إنشاء شبكة اتصال سرية كان استراتيجية الإمام الهادي (ع) النضالية
المؤلف: حامد صارم

بعد أن لبّى رسول الله (ص) دعوة الحق وانقطع الوحي، لم تطع الأمة أمر النبي (ص) في الهداة الذين يأتون واحداً بعد آخر، بل شدّت عزمها على عداوتهم واتفقت على إبعادهم عن منصب الخلافة.
غرقت سهام الأمة الظالمة في دم أكباد العترة المجروحة، وشربت رماحها الماء من الحناجر الشريفة لأولئك المطهرين، وصارت سيوفها حريصة على سفك دم آل الله. وشفى أبناء الزنا عطش فسقهم وغضب كفرهم ونفاقهم بدماء ذوي القربى.
ومع أن المصائب التي نزلت بأهل البيت (ع) كانت عظيمة ومؤلمة، فإن حزن أئمة الشيعة وألمهم لم يقتصر على هذه المظالم. فقد كان جهل الناس دائماً من المشكلات والمصائب التي عانى منها أهل البيت (ع). وكم من شدة ومصيبة نزلت بأئمة الشيعة كان سببها جهل أهل زمانهم؛ وكان هذا الجهل أحياناً من جهة المحبين، وانتهى بثمن حياة بعض الأئمة الأطهار.
قال موسى بن جعفر (ع): «إن الله عز وجل غضب على الشيعة فخيرني نفسي أو هم، فوقيتهم والله بنفسي». (أصول الكافي، ج ١، ص ٣٨٦)
كان زمن حياة الإمام الهادي (ع) فضاءً مملوءاً بجهالة أشد من جاهلية زمن الرسول الأكرم. وإنكار انتساب الإمام الجواد (ع) إلى أبيه العظيم هو نفسه شاهد حي على شدة غربة الأئمة المتأخرين من الشيعة ومظلوميتهم. ففي ذلك الزمان كان الناس يفضلون قول القائف على قول الإمام الثامن، ويجعلونه حجة على أنفسهم. وقد عاش الإمام العاشر للشيعة بين قوم غارقين في عمق الظلمة ومتقدمين في الشك.
اضطر الإمام الهادي (ع) إلى الجهاد في عدة جبهات: الأولى، مكافحة جهل الناس؛ والثانية، مواجهة مؤامرات الحكام وفراعنة الزمان الذين حاربوه بدافعين: من جهة الحقد والكراهية التي حملوها لأهل العترة، ومن جهة أخرى لأنهم رأوا أئمة الشيعة أهم منافس وأخطر مشكلة لحكمهم الغاصب. وخصوصاً أن العلويين في زمن الإمام الهادي (ع) قاموا بثورات مهمة وبارزة؛ ولعل هذا هو السبب في أن الخلفاء المعاصرين له اتبعوا بجدية سياسة إبادة الشيعة، وكان الإمام بتوجيهاته للشيعة يفشل خطط الغاصبين الخطيرة.
الضغوط السياسية على الشيعة
نذكّر هنا ببعض ضغوط الخلفاء العباسيين ومؤامراتهم فقط.
أ - نفي الإمام الهادي (ع)
اعتقل المتوكل الإمام الهادي ونقله من المدينة إلى سامراء، حتى يبقى ذلك العظيم تحت رقابة مؤلمة ودائمة بواسطة الجواسيس.
ب - قتل كبار الشيعة
عيسى بن جعفر، وهو من أصحاب الإمام الهادي، جُلد ثلاثمئة جلدة حتى استشهد تحت الضرب. أما ابن بند فضُرب بقضيب من حديد حتى مات مظلوماً. وللتاريخ تقارير مؤلمة عن هذه القصص وعن قتل السادة العلويين جماعياً.
ج - منع نقل الفضائل والروايات
إذا تكلّم أحد في ذلك الزمان عن فضائل أهل البيت أو مناقبهم، أو فسّر وتأوّل آيات القرآن بأحاديث محمد وآل محمد (ص)، لم يكن مصيره إلا ملازمة البيت أو التعذيب أو السجن.
د - تخريب كربلاء ومنع الزيارة
زيارة سيد الشهداء والنجف من الشعائر المهمة للشيعة. ولأجل محو التشيع كاملاً، منع الأعداء زيارة الإمام الحسين (ع) والإمام علي (ع)، وخربوا كربلاء. وأمر المتوكل بتسوية أرض كربلاء وزراعتها حتى تزول آثار القبر تماماً.
هـ - سجن الإمام
مع أن الإمام كان حاضراً في منطقة العسكر، وهي أشبه بالسجن، أمر المتوكل بسجنه مدة، ثم أمر بقتله، لكن الأمر لم ينفذ وقُتل المتوكل نفسه.
الضغوط الاقتصادية
أ - منع التعامل مع أبناء علي (ع)
لم يكن لأحد حق البيع والشراء معهم أو معاشرتهم أو الاتصال بهم، ولا مساعدتهم. بل حتى لو أعطى أحد ذرية النبي، الذين كانوا يعيشون في فقر وحرمان مادي، شيئاً قليلاً من الطعام، كان يُغرّم ويُعاقب.
ولهذا ضاقت معيشتهم واشتد الضغط عليهم إلى حد أن نساءهم لم يكن يملكن لباساً أو قميصاً مناسباً للصلاة يسترن به كامل أبدانهن عند الصلاة، فكنّ يصلين بالتناوب بثوب واحد.
ولهذا ضاقت معيشتهم واشتد الضغط عليهم إلى حد أن نساءهم لم يكن يملكن لباساً أو قميصاً مناسباً للصلاة يسترن به كامل أبدانهن عند الصلاة، فكنّ يصلين بالتناوب بثوب واحد.
ب - حرمان العلويين من الملك والتنقل
ألا يُعطى أي علوي أي ملك، ولا يُسمح له بركوب الخيل أو الانتقال من الفسطاط إلى المدن الأخرى.
ج - منع العلويين من امتلاك أكثر من عبد واحد
ألا يُمنح أي علوي إجازة في امتلاك أكثر من عبد واحد.
د - التمييز القضائي ضد العلويين
إذا وقع نزاع بين علوي وغير علوي، يستمع القاضي أولاً إلى كلام غير العلوي، ثم يقبله من دون أن يتحدث مع العلوي.
النضال السياسي للإمام الهادي (ع)
مع أن الظروف لم تكن مهيأة لقيام الإمام العاشر، فإنه قام، من أجل هداية الأمة وإيقاظها لمواجهة الحكام الظالمين، بإجراءات منها:
١. تحدي شرعية الحكومة: كان الإمام يستغل كل فرصة لتحدي شرعية الحكم العباسي، ويحذر المسلمين من أي تعاون معهم. وفي جواب رسالة محمد علي بن عيسى، وكان من موظفي الدولة العباسية وسأل عن التعاون معهم، قال:
«ذلك المقدار من التعاون الذي يقع بالإكراه والجبر لا إشكال فيه، والله يقبل العذر، أما غير ذلك فهو غير جائز ومذموم».
٢. مواجهة فقهاء البلاط: من حيل الخلفاء العباسيين لخداع الناس استخدام فقهاء البلاط لاكتساب ثقة الناس وإظهار التدين. فنهض الإمام الهادي (ع) لمواجهة هذا الهدف، وبمواجهتهم كان يتحدى شرعية الحكومة بطريقة أخرى.
٣. إنشاء شبكة اتصال سرية، وهي منظمة الوكالة: سبق أن الإمام، بهدف إعداد الناس لعصر الغيبة، أطلق شبكة اتصال الوكالة باختيار وكلائه في المناطق المختلفة.
ومن جهة أخرى، استطاع الإمام بهذه الشبكة أن يبقى على اتصال بأهل المناطق المختلفة، حتى يمكن جمع الضرائب الإسلامية، والإجابة عن مشكلات الناس الفقهية والعقائدية، وفي النهاية مراقبة المجتمع الإسلامي وهدايته. ولتنظيم شبكة الوكالة قسم الإمام البلاد الإسلامية إلى أربع مناطق.
الناحية الأولى: بغداد والمدائن والكوفة.
الناحية الثانية: مركزها البصرة والأهواز.
الناحية الثالثة: مركزها قم وهمدان.
الناحية الرابعة: مركزها الحجاز واليمن ومصر.
الناحية الثانية: مركزها البصرة والأهواز.
الناحية الثالثة: مركزها قم وهمدان.
الناحية الرابعة: مركزها الحجاز واليمن ومصر.
ظهرت النتائج العملية لهذه المنظمة المنسقة أكثر بعد نفي الإمام إلى سامراء، ومع عدم إمكان الاتصال المباشر بالإمام ازداد الدور البنّاء لهذه المنظمة. وكان وكلاء الإمام الهادي (ع): أيوب بن نوح دراج النخعي، وأبو علي بن راشد، وعلي بن جعفر، وإبراهيم بن محمد الهمداني.
وقد سجل التاريخ رسائل الإمام في نصب الوكلاء أو تذكيرهم. وبالطبع يمكن ذكر نشاطات الإمام في أبعاد أخرى أيضاً، مثل تربية تلامذة بارزين، ونقل المعارف الشيعية الخالصة، ومواجهة الاتجاهات المنحرفة ومنها التصوف، لكن هذا المختصر لا يتسع لذلك.
كانت شبكة الوكالة من أهم تدابير الإمام؛ إذ اعتاد الناس من خلالها الاتصال غير المباشر بالإمام، وهذا هيأ الشيعة لفهم عصر غيبة آخر أئمتهم واستيعابه، ولذلك لم ينحط التشيع في زمن غيبته.
المصادر
١. الإرشاد للشيخ المفيد
٢. مروج الذهب، ج ٢
٣. ترجمة مقاتل الطالبيين
٤. بحار الأنوار، ج ٥٠
٥. وسائل الشيعة، ج ١٢
٢. مروج الذهب، ج ٢
٣. ترجمة مقاتل الطالبيين
٤. بحار الأنوار، ج ٥٠
٥. وسائل الشيعة، ج ١٢
المؤلف: حامد صارم
مقالات مشابهة
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد.