاعتقاد بأن أباه هو أبو سفيان، فإن الباحثين من الشيعة والسنة على السواء أبدوا آراءً مختلفة. وهم ينسبون نسب معاوية إلى عدة أشخاص، منهم مسافر بن أبي عمرو، وعمارة بن الوليد، وأبو سفيان، وشخص آخر مجهول.
قيل إن هند، أم معاوية، كانت تحمل علامات معينة. (٣) وكانت تميل بشدة إلى إقامة علاقات محرمة مع رجال سود البشرة. وكلما ولدت طفلًا أسود البشرة نتيجة تلك العلاقات، كانت تقتل المولود. وقد روى علماء السنة أن مسافر بن عمرو كان مشهورًا بجماله، وأن هندًا وقعت في حبه وأقامت علاقة معه، وأن هذه القضية ذاعت بين قريش.
عندما كانت هند على وشك الولادة، فرّ مسافر من مكة إلى الحيرة خوفًا من والد هند. فزوّجها والدها من أبي سفيان لقاء مبلغ كبير من المال. وبعد ثلاثة أشهر من زواجهما وُلد معاوية. ومن الجدير بالذكر أيضًا أن جدة معاوية لأبيه، وهي أم أبي سفيان، عُرف عنها أنها كانت تمارس سلوكًا مشابهًا، وأن هذا السلوك كان شائعًا بين بني أمية. (٤)
عدم الشرعية: مصدر فخر لأتباع بني أمية
قد يجد بعض القراء أمرًا مدهشًا أن يُسمّى شخص ذو هذا النسب والمكانة العائلية خليفة، وأن يدعمه بعض من يدّعون الإسلام بل ويُظهرون محبتهم له. وفي الجواب، ينبغي القول إن هذا السؤال وجيه، ولا جواب عنه إلا أن عدم الشرعية، في نظرهم، لا يُعد عملًا مشينًا ولا نقصًا أخلاقيًا، بل مصدرًا عظيمًا للفخر.
يُروى أن شخصًا سأل الزهري: «هل يجوز لولد الزنا أن يؤمّ الناس في صلاة الجماعة؟» فأجاب: «نعم، لا بأس بذلك، فإن كبار أئمتنا كانوا أولاد زنا». (٥)
تبرير المؤرخين للدفاع عن معاوية
بعد استشهاد أمير المؤمنين عليّ (ع)، تمكّن معاوية من الاستيلاء على السلطة وإقامة حكم بني أمية. ويميل المؤرخون إلى الدفاع عن كل من يصبح حاكمًا؛ ولذلك، لمجرد أن معاوية نجح في بسط سيطرته، نسجوا له صورةً ممجدة.
حاولوا إثبات أن معاوية قد أسلم قبل فتح مكة، وبنوا على ذلك تصويره كاتبًا للوحي الإلهي. غير أن جهودهم باطلة، إذ إن حال معاوية قبل فتح مكة وبعده معروفة جيدًا. ومن الأدلة التي تدحض هذا الادعاء إقرار المؤرخين أنفسهم بأن رسول الله أدرج معاوية في غزوة حنين ضمن المؤلفة قلوبهم، ومنحه من الغنائم. ولو كان معاوية مسلمًا قبل فتح مكة، لما جعله النبي ضمن هذه الفئة. (٦)
إفصاحات حليف معاوية نفسه عنه
يكتب ابن قيم الجوزية، التلميذ البارز لابن تيمية، أن معاوية أسلم في عام الفتح، بعد غزوة خيبر. (٧) وفوق ذلك، فإن إفصاحات المغيرة، أحد حلفاء معاوية السياسيين ورجل دولة في خدمة بني أمية، لا تترك لمعاوية أي مصداقية أو شرعية إسلامية. فروايته التاريخية تغني عن أي نقاش بشأن إسلام معاوية.
يروي المغيرة أن معاوية قال له في مجلس خاص: «والله، ما دمت حيًّا، فسأسعى إلى دفن اسم محمد ومحوِه». (٨) وبعد مثل هذا القول، هل يهم أصلًا ما إذا كان معاوية قد أسلم في السنة الأولى للهجرة أو بعد فتح مكة؟ ومهما كان وقت إسلامه المزعوم، فقد كان منافقًا قصدُه الحقيقي تقويض الإسلام من داخله.
لما سمع البيهقي بعض الناس يزعمون أن معاوية فقد إيمانه بسبب حربه ضد علي (عليه السلام)، أجاب: «لا، ليس الأمر كذلك؛ لأن معاوية لم يكن مؤمنًا أصلًا. فلم يكن قد دخل في الإيمان حتى يتركه لاحقًا. بل إنه في زمن النبي انتقل من الكفر الصريح إلى النفاق، أي أصبح من المنافقين. ثم عاد بعد وفاة النبي إلى حالته الأصلية من الكفر». (٩)
معاوية وتجارة الأصنام
يروي أبو وائل: «كنتُ مع مسروق في منطقة السلسلة، فإذا بقافلة تحمل أصنامًا وتماثيل من النحاس تمرّ بنا. فلما سألنا عن هذه الشحنة، قيل لنا إنها طلبيةٌ لمعاوية من بلاد السند والهند».
قال مسروق: «لو علمتُ أنهم لا يقتلونني لأغرقتُ هذه القوافل كلَّها، ولكنني أخاف التعذيب. فوالله، ما أدري أيَّ رجلٍ معاوية، ولا إلى أيِّ صنفٍ من الناس ينتمي. أيئس من الآخرة، فهو يجتهد ألّا يفوته من الدنيا شيء؟ أم زُيِّنَت له أعماله السيئة فرآها حسنةً جميلة؟» (١٠)
ما كان معاوية يحمله في يده عند الموت
وأعجب من كل ذلك أن معاوية كان يمسك صليبًا بيده عند موته. فإذا مزجنا قليلًا من العقل بقدرٍ يسير من الإنصاف، ولم نحرم أنفسنا من هاتين النعمتين الإلهيتين، فلن نستطيع أبدًا أن نعدّ معاوية مسلمًا.
وبناءً على كل ما تقدّم، لا بد من القول إن معاوية إما أنه لم يُسلم أصلًا، أو أنه إن أسلم فإن إسلامه كان بلا شك نفاقًا. وفي كلتا الحالتين تبقى النتيجة واحدة: كان معاوية كافرًا.
شجاعة معاوية النموذجية في المعارك!
شارك معاوية في المعارك التي خطط لها أبوه أبو سفيان وموّلها، وأبدى فيها شجاعة عظيمة. وفي غزوة بدر، كان ثلاثة من أبناء أبي سفيان—حنظلة وعمرو ومعاوية—حاضرين. فقُتل أحدهم، وأُسر آخر، وفرّ معاوية من ساحة القتال ماشياً على قدميه، حتى وصل إلى مكة وقد تورمت قدماه والتَهبتا بشدة. واحتاج إلى علاج طبي لمدة شهرين. (١١)
ولإنارة العقول، فلنقارن هذا المشهد برواية تاريخية أخرى. ومع أن مقارنة أمير المؤمنين (عليه السلام) بأشخاص لا شرف لهم ولا حسب هي في ذاتها ظلم، بل إن مقارنة سيد الشجاعة والشرف والنور والهداية بتجسيد الفساد والشر أمرٌ مُشين، فما الحيلة في عصر يُقدَّم فيه الباطل على أنه حق، وتُؤلَّف الكتب لإثبات مشروعيته؟ إنما يُراد من هذه المقارنة تمييز النور من الظلام، لكي يُعمل المتدبرون عقولهم.
لما أتمّ الإمام علي (عليه السلام) مهمته في ليلة هجرة النبي (صلى الله عليه وآله)، انطلق نحو المدينة، يسير ليلاً ويختفي نهاراً. وحين وصل إلى المدينة، كانت قدماه داميتين ومتورمتين.
قال النبي (صلى الله عليه وآله): «ادعوا لي علياً». فقالوا: «إنه لا يقدر على المشي». فذهب رسول الله بنفسه لزيارته، واحتضنه، وبكى على جراحه. ثم وضع شيئاً من ريقه المبارك على قدمي علي، فلم يشعر علي (عليه السلام) بألم فيهما بعد ذلك أبداً، إلى لحظة استشهاده. (١٢)
وبالطبع، لا ينبغي أن نغفل عن شجاعة معاوية في معركة صفين أيضاً، فقد أظهر فيها أعمالاً مماثلة من الجرأة، كما اعترف هو نفسه:
«وضعت قدمي في الركاب، وكدت أفرّ يوم صفين». (١٣)
تبرير المدافعين عن معاوية لتمجيده
ومن اللافت أن بعض المدافعين عن معاوية كتبوا ما يلي في محاولة لتقديسه وتلميع صورته:
«لم يشارك معاوية في معارك بدر وأُحد والخندق والحديبية، التي كانت من أهم المعارك بين المسلمين والكفار.»
غير أن هؤلاء المدافعين الجهلة نسوا أن من تخلّف عن القتال ــ ولا سيما في غزوة أُحد ــ كان الناس يرسلون إليه الكحل، رمزًا لوصفه بالمرأة والجبن، أو يهدمون داره. (١٤)
في الحقيقة، كان معاوية من أشد أعداء الإسلام. فقد حارب الإسلام والنبي الكريم (صلى الله عليه وآله وسلم) ما استطاع، وسعى إلى تدمير الإسلام. وبعد فتح مكة، حين بلغت القوة السياسية والعسكرية للإسلام ذروتها، اعتنق الإسلام على مضض. غير أن إسلامه لم يكن إلا خطوة تكتيكية لمواصلة حربه على الإسلام، لا خضوعًا صادقًا لله ورسوله. ومع ذلك، يحاول كثيرون محو عداوات معاوية للإسلام.
وكأنهم نسوا العملية الاستخبارية التي قام بها حذيفة بن اليمان بأمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في إحدى ليالي غزوة الخندق، حين حاصر الأحزاب، بقيادة أبي سفيان، المدينة. ففي ذلك الوقت، جلس العدو في دائرة ممسكين بأيدي بعضهم بعضًا، خوفًا من تسلل قوات المسلمين، وأخذوا يسأل بعضهم بعضًا عن أسمائهم في ظلام الليل.
يروي حذيفة، الذي كان عالقًا بينهم:
«بكل مهارة وذكاء، سألتُ الشخص الذي عن يساري: “من أنت؟” فأجاب: “عمرو بن العاص”. ثم سألتُ الذي عن يميني: “من أنت؟” فقال: “معاوية بن أبي سفيان”. وبهذه الطريقة، لم يسألني أحد عن شيء، وتمكنتُ من الفرار». (١٥)
يدلّ تقرير حذيفة بوضوح على أن معاوية كان قد وصل إلى الخندق مع الأحزاب والقبائل المختلفة، قاصدًا القضاء على الإسلام. ومع ذلك، لا يوجد في التاريخ ما يثبت أن معاوية سلّ سيفه يومًا أو أظهر شجاعة في أي معركة من أجل الإسلام والنبي (صلى الله عليه وآله). فإما أنه لم يشارك في المعارك أصلًا، أو أنه إن شارك فيها، فقد كان دائمًا ضد الإسلام.
ذروة شجاعة معاوية في معركة صفّين
في معركة صفّين، كان الإمام علي (عليه السلام) يأتي كل صباح إلى ساحة القتال ويدعو معاوية إلى مبارزته. وكان يقول: «لِمَ تُرسل الناس إلى الموت؟ اخرج إلى ساحة القتال، وليتولَّ الأمرَ من يغلب».
عمرو بن العاص رو به معاوية کرد و گفت: «این مرد با تو از روی انصاف سخن میگوید».
ومع ذلك، فبدلاً من مواجهة عليّ (ع) بنفسه، أجبر معاويةُ عمرو بن العاص على القتال نيابةً عنه. ولمّا دخل عمرو ساحة القتال وأيقن أن سيف عليّ (ع) سيرسله مباشرةً إلى جهنم، ألقى بنفسه فجأةً عن فرسه وكشف عورته. فالتفت عليّ (ع) بفرسه عنه، من شرف أخلاقه، فتركه حيّاً.
وفي إحدى الأمسيات، بينما كان معاوية وعمرو بن العاص جالسين معاً على العشاء، نظر معاوية إلى عمرو وبدأ يضحك.
فسأله عمرو: «لِمَ تضحك؟»
فأجاب معاوية: «أتذكّر سرعة بديهتك وحضور ذهنك في صفّين، حين أنقذت حياتك من عليّ (ع) بكشف عورتك!»
فردّ عمرو: «والله، لقد كنتُ إلى يمينك حين دعاك عليّ (ع) إلى ساحة القتال. لقد انحرفت عيناك من الخوف، وكشفتَ شيئاً أخجل حتى الآن من ذكره». (١٦)
«شجاعت بزرگ» معاوية في القتال كانت، بحسب عمرو، طاغيةً إلى حدّ أنه لوّث ثيابه، مع أن عمراً نفسه تردّد في التصريح بذلك صراحةً.
أكثر الشخصيات تأثيرًا في نشر الأحاديث الموضوعة
تدور تقاليد الإسلام الأموي حول اختلاق الفضائل للأشخاص الأشرار. وكان الأمويون من أكبر محرّفي التاريخ، إذ غيّروا مساره لخدمة مصالحهم. ولا شك في أن أكثر من أسهم في الانتشار الواسع لوضع الأحاديث هم الأمويون أنفسهم. وتمثل هذه الخيانة واحدة من أخطر الخدع المرتكبة بحق النبي الأكرم للإسلام.
غير أنه مما يدعو إلى عظيم الفخر أنه بفضل الأئمة المعصومين (عليهم السلام)، لم يتسرّب شيء من الأحاديث الموضوعة التي روّج لها الأمويون إلى مجاميع الحديث الشيعية. وبلا تردد، يمكن الجزم بأن كتب الحديث الشيعية بقيت نقيةً غير ملوثة بوضع الأمويين، بخلاف مجاميع عامة المسلمين (أهل السنة)، التي تمتلئ حتى أكثر كتبها «صحةً»، والتي تدّعي أنها صحاح (ثابتة وموثوقة)، بالموضوعات الأموية.
أنفق معاوية، المهندس الأكبر لنشر الأكاذيب، موارد هائلة في وضع الأحاديث من أجل الترويج للإسلام الأموي. لكنه لم يكن مستثنى من صناعة اختلاق الفضائل؛ فقد اختُلقت له فضائل كثيرة كاذبة ونُشرت على نطاق واسع بين الناس. واليوم، يتشبث بعض الأفراد، ممن يقدّسون فكرة العدالة المطلقة لصحابة النبي (عدالة الصحابة)، بهذه الموضوعات.
ومع ذلك، حذّر العلماء الواعون من أهل السنة من كذب هذه الفضائل المزعومة. واختصارًا، سنمتنع عن سرد الأحاديث الموضوعة نفسها، ونركّز بدلًا من ذلك على شهادات العلماء السنة التي تُقِرّ ببطلان مناقب معاوية المزعومة.
هیچ حدیث صحیحی در فضیلت معاویه وجود ندارد.
لا ينبغي إغفال آراء علماء أهل السنة بشأن الروايات الواردة في فضائل معاوية؛ إذ إنهم ينفون صراحةً وجود حديث صحيح واحد في حقه، ويصرحون بأنه لم يصل إليهم في هذا الموضوع رواية موثوقة واحدة.
يقول إسحاق بن إبراهيم الحنظلي: «ليس عندنا حتى حديث صحيح واحد في فضيلة معاوية». (١٧) ويقول ابن تيمية، وهو من أشد أنصار الأمويين ومعاوية:
«گروهی برای معاویه فضیلتهایی جعل کردند و در این باره احادیثی از پیامبر (ص) روایت نمودند که همه آنها دروغ است». (١٨)
يقول العيني، شارح صحيح البخاري: «لا يوجد حديث صحيح واحد ـ أي ثابت الإسناد ـ في فضائل معاوية». وقد صرّح إسحاق بن راهويه والنسائي وغيرهما بذلك أيضاً. ولهذا عنون الإمام البخاري في كتابه باباً باسم «ذكر معاوية» لا «فضائل ومناقب معاوية». (١٩)
يقول الشوكاني: «يتفق علماء الحديث بالإجماع على أنه لم يُروَ في حق معاوية حديث صحيح واحد». (٢٠) ويقول ابن حجر أيضاً: «هذا الرجل الجاهل الأحمق ـ يعني إسحاق بن محمد السوسي ـ هو الذي روى أحاديث موضوعة وباطلة في مدح معاوية، وهي من القبح بحيث تمجّها الفطرة السليمة وتأبى الأذن سماعها». (٢١)
هؤلاء من كبار علماء التقليد السني، فإذا لم يكن من الممكن الوثوق بأقوالهم في شأن الحديث، فلا يمكن للمجتمع السني أن يعتمد على أحد غيرهم أيضاً. ومع ذلك يبقى سؤال واحد: ما الدافع الحقيقي وراء الوضّاعين الذين اختلقوا أحاديث في مدح معاوية؟
هل يمكن القول إن دافعهم الوحيد لنشر هذه الأكاذيب كان الدنانير الذهبية التي كان معاوية يوزعها بسخاء، أم ينبغي أن نبحث عن دافع أعمق وأكثر أهمية؟ والواقع أن أموال معاوية ودراهمه ودنانيره لم تكن السبب الوحيد لهذه الظاهرة. فقد كان هناك سبب كامن أكثر خطورة، يحتاج إلى تحليل واسع ومفصل. غير أننا سنكتفي، في الإجابة عن هذا السؤال، برواية واحدة من المصادر السنية.
سبب اختلاق الفضائل لمعاوية
يروي عبد الله، ابن الإمام أحمد بن حنبل: «سألت أبي عن رأيه في علي (ع) ومعاوية. فتوقف أحمد بن حنبل لحظة، ثم قال: ماذا أقول في هذين؟ اعلم أن لعلي أعداء كثيرين. وقد اجتهدوا في العثور على عيوب فيه، فلما لم يتمكنوا من ذلك، اتجهوا إلى من قاتله فاختلقوا له الفضائل والمناقب، ليظهروا عداوتهم وبغضهم لعلي». (٢٢)
يعزو أحمد بن حنبل، المعروف بميوله السنية القوية، كثرة الفضائل المكذوبة المنسوبة إلى معاوية إلى شدة العداء لعلي (ع). لكن ينبغي توجيه سؤال جوهري إلى أحمد بن حنبل: هل اختلق أعداء علي (ع) الفضائل لمعاوية وحده وسيلةً لمعارضته، أم أنهم جعلوا الفضائل لكل من وقف في مواجهة علي (ع)؟
إذا قبلنا كلام أحمد بن حنبل في هذه المسألة ــ وهو ما لا مناص من قبوله في ضوء الأدلة التاريخية الغالبة ــ أفلا ينبغي لنا أن نتساءل أيضاً عن جميع الفضائل المنسوبة إلى خصوم علي (ع)؟ فعلى سبيل المثال، ألا ينبغي أن نعيد النظر نقدياً في الفضيلة المروية لأبي بكر بكونه صاحب النبي في الغار، أو في الفضائل المنسوبة إلى الخليفتين الثاني والثالث، وكذلك إلى الذين كانوا ضمن المعارضة لعلي (ع) في أحداث السقيفة والمعاهدة الملعونة؟
إما أن أحمد بن حنبل تعمد الامتناع عن إخبار ابنه، أو نسي أن يذكر له، أن معاوية لم يكن وحده من قاتل علياً (ع). فقد حاربت عائشة وطلحة والزبير وغيرهم كثيرون ضده أيضاً. ولعل تحيزه حال دون إقراره بأن أول معركة ضد علي (ع) وقعت في المدينة، داخل بيته نفسه. وكان أول شهداء أهل بيت علي (ع) المقدس زوجته وابنه ذو الستة أشهر، الذي قُتل بصورة مأساوية حين اقتحم الغاصبان الأول والثاني منزلهما، فتسبب ذلك في سحق الرضيع خلف الباب.
والآن، في ضوء هذه النقاط، لنعد إلى كلام أحمد بن حنبل. يروي عبد الله ابنه: «سألتُ أبي عن عليّ (ع) ومعاوية. فسكت أبي لحظةً ثم قال: يا بُنيّ، ماذا أقول لك عن هذين؟ اعلم أن لعليّ (ع) أعداءً كثيرين. حاولوا أن يجدوا فيه عيبًا، فلما لم يستطيعوا عظّموا من قاتله واختلقوا له فضائل، كل ذلك إظهارًا لعداوتهم لعليّ (ع).»
ينبغي تعديل هذه العبارة على النحو الآتي: «إن من أعظم الخيانات التي ارتكبها أعداء عليّ (ع) اختلاق الفضائل لكل من قاتله، من أبي بكر وعمر إلى عائشة ومعاوية.»
ومع أن هذه العبارة المنقولة عن ابن أحمد بن حنبل تفضي إلى نتائج مهمة أخرى، فإننا سنقتصر في بحثنا الآن على هذه المسألة الواحدة.
غير أنه، إنصافًا، توجد بين جميع الأحاديث الموضوعة في فضائل معاوية رواية واحدة صحيحة وموثوقة. ومن الظلم ألا نذكر هذه الفضيلة الوحيدة الثابتة التي وصلت إلينا بسند صحيح.
الرواية الصحيحة الوحيدة بشأن معاوية
في الواقع، لا توجد في كتب الحديث إلا رواية صحيحة واحدة بشأن معاوية. وقد بلغ فرح أنصار معاوية عند سماع هذه الرواية حدًّا جعلهم يقتلون راوي هذا الحديث. والرواية الصحيحة الوحيدة في شأن معاوية هي أن النبي (ص) قال: «لا أشبع الله بطن معاوية.»
كان الإمام النسائي في مسجد دمشق، فسأله أنصار معاوية أن يروي حديثًا في فضائل معاوية. فأجاب: «لا أعلم له فضيلة إلا هذه: “لا أشبع الله بطنك.”» فلما سمع أنصار معاوية ذلك، عذّبوا الإمام النسائي وضربوه وأخرجوه من المسجد. وبسبب هذا التعذيب توفي الإمام النسائي. (٢٣)
بحسب الذهبي، لم يكن معاوية يشبع قط، وكان يُعَدّ من شرهَي الدنيا. (٢٤) ويروي ابن كثير أن معاوية كان يأكل سبع وجبات في اليوم، وكانت تُقدَّم له في كل وجبة أطباق كبيرة مملوءة بالطعام واللحم. فكان يأكل منها ويقول: «لقد تعبت، ولكني لم أشبع.» (٢٥)
حين يصبح معاوية مَثَلًا
ولهذا، أصبحت فضيلة معاوية المزعومة العظيمة، التي لا ينالها الإنسان العادي، مَثَلًا يُضرَب لمن يفرط في الأكل ولا يشبع أبدًا. وقد قال بعضهم:
«و صاحب لی بطنه کالهاویه کان فی امعائه معاویه؛» كأن في بطن من يظل جائعًا دائمًا جحيمًا، ولا شك أن معاوية يقيم في أمعائه لأنه لا يمكن أن يشبع أبدًا.
صحابيّ النبي الذي قتل شباب الجنة!
إن ما عُرض حتى الآن يرسم ملامح شخصية معاوية، ويلقي الضوء على من كانوا أنصاره وعلى مدى عمق ضلال أتباعه. ومن هذا البحث الموجز يتضح أن تأييد معاوية غير ممكن إلا إذا عطّل المرء عقله واستبدل الفكر بالتعصب الأعمى.
وسنناقش بعد ذلك خياناته للإسلام في الفترة التي أظهر فيها اعتناق الإسلام، وأثناء ولايته على الشام في عهد عمر وعثمان، وبعد اغتيال عثمان. كما سنبحث دوره في إشعال معركتي الجمل وصفّين، ثم صعوده إلى السلطة لاحقاً، الأمر الذي مكّنه من إقصاء خصومه بالمكر والخداع والتلاعب.
كانت بدع معاوية ومساعيه لإثارة الفتنة من أعظم الكوارث في تاريخ الإسلام. فقد استُشهد على يديه كثير من أعاظم شخصيات الإسلام، صفوةُ الله. وكان هو المدبر لمؤامرة اغتيال الإمام الحسن المجتبى (ع)، التي نفذها عملاؤه في المدينة.
ولعلها حقيقة مُرّة أن معاوية هو الذي دبّر، على نحو غير متوقع، واقعة عاشوراء المأساوية في العراق، ووضع أسسها في حياته، وانتهت إلى استشهاد الإمام الحسين (ع) على يد ابنه يزيد، الأكثر شراً منه. وفي الحقيقة، كان يزيد الملعون منفذ مؤامرة خبيثة صمّمها معاوية، ولا بد من بحث هذه المسألة بحثاً دقيقاً.
وخلاصة القول: إن معاوية قاتل سبطي النبي، وهما السبطان اللذان قال عنهما النبي: "الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة." فأي عقل سليم يقبل بأن قاتل سيدي أهل الجنة يدخل الجنة لمجرد كونه من أصحاب النبي، إلا عقلاً شوّهته دعاية بني أمية؟
الهوامش
سورة الملك، الآية ١٠. أصول الكافي، ج. ١، ص. ١١. كان يضع راية على بابه يدعو بها إلى الزنا بالنسب. شرح نهج البلاغة للخُوئي، ج. ٣، ص. ٣٥٠؛ شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، ج. ٢، ص. ١٠٢؛ مطالب العرب، ص. ٧٢؛ ربيع الأبرار، ج. ٣، صص. ٥٤٩–٥٥١؛ الأغاني، ج. ٩، ص. ٤٩؛ العقد الفريد، ج. ٦، ص. ٨٦. المحلّى، ج. ٤، ص. ٢١٣، دار الآفاق الجديدة، بيروت. شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، ج. ١، ص. ٤٩٠. أحكام أهل الذمة، ابن قيم الجوزية، ج. ١، ص. ٩١. شرح ابن أبي الحديد، ج. ٥، ص. ١٢٩، نقلاً عن الموفقيات للزبير بن بكار. الكامل للطبري، ج. ٢، ص. ٢٠٤، الباب ٢٧، القسم ٢؛ الكنى والألقاب، ج. ٢، ص. ١١٤. «إن معاوية خرج من الإيمان حين قاتل علياً (عليه السلام)... قال: لم يدخل معاوية في الإيمان حتى خرج منه، بل خرج من الكفر إلى النفاق في زمن الرسول (صلى الله عليه وآله)، ثم عاد إلى كفره الأصلي بعده». أنساب الأشراف، ج. ٥، ص. ١٣٧. شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد، ج. ١٥، ص. ٨٥. الكامل، ابن الأثير، ج. ١، ص. ٥١٩؛ إحياء التراث العربي. تاريخ دمشق، ج. ٥٩، ص. ١٣٨؛ سير أعلام النبلاء، ج. ٣، ص. ١٥٦؛ العقد الفريد، ج. ٤، ص. ٣٤٠؛ شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد، ج. ٨، ص. ٥٩؛ وفيات الأعيان، ج. ٥، ص. ٢٤١. الإمتاع، ص. ٦٦؛ بحار الأنوار، ج. ١٩، ص. ٢. المغازي، ج. ٢، ص. ٤٨٨؛ سيرة ابن هشام، ج. ٣، ص. ٢٤٢. العقد الفريد، ابن عبد ربه، ج. ٣، ص. ١١٠. اللآلئ المصنوعة، ج. ١، ص. ٣٨٨؛ الموضوعات، ج. ٢، ص. ٢٤؛ الفوائد المجموعة، ص. ٤٠٧؛ البداية والنهاية، ج. ٨، ص. ١٢٣. منهاج السنة، ج. ٢، ص. ٢٠٧. عمدة القاري، ج. ١٦، ص. ٢٤٩؛ فتح الباري، ج. ٧، ص. ٨٣؛ إرشاد الساري، ج. ٦، ص. ١٤١؛ وفيات الأعيان، ج. ١، ص. ٧٧. الفوائد المجموعة، ص. ٤٠٧. لسان الميزان، ج. ١، ص. ٣٧٤. المنتظم، ج. ٣، ص. ٣٧٢. سير أعلام النبلاء، ج. ١٤، صص. ١٣٢–١٢٩؛ وفيات الأعيان، ج. ١، ص. ٧٧. سير أعلام النبلاء، ج. ٣، ص. ١٢٣. البداية والنهاية، ج. ٨، ص. ١٢٣
المؤلف: حامد صارم
مقالات مشابهة
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد.