نبأ العظيم
المقالاتفيديوالصوتالصور
نبأ العظيم

منصة بحثية وإعلامية لتاريخ الإسلام ومعارف الشيعة والإجابة الموثقة عن أسئلة اليوم.

الوصول
المقالاتالبحث
الموضوعات
الإمامةتاريخ الإسلامالرد على الشبهات
اللغات
فارسیالعربيةEnglish
15 مهر 1404 ه‍.شالأشرار وأعداء أهل البيت عليهم السلامتشييد المطاعنمطاعن-ابوبکربن-ابی-قحافه

«تشييد المطاعن: تحليل علميّ لدحض دعوى مشروعية الخلفاء الأوائل» (١٣) الضرورة العقلية للعصمة: من مأساة مالك بن نويرة إلى أزمة مشروعية الخلافة

المؤلف: حامد صارم
«تشييد المطاعن: تحليل علميّ لدحض دعوى مشروعية الخلفاء الأوائل» (١٣) الضرورة العقلية للعصمة: من مأساة مالك بن نويرة إلى أزمة مشروعية الخلافة

الضرورة العقلية للعصمة في محكّ التاريخ: من جريمة مالك بن نويرة إلى أزمة شرعية الخلافة

يتناول هذا البحث، بالاستناد إلى «الضرورة العقلية للعصمة في الإمامة»، القضية الدموية لمالك بن نويرة، ليحوّل نزاعاً تاريخياً محضاً إلى مسألة معيار الشرعية. ويكشف التعارض الصريح بين اعتراض عمر (النص والمطالبة بالقصاص) ودعم أبي بكر لخالد (التأويل والقياس) كيف تؤدي الطاعة المطلقة لغير المعصوم إلى تهميش العدالة وإطلاق اسم «الاجتهاد» على الجريمة. ومن خلال نقد موثّق لدفوع الدهلوي، يبيّن المقال أن أدلة مثل «صاحبكم»، و«الفرح في بيت مالك»، وكون المرأة فيئاً، لا تثبت سنداً ولا دلالة؛ ويخلص إلى أن تجربة مالك برهان عملي على اشتراط العصمة لصيانة العدالة.
الملخّص
يبيّن هذا المقال، اعتماداً على مبنى «الضرورة العقلية للعصمة في الإمامة»، أن بنية السلطة غير المعصومة، ولا سيما حين تطالب بالطاعة المطلقة، تفضي إلى نزع الشرعية عن العدالة وإضفاء الطابع المؤسسي على تبرير الخطأ والجريمة. ولاختبار هذه الدعوى اختباراً تجريبياً، يحلّل المقال الملف التاريخي لـ«مالك بن نويرة»: فقتل مالك على يد خالد بن الوليد ومباشرة خالد لزوجته، إلى جانب دعم أبي بكر واعتراض عمر الصريح (مع المطالبة بالقصاص والحد)، يكشفان صدعاً منهجياً يتمثل في «تقديم القياس على النص». ويناقش المقال، بنقد موثق ومنهجي، دفاعات شاه ولي الله الدهلوي في تحفة اثنا عشرية—استناداً إلى روايات الطبري وابن خلّكان والقاضي عياض وشروح الحديث—ويبيّن أن أدلة من قبيل تعبير «صاحبكم»، ودعوى «الفرح في بيت مالك»، و«كون زوجة مالك فيئاً» أو «النكاح بعد العدّة»، لا تملك من حيث الدلالة والسند قدرة على إثبات الردة أو رفع المسؤولية الشرعية. كما يخلص، بالاستفادة من «قاعدة الإلزام» والتمييز بين «النص/القياس»، إلى أن تفضيل المصلحة السياسية على العدالة الشرعية يفضي إلى انهيار معيار الشرعية وتحويل «الفعل الحرام» إلى «اجتهاد مأجور». وتتمثل حصيلة البحث في تعزيز الاستدلال العقلي على اشتراط العصمة في الإمامة وإضعاف دعوى شرعية خلافة غير المعصوم في ضوء واقعة مالك بن نويرة.
الكلمات المفتاحية: العصمة؛ الإمامة؛ مالك بن نويرة؛ خالد بن الوليد؛ أبو بكر؛ عمر بن الخطاب؛ تحفة اثنا عشرية؛ تشييد المطاعن؛ قاعدة الإلزام؛ القياس في مقابل النص؛ مانعو الزكاة؛ العدالة؛ شرعية الخلافة؛ تاريخ صدر الإسلام.

المقدمة

إن الإمامة والقيادة إذا لم تكونا من جانب الله تعالى فهما أبعد أنظمة الحكم عن العدالة. والعقل يحكم بوضوح بهذه الحقيقة: إن منصب الإمامة لا يمكن أن يكون ضامناً للعدالة والكرامة الإنسانية إلا إذا كان صاحبه معصوماً. ولذلك يقف العقل أمام مفترق حاسم: فإما أن يُقبل بأن الإمام معصوم لكي تُصان العدالة والإنسانية، وإما أن يُقبل بأن الظلم وسفك الدماء والجرائم التي لا تنتهي ستكون جزءاً لا ينفك عن كل حكومة غير معصومة. وقصة مالك بن نويرة الدموية برهان حي على هذه الحقيقة. ففي هذه الحادثة، قُتل مسلم بريء، وانتهكت حرمة زوجته، وأُسر أو قُتل رجال ونساء قبيلته باسم الدين وباسم الله؛ ولم تقترن هذه الجريمة بالصمت فحسب، بل بالدعم الصريح من الخليفة. ومثل هذا السلوك يعني أنه حين يهيمن حاكم غير معصوم على المجتمع باسم الله، لا يبقى حدٌّ للظلم. وإن قبول مثل هذه الإمامة والحكومة هو في الحقيقة قبول بكل الجرائم الممكنة، سواء وقعت بالفعل أم بقيت في دائرة الإمكان. إذ بعد أن يُعد الحاكم مطلق العنان، الذي يُعتبر الاعتراض والقيام عليه غير جائز، واجبَ الطاعة، فما الذي يمكن أن يمنع يده من التعدي والجور؟ إن المطاعن المختلفة، ومنها قصة قتل مالك بن نويرة، لا تشهد فقط على عدم أهلية الحكام الأوائل، بل توضح أيضاً أصلاً برهانياً: كل نظرية لا تجعل العصمة شرطاً للإمامة تكون قد شرعنت الظلم والجريمة عملياً. وهذه المطاعن ليست نقداً للأفراد فحسب؛ بل هي إبطال لنظرية لا تعد العصمة شرطاً للإمامة، وقد طُرحت لمجرد الدفاع غير المعقول عن الحكام الأوائل. وفي الدراسة التاريخية والكلامية لأداء الحكام الأوائل، يعد رد فعل عمر بن الخطاب على أفعال خالد بن الوليد المثيرة للجدل، وموقف أبي بكر الداعم لها، من أهم مواضع الخلاف وأكثرها حسماً؛ وهو تعارض تترتب عليه آثار عميقة، لا من المنظور الأخلاقي والفقهي فحسب، بل من منظور الشرعية السياسية أيضاً. وفي المقال السابق، مع التركيز على قصة قتل مالك بن نويرة وعلاقة خالد بزوجته، تبيّن أن دفاع أبي بكر عن خالد في مواجهة اعتراض عمر الصريح يكشف عن فجوة خطيرة بين «قول وفعل» الخليفتين. فقد عدّ عمر فعل خالد صراحةً «قتل مسلم» و«زناً»، وطالب بإقامة الحد وعزله؛ غير أن أبا بكر، بتعليل لا وجه له، اعتبر سلوك خالد «خطأً في الاجتهاد» وأعفاه. وبناءً على ذلك، لا يبقى لهذا الاستدلال العقلي موضع خدش:
فهرس المحتويات
  1. الضرورة العقلية للعصمة في محكّ التاريخ: من جريمة مالك بن نويرة إلى أزمة شرعية الخلافة
  2. المقدمة
  3. ١) بنية السلطة في الخلافة المبكرة: من العدالة النبوية إلى سياسة أبي بكر
  4. ٢) التستر على الجريمة باسم الاجتهاد: قتل مالك والاعتداء على زوجته
  5. ٣) التواطؤ في السلطة؛ لماذا دعم أبو بكر خالداً؟
  6. ٤) نقد مستندات تحفة اثناعشریه وتحليل عميق لبنية السلطة
  7. الجواب التفصيلي عن مستندات الدهلوي — دعوى الارتداد بسبب لفظ «صاحبکم»
  8. النتيجة العلمية
  9. ٥) كارثة إضفاء الطابع المؤسسي على تبرير الظلم في تاريخ الخلافة
  10. ٥.١) من الخطأ الفردي إلى ترسيخ آلية متمحورة حول السلطة
  11. ٥.٢) تسييس العدالة؛ إحلال القهر محل الشريعة
  12. ٥.٣) خلافة بلا عدالة، خلافة بلا نبي
  13. ٥.٤) النتائج التاريخية: من بدعة خالد إلى سنة الخلفاء
  14. تصريح الدعوى والنتيجة الوسطى: فقدان أهلية الخلافة
  15. إبطال دعوى الدهلوي: لماذا لا تُقبل «تبرئة خالد» من قِبل أبي بكر
  16. ١) الدعوى وموضع النزاع
  17. ٢) تقييم الأدلة: «ردّة» أم «تأويل»؟
  18. ٣) النتيجة المنطقية لكلام عمر وجواب أبي بكر
  19. ٤) السؤال الجوهري: لماذا عُمِّمت العقوبة على القبيلة؟ وماذا تدلّ عليه إعادة الأسرى؟
  20. ٥) تقديم النص على القياس: شهادة النووي
  21. ٦) السلوك بعد القتل: الاستيلاء على زوجة مالك والنقد الأخلاقي
  22. ٧) خلاصة هذا القسم: تبرئة أم تستّر؟
  23. النتيجة النهائية للمقال
الوسوم:اثبات-تاریخی-عصمتاهل سنتتحفه اثنی عشریهتشیید-المطاعنحامد صارمضرورت-تاریخی-عضمتضرورت-عقلی-عصمتعصمتمطاعنمطاعن-ابوبکرنبأالعظیمنباءالعظیمنباالعظیم

مقالات مشابهة

تشييد المطاعن: تحليل علميّ لدحض دعوى شرعية الخلفاء الأوائل (٥) (المطاعن والإمامة)
11 فرفردن 1404 ه‍.ش
تشييد المطاعن: تحليل علميّ لدحض دعوى شرعية الخلفاء الأوائل (٥) (المطاعن والإمامة)
المؤلف: حامد صارم
الإمامةغير مصنفتشييد المطاعنعصمت-امامالكتب الشيعيةالكتب الكلامية
#اتفاق#اعتراف-ابوبکر-به-حق#امامت
تشييد المطاعن: تحليل علمي في ردّ دعوى مشروعية الخلفاء الأوائل (٤) (تحليل المطاعن في الكلام الشيعي)
9 فرفردن 1404 ه‍.ش
تشييد المطاعن: تحليل علمي في ردّ دعوى مشروعية الخلفاء الأوائل (٤) (تحليل المطاعن في الكلام الشيعي)
المؤلف: حامد صارم
الإمامةتشييد المطاعنعصمت-امامالكتب الشيعيةالكتب الكلامية
#امامت#تحفه اثنی عشریه#تشیید-المطاعن

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد.

    الكبرى العقلية: إذا لم يكن الإمام معصوماً، ومع ذلك عُدّت طاعته المطلقة واجبة باسم الله، وعُدّ كل اعتراض وقيام غير جائز، فلن يبقى أي رادع أو ضابط يمنع الظلم وسفك الدماء والجريمة؛ فقبول مثل هذا الإمام يعني قبول جميع الجرائم بالفعل وبالقوة. الصغرى التاريخية: في واقعة مالك بن نويرة، قُبلت الطاعة المطلقة ومنع الاعتراض، وكانت النتيجة وقوع ظلم ظاهر—قتل مسلم بريء، وانتهاك حرمة زوجته، ودعم الخليفة لهذه الأفعال. النتيجة: يحكم العقل بأن السبيل الوحيد لضمان العدالة هو اشتراط العصمة في الإمامة؛ وأن المطاعن التاريخية، فضلاً عن إثباتها عدم أهلية الأشخاص، تبطل أيضاً أصل نظرية الإمامة غير المعصومة.
ويمكن بيان ذلك في ثلاث جمل:
    يقف العقل أمام مفترق حاسم: فإما أن تكون الإمامة معصومة لكي تُضمن العدالة والكرامة الإنسانية، وإما أن تكون غير معصومة فيصبح الظلم والجريمة اللذان لا ينتهيان أمراً لا مفر منه. وقصة مالك بن نويرة نموذج تاريخي حي يكشف هذا الخطر، ويبيّن أن دعم الحاكم غير المعصوم يعني إضفاء الشرعية على الجريمة. ولذلك فإن المطاعن التاريخية لا تُظهر عدم أهلية الأفراد فحسب، بل تنقض أيضاً، بصورة برهانية قاطعة، نظرية الإمامة بلا عصمة.
من منظور قاعدة الإلزام المقبولة في علم الكلام—ولا سيما على أساس اعتقاد أهل السنة أن كلام عمر مطابق للحق—فإن مثل هذا الموقف ينطوي على تعارض، بل يقدح في أهلية أبي بكر للخلافة. فإذا كان الحق مع عمر، كما يدعي أهل السنة في رواياتهم، فإن أبا بكر، بإغفاله العدالة والقصاص، ليس خليفة غير عادل فحسب، بل هو فاقد من الأساس للأهلية العقلية والشرعية والأخلاقية للحكم. وفي هذا المقال، الذي يعد استمراراً للبحث السابق، نعتزم، مع دراسة أدق لأبعاد هذا التعارض على أساس قاعدة الإلزام، أن نجيب عن بعض أهم دفاعات شاه ولي الله الدهلوي في «تحفة اثني عشرية»—ولا سيما في بابها العاشر الذي كُتب دفاعاً عن أداء خالد بن الوليد. وسيقوم هذا الجواب على التحليلات الموثقة والمنهجية لكتاب «تشييد المطاعن» القيّم، من تأليف المرحوم السيد محمد قلي الكنتوري، وهو كتاب أدى دوراً محورياً في الرد العلمي على «تحفة اثني عشرية» وكشف مواطن ضعفها النظري. وفي هذا المسار، سنسعى إلى كشف الطابع التبريري لبعض القراءات للتاريخ، وإلى إعادة قراءة أسس الشرعية الدينية والأخلاقية للخلافة في ضوء النصوص الإسلامية والعقلانية الكلامية ومحورية العدالة.

١) بنية السلطة في الخلافة المبكرة: من العدالة النبوية إلى سياسة أبي بكر

إن دراسة واقعة قتل مالك بن نويرة من زاوية مخالفة فردية فحسب هي قراءة سطحية لتلك الحادثة. فما يجري في صميم هذه الواقعة هو تعارض جوهري بين نموذج الحكم النبوي والنظام السياسي العسكري السائد في عهد أبي بكر. فقد جعل رسول الإسلام (ص) الأصل حفظ كرامة الإنسان المسلم حتى في الحرب، إذ قال: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها» (صحيح البخاري، كتاب الإيمان، حديث ٢٥). وفي المقابل، قال أبو بكر، جواباً عن اعتراض عمر بن الخطاب على قتل مالك وقومه استناداً إلى هذا الحديث: «والله لأقاتلنّ من فرق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال، ولو منعوني عقالاً كانوا يؤدونه إلى رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم لقاتلتهم على منعه» (صحيح البخاري، كتاب الزكاة، حديث ١٣٩٩). ويُظهر هذا الجواب بوضوح أن محور الشرعية والقتال في جهاز الخلافة بعد النبي لم يكن الإيمان والشعائر، بل الامتثال المالي والسياسي. وقد مثّل هذا التحول الجوهري نقطة الانطلاق من الخلافة النبوية إلى نظام مالي عسكري صار فيه حتى الامتناع عن «عِقال» (رباط البعير) موجباً معلناً للحرب والقتل. وهذان النقلان من البخاري يبيّنان بوضوح أن:
    إن حكم أبي بكر لا صلة له بنبي الرحمة. فقد كان نبي الرحمة يؤسس حكمه على الرفق والمداراة والدعوة إلى التوحيد. أما من ادعى خلافته فقد قام حكمه على الطمع والتعسف (سلوك طريق بلا تدبير) والقتل والظلم. ففي الحرب، إذا ادعى شخص من العدو التوحيد، صار كجميع المسلمين وتمتع بجميع حقوق الإسلام؛ فكانت نفسه وماله وناموسه في أمان. أما في حكم أبي بكر، فإن من كان يصلي ويستدل بآيات القرآن ويؤذن، كانت تُنتهك نفسه وماله وناموسه وعِرضه بسبب أموال كان أبو بكر يدعيها. وهاتان الروايتان من البخاري، ومجرد واقعة قتل مالك بن نويرة وفق مصادر أهل السنة، كافيتان لإثبات نتيجة مفادها أن أبا بكر كان غاصباً.

٢) التستر على الجريمة باسم الاجتهاد: قتل مالك والاعتداء على زوجته

إن ما فعله خالد بن الوليد في قتل مالك بن نويرة والاعتداء فوراً على زوجته يُعد، من منظور الفقه الإسلامي، جريمتين كبيرتين: القتل العمد لمسلم مصلٍّ، والزنا بامرأة مسلمة وهي في العدة. وتروي مصادر أهل السنة، مثل تاريخ الطبري، عن أبي قتادة قوله: «فقلنا: إنا المسلمون، فقالوا: نحن المسلمون. فقلنا: فما بال السلاح معكم؟ قالوا: فما بال السلاح معكم؟ فقلنا: إن كنتم كما تقولون فضعوا السلاح، فوضعوا، ثم صلينا وصلّوا» (تاريخ الطبري، ج٢، ص٢٧٤). أي إن الطرفين كان كل منهما يعد الآخر مسلماً، ثم صلوا معاً في النهاية. أفكان هؤلاء مرتدين؟ ومع هذه الشواهد الواضحة، قتل خالد مالكاً بتهمة الردة والامتناع عن الزكاة، ونقل تاريخ ابن خلكان أنه «واقع زوجته في الليلة نفسها». وقال عمر بن الخطاب، في رد فعل شديد على هذا السلوك: «عدوّ الله عدا على امرئ مسلم فقتله ثم نزا على امرأته كنازو الحمار» (مرآة الزمان، اليافعي، ج١، ص١٠٥؛ وانظر أيضاً: وفيات الأعيان، ج٥، ص١٢٠). وهذه العبارة لا تدل على الزنا فحسب، بل تصور أيضاً نفوراً أخلاقياً شديداً منه. كما امتنع ابن عمر وأبو قتادة عن المشاركة في مراسم عقد خالد المزعوم، ونصحاه بأن يرفع الأمر إلى أبي بكر. لكن خالد استولى على المرأة من تلقاء نفسه. (كنز العمال، حديث ١٤٣٠٧)

٣) التواطؤ في السلطة؛ لماذا دعم أبو بكر خالداً؟

السؤال الجوهري هنا هو: مع أن علي بن أبي طالب (صلوات الله عليهما)، وعمر، وسعدًا، وطلحة، كانوا جميعًا يطالبون بالقصاص من خالد، فلماذا لم يُعرض أبو بكر عن إقامة الحد فحسب، بل ثبّت خالدًا وقوّاه أيضًا؟ ينبغي البحث عن الجواب في جغرافيا السلطة. فقد كان خالد بن الوليد في ذلك الوقت أهم ذراع عسكرية للخلافة الناشئة. ولم يكن تثبيت الخلافة في مواجهة مانعي الزكاة ومدّعي النبوة ممكنًا من دون قوته العسكرية. ومن جهة أخرى، كانت سيرة أبي بكر أن يقمع مخالفيه بأشد الوجوه وأقلّها إنسانية وأكثرها وحشية. ولو كان خالد قد قُوصص منه، لانغلق باب قمع مخالفي أبي بكر من أساسه. ولذلك كان الحفاظ على هذه السلطة يحتاج إلى سفك دماء وظلم لا يُحصى؛ غير أن الظلم والشر وسفك الدماء الذي يُلبسه الشرع والدين لباس التزوير ويكون مبررًا له. ومن هنا قال أبو بكر: «لا أشيم سيفاً سله الله على الكافرين» (تاريخ الطبري، ج٢، ص٢٧٩)، أي: «لا أغمد سيفًا سلّه الله على الكافرين». لقد ضحّت هذه العبارة بالمشروعية الأخلاقية والدينية في سبيل المصلحة العسكرية والسياسية. والواقع أن قتل مالك والاستيلاء على زوجته، وسكوت أبي بكر ثم دعمه لخالد—في مقابل شهادة عدة من الصحابة العدول—يدل على نوع من تواطؤ السلطة، ذُبحت فيه العدالة والحدود الشرعية، بل وحتى حرمة النساء المسلمات، على مذبح التثبيت السياسي للحكم. وبعبارة بسيطة جدًا: العدل هو كل ما تريده السلطة، والظلم هو كل ما لا تريده السلطة. فإذا كان خالد بن الوليد قد قُوصص منه، أو أُقيم عليه حد الزنا، أو حتى عُزل من منصبه، فما مصير قاتل حضرت محسن؟ وما مصير قاتل حضرت زهرا سلام الله عليها؟ الجواب واضح: يُبذل جهد كبير لتكذيب أصل الواقعة. لماذا؟ لأن التكذيب حلّ أفضل من الدفاع عن الظالم وتبرير جريمة مجرم خطير لا يرحم حتى المرأة الحامل. لكن لا يستطيع أحد إنكار شهادة سيد الشهداء عليه السلام. وفي هذه القضية، حيث لم يتمكنوا من إنكار أصل الجريمة، يُمدح قاتله ويُثنى عليه، ويقال: قاتل الحسين بن علي صدوق مقبول الرواية، وقاتل علي بن أبي طالب فمجتهد مأجور (ابن حجر العسقلاني – تقريب التهذيب (مدخل ٤٩٠٣ بشأن عمر بن سعد بن أبي وقاص): «عُمَرُ بنُ سَعدِ بنِ أبی وَقّاصٍ… صَدوقٌ، وَلَكِنْ مَقَتَهُ النّاسُ لِكَوْنِهِ كانَ أَميرًا عَلى الجَيشِ الّذینَ قَتَلوا الحُسَینَ بنَ عَلِيّ…».
    وقال العِجلي (كما نقله المِزّي في تهذيب الكمال) عن الشخص نفسه: «…وَهُوَ الَّذی قَتَلَ الحُسَینَ، وَهُوَ تابِعیٌّ ثِقَةٌ.» ولا حاجة إلى مزيد من الكلام. إن أداء أبي بكر هو أساس تيار فكري يبرّر كل جريمة؛ تبريرًا مقترنًا بأهداف سياسية، ولو كانت هذه الجرائم مخالفة قطعية للنبي الرحمة وظلمًا وجورًا عليه وعلى أهل بيته!

٤) نقد مستندات تحفة اثناعشریه وتحليل عميق لبنية السلطة

يطرح شاه ولي الله الدهلوي في الباب العاشر من تحفة اثناعشریه، بقصد تبرئة صورة خالد بن الوليد والدفاع عن أداء أبي بكر، عدة دعاوى أساسية تُعرض في الغالب بوصفها قضايا تاريخية من دون تحليل نقلي أو فقهي. وخلاصة هذه الدعاوى كما يلي:
    كان مالك بن نويرة مرتدًا؛ لأنه خاطب النبي بلفظ «صاحبکم»، وهو علامة على عدم إيمانه بالنبوّة. وقد وقع في بيته عند وفاة النبي ضرب الدف والفرح، بما يدل على الكفر والاستهزاء بالدين. وكانت زوجة مالك بن نويرة تُعدّ من الفيء، فتزوجها خالد بعد انقضاء عدتها. ودافع أبو بكر عن فعل خالد لأنه عدّه اجتهادًا مشروعًا.

الجواب التفصيلي عن مستندات الدهلوي — دعوى الارتداد بسبب لفظ «صاحبکم»

يرى الدهلوي، تبعاً لبعض الشارحين المتأخرين، أن لفظ «صاحبكم» شاهدٌ على ارتداد مالك. وقد احتجّ المرحوم السيد محمد قلي الكنتوري في الرد على هذا التوجيه الذي لا أساس له بما يأتي: أما ما قيل من أن «مالك بن نويرة استعمل في حق النبي الأكرم (ص) عبارات من قبيل: قال رجلکم... أو صاحبکم... ولما كان قد عبّر عن النبي بضمير غير ضميره، أي موجهاً الخطاب إلى الآخرين، فإن هذه كانت طريقة الكفار والمرتدين في ذلك العصر»، فهو مردود. أولاً، إن المصادر التاريخية المعتبرة، كتاريخ ابن خلّكان وتاريخ الطبري وكتاب الشفاء للقاضي عياض، لم تورد إلا تعبير «صاحبكم» أو «صاحبك»، ولم يذكر واحدٌ منها لفظ «رجلکم». ومن ذلك ما جاء في الشفاء: «واحتجّ ابراهیم بن حسین بن خالد الفقیه فی مثل هذا بقتل خالد بن الولید مالک بن نویره لقوله عن النبیّ صلی الله علیه [ وآله ] وسلّم: (صاحبکم)» (الشفاء، ج٢، باب اول از قسم چهارم، ص٢١٦). وجاء في شرح هذه العبارة، في نسيم الرياض، أن وجه الاحتجاج هو أن مالكاً قال «صاحبكم»، فعدّ خالد هذا التعبير دالاً على المفارقة أو عدم الاتباع؛ ولذلك قتله بتهمة الردة. ومع ذلك يضيف النص: «خالد با مالک درباره زکات سخن گفت. مالک گفت: من نماز می‌خوانم ولی زکات نمی‌دهم. خالد گفت: آیا نمی‌دانی که خداوند نماز و زکات را با هم قرار داده و هیچ‌کدام بدون دیگری پذیرفته نیست؟ مالک گفت: صاحب شما چنین نمی‌گفت. خالد گفت: آیا او را صاحب خود نمی‌دانی؟ به خدا سوگند که قصد دارم گردنت را بزنم» (الشفاء، ص٢١٦-٢١٧). وتُظهر هذه الرواية أن مالكاً نفسه أشار إلى النبي بلفظ «صاحبكم»، وأنه لم يصدر عنه أي قول يدل على الردة أو الكفر الحقيقي. وقد تأيد هذا النقل في مصادر أخرى أيضاً. ثانياً، إن كلمة «صاحبكم» لا تدل بذاتها على الردة. وكما أشار أبو علي المعتزلي، لم يكن هذا التعبير إلا أمراً تلقاه خالد بوصفه علامة على الردة. ويكتب السيد المرتضى في هذا السياق: «وحکی – أی صاحب المغنی – عن أبی علی: إنه ذکر رسول الله (صلی الله علیه وآله) فقال: (صاحبک)، وأوهم بذلک أنه لیس به صاحب له، وکان عنده إن ذلک ردّه؛ وعلم عند المشاهده المقصد وهو أمیر القوم، فجاز أن یقتله، وإن کان الأولی أن لا یستعجل، وأن یکشف الأمر عن ردّته حتّی یتضح» (المغنی و الشفاء، ج٤، ص٣٣٨–٣٣٩). أي إنه، وإن عدّ خالد هذا التعبير قرينة على الردة، كان الأولى أن يتثبت في الأمر قبل الإقدام، حتى تتضح الردة واقعاً. ثالثاً، لو كان إطلاق لفظ «صاحب» على النبي دليلاً على ارتداد مالك، لأفضى ذلك إلى إشكال على أهل السنة أيضاً. فقد ورد في صحيح البخاري: «عن أبی وائل، قال: جلست مع شیبه علی الکرسی فی الکعبه، فقال: لقد جلس هذا المجلس عمر، فقال: لقد هممت أن لا أدع فیها صفراء ولا بیضاء إلاّ قسمته، قلت: إن صاحبیک لم یفعلاه؛ فقال: هما المرءان أقتدی بهما» (صحیح بخاری، ج٢، ص١٥٩؛ فتح الباری، ج٣، ص٣٦٤). وفي هذا المثال يشير «صاحبیک» إلى النبي وأبي بكر، ولا دلالة فيه على الردة أو الكفر (شرح قسطلانی، ج٣، ص٣٤٠). وقد تأيدت هذه النقطة في مصادر مثل ربیع الأبرار (ج٥، باب ٩١، ص٣٤٠) وكنز العمال. رابعاً، تقرر في القواعد الفقهية والأصولية عند أهل السنة أن «إثبات شيء لشيء لا يدل على نفيه عن غيره». وعليه، فإن تسمية النبي «صاحبكم» ليست علامة على الكفر، ولا دليلاً على مشروعية القتل. خامساً، والأهم، لو كان هذا التعبير علامة على ارتداد مالك، فلماذا قال عمر: «إنه قتل مسلماً فاقتله»؛ أي إنه عرفه مسلماً وأوجب القصاص؟ ولماذا قال أبو بكر: «ما کنت أقتله، إنه تأول»؛ أي إن مالكاً أخطأ في التأويل، ولم يكن قتله قائماً على الردة (الشفاء، ج٤، ص٣٣٨؛ کنزالعمال، همانجا)؟ سادساً، من الادعاءات الأخرى لمؤلف تحفه اثناعشریه في الدفاع عن خالد بن الوليد أن خالداً، بزعمهم، عدّ مالك بن نويرة مرتداً بعد سماعه منه عبارات نظير «صاحبكم» أو «رجلکم»، وقتله استناداً إلى هذا التعبير. ولكن حتى مع فرض صحة هذه النسبة، ينبغي أن يُسأل: إذا كان مالك قد ارتد بسبب هذا اللفظ، فعلى أي أساس عُدّ سائر أفراد قبيلته مستحقين للقتل؟ ويبين التحليل التاريخي والكلامي أن هذا الاستدلال لا يمكن الدفاع عنه في ضوء المصادر التاريخية والفقهية المعتبرة فحسب، بل هو مختل أيضاً في مباني علم الكلام وأصول العدالة الإسلامية. ذلك أن ردة الفرد لا يمكن أن تكون مبرراً للقتل الجماعي أو لانتهاك حقوق الآخرين، ولا يوجد نص أو قاعدة يجعل إطلاق «صاحبكم» دليلاً على الردة الجماعية أو على مشروعية الجريمة الواسعة. وهذا يزيد بطلان توجيهات تحفه والدفاعات المشابهة وضوحاً، ويثبت أن دعوى القتل بسبب هذا التعبير تفتقر إلى أي أساس شرعي أو تاريخي.

النتيجة العلمية

يُظهر تحليل المصادر والاستنادات ما يأتي:
    إن تعبير «صاحبكم» لا يدل بأي وجه على ارتداد مالك، وإنما كان مجرد فهم شخصي لخالد. ولم تكن أفعال خالد في قتل مالك والاستيلاء على زوجته استناداً إلى هذا التعبير ذات أي مبرر شرعي أو قانوني. وتُظهر مواقف عمر وأبي بكر، والقواعد الفقهية عند أهل السنة، بوضوح أن هذا التعبير لا يمكن أن يكون أساساً لمشروعية القتل. ولذلك فإن دعوى «ارتداد مالك بسبب استعماله كلمة صاحبكم» مردودة تماماً، ولا تستند إلى أي سند تاريخي أو فقهي أو منطقي.

٥) كارثة إضفاء الطابع المؤسسي على تبرير الظلم في تاريخ الخلافة

٥.١) من الخطأ الفردي إلى ترسيخ آلية متمحورة حول السلطة

إن واقعة قتل مالك بن نويرة والاستيلاء على زوجته، لو عُدّت مجرد خطأ فقهي صدر من خالد وجُبرت بإقامة الحدود الإلهية، لكان من السهل تداركها في ذاكرة التاريخ الإسلامي. غير أن ما حوّل هذا الحدث إلى مأساة تاريخية لم يكن فعل خالد الفردي، بل البنية التي ساندت هذه الجريمة وحوّلتها إلى «اجتهاد». وهنا تتغير المسألة من «فعل محرّم» إلى «إضفاء المشروعية على الحرام»؛ وذلك تحديداً حين يأخذ الانحراف طابعاً مؤسسياً. فقد قدّم أبو بكر، بقوله إن خالداً «تأوّل فأخطأ» (اجتهد وأخطأ)، وبرفضه إقامة الحد، الرأي الشخصي على النص الصريح للشريعة. ولم يفتح هذا القرار الطريق أمام عدم مساءلة الصحابة عن الجرائم الجسيمة فحسب، بل أصبح أيضاً نموذجاً لصمت لاحق، وتعطيل الحدود، وتأويل الجريمة اجتهاداً، في خدمة الحفاظ على بنية السلطة.

٥.٢) تسييس العدالة؛ إحلال القهر محل الشريعة

لم يُعفِ أبو بكر خالداً فحسب، بل لقّبه أيضاً، بعبارته المشهورة: «لا أشيم سيفًا سلّه الله على الكافرين» (تاريخ الطبري، ج٢، ص٢٧٩)، بـ«سيف الله»، وعلى الرغم من اعتراض الصحابة لم يعزله فحسب، بل منحه سلطة أكبر. وهنا خرجت «الشريعة» من دائرة البحث وحلّت محلها «المصلحة السياسية». ولم يكن هذا التحول المفهومي خطراً فقهياً فحسب، بل تهديداً لبنية الإسلام القائمة على العدالة. فبدلاً من أن يكون الدين رقيباً على السلطة، تحوّل إلى أداة لإضفاء الشرعية عليها. ومنذ ذلك الحين، أمكن إقصاء الشريعة بعنوان «الاجتهاد» و«المصلحة»؛ وكان ذلك أخطر إرث للخلافة.

٥.٣) خلافة بلا عدالة، خلافة بلا نبي

ومن زاوية أعمق، يمكن القول إن الشرعية في هذا النظام لم تكن مستمدة من النصوص النبوية، ولا من العدالة، ولا من رأي الناس، بل من قوة السيف والولاء العسكري واستمرار بنية الخلافة. وحتى خليفة كعمر، الذي كان معترضاً شخصياً على الجريمة، خدم في تثبيت هذه البنية نفسها بدلاً من المطالبة بالقصاص، ثم خلف أبا بكر بنفسه. ويكشف هذا الصمت أن القضية الرئيسة لم تكن الدين، بل الحفاظ على تماسك البنية السياسية الناشئة عن اختيار السقيفة. ومن ثم فإن أمير المؤمنين علياً (عليه السلام) لم يعدّ خلافتهم مشروعة قط، لا بسبب خلاف شخصي، بل لأسباب مبدئية. فلم يبايع فحسب، بل صرّح قائلاً: «والله لقد تقمّصها فلان، وإنه ليعلم أنّ محلي منها محلّ القطب من الرحى» (نهج البلاغة، خطبة الشقشقية). وفي نظر الإمام علي (ع)، لم تكن الخلافة منصباً سياسياً قابلاً للانتقال، بل مقاماً إلهياً قائماً على العصمة والعلم والعدالة. وإن قبول خلافة تسمّي الزنا والقتل اجتهاداً، يعني قبول دين محرّف وخلافة شيطانية في لباس الشرع.

٥.٤) النتائج التاريخية: من بدعة خالد إلى سنة الخلفاء

حين بُرِّر الزنا والقتل وتعطيل الحدود بالاجتهاد، فُتح بابُ بدعٍ ظهرت آثارها على امتداد التاريخ في صورة حكومات جائرة، وخلفاء فاسدين، وأعمال عنفٍ مثل كربلاء. وكان هذا النمط من الخلافة هو عينَ ما ورثه يزيد بن معاوية؛ خلافةً تُضحّى فيها حرمةُ دم المسلم وعِرضه من أجل حفظ السلطة. وبدأت هذه السلسلة من تبرير الخلافة بلا عصمة والصمت أمام الجريمة، وامتدت إلى تبرير إشهار السيف في وجه الحسين بن علي (ع). ولو كانت العصمة معيارَ الشرعية، لما تشكّلت أيٌّ من هذه الحلقات.

تصريح الدعوى والنتيجة الوسطى: فقدان أهلية الخلافة

ليس المراد من نقد الخلفاء والحكام الأوائل مجردَ خصومةٍ مذهبية؛ بل المقصود إثبات فسقهم العملي وأخطائهم البنيوية الكبرى، بما يبيّن أن مدّعي الخلافة لم يكونوا، فضلاً عن عدم أهليتهم للجلوس على منصب خلافة النبي (ص)، ملتزمين بمعايير العدل والأمانة حتى في إدارة ناحية صغيرة. وفي قضية الخليفة الأول، يُعدّ إيفاد خالد بن الوليد إلى قبيلة مالك بن نويرة المسلمة، والقتل الجماعي، وانتهاك الأعراض، محورَ الطعن. وتميل دفاعات الدهلوي إما إلى إنكار أصل الواقعة أو إلى «تأليب» مالك وقبيلته بالردة؛ وكلا الطريقين يفضي، من غير قصد، إلى اعترافين: أن وقوع الفاجعة مفروض القطع، وأن تبرئة أبي بكر لا تكون إلا بإثبات الردة.
غير أن إسلام مالك وقومه ثابتٌ بشهادة المصادر السنية نفسها (الأذان، وصلاة الجماعة، وإصرارهم على إحالة النزاع إلى الخليفة)، ولم تُقدَّم أي بينة على الردة. وفي قضية «ردّ الصدقات»، فإما أن الأمر كان توزيعاً محلياً—منسجماً مع النص: «تُؤخَذُ من أغنیائِهم وتُرَدُّ فی فقرائِهم»—وإما، على فرض إرجاعها إلى المزكّين، فيمكن حمله على تأويل فقهي يقضي باختصاص أخذ الزكاة بشخص الرسول (ص)؛ ولا يلازم أيٌّ منهما الردة. وعليه، لا يُبرَّر جرم خالد وإغضاء أبي بكر عن الحد والقصاص بعبارة «تأوَّلَ فأخطأ»؛ بل إن ذلك يعزّز الحكم بفقدان العدالة والأهلية السياسية، ويُظهر أن «مصلحة السلطة» قُدِّمت في مثل هذا البناء على «النص والعدالة».
والنتيجة واضحة: فهذا الملف مثال عيني على أن قبول إمامة غير المعصوم مع الطاعة المطلقة يفتح عملياً طريق إضفاء الشرعية على الظلم. ومن ثمّ، فإن هذا البحث—إضافةً إلى نقد الأشخاص—يرتقي بالضرورة العقلية للعصمة في مقام الإمامة، من قلب التاريخ، إلى مستوى أصل نظري-عملي.

إبطال دعوى الدهلوي: لماذا لا تُقبل «تبرئة خالد» من قِبل أبي بكر

١) الدعوى وموضع النزاع

يقول الدهلوي في الختام، لتبرير مشروعية قتل مالك بن نويرة، ما خلاصته: إن أبا بكر، بعد مساءلة خالد، تبيّن له الحق، ولما كان «الحق مع خالد» أحجم عن أيّ تعرّض له. وهذه الدعوى لا تقوم على أساس استنادي متين، ولا تنسجم، من المنظور التاريخي والفقهي والسلوكي، مع الشواهد؛ بل تُبرز على نحو أوضح التناقض الداخلي بين أقوال الخلفاء وأفعالهم، وهو تناقض يغضّ الدهلوي الطرف عنه.

٢) تقييم الأدلة: «ردّة» أم «تأويل»؟

لو كان مالك مرتدّاً حقّاً، وكان قتله قائماً على ردّة شرعية ثابتة، لكان من البديهي أن يصرّح خالد بذلك بوضوح في مقام الدفاع عن نفسه. لكنّ مستنده الوحيد—بحسب روايات أهل السنّة—لم يكن إلا تعبيراً من قبيل «صاحبکم»؛ وهو تعبير لا يدلّ على الكفر في الاستعمال العربي، ولا عدّه كبار فقهاء أهل السنّة، كالقاضي عياض في الشفاء وملا علي القاري في شرحه، موجباً للردّة. وقد صرّحوا بأنه كان ينبغي، على الأقل، تجنّب التسرّع في الحكم بالردّة والتحقيق في «حقيقة الحال».

٣) النتيجة المنطقية لكلام عمر وجواب أبي بكر

كان عمر بن الخطاب—الذي له مكانة خاصة لدى أهل السنّة—يصف خالداً صراحةً وتكراراً بأنه «قاتل مسلم»، ويطلب من أبي بكر أن يقتصّ منه. غير أن جواب أبي بكر كان: «تأوّل وأخطأ». وهذا الجواب إقرار، في الحقيقة، بأن قتل مالك لم يقم على دليل قاطع على الردّة، بل على سوء الظن و«خطأ اجتهادي»؛ وإلا لكان ينبغي أن يقال: «كان مالك مرتدّاً، وكان خالد مصيباً في قتله».

٤) السؤال الجوهري: لماذا عُمِّمت العقوبة على القبيلة؟ وماذا تدلّ عليه إعادة الأسرى؟

حتى لو—على فرض المحال—اعتُبرت كلمةٌ لمالك قرينةً على الردة، فلماذا قُتلت نساء القبيلة وأطفالها وسائر أفرادها وأُسروا أيضاً؟ وفوق ذلك، تنقل المصادر التاريخية أن عمر، بعد وصوله إلى الخلافة، ردّ إلى أهل مالك وقومه الأموال والأسرى الذين أُخذوا في أثناء قتل مالك. ومثل هذا الإجراء يبيّن بوضوح أنه وقع ظلمٌ في نظر عمر؛ وإلا فما المسوّغ الفقهي لإعادة الفيء؟

٥) تقديم النص على القياس: شهادة النووي

يصرّح الإمام النووي في شرحه لصحيح مسلم بأن احتجاج عمر في هذه الواقعة كان قائماً على «عموم النصوص النبوية»، وأن احتجاج أبي بكر كان قائماً على «القياس»؛ ومن الواضح أن القياس لا حجية له في مقابل النص. ويكشف هذا الحكم الفرق المنهجي بين الخليفتين: فعمر يتمسّك بالنص، وأبو بكر يعتمد على التأويل القياسي؛ وهذا بالذات ما يضعف أساس استدلال الدهلوي. وبالطبع، من المنظور الشيعي، لا تمنع هذه النقطة من الطعن في عمر لتأسيسه الخلافة غير المشروعة ومشاركته في تبعاتها. ومع ذلك، فبمقتضى «قاعدة الإلزام»—في إطار المباني المقبولة لدى أهل السنّة—يكفي هذا الإقرار المنهجي نفسه دليلاً لأنصار أبي بكر على كونه غاصباً وظالماً، ويبيّن أن من يبتغي الشريعة والسنّة المحمدية لا يمكنه أن يعدّ أبا بكر خليفةَ النبيّ بحقّ.

٦) السلوك بعد القتل: الاستيلاء على زوجة مالك والنقد الأخلاقي

بعد قتل مالك، استولى خالد على زوجته الجميلة وتزوّجها؛ وهو عملٌ استنكره بشدة حتى بعض الصحابة، مثل عبد الله بن عمر وأبي قتادة، وامتنعوا عن حضور مراسم زواج خالد. فهل ينسجم هذا السلوك مع المبادئ البديهية للأخلاق الإسلامية والعدالة القضائية؟ إن الدهلوي إما يتجاهل هذه الشواهد الأخلاقية الفقهية، وإما يحاول التهوين من شأنها بعنوان «اختلاف المجتهدين في الفروع»؛ مع أن موضع النزاع هو نفس المسلم وحرمة العرض، لا فرع فقهي قليل الأهمية.

٧) خلاصة هذا القسم: تبرئة أم تستّر؟

يُستفاد من مجموع الشواهد أنّ دعوى «كون خالدٍ محقًّا عند أبي بكر» لا تعكس الواقع التاريخي بقدر ما هي تبرير سياسي للتستّر على خطأ فادح. ولم يكن الهدف الرئيس من هذه التبريرات إثبات براءة خالد، بل حفظ بنية خلافة أبي بكر وإضفاء الشرعية على قراره بالإغضاء عن الحدّ والقصاص. ومن الواضح أنّه إذا كان قتل مالك ظالمًا وفاقدًا للمسوّغ الشرعي — كما تدلّ عليه شواهد كثيرة — فإنّ صمت الخلفاء ودعمهم واستمرار ثقتهم بخالد يدلّ على خلل بنيوي في العدالة والشرعية السياسية بعد النبي (ص)؛ وهي بنية لم يشارك فيها أمير المؤمنين (ع) ولم يقبل شرعيتها.

النتيجة النهائية للمقال

أثبت هذا البحث، بصورة موثّقة، أنّ «قضية مالك بن نويرة» تثبت ثلاث نقاط أساسية:
    انتهاكٌ بيّن للنصّ والعدالة على مستوى القرار السياسي الأعلى: قتل مسلم من دون إثبات الردّة، والإغضاء عن القصاص والحدّ، وتبرير ذلك بـ«التأويل والخطأ». وتناقضٌ خطير بين أقوال الخلفاء وأفعالهم: فمن جهةٍ تصريح عمر بـ«قتل مسلم» ومطالبته بالقصاص؛ ومن جهةٍ أخرى تبرئة أبي بكر السياسية لخالد. واستحالة ضمان العدالة في نموذج إمامة غير معصومة واجبة الطاعة: فعندما تقوم السلطة على «القياس والمصلحة» ويُهمَّش «النصّ والعدالة»، يبقى الطريق مفتوحًا لإضفاء الشرعية على الظلم.
وعليه، فهذه الواقعة ليست مجرّد نقد لقائد واحد أو لقرارٍ معيّن؛ بل هي برهان عيني على الضرورة العقلية للعصمة في الإمامة. وكلّ نموذج للإمامة/الحكم لا يجعل العصمة شرطًا ويطلب طاعةً مطلقة، سوف يضحّي بالعدالة في سبيل السلطة عاجلًا أم آجلًا. وستكون هذه النتيجة حجر الأساس لمقالنا القادم: تحليل الآليات التي قدّمت «القياس على النصّ» و«مصلحة السلطة على العدالة»، وكيف تحوّلت إلى نمط مستمر لتبرير الظلم في التاريخ.
المؤلف: حامد صارم
تشييد المطاعن: تحليل علمي في ردّ دعوى مشروعية الخلفاء الأوائل (٣) (التلازم بين الإمامة والمطاعن)
9 فرفردن 1404 ه‍.ش
تشييد المطاعن: تحليل علمي في ردّ دعوى مشروعية الخلفاء الأوائل (٣) (التلازم بين الإمامة والمطاعن)
المؤلف: حامد صارم
الإمام علي عليه السلامالإمامةغير مصنفتشييد المطاعنعصمت-امامالكتب الشيعيةالكتب الكلامية
#ارزش-مطاعن#اصول-کافی#امامت