السيدة زينب عليها السلام ترى يوم تشكيل السقيفة يوم شهادة سيد الشهداء عليه السلام
المؤلف: حامد صارم

نظراً إلى أهمية آثار الأمويين في الأمة الإسلامية، بحثنا دور معاوية والأمويين في كربلاء. ودور الأمويين في كربلاء واضح جداً وله أدلة وشواهد كثيرة، لكن للأسف، بسبب الغفلة وعدم الالتفات إلى هذا الأمر المهم ونسيان دور معاوية في كربلاء، تهيأت الأرضية لأتباع الأمويين في العصر المعاصر لبث الشبهات.
واليوم من أهم الشبهات المطروحة تبرئة الأمويين ويزيد من جريمة كربلاء. يدّعي أتباع الأمويين أن الإمام الحسين عليه السلام قتله شيعته؛ لأن الشيعة دعوا الإمام إلى كربلاء ثم خانوه، ومن ثم لم يكن ليزيد والأمويين دور في قتل الإمام الحسين عليه السلام.
وفي هذا المقال، مع بيان هذه الحقيقة أن كربلاء كانت معلولة لسياسات بني أمية، سيُجاب عن هذه الشبهة أيضاً، وسيتضح أن قتلة الإمام الحسين عليه السلام كانوا من المتعلقين بالتيار الأموي.
العثمانيون ودورهم في جريمة كربلاء
كان للعثمانيين حضور بارز في كربلاء، وكان الكوفيون الذين جاءوا لقتال الإمام، أو على الأقل قادتهم، عثمانيين. ومن الذين أعلنوا في كربلاء بصوتهم أنهم عثمانيون: أبو بردة بن عوف الأزدي، وأبو أسماء بشر بن حوط القابضي الهمداني، قاتل أبناء عقيل، وحصين بن نمير، مسؤول محاولة اغتيال النبي في تبوك، وشيبان بن مخرم، وعبد الرحمن بن أبي عمير الثقفي، وأزرة بن قيس البجلي، وعمرو بن سعد، وشبث بن ربعي، وشمر، وعمرو بن الحجاج الزبيدي.
وقد ترك زهير بن القين عثمانيته، وإلا لما جاهد ضد الخليفة. لقد ضحى زهير بنفسه وترك كل وجوده، والجوانب الملكوتية في كربلاء تدل على تشيعه. أما شريح القاضي فلم يكن في كربلاء، لكنه كان عثمانياً وأصدر فتوى قتل الإمام.
هؤلاء العثمانيون كانوا في رسائلهم إلى الإمام الحسين عليه السلام لدعوته إلى الكوفة يتحدثون عن القمح والعمران. في الحقيقة لم تكن دعوتهم للإمام الحسين عليه السلام بسبب الاعتقاد بإمامته، بل لأنهم رأوا ظلم وجور الحاكم السابق، فكانوا يبحثون عن شخص عادل يأتي ويحكم.
وبالطبع يجب الإقرار بأن جميع الكوفيين لم يكونوا عثمانيين، لكن العثمانيين استغلوا قلة بصيرة شيعة الكوفة. فالعثمانيون بالتهديد والإغراء، ومع معرفتهم بسابقة الحكم، قبلوا الحرب ضد الإمام، كما وقع الشيعة تحت تأثير سياسات بني أمية.
أكثر شيعة زمن الإمام الحسين عليه السلام كانوا شيعة تاريخيين لا شيعة اعتقاديين
ومن اللازم التنبيه بجدية إلى أن هؤلاء الشيعة كانوا شيعة تاريخيين لا شيعة اعتقاديين، ولا ينبغي الخلط بين تسميتهم شيعة وبين الشيعة بالمعنى المتداول اليوم. فالذين كان يطلق عليهم في تلك الفترة التاريخية اسم الشيعة لم تكن لديهم عقائد الشيعة اليوم، بل كانوا يُسمون شيعة لمجرد محبتهم لأسرة أهل البيت. أما الشيعة بالمعنى المعاصر فكان عددهم قليلاً، وكانوا غالباً من أصحاب أهل البيت عليهم السلام الخاصين.
وفي شأن عثمانية قتلة الإمام الحسين عليه السلام يمكن الإشارة إلى أن والي المدينة عندما رأى بكاء بني هاشم على الإمام الحسين عليه السلام قال: إن بكاءكم هذا بدل البكاء الذي ارتفع من بيت عثمان.
منع الماء عن الإمام الحسين عليه السلام بذريعة أن عثمان قُتل عطشاناً
في كربلاء وقع عملان عثمانيان انطلاقاً من الفكر الأموي:
١- منع الماء: كانوا يتخيلون أن أمير المؤمنين قتل عثمان، وكانوا يقولون إن عثمان قُتل عطشاناً. مع أن أمير المؤمنين أوصل الماء إلى عثمان، ولم يمت عثمان عطشاناً. وقد نقلت كتب التاريخ إيصال الماء هذا، لكن العثمانيين جعلوا من القول إن عثمان قُتل عطشاناً شعاراً.
كتب ابن زياد في الليلة السابعة إلى عمر بن سعد وأمره أن يمنع الماء كما زعموا أن الماء مُنع عن عثمان: «أما بعد، فحل بين الحسين وأصحابه وبين الماء، ولا يذوقوا منه قطرة كما صنع بالتقي الزكي المظلوم أمير المؤمنين عثمان بن عفان»! (١)؛ أي امنعوا الحسين من الماء ولا تجعلوه يذوق منه قطرة، كما فُعل بالتقي! الزكي! المظلوم! عثمان بن عفان.
وبناء على هذا الأمر، أرسل عمر بن سعد عمرو بن الحجاج مع خمسمئة فارس ليستقروا عند الشريعة ويمنعوا الحسين عليه السلام وأصحابه حتى من شرب قطرة واحدة من ذلك الماء. وقد قال عمر بن سعد مراراً إن منع الماء هذا وقع انتقاماً لعثمان.
٢- كما وردت في كربلاء حوارات اعتقادية كثيرة حول عثمان. ومن نماذج ذلك حوار زهير وعزرة بن قيس في ليلة عاشوراء، إذ قال عزرة بن قيس لزهير: «يا زهير! ما كنت عندنا من شيعة أهل هذا البيت، إنما كنت عثمانياً!» أي يا زهير، لم تكن عندنا من شيعة أهل هذا البيت، الإمام الحسين، بل كنت عثمانياً.
كان زهير بن القين أول خطيب للإمام الحسين عليه السلام في كربلاء
كان زهير أول خطيب للإمام الحسين، لأنه كان عثماني المذهب ثم صار شيعياً، فأرسله الإمام إلى العدو. قال شخص من طرف الإمام الحسين عليه السلام لزهير: «إن أبا عبد الله يقول لك: أقبل، فلعمري لئن كان مؤمن آل فرعون نصح لقومه وأبلغ في الدعاء، لقد نصحت لهؤلاء وأبلغت، لو نفع النصح والإبلاغ»؛ يقول لك أبو عبد الله: انصح هذا القوم، فبحياتي لو نصح مؤمن آل فرعون قومه لكان هذا النصح أبلغ وأنفع. ومن كلام الإمام لزهير يتضح أن أكثر جيش الكوفيين كانوا عثمانيي المذهب؛ مذهباً صنعته وصاغته سياسات معاوية والأمويين.
وكان نافع من أصحاب الإمام عليه السلام يقاتل ويرتجز: «أنا الجملي، أنا على دين علي»؛ أنا جملي، أنا على دين علي. فخرج إليه مزاحم وقال: «أنا على دين عثمان». فقال له نافع: «أنت على دين الشيطان»، وقتله (٢).
خاطب سيد الشهداء عليه السلام الأمويين بأنهم شيعة آل أبي سفيان
عندما حال الجنود بين الإمام الحسين عليه السلام والخيام، وهاجموا الخيام في حياة الإمام الحسين عليه السلام، خاطبهم قائلاً: «وَيْلَكُمْ يَا شِيعَةَ آلِ أَبِي سُفْيَانَ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ دِينٌ وَكُنْتُمْ لَا تَخَافُونَ الْمَعَادَ فَكُونُوا أَحْرَاراً»؛ ويلكم يا شيعة آل أبي سفيان! إن لم يكن لكم دين ولا تخافون المعاد، فكونوا أحراراً. لقد خاطبهم الإمام عليه السلام صراحة بـ«شيعة آل أبي سفيان»، وهذا تصريح من الإمام الحسين عليه السلام بأموية قاتليه (٣).
ومن اللافت أن الإمام عليه السلام أطلق على الجيش الذي هجم على الخيام لقب أتباع آل أبي سفيان. ولذلك، فالذين استشهدوا الإمام أو هجموا على الخيام بعد شهادته وارتكبوا تلك الجرائم لم يكونوا من شيعة الإمام الحسين عليه السلام، بل بتصريح الإمام كانوا من أتباع آل أبي سفيان، أي بني أمية.
كانوا في كربلاء يسيئون إلى الإمام الحسين عليه السلام، وينسبون إليه شتائم مثل «كذاب بن كذاب» و«خبيث»، وهي ألقاب تليق بهم هم. والإهانة والجسارة، التي سُجلت في مواضع كثيرة من تاريخ كربلاء، من البدع التي أسسها بنو أمية وأصروا عليها. ولذلك فإن وجود هذه الشتائم في كربلاء شاهد على أن جرائم كربلاء نشأت على يد أتباع سنة بني أمية.
السيدة زينب عليها السلام ترى يوم تشكيل السقيفة يوم شهادة سيد الشهداء عليه السلام
ومن هنا اتضح أن بدع معاوية وتأكيده على نشر ثقافة بغض أهل البيت عليهم السلام أوجدت جريمة كربلاء. واستمر تيار بني أمية بعد كربلاء أيضاً، وتسبب في جرائم أخرى في العالم الإسلامي. لكن لا ينبغي أن ننسى أن معاوية كان في جميع سياساته تابعاً للسقيفة، وكما تقدم كان في الحقيقة مأموراً خاصاً للسقيفة. ومن هنا فإن زينب الكبرى لا ترى شهادة الإمام الحسين عليه السلام يوم عاشوراء، بل تراها يوم الاثنين.
عندما كانت زينب الكبرى تبكي وتندب عند جسد أخيها المقطع قالت: «وا محمداه صلى الله عليه وآله وسلم! بناتك سبايا، وذريتك مقتلة، تسفي عليهم الصبا، وهذا حسينك مجزوز الرأس من القفا، مسلوب العمامة والرداء. بأبي من أضحى عسكره يوم الاثنين نهباً» (٤). وهنا يجب الالتفات إلى أن يوم الاثنين هو يوم تشكيل السقيفة.
هل قتل الإمام الحسين شيعته؟
اليوم، عندما تؤدي عزاءات الإمام الحسين عليه السلام وإحياء مجالس أهل البيت إلى كسر سياسات بني أمية، يعارض الأمويون هذا الشعار الديني المهم بأشكال مختلفة، مثل التفجير في الحرم الحسيني وقتل المعزين، أو إثارة الشبهات حول واقعة كربلاء.
ومن أهم الشبهات التي راجت اليوم في وسائل الإعلام المختلفة، وللأسف قُبلت في مجتمعنا الشيعي بسبب بعض الغفلات، أن الإمام الحسين قتله شيعته. يقولون: «إن الحسين دعاه شيعته، وخانه شيعته وقتلوه، وشيعته يعزون عليه». ومن هنا، فالعزاء وذكر أبي عبد الله عمل عبثي لا فائدة فيه، ولعن قتلة ذلك الإمام، ومنهم بنو أمية، خلاف الإنصاف. وبذلك يريد الشيعة، بحسب زعمهم، الاستمرار في الحياة باتهام الأمويين.
في هذا المقال المختصر جداً ظهر أن قتلة الإمام الحسين عليه السلام كانوا أمويين أو عثمانيي المذهب، وأن هذا المذهب مذهب تأسيسي مدعوم من بني أمية، وأن أكثر جيش الكوفة كانوا عثمانيي المذهب، ولم يكن في كربلاء أثر للشيعة بالمعنى الكلامي والاعتقادي الرائج اليوم.
وعلى فرض أننا قبلنا أن شيعياً قاتل ضد الإمام الحسين عليه السلام في كربلاء، فهو شيعي وقع في فتنة بني أمية. وأي إنسان عاقل يسمي مثل هذا الشخص شيعياً، إلا أمويي اليوم الذين امتلأت قلوبهم بحب معاوية ويزيد؟ «وأُشربوا في قلوبهم العجل».
الهوامش
١- راجع: تاريخ الطبري، ج ٤، ص ٣١٤.
٢- وقعة الطف، ٢٢٤ [مباهلة برير ومقتله]، ص ٢٢١.
٣- اللهوف على قتلى الطفوف، ترجمة فهري، النص، ص ١٢٠.
٤- اللهوف على قتلى الطفوف، ترجمة فهري، النص ١٣٣، المسلك الثاني في وصف حال القتال وما يقرب من تلك الحال.
٢- وقعة الطف، ٢٢٤ [مباهلة برير ومقتله]، ص ٢٢١.
٣- اللهوف على قتلى الطفوف، ترجمة فهري، النص، ص ١٢٠.
٤- اللهوف على قتلى الطفوف، ترجمة فهري، النص ١٣٣، المسلك الثاني في وصف حال القتال وما يقرب من تلك الحال.
المؤلف: حامد صارم
مقالات مشابهة
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد.