من «الأخذ» إلى وجوب اتباع العترة: تحليل بحثي للوجه السادس من ستة وستين وجهًا لدلالة حديث الثقلين في «عبقات الأنوار» ونقد عبد العزيز الدهلوي
المؤلف: حامد صارم

في الوجه السادس، يدور النزاع حول فعل واحد: «أخذ». يسأل مير حامد حسين: حين يربط النبي الأكرم(ص) عدم الضلال بـ«الأخذ» بالكتاب والعترة، ويفسّر شُرّاح أهل السنة أنفسهم هذا «الأخذ» بأنه «تمسّك علمي وعملي»، و«عمل»، و«اتباع»، بل حتى «اعتماد على أقوال العترة»، فهل يمكن اختزال حضور العترة في الحديث في مجرد المحبة والتكريم؟ وتكمن قيمة هذا الوجه في أنه يكشف، انطلاقًا من قرينة لفظية موجزة وبالاستعانة بمجموعة من الشواهد من داخل التراث السني، عن المكانة العملية والمعرفية للعترة.
الملخص
تتناول هذه الدراسة إعادة قراءة الوجه السادس من الوجوه الستة والستين لدلالة حديث الثقلين في «عبقات الأنوار»؛ وهو الوجه الذي يستند فيه مير حامد حسين الهندي إلى لفظ «أخذ» في القول النبوي: «إنّي تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلّوا: كتاب الله وعترتي أهل بيتي»، لإثبات وجوب اتباع أهل البيت(ع). وتتمثل المسألة الرئيسة في تحديد العلاقة التي يقيمها «الأخذ» بين الأمة والعترة في بنية الحديث، وما إذا كان يمكن اختزاله في المحبة ورعاية الحرمة أم لا. ويعتمد البحث على التحليل الداخلي لاستدلال «العبقات»، ومقابلته بتلخيصه في «نفحات الأزهار»، ودراسة أقوال علماء أهل السنة الذين استشهد بهم مير حامد حسين نفسه. ويُظهر النص الأصلي أن المؤلف يجمع، قبل الدخول في شرح المعنى، طائفة واسعة لافتة من ناقلي الصيغة المشتملة على «أخذ»، ثم يضع جنبًا إلى جنب ثلاث روايات من «كنز العمّال» وتفسيرات الملا علي القاري، وشهاب الخفاجي، وصديق حسن خان القنوجي، ومحمد معين السندي. وفي هذه المجموعة، يُشرح «الأخذ» بـ«التمسّك»، و«العمل»، و«الاتباع»، و«التمسّك العلمي والعملي»، و«العمل بالروايات»، و«الاعتماد على المقالات». وتخلص الدراسة إلى أن الوجه السادس يُظهر، على أقل تقدير، أن للعترة في حديث الثقلين دورًا هداييًا ومرجعية عملية ومعرفية؛ ومن ثم فإن النفي المطلق لأي صلة بين الحديث ومسألة القيادة الدينية، على النحو الذي قرّره عبد العزيز الدهلوي، لا يستوعب جميع المعطيات اللفظية للحديث ولا فهم الشُرّاح الذين استند إليهم.
الكلمات المفتاحية: حديث الثقلين؛ عبقات الأنوار؛ مير حامد حسين الهندي؛ عبد العزيز الدهلوي؛ الأخذ؛ وجوب الاتباع؛ أهل البيت؛ المرجعية الدينية؛ نفحات الأزهار؛ إلزام الخصم.
١. المقدمة: موقع الوجه السادس في بنية جواب «العبقات»
لا ينبغي النظر إلى قسم دلالة حديث الثقلين في «عبقات الأنوار» بوصفه مجموعة من الاستدلالات المتكررة. فمير حامد حسين، بعد أن يجمع طرق الحديث وألفاظه على نطاق واسع، يُخضع دعوى عبد العزيز الدهلوي للفحص جزءًا جزءًا. ويُفرد كل وجه عنصرًا من عناصر بنية الحديث بالبحث: فتارةً «التمسّك»، وتارةً مرتبة الإلزام، وتارةً الوعد بعدم الضلال، وتارةً عنوان «الثقلين»، وفي الوجه السادس فعل «أخذ» نفسه. وتكمن أهمية هذا المنهج في أن النتيجة النهائية لا تتوقف على كلمة واحدة أو شاهد منفرد، بل تتشكل من تضافر القرائن اللفظية والنحوية والحديثية والتفسيرية.
يقترب الوجه السادس من الوجه الرابع من حيث إن كليهما يتحدث عن «الأخذ»، غير أن نقطة انطلاقهما ليست واحدة. ففي الوجه الرابع، كان البحث يدور حول سبب تسمية القرآن والعترة بـ«الثقلين»، وكيف رأى عدد من الشُّرّاح أن وجه هذه التسمية هو صعوبة «الأخذ بهما والعمل بهما» وأهميته. أما في الوجه السادس، فلم يعد «وجه تسمية الثقلين» هو الموضوع الرئيس؛ إذ إن إحدى الصيغ المستقلة للحديث تنص بنفسها مباشرةً على: «ما إن أخذتم به لن تضلّوا». ومن ثم، فإن موضوع الاستدلال هو ظهور لفظ «أخذ» ومتعلَّقه المشترك، أي الكتاب والعترة.
هذا التمييز مهم من منظور منهج البحث. فإذا كانت عدة طرق للحديث، بألفاظ مختلفة، تعبّر جميعها عن علاقة الأمة بالعترة في أمر الهداية بتعابير من قبيل التمسك والأخذ والاتباع، فإن كل لفظ يؤدي دور قرينة مستقلة. ويعتمد مير حامد حسين تحديدًا على هذا الاستقلال النسبي، ويفرد للفظ «الأخذ» أيضًا ملفًّا مستقلًّا.
٢. كلام عبد العزيز الدهلوي ومدخل الوجه السادس
يكتب عبد العزيز الدهلوي، في معرض نفي دلالة حديث الثقلين على مدّعى الإمامية:
«وهذا الحديث أيضًا، على غرار الأحاديث السابقة، لا مساس له بالمدّعى؛ إذ لا يلزم أن يكون المتمسَّك به صاحب الزعامة الكبرى.»
عبقات الأنوار، ج٢٠، ص٢٦؛ استنادًا إلى النقل المعتمد في المقالات السابقة من هذه السلسلة.
تتمثل صيغة استدلال الدهلوي في أنه لا توجد ملازمة عامة بين «كون الشيء متمسَّكًا به» و«الزعامة الكبرى»؛ ومن ثم لا يمكن استنتاج الإمامة من مجرد كون العترة متعلَّقًا للتمسك. وإذا فُهم هذا الكلام بوصفه قضية كلية مجردة فحسب، فإن موضع النزاع الأساسي لم يبدأ بعد؛ لأن مير حامد حسين أيضًا لا يبني جوابه على دعوى أن كل موجود يكون متعلَّقًا للتمسك بنحو ما هو إمام بالضرورة. إنما النزاع في المصداق الخاص لحديث الثقلين: العترة التي وردت إلى جانب القرآن، وجُعل التمسك بها أو الأخذ بها شرطًا لعدم الضلال، وشرح شُرّاح الحديث من أهل السنة هذه العلاقة بألفاظ الاقتداء والعمل والاتباع.
وعليه، فإن الوجه السادس هو في حقيقته «إعادة البحث من العنوان الكلي إلى البنية الفعلية للنص». فالسؤال ليس عن حكم كل «متمسَّك به»؛ بل عن معنى «الأخذ بالعترة» في هذا الحديث بعينه، مع هذه النتيجة بعينها: «لن تضلوا». فإذا كان معناه الاتباع العملي والمعرفي، فلن يكون جواب الدهلوي كافيًا لنفي صلة الحديث بالمرجعية الدينية نفيًا مطلقًا.
٣. عبارة صاحب «العبقات» وترجمتها السلسة
٣ـ١. أصل دعوى مير حامد حسين
يبدأ مير حامد حسين الوجه السادس بهذه العبارة:
«الوجه السادس هو أن حضرة الرسول، صلى الله عليه وآله وسلم، وطاب مثواه، قد أثبت وحقق أيضًا في هذا الحديث الشريف وجوب اتباع أهل البيت عليهم السلام، بقوله: إنّى تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلّوا: كتاب اللَّه و عترتى أهل بيتي. وقد روى هذا الحديث الشريف، بسياق يشتمل على لفظ الأخذ، كثير من العلماء الأعلام والحفاظ الفخام من أهل السنة، وأوردوه في كتبهم وأسفارهم الدينية.»
عبقات الأنوار، ج٢٠، ص٥٢–٥٣ (بحسب الترقيم المطبوع).
ترجمة وإعادة صياغة سلسة: الوجه السادس هو أن النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله)، في إحدى صيغ حديث الثقلين، قد أثبت أيضًا وجوب اتباع أهل البيت (عليهم السلام) بقوله: «تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا: كتاب الله وعترتي أهل بيتي». وقد وردت هذه الصيغة من الحديث، المشتملة على لفظ «الأخذ»، في مؤلفات عدد كبير من علماء أهل السنة وحفّاظ الحديث.
ومنذ البداية، يتضح عنصران من منهج الاستدلال: أولهما إثبات أن الصيغة المشتملة على «الأخذ» ليست لفظًا هامشيًا منفردًا؛ وثانيهما الانتقال من إثبات هذا اللفظ إلى تحليل معناه. ولهذا السبب، يورد مير حامد حسين، قبل أن يشرح معنى «الأخذ»، قائمة طويلة بناقلي هذه الصيغة من الحديث.
٣–٢. تصريح عبقات بمعنى «الأخذ»
«ودلالة لفظ الأخذ في هذا الحديث الشريف على الاتباع والاقتداء، وكونه بمعنى التمسك، واضحة وجليّة أيضًا. وينبغي أيضًا أن نسمع شطرًا من إفادات أكابر أهل السنة في هذا الباب».
عبقات الأنوار، ج٢٠، ص٥٤.
الترجمة السلسة: إن دلالة لفظ «أخذ» في هذا الحديث على الاتباع والاقتداء، وأن المراد بـ«أخذ» هنا هو التمسك، أمر واضح؛ ومع ذلك، ينبغي أيضًا نقل بعض أقوال كبار علماء أهل السنة بشأن هذا المعنى.
تمثل هذه العبارة النواة الصريحة للوجه السادس. يعلن صاحب «عبقات» سلفًا نتيجته اللغوية والدلالية: فـ«أخذ» في هذا السياق لا يعني «الأخذ» بالمعنى الحسي، ولا مجرد التوقير العاطفي، بل يعني التمسك والاتباع والاقتداء. ثم يورد شواهد من شراح أهل السنة، كي لا يُنظر إلى هذا المعنى بوصفه تفسيرًا شخصيًا للمؤلف.
٤. اتساع نطاق نقل الصيغة المشتملة على «أخذ»؛ إضافة مهمة في «عبقات» مقارنةً بـ«نفحات»
من الفروق المهمة بين النص الأصلي وتلخيص «نفحات الأزهار» مدى استقصاء مصادر الرواية. فـ«نفحات» يورد أسماء جماعة من المحدثين على سبيل المثال لإثبات شهرة هذا اللفظ؛ أما «عبقات» فيسجل قائمة أوسع بكثير. ففي النص الأصلي تظهر أسماء مثل ابن سعد، وابن راهويه، وأحمد بن حنبل، والترمذي، والحكيم الترمذي، وابن أبي عاصم، والنسائي، وأبي يعلى، والطبري، والمحاملي، والطبراني، والثعلبي، والبغوي، والقاضي عياض، وابن الأثير، والخطيب التبريزي، والمِزّي، والخلخالي، والزرندي، وابن كثير، والتفتازاني، وخواجه پارسا، والدولت آبادي، والسخاوي، والسيوطي، والسمهودي، وعلي المتقي، والملا علي القاري، والخفاجي، والبدخشاني، وسليمان البلخي، وصديق حسن خان. وقد نقل عدد من هؤلاء هذا المضمون في أكثر من مؤلَّف أيضًا.
لا تكمن أهمية هذا الاستقصاء، في منطق الوجه السادس، في إثبات صحة كل طريق من طرق الرواية على مستوى واحد؛ بل في إظهار أن لفظ «أخذ» كان حاضرًا في شبكة متنوعة من كتب الحديث والشرح والتفسير والمناقب، ولا يمكن عده قراءة نادرة عديمة الأثر في تاريخ تلقي الحديث.
٤ـ١. علي المتقي الهندي وثلاث روايات من «كنز العمّال»
توفي علي بن حسام الدين المتقي الهندي، المحدّث والجامع الشهير في القرن العاشر الهجري وصاحب «كنز العمّال»، سنة ٩٧٥هـ. ويتمثل دوره في هذا الوجه في توثيق الصيغ الروائية المشتملة على «الأخذ» أكثر مما يتمثل في تفسير معنى الحديث. وينقل مير حامد حسين ثلاثة نصوص من «كنز العمّال» حرفياً:
«فى الاعتصام بالكتاب و السنّة : يا أيّها الناس إنى تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلّوا : كتاب اللَّه و عترتى أهل بيتي ... عن جابر : أيّها النّاس قد تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلّوا : كتاب اللَّه و عترتي أهل بيتي ...»
عبقات الأنوار، ج٢٠، ص٥٤؛ نقلاً عن كنز العمّال.
الترجمة: ورد في باب الاعتصام بالكتاب والسنّة: أيها الناس، إني تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلّوا: كتاب الله وعترتي أهل بيتي. ورُوي عن جابر أيضاً: أيها الناس، قد تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلّوا: كتاب الله وعترتي أهل بيتي.
«عن محمّد بن عمر بن على ، عن أبيه ، عن على بن أبي طالب ، أنّ النبى صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم قال : إنّي تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلّوا : كتاب اللَّه سبب بيد اللَّه و سبب بأيديكم ، و أهل بيتي - ابن جرير ، و صحّحه.»
عبقات الأنوار، ج٢٠، ص٥٤؛ نقلاً عن كنز العمّال.
الترجمة: رُوي عن محمد بن عمر بن علي، عن أبيه، عن علي بن أبي طالب (عليه السلام)، أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «إني تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا: كتاب الله، وهو حبل طرفه بيد الله وطرفه بأيديكم، وأهل بيتي». رواه ابن جرير وصحّحه.
«عن أبى سعيد ، قال : قال رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم : أيّها النّاس ! إنّى تارك فيكم أمرين إن أخذتم بهما لن تضلّوا بعدى أبدا و أحدهما أفضل من الآخر : كتاب اللَّه هو حبل اللَّه الممدود من السماء إلى الارض ، و أهل بيتي عترتي . ألا ! و إنّهما لن يتفرقا حتّى يردا عليّ الحوض - ابن جرير.»
عبقات الأنوار، ج۲۰، ص۵۴؛ نقلًا عن كنز العمّال. في النسخة النصية، سُجّل تصحيف «لم/لن»، وقد اقترح المحقّق نفسه قراءة «لن».
الترجمة: يروي أبو سعيد أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «أيها الناس، إني تارك فيكم أمرين إن أخذتم بهما لن تضلوا بعدي أبدًا؛ أحدهما أفضل من الآخر: كتاب الله، وهو حبل الله الممدود من السماء إلى الأرض، وأهل بيتي، عترتي. ألا وإنهما لن يتفرقا حتى يردا عليّ الحوض».
تؤدي هذه الروايات الثلاث وظيفتين في استدلال مير حامد حسين. أولًا، إن تكرار الفعل «أخذ» في طرق مختلفة يعزّز ثبوت هذا الاستعمال. وثانيًا، في رواية أبي سعيد، يزيل ضمير التثنية في «بهما» أيّ غموض في متعلَّق الفعل: فقد تعلّق «أخذ» صراحةً بكليهما، أي الكتاب والعترة. ويؤدي هذا التركيب النحوي نفسه دورًا أساسيًا في مرحلة التحليل الدلالي.
٥. التقرير المنطقي لاستدلال الوجه السادس
يمكن إعادة بناء استدلال صاحب «العبقات» في مقدمات مرتبة، من دون إضافة أي دعوى من خارج النص:
- 1. في إحدى الصيغ المعتبرة والكثيرة النقل لحديث الثقلين، يقول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): «ما إن أخذتم به لن تضلوا»، ثم يعرّف متعلق هذا «الأخذ» بأنه «کتاب الله و عترتی أهل بیتی».
- 2. في بعض طرق الحديث، ولا سيما رواية أبي سعيد، يدل ضمير التثنية في «إن أخذتم بهما» صراحةً على أن فعل الأخذ يتعلق بكلا الثقلين؛ ولذلك، فمن حيث تركيب الجملة، الأصل هو وحدة نوع علاقة الأمة بكلا المتعلقين، ما لم توجد قرينة على التفريق.
- 3. الأثر المترتب على هذا الأخذ هو «لن تضلوا»؛ أي إن الأخذ بالثقلين مرتبط بالعصمة من الضلال الديني. وتقتضي مثل هذه النتيجة علاقةً هدايةً ومعرفةً، ولا تنسجم مع تفسير حضور العترة تفسيرًا تشريفيًا محضًا.
- 4. فسّر الشراح من أهل السنة الذين ينقل عنهم صاحب «العبقات» لفظ «الأخذ» بألفاظ من قبيل التمسك والعمل والاتباع والاقتداء؛ بل إن الملا علي القاري يستخدم تعبير «علماً وعملاً».
- 5. وفي تفسير الأخذ فيما يتعلق بالعترة، ورد أيضًا الحديث عن «العمل بروايتهم»، و«الاعتماد على مقالتهم»، و«الاعتداد بأقوالهم ... وفتياهم»، و«الأخذ بمذهبهم»؛ ومن ثم، فالموضوع ليس مجرد المحبة أو الاحترام العائلي.
6. إذن، يقرّر الحديث، على أقل تقدير، للعترة شأنًا عمليًا ومعرفيًا في هداية الأمة، ويدعم لفظ الحديث وفهم الشُّرّاح المستشهَد بهم وجوبَ نوع من الاتباع والأخذ عنهم.
النتيجة الأولى لهذه السلسلة الاستدلالية هي «المرجعية في الهداية ووجوب الاتباع». والانتقال من هذه النتيجة إلى جميع تفاصيل النظرية الإمامية في الإمامة، مثل حصر المرجعية، وتعيين مصاديق الأئمة جميعًا، وسائر اللوازم الكلامية، يحتاج إلى مقدمات ووجوه أخرى. وهذا التحديد لا ينتقص من قوة الوجه السادس، ولا يتعارض مع غاية «العبقات»؛ لأن مير حامد حسين نفسه يعدّ هذا الاستدلال واحدًا من ستة وستين وجهًا، لا مجمل ملف دلالة الحديث مختزلًا في جملة واحدة.
٦. أقوال علماء أهل السنة التي يستشهد بها «العبقات»
بعد بيان معنى «الأخذ»، يستشهد مير حامد حسين، بغرض «إتمام الحجة»، بأقوال علماء ينتمون إلى التقليد العلمي للطرف المقابل له. ولا تكمن أهمية هذه الأقوال في أن قائليها قد قبلوا جميع النتائج الإمامية، بل في أنه لا يمكن عدّ المعنى العملي والهدايي لـ«الأخذ» مجرد نتاج قراءة شيعية داخل المذهب. وفيما يلي، يُبحث كل شاهد من خلال تعريف موجز، وإيراد نص العبارة، وترجمتها، وبيان نكتتها الدلالية.
٦ـ١. الملا علي القاري الهروي (ت ١٠١٤هـ): «التمسك العلمي والعملي»
كان نور الدين علي بن سلطان محمد الهروي، المشهور بالملا علي القاري، من أبرز فقهاء الحنفية ومحدّثيهم في القرن العاشر وأوائل القرن الحادي عشر الهجريين. وهو من أهل هراة، وقد قضى قسمًا مهمًا من حياته العلمية في مكة، وتوفي فيها سنة ١٠١٤هـ. وتحتل مؤلفاته الكثيرة في الحديث والفقه والقراءة وشرح المتون، ولا سيما «مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح» وشرحه على «الشفا» للقاضي عياض، مكانة مهمة في تقليد شرح الحديث لدى أهل السنة.
ينقل صاحب «العبقات» أولًا القسم النحوي الدلالي من شرحه:
«فسمعته يقول : يا أيّها الناس ! إنّي تركت فيكم ما - موصولة صلتها إن أخذتم به - أي تمسّكتم به علما و عملا - لن تضلّوا بعده - أي : بعد أخذ ذلك الشّيء - كتاب اللَّه ... و عترتى ...»
عبقات الأنوار، ج۲۰، ص۵۵؛ نقلًا عن مرقاة المفاتيح.
الترجمة: سمعت النبي يقول: أيها الناس، إني تركت فيكم «شيئًا»؛ و«ما» موصولة، وصلتها «إن أخذتم به»؛ أي إن تمسكتم به علمًا وعملًا، فلن تضلوا بعده؛ أي بعد الأخذ بذلك الشيء؛ [وذلك الشيء هو] كتاب الله ... وعترتي.
يُعدّ تعبير «علمًا وعملًا» من أهم الإضافات في النص الأصلي لـ«العبقات». وهذان القيدان يجعلان نطاق «الأخذ» معرفيًّا وعمليًّا في آن واحد: فالتمسك ليس مجرد معرفة فضل العترة أو إظهار محبتها؛ بل هو نوع من الأخذ على مستوى المعرفة والسلوك.
ثم يورد مير حامد حسين جملة أخرى من الملا علي القاري:
«و المراد بالاخذ بهم التمسّك بمحبّتهم و محافظة حرمتهم و العمل بروايتهم و الاعتماد على مقالتهم.»
عبقات الأنوار، ج۲۰، ص۵۵؛ مرقاة المفاتيح؛ نفحات الأزهار، ج۲، ص۲۵۶.
الترجمة: المراد بالأخذ بهم هو التمسك بمحبتهم، وصون حرمتهم، والعمل برواياتهم، والاعتماد على أقوالهم.
تكمن الدلالة المهمة لهذه العبارة في الجمع بين أربعة عناصر. فالملا علي القاري لا يستبعد المحبة والحرمة، لكنه لا يحصر معنى «الأخذ» فيهما أيضًا؛ إذ إن «العمل برواياتهم» و«الاعتماد على مقالاتهم» يضيفان صراحةً بُعدَي المعرفة والحجية إلى العلاقة بأهل البيت.
۶ـ۲. شهاب الدين الخفاجي (۹۷۷ـ۱۰۶۹هـ): «التمسك والعمل والاتباع»
كان أحمد بن محمد بن عمر الخفاجي المصري، المشهور بشهاب الدين الخفاجي، فقيهًا حنفيًا وقاضيًا وأديبًا ولغويًا مصريًا. وُلد سنة ۹۷۷هـ وتوفي سنة ۱۰۶۹هـ، وتولى أيضًا مناصب في الجهاز القضائي العثماني. ويُعدّ كتابه «نسيم الرياض في شرح شفاء القاضي عياض» من الشروح المعروفة لكتاب «الشفا»، وهو العمل الذي استند إليه «عبقات».
«وقال صلّى اللَّه عليه وسلّم في حديث رواه الترمذي عن زيد بن أرقم وجابر، وحسّنه: إنّي تارك فيكم، إشارة إلى قرب أجله صلّى اللَّه تعالى عليه وسلّم وأنّه وصيّة لأمّته، ما إن أخذتم به، أي تمسّكتم وعملتم به واتّبعتموه.»
عبقات الأنوار، ج۲۰، ص۵۵؛ نقلاً عن نسيم الرياض؛ نفحات الأزهار، ج۲، ص۲۵۶.
الترجمة: قال النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في حديث رواه الترمذي عن زيد بن أرقم وجابر وحسّنه: «إنّي تارك فيكم...»؛ وتشير هذه العبارة إلى قرب وفاة النبي ووصيّته لأمّته. ومعنى «ما إن أخذتم به»: إن تمسّكتم به، وعملتم به، واتّبعتموه.
تتجاوز الدلالة هنا حدود التقريب المعنوي؛ إذ يورد الخفاجي ثلاثة أفعال تفسيرية متتابعة: «تمسّكتم»، و«عملتم»، و«اتّبعتموه». وفي الاستدلال بالوجه السادس، يكفي هذا التصريح وحده لإظهار أنّ «الأخذ» قد فُهم في شرح معتبر لدى أهل السنّة بوصفه مرادفاً لعلاقة تقوم على العمل والاتّباع. وإضافة إلى ذلك، يصف الخفاجي الحديث بأنّه «وصيّة للأمّة»؛ ومن ثمّ، فنحن لسنا أمام تقرير تاريخي محايد، بل أمام توجيه للعمل بعد النبي.
۶ـ۳. صدّيق حسن خان القنوجي (۱۲۴۸ـ۱۳۰۷هـ): «لا بدّ من الأخذ بهما»
وُلد محمد صدّيق حسن خان القنوجي، الكاتب والمحدّث الهندي من أعلام القرن الثالث عشر الهجري، في قنوج سنة ۱۲۴۸هـ، وتوفّي سنة ۱۳۰۷هـ. وبعد دراسته في الهند، استقرّ في بهوبال، وأصبح من الشخصيات العلمية ذات النفوذ في شبه القارّة بفضل صلته ببلاط بهوبال وكثرة مؤلّفاته بالعربية والفارسية والأردية. ومن مؤلّفاته في شرح صحيح مسلم كتاب «السراج الوهاج من كشف مطالب صحيح مسلم بن الحجاج».
ينقل مير حامد حسين من شرحه لحديث زيد بن أرقم ما يلي:
«و مسئلة تحريم الزكاة على أهل البيت لها موضع غير هذا الموضع ، و المقصود هنا بيان فضيلتهم ، و أنّهم قسيم كتاب اللَّه فى التعظيم و الاكرام و في التسمية بالثّقل ، و أنّه لا بدّ من الاخذ بهما فانّهما لا يفترقان حتّى يردا على رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم الحوض.»
عبقات الأنوار، ج٢٠، ص٥٥؛ نقلًا عن السراج الوهاج؛ نفحات الأزهار، ج٢، ص٢٥٦.
الترجمة: لمسألة تحريم الزكاة على أهل البيت موضع آخر؛ والمقصود هنا بيان فضيلتهم، وأنهم نظير كتاب الله في التعظيم والإكرام وفي تسميتهم بـ«الثقل»؛ ولا بد من الأخذ بكليهما، لأنهما لا يفترقان حتى يردا على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عند الحوض.
ثمة تعبيران حاسمان في هذا النقل: «قسيم كتاب الله» و«لا بدّ من الأخذ بهما». يُبقي صديق حسن خان القرآن وأهل البيت ضمن البنية المشتركة للحديث، وينسب ضرورة الأخذ إلى كليهما بضمير التثنية. وفي النص الكامل لشرحه أيضًا، يُفسَّر الأخذ بالكتاب بالتلاوة والتدبر والعمل، ويُتحدَّث عن الاقتداء فيما يتعلق بأهل البيت؛ وإن كان يفهم هذا الاقتداء في إطار موافقة الكتاب والسنة. وهذا القيد مهم من المنظور البحثي: فشهادة القنوجي تؤكد أصل لزوم الأخذ والاقتداء.
٦–٤. محمد معين السندي (ت ١١٦١هـ): من «أقوال وفتاوى» أهل البيت إلى «مذهبهم»
محمد معين بن محمد أمين السندي التتوي من علماء الحنفية في شبه القارة الهندية في القرن الثاني عشر الهجري، وقد توفي سنة ١١٦١هـ. وكانت له صلة بالوسط العلمي في السند والهند، ويُعدّ كتاب «دراسات اللبيب في الأسوة الحسنة بالحبيب» من مؤلفاته المعروفة. وينقل «عبقات» من هذا الكتاب، في شرح حديث زيد بن أرقم، عبارة توسّع دائرة التمسك بأهل البيت لتشمل أقوالهم وأعمالهم وفتاواهم ومذهبهم.
«فحملنا قوله : أذكركم اللَّه . على مبالغة التثليث فيه على التّذكير بالتّمسّك بهم و الرّدع عن عدم الاعتداد بأقوالهم و أعمالهم و أحوالهم و فتياهم و عدم الاخذ بمذهبهم.»
عبقات الأنوار، ج٢٠، ص٥٥؛ دراسات اللبيب، ص٢٣٢؛ نفحات الأزهار، ج٢، ص٢٥٦. وضبط «فتياهم» مطابق لما في «نفحات»، وهو الصيغة الصحيحة للكلمة.
الترجمة: حملنا قول النبي الذي كرره ثلاث مرات: «أذكّركم الله في أهل بيتي» على التأكيد البالغ على التذكير بالتمسك بهم، والردع عن عدم الاعتداد بأقوالهم وأعمالهم وأحوالهم وفتاواهم، وكذلك عن عدم الأخذ بمذهبهم.
هذا النقل صريح جدًّا في مسألة المرجعية الدينية. فـ«الفتيا» و«المذهب» ليسا مصطلحين عاطفيين فحسب؛ بل يتعلقان بالحكم الشرعي ومسار الفهم والعمل الدينيين. ولا يقول السندي إنه ينبغي الاكتفاء بمحبة أهل البيت، بل ينهى عن عدم الاعتداد بأقوالهم وفتاواهم وعن ترك الأخذ بمذهبهم. وفي منطق استدلال «عبقات»، يمثّل هذا التفسير تحديدًا النقطة التي تنقل معنى «الأخذ» من مجرد التكريم إلى مجال الأخذ الديني.
٧. خمس نقاط دلالية حاسمة في الوجه السادس
٧.١. وحدة الفعل وتعدّد المتعلَّق؛ الكتاب والعترة تحت «أخذ» واحد
في تركيب «إن أخذتم به ... كتاب الله وعترتي»، أو في الصيغة الأكثر صراحةً «إن أخذتم بهما»، استُعمل فعل واحد في علاقته بمتعلَّقين. ويقتضي الأصل اللغوي، ما لم تَرِد قرينة على خلافه، الحفاظ على النواة الدلالية للفعل في علاقته بكليهما. وعليه، إذا كان «الأخذ بالكتاب» علاقة هداية وعمل، فإن تحويل «الأخذ بالعترة» إلى مجرد الاحترام يحتاج إلى قرينة مستقلة. ويعزّز هذه الوحدة الدلالية شاهد القاري بعبارة «علماً وعملاً»، وشاهد الخفاجي بعبارة «عملتم ... واتبعتموه».
٧.٢. «لن تضلوا»؛ نتيجة معرفية، لا مجرد تكريم شكلي
جواب الشرط في الحديث هو «لن تضلوا». ويتعلّق الضلال في هذا السياق بمسار الهداية الدينية. فإذا كان الأخذ بالثقلين عاملاً في منع الضلال، فلا بد أن يكون لمتعلَّق الأخذ دور حقيقي في إنتاج الهداية أو حفظها أو نقلها. ومحبة أهل البيت فضيلة مستقلة، لكنها لا تفسّر وحدها كيف ارتبط «الأخذ» بهم، شأنه شأن الأخذ بالكتاب، بنفي الضلال في بنية الحديث. ومن هنا لجأ الشُّرّاح إلى ألفاظ العمل والاتباع والاقتداء والاعتماد على أقوالهم.
٧.٣. «علماً وعملاً»؛ بُعدان للمرجعية
للقيد الذي أورده الملا علي القاري أهمية خاصة. فـ«العلم» يتعلّق بالتلقّي والفهم والاعتماد المعرفي، و«العمل» يتعلّق بالسلوك والالتزام العملي. وحين يجتمع كلاهما في تعريف «الأخذ»، تتجاوز علاقة الأمة بالثقلين مستوى المودة أو الأدب الاجتماعي. ويُعدّ هذا التعبير، في التقرير العلمي للوجه السادس، إحدى أقوى الحلقات في توضيح معنى «المرجعية في الهداية».
٧. ـ٤. «لا بدّ من الأخذ بهما»؛ صيغة الضرورة وضمير التثنية
في كلام صديق حسن خان، تفيد عبارة «لا بدّ» معنى الضرورة، ويُدخل الضمير «بهما» الكتاب وأهل البيت معًا في نطاق هذه الضرورة. وحتى إن اختلفت المذاهب في حدود هذه الضرورة، فإن أصل كون أهل البيت ليسوا مجرد موضوع للتكريم، بل قد جُعلوا إلى جانب الكتاب «متعلَّقًا للأخذ»، يتضح بجلاء من العبارة نفسها.
٧. ـ٥. «الفتيا» و«المذهب»؛ الانتقال من الفضيلة إلى المرجعية الدينية
في كلام السندي، يصل البحث إلى «الأقوال» و«الأعمال» و«الأحوال» و«الفتيا» و«المذهب». وهذه الألفاظ تنتمي إلى خطاب الفقه والهداية الدينية. ولهذا السبب، تكتسب هذه الشهادة أهمية خاصة في الرد على قراءة تحصر الحديث في باب الفضائل والمحبة فحسب. وحتى إن لم يتفق السندي ومير حامد حسين في النتيجة الكلامية النهائية، فإن نقطة الالتقاء بينهما هي أن رسالة الحديث بشأن أهل البيت تُنشئ تكليفًا معرفيًا وعمليًا.
٨. تقييم ردّ «العبقات» على الدهلوي؛ ما الذي يثبت وما الذي لا يثبت؟
يمكن الآن تقييم صلة الوجه السادس بكلام الدهلوي بدقة أكبر. يستخدم الدهلوي قضية عامة، هي أن كل متمسَّك به ليس بالضرورة صاحب الزعامة الكبرى. وليس ردّ مير حامد حسين أن هذه القضية باطلة في جميع الحالات؛ بل يتمثل ردّه في بيان خصائص «هذا المتمسَّك به بعينه». فقد وردت العترة في حديث جُعل فيه الأخذ بها مع الكتاب سببًا لعدم الضلال؛ وفُسِّر «الأخذ» في الشروح المستشهَد بها بالتمسك والعمل والاتباع والاقتداء؛ وعند توضيح العلاقة بأهل البيت، جرى الحديث عن العمل برواياتهم والاعتماد على مقالاتهم وفتاواهم ومذهبهم. وهذه المعطيات مجتمعة تنقل العترة من مجرد موضوع للاحترام إلى مرجعية للهداية.
ومن ثمّ، فإن ما يثبته الوجه السادس مباشرةً في مواجهة الدهلوي هو عدم كفاية «النفي المطلق للمساس». فحين يرسم الحديث للعترة مثل هذه الوظيفة، لا يعود من الممكن القول إنه لا توجد أي صلة بين الحديث ومسألة المرجعية أو القيادة الدينية. وعلى أقل تقدير، يتعين على الدهلوي، لكي يحافظ على نفيه، أن يوضح لماذا لا يسهم «وجوب الأخذ والاتباع» و«العصمة من الضلال» بأي قدر في مفهوم القيادة الدينية.
وفي البناء العام لكتاب «عبقات»، تتولى الوجوه الأخرى مهمة استكمال هذا المسار: استمرار التلازم بين القرآن والعترة، ونفي الافتراق، والعصمة من الضلال، ولزوم الاتباع، والأعلمية، والعصمة، وسائر القرائن. ومن ثمّ، تكمن قوة منهج مير حامد حسين في «الاستدلال التراكمي»: إذ يحمل كل وجه جزءًا من عبء الإثبات، ومجموعها هو الذي يشكّل الدعوى الكلامية الأوسع.
٩. الخاتمة
الوجه السادس من «عبقات الأنوار» استدلال يتمحور حول اللفظ، لكنه لا يقتصر على اللغة. يبيّن مير حامد حسين أولًا أن الصيغة المشتملة على «أخذ» قد نُقلت في مجموعة كبيرة من مؤلفات أهل السنة؛ ثم يورد ثلاث روايات من «كنز العمّال» وقع فيها الكتاب والعترة متعلَّقًا للأخذ، مع ورود ضمير التثنية الصريح في أحد طرقها؛ وفي المرحلة التالية، يفسّر معنى هذا الفعل، على ألسنة شرّاح أهل السنة، بالتمسك والعمل والاتباع والاقتداء.
يكشف ملا علي القاري، بتعبير «تمسّكتم به علماً وعملاً» وبإضافة «العمل بروايتهم والاعتماد على مقالتهم»، عن البعدين المعرفي والعملي للأخذ. ويفسّر الخفاجي «أخذ» بـ«التمسك والعمل والاتباع». ويقول صديق حسن خان: «لا بدّ من الأخذ بهما»، فيُسند ضرورة الأخذ، بضمير التثنية، إلى الكتاب وأهل البيت. كما يعدّ محمد معين السندي عدم الاكتراث بأقوال أهل البيت وأعمالهم وأحوالهم وفتاواهم ومذهبهم مخالفًا لاتجاه التأكيد النبوي. ويُوضح اجتماع هذه الشواهد جوهر استدلال مير حامد حسين: فالعترة في حديث الثقلين ليست مجرد موضوع للمحبة والاحترام؛ بل هي، في علاقة الهداية بالأمة، متعلَّق الأخذ والاتباع.
وفي النهاية، يضع الوجه السادس دعوى عبد العزيز الدهلوي، القائلة إن حديث الثقلين «لا مساس له» بدعوى الإمامة، أمام إشكال جدي. فإذا كانت العترة، إلى جانب القرآن، متعلَّقًا لأخذٍ رُتّب عليه عدم الضلال، وكان «أخذ» قد فُسّر في شروح أهل السنة بالاتباع العلمي والعملي، فلا يمكن استبعاد صلة الحديث بالمرجعية الدينية سلفًا. أما البحث في مرتبة هذه المرجعية وحدودها وانحصارها فهو مرحلة لاحقة؛ وأصل وجود صلة هداية هو ما يثبته الوجه السادس بالاستناد إلى لفظ الحديث وشهادة الشرّاح.
المراجع
• مير حامد حسين الهندي، عبقات الأنوار في إمامة الأئمة الأطهار، ج20، قسم دلالة حديث الثقلين، الوجه السادس، ص52–55 (بحسب الترقيم المطبوع؛ وهو المناظر لنطاق ملف PDF المشار إليه في المشروع).
• السيد علي الحسيني الميلاني، نفحات الأزهار في خلاصة عبقات الأنوار، ج2، الوجه السادس: «لفظ الأخذ في الحديث دليل على وجوب الاتباع»، ص255–256.
• علي بن سلطان محمد القاري الهروي، مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح، ذيل حديث جابر في باب مناقب أهل البيت؛ وكذلك شرح الشفا.
• شهاب الدين أحمد الخفاجي، نسيم الرياض في شرح شفاء القاضي عياض، ج3، ص410، ذيل حديث الثقلين.
• علي متقي الهندي، كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال، كتاب الإيمان، باب الاعتصام بالكتاب والسنة، روايات حديث الثقلين بلفظ «أخذ».
• محمد صديق حسن خان القنوجي، السراج الوهاج من كشف مطالب صحيح مسلم بن الحجاج، ذيل حديث زيد بن أرقم وفضائل أهل البيت.
• محمد معين سندي، دراسات اللبيب في الأسوة الحسنة بالحبيب، ص۲۳۲، بحث حديث الثقلين.
• خير الدين الزركلي، الأعلام، مداخل علي القاري، شهاب الدين الخفاجي، صديق حسن خان وسائر الأعلام المستخدمين في التعريفات السيرية.
ملاحظة تحريرية: في النقول العربية، حُفظ أصل العبارة المستند إليها في «عبقات»؛ ولم يُقدَّم الضبط الصحيح «فتياهم» إلا في المواضع الواضحة التي وقع فيها خطأ في التعرّف إلى النص الرقمي، مثل «فيتاهم»، مع التصريح بذلك في متن المقالة.
المؤلف: حامد صارم
مقالات مشابهة
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد.