ظهور العرفانات المستحدثة والمدارس المنحرفة علامة على خلو المجتمع من معارف الإمام الباقر عليه السلام
المؤلف: حامد صارم

إن الله تعالى قد عيّن في الأرض خليفة؛ وهذا المعنى منصوص عليه في القرآن الكريم، وقد عبّر عنه بـ«خليفة الله». وكلما وردت كلمة «خليفة» في القرآن ورد معها تعبير «إني جاعل؛ أنا أعيّن»، وهذا يعني أن الله قد احتفظ لنفسه بحق اختيار خليفته، ولم يأذن لأحد غيره بذلك. وحتى لو سمّى أهل مدينة، بذريعة الإجماع، شخصاً ما خليفة لله، فإن موضع إرادة الله لا يكون فيه لإجماع العالم كله على مسألة أي قيمة؛ لأن «يد الله فوق أيديهم»، وإرادة الله فوق كل الإرادات.
العلم، حكمة اختيار آدم
يجعل الله من يشاء خليفة له؛ ولذلك شاء الله في بداية خلق الكرة الأرضية أن يجعل آدم خليفة له في الأرض. ومع أن الملائكة دائماً في مقام عصمتهم الخاصة، فقد أراد الله تعالى أن يكون آدم خليفة. وبما أن جميع أفعال الله قائمة على الحكمة، فإنه يبيّن للملائكة حكمة اختيار آدم لمقام خلافة الله. «وعلّم آدم الأسماء كلها»؛ يمنح العلم لآدم، ويجعل الملائكة في مواجهة علمية مع آدم، حتى يتضح لهم أن سنخ علم آدم بالنسبة إلى علم الملائكة ذو شرف عظيم.
إبليس رأى معيار التفوق في غير العلم
اعترفت الملائكة بعدم علمها، وسجدت لآدم بأمر الله. والسجود أمام آدم يدل على خضوع الملائكة، وكان خضوعهم عن معرفة بأن آدم، الذي بلغ مقام الخلافة الإلهية وتفوّق على الملائكة، يمتلك فضيلة اسمها العلم. فالعلم الإلهي كان سبب الفضيلة والتفوق الذي أخضع الملائكة أمام آدم. أما إبليس، فمع أنه رأى علم آدم الخاص، الذي كان تعليماً من الله تعالى، وعلم به، لم ير معيار التفوق في العلم، بل رآه في مادة خلقته، وهي النار. ولم يكن المهم أن يكون مخلوق الله من نار أو نور أو طين؛ المهم أن معيار التفوق في عالم الوجود هو «العلم» لا غير.
العلم هو معيار التفوق الوحيد
معيار التفوق والأفضلية الذي يستتبع الخضوع والخشوع للغير هو العلم، وكل من جعل غير العلم معياراً للتفوق فهو في الحقيقة إبليس أو من أتباع إبليس. إن تفوق العالم على الجاهل من البداهة والضرورة بحيث لا يحتاج إلى استدلال. ولذلك ما إن أدركت الملائكة التفوق العلمي لآدم حتى اعترفت بعجزها ونادت: «سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا». وكذلك طرح الله تفوق العالم على الجاهل بصيغة السؤال: «هل يستوي العالم والجاهل؟» وسبب طرح عدم مساواة العالم والجاهل على شكل سؤال هو شدة وضوح هذا الأمر. ومن هنا فإن الذين يتركون العلماء الربانيين ويرجعون إلى غير العلماء الإلهيين يعيشون حياة شيطانية؛ لأن إبليس لم يجعل العلم معيار التفوق، أما من يبحث عن أعلم الأمة فحياته كحياة الملائكة؛ لأن الملائكة خضعت أمام العلم الإلهي.
الإمام الباقر عليه السلام خليفة الله في الأرض
إن محمد بن علي الباقر عليه السلام من خلفاء الله في الأرض. سمّاه الله في كتب السابقين «باقراً»، كما أخبر النبي العظيم للإسلام في حياته عن قدومه، وأمر صاحبه الجليل جابر بأن «إذا رأيته فأقرئه مني السلام، واعلم أنه الباقر، أي شاقّ العلم». وكان جابر في المرات المتكررة التي يزور فيها ذلك الإمام الهمام يخاطبه مراراً: يا باقر، يا باقر، يا باقر.
يا باقر! يا باقر! يا باقر!
قال جابر بن عبد الله الأنصاري مخاطباً محمد بن علي عليه السلام: «إن رسول الله يقرئك السلام». فقال الإمام عليه السلام: «السلام على رسول الله ما دامت السماوات والأرض، والسلام عليك يا جابر إذ أبلغت سلام النبي». ثم قال جابر له: «يا باقر، يا باقر، يا باقر، أنت الباقر، أنت الذي تشق العلم حقاً». ثم كان جابر يتشرف بخدمة الإمام ويجلس بين يديه، وكان الإمام يعلّمه. وربما أخطأ جابر فيما ينقله عن رسول الله صلى الله عليه وآله، فيصحح الإمام خطأه، فيقبله جابر منه ويرجع عن كلامه ويقول: «يا باقر، يا باقر، يا باقر، أشهد الله أنك أوتيت الحكمة في صباك.» (١)
جابر أظهر علم الإمام الباقر للمدينة بعمله
وهذا أمر في غاية الأهمية؛ فجابر كان صحابياً للنبي، وبحسب مبنى المخالفين، الذين كانوا كثيرين جداً في المدينة آنذاك، فإن قول الصحابي حجة، بل يمكن بعد النبي أن يكون مصدراً لتفسير القرآن. ومع ذلك كان يجلس كالتلميذ أمام شخص يبدو في الظاهر طفلاً، لكنه في الحقيقة خليفة الله، فيتعلّم منه. وإذا نقل جابر حديثاً عن النبي وأخطأ في ذلك الحديث، فإن الإمام الباقر في سن الطفولة كان يصحح خطأ جابر، الصحابي المسنّ للنبي.
في الحقيقة، أظهر جابر عملياً في المدينة، وهي محل اجتماع مدّعي العلم، أن الإمام عليه السلام هو «باقر العلم». أظهر عملياً أن علم هذا الطفل يختلف عن علم بقية الذين يدّعون العلم؛ لأن جابر إذا أراد أن يبيّن علماً لم يكن له بد إلا أن يقول: سمعت من النبي، أو إن النبي فعل هكذا. وكان علم غير جابر أيضاً أن يقولوا: سمعت من الصحابي الفلاني أن النبي كان يقول هكذا. وإذا لم يكن العلم الذي يدّعونه مستنداً إلى السنة لم تكن له قيمة دينية؛ لأنه بدعة.
كان الإمام الباقر عليه السلام في سن الطفولة، وبعد أن تفصل بينه وبين النبي أجيال، ينقل الحديث عن النبي، بل أكثر من نقل الحديث، كان ينبّه جابر إلى أخطائه. وكان هذا أمام أعين المجتمع العلمي في المدينة، وبهذا العمل أوضح جابر للجميع علم ذلك الطفل الذي لقبه النبي بشاقّ العلم.
جابر مبلّغ سلام النبي إلى الإمام وحامل الرسالة إلى المدينة
ولم يكتف جابر بهذا القدر. فقد كان يكشف هذه الحقيقة للناس في المسجد أيضاً؛ كان جابر يجلس في المسجد ويقول: «يا باقر، يا باقر، يا باقر». وكرر هذا الفعل إلى حد قال أهل المدينة: «إن جابراً يهذي». فكان جابر يجيبهم: «أنا لا أهذي؛ إن النبي قال إنك ستدرك رجلاً مني، اسمه اسمي، وشمائله شمائلي. يشق العلم ويظهره ويكشفه». وكان جابر إذا رأى الإمام في الأزقة يناديه بصوت عالٍ: يا باقر، ويوصل سلام رسول الله ورسالته إلى الإمام عليه السلام ... (٢)
الإمام الباقر وارث جميع علوم الأنبياء
كان الإمام محمد الباقر أفضل من جميع مخلوقات زمانه؛ لأنه وارث علوم جميع الأنبياء من آدم إلى خاتم الأنبياء، وإلى جانب العلم الوراثي الذي وصل إليه كان يحمل أيضاً علم الإمامة الخاص. وبكلمة واحدة: كان خليفة الله، وكان جديراً بسجود الملائكة. أوصل جابر سلام رسول الله إلى الإمام الباقر، وقال عن النبي: أنت الباقر، شاقّ العلم ومظهر العلم.
مع أن جابر كان يوصل سلام النبي إلى الإمام الباقر، إلا أنه كان يحمل رسالة من رسول الله لكل التاريخ. كان يسلّم على إمامه بلقب الباقر حتى يفهم أهل المدينة أنكم إن كنتم تريدون العلم حقاً فهذا هو الشخص الذي سمّاه رسول الله شاقّ العلم. وإن كنتم تطلبون دين رسول الله فهذا الطفل هو الشخص الذي عدّه رسول الله من نفسه، وعلمه علم رسول الله. في الحقيقة، كان جابر يلمّح لأهل المدينة أنكم إن أردتم العلم الصحيح فلا ينبغي أن تذهبوا إلى غير محضر الإمام الباقر عليه السلام. ومع أن بعض أهل ذلك الزمان سمعوا رسالة جابر بأذن القلب، فصاروا أمثال زرارة وأبي بصير، إلا أن جماعة لم يسمعوا رسالة جابر، وقضوا أعمارهم في ضلال وانحراف أبي حنيفة زمانهم، وصاروا في العاقبة من أهل النار.
جابر رسول النبي إلى أهل هذا الزمان
لكن رسالة جابر لم تكن محدودة بالمدينة. فرسالة جابر وصلت إلينا اليوم أيضاً، ونحن أيضاً نخاطب ذلك الإمام الهمام بالباقر، أي نعتقد أنه هو الذي يشق العلم، وهو الذي أظهر العلم الصحيح. ولكن ليت هذا الاعتقاد فينا يكتسب يوماً لون العمل. لقد فهم جابر رسالة رسول الله جيداً، وفي أواخر عمره صار بكل فخر تلميذاً للإمام الباقر عليه السلام، وشرب جرعة بعد جرعة من علمه الخالص. أفلا ينبغي لنا اليوم أيضاً أن نجلس عند دروس الإمام الباقر في مختلف المجالات العلمية؟
هل سمعنا اليوم رسالة رسول الله؟
اليوم، مع كل ما لدينا من محبة وولاء للإمام الباقر عليه السلام، فإن مجتمعنا خالٍ من علوم ذلك الإمام. وعلامة خلو مجتمعنا من معارف الإمام الباقر عليه السلام هي ظهور العرفانات المستحدثة والمدارس المنحرفة بين شباب مجتمعنا الشيعي. يستحيل أن يكون شخص عارفاً بمعرفة الإمام الباقر عليه السلام ثم تتمكن فكرة منحرفة من سرقة عقيدته. ولا يمكن أن يمتلئ صدر شاب بكلمات الإمام الباقر النورانية ثم تدمّره الغفلة والشهوات.
حقاً، لماذا لا نملك في المجامع العلمية، للتلاميذ والطلاب وحتى طلبة الحوزات العلمية، مساراً مطالعاتياً واسعاً لروايات الإمام الباقر؟ ولماذا، على سبيل المثال، لا يوجد في المراكز العلمية درس باسم التوحيد في كلام الإمام الباقر عليه السلام؟ وهل يوجد بين الكتب التي تنشر كل عام كتاب يقدّم الآراء العلمية للأئمة الأطهار عليهم السلام لمختلف الأعمار وببيان سهل؟
ألم تصل بعد رسالة جابر بن عبد الله الأنصاري إلى آذاننا؟ أم وصلت وجلسنا مطمئنين حتى تعم الأفكار المنحرفة مجتمعنا؟ لماذا لا ينبغي أن يُنظر إلى كتب احتجاجات ومناظرات الأئمة الأطهار، ولا سيما الإمام الباقر والإمام الصادق عليهما السلام، حتى الآن كنصوص دراسية؟ لا شك أن مهجورية كلمات الأئمة بين عامة المجتمع، وخصوصاً خواص المجتمع، ليست أقل من مهجورية القرآن، ولن يخرج القرآن أيضاً من المهجورية إلا حين تتحرر كلمات أهل البيت من المهجورية بيننا؛ لأن أهل بيت العصمة والطهارة هم ناطقو القرآن والقرآن الناطق.
الهوامش
١- بحار الأنوار، ج ٤٦، ص ٢٢٥، الباب ٣، مناقبه صلوات الله عليه وفيه
٢- بحار الأنوار، ج ٤٦، ص ٢٢٥، الباب ٣، مناقبه صلوات الله عليه وفيه
٢- بحار الأنوار، ج ٤٦، ص ٢٢٥، الباب ٣، مناقبه صلوات الله عليه وفيه
المؤلف: حامد صارم
مقالات مشابهة
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد.