نبأ العظيم
المقالاتفيديوالصوتالصور
نبأ العظيم

منصة بحثية وإعلامية لتاريخ الإسلام ومعارف الشيعة والإجابة الموثقة عن أسئلة اليوم.

الوصول
المقالاتالبحث
الموضوعات
الإمامةتاريخ الإسلامالرد على الشبهات
اللغات
فارسیالعربيةEnglish
22 شهرفار 1395 ه‍.شابرارالشخصياتالعلامة المجلسي

العلامة المجلسي، المُحيي المظلوم للثقافة الشيعية

المؤلف: حامد صارم
العلامة المجلسي، المُحيي المظلوم للثقافة الشيعية
لم يكن المجلسي محدّثاً ساذجاً سطحياً ومجرد راوٍ، بل كان عالماً ناقداً خبيراً بالحديث يميّز الصحيح من السقيم.

تدبير الرسول في حفظ الدين وصيانته

يمدح الله تعالى رسوله الكريم بالعلم، ويقول في شأنه: «... وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ... (١) علّمناك ما لم تكن تعلمه». ومن ثمّ كانت أقوال نبي الرحمة جانباً من ذلك العلم الإلهي الذي عُلِّمه. وقد أمر رسول الله أمراً مؤكداً بكتابة الأحاديث لحفظ هذا العلم الإلهي ووصوله إلى الأجيال القادمة، وإن كان بعض المنافقين في حياته يمنعون الصحابة من تدوين الحديث.
يقول عبد الله بن عمر: «كنت أكتب كل ما أسمعه من رسول الله وأريد حفظه، فمنعتني جماعة من قريش من ذلك وقالوا: إن النبي يتكلم في الرضا والغضب؛ وهذه المقالة المنافقة تدل على كفر قائلها. فأمسكت عن الكتابة حتى عرضت ذلك على النبي. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: «أكتب، فوالذي نفسي بيده ما خرج منه إلا حق». اكتب؛ فوالذي نفسي بيده، لا يخرج من [فمي] إلا الحق». (٢) وتدل هذه الرواية وغيرها في هذا الباب على أن النبي الأكرم كان شديد الإصرار على تدوين الأحاديث، وإن كان بعض المنافقين يمنعون الكتابة في حياته، ثم لما استولوا على السلطة غصباً بعد شهادة النبي أصدروا رسمياً أمراً بمنع كتابة الحديث ونقله.

تدوين الكتب في عصر الأئمة الطاهرين عليهم السلام

بعد النبي الأكرم، اهتم أوصياؤه بهذا الأمر وأمروا شيعتهم بكتابة الأحاديث النبوية وأحاديث الأئمة الطاهرين. وأدى هذا الاهتمام الخاص من أهل البيت عليهم السلام إلى أن يقوم الشيعة بتأليفات واسعة. وقد بلغ تدوين الحديث وتأليف الشيعة ذروته في زمن الإمامين الباقر والصادق عليهما السلام، حتى إن الشيعة بعد هذين الإمامين كانت لديهم مؤلفات ومدونات لكل ما يحتاجون إليه في شؤونهم الدينية. (٣) وبإرشاد أهل البيت عليهم السلام وأمرهم، وباهتمام الشيعة الخاص واجتهادهم وتحملهم المشقات المرهقة، صار للمذهب الشيعي كمّ هائل من المؤلفات والكتب في العلوم المتنوعة. ويكتب المحقق البحراني في هذا الشأن: «كانت طريقة قدماء أصحاب الإمامية في عصر حضور الأئمة، في مدة تزيد على ثلاثمائة سنة إلى زمن المحمدين الثلاثة ـ الشيخ الكليني والشيخ الصدوق والشيخ الطوسي ـ هي ضبط الأحاديث وتدوينها في مجالس الأئمة الطاهرين. وكانوا يبادرون إلى كتابة ما يسمعونه من المعصومين خوفاً من طروء السهو والنسيان». (٤) ولذلك نال المذهب الشيعي في زمن حضور المعصوم غنىً علمياً وثقافياً ببركة الكتب الكثيرة التي أُلّفت. ولما كانت هذه العلوم والمعارف قد دُوّنت وكُتبت بتدبير الأئمة عليهم السلام، بقيت هذه الثقافة العظيمة خالدة في التاريخ، لأن من وظائف الكتاب نقل الثقافة والمعرفة إلى الأجيال اللاحقة. وقد أغنى الأئمة الطاهرون عليهم السلام الأجيال القادمة بالمعارف والعلوم الإسلامية المتنوعة. وكان حجم هذه المدونات كبيراً إلى حدّ أن جماعة من علماء الشيعة اشتغلوا بالفهرسة، وأُلّفت كتب فهرسية مختلفة لحصر هذه الكتب.

الكتاب: رأس مال عظيم للشيعة

لا شك أن المحدّثين الشيعة كثيري العمل أورثوا الشيعة ثروة ثقافية عظيمة؛ ثروة من الكتب والمدونات التي تضم الكلمات النورانية والعلوم الوحيانية للأئمة الطاهرين. وقد امتلك المذهب الشيعي، بفضل وجود أهل البيت ومجاهدات أعلام مثل زرارة وهشام بن الحكم ومحمد بن مسلم وابن أبي عمير والبزنطي وعشرات المحدّثين الجليلين، هذا السند العلمي العظيم.
من أهم واجبات جميع الشيعة في عصر الغيبة، ولا سيما العلماء وخواص المجتمع، حفظ هذه الكتب النفيسة الغالية ونشرها. لكن، مع شديد الأسف، ضاع كثير من هذه الكتب عبر التاريخ. وكان تسلط الفراعنة في زمن الغيبة واهتمام المدارس المنافسة بمحو المذهب الشيعي من الأسباب الرئيسة لفقدان الكثير منها. ومن ذلك هجوم المتطرفين الحنابلة على مكتبة الشيخ الطوسي العظيمة في بغداد؛ فقد أُحرقت مكتبة الشيخ الطوسي الكبيرة مرتين في هذه الهجمات، وفُقدت كتب كثيرة. ومن جهة أخرى، جعل مرور الزمن غبار النسيان يستقر على كثير من هذه الكتب، فآلت إلى الاندراس والعزلة.

العلامة المجلسي، مُحيي الكتب والثقافة الشيعية الأصيلة

ظهر في القرن الحادي عشر رجل عظيم من أهل العلم والحديث. وفي وقت كان هذا التراث الثقافي الشيعي العظيم يوشك أن يُطوى في النسيان، أنجز عالم جليل القدر اسمه المجلسي عملاً ضخماً. فقد بدأ جهداً متواصلاً شاقاً، لكنه لا يعرف الكلل، لحفظ كتب الشيعة. واستفاد بأفضل وجه من إمكانات عصره، وبهمة عالية شرع في جمع كتب الشيعة المعروفة والمعتبرة والمشهورة. وبحث في أقاصي العالم الإسلامي وفي كل موضع احتمل أن يجد فيه كتاباً من التراث الحديثي الشيعي. وتمكن من العثور على نسخ معتبرة كثيرة من كتب المتقدمين. ولحفظ هذه الآثار ألّف كتاباً عظيماً مدهشاً باسم «بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمة الأطهار».
بحار الأنوار موسوعة شيعية جامعة، متقنة ومعتبرة في آن واحد. ولحفظ كتب المتقدمين وإحيائها، لم يكتفِ المرحوم المجلسي بجمع كتب عصر الحضور، بل صنفها وبوّبها في موسوعته. وأدى ذلك إلى إظهار المنظومة الفكرية الشيعية في بحار بصورة منسجمة ومستندة إلى الأحاديث المعتبرة. كما سهّل كثيراً على الباحثين في الحديث في المستقبل الوصول إلى الأحاديث المتعلقة بموضوع معين. ومن جهة أخرى، حفظ هذا التأليف آثار المتقدمين المتفرقة وأحياها ضمن هذه الموسوعة.
استطاع المجلسي بكتبه المتنوعة والمهمة، وفي مقدمتها بحار الأنوار، أن يحيي الثقافة الشيعية الأصيلة وكتبها، وأن يصونها للأجيال القادمة من النسيان والضياع.
عاش صاحب بحار ثلاثة وسبعين ربيعاً، ومضى على رحلته الأبدية أكثر من ثلاثمائة سنة، غير أن مائدته العلمية الغنية المباركة لا تزال تغذي الباحثين في الدين، وستغذي كتبه، ومنها بحار، طالبي العلم والمعرفة إلى زمن ظهور الحجة؛ كما كتب في مقدمة بحار الأنوار: «فأرجو من فضله سبحانه على عبده الراجی رحمته وامتنانه أن يكون كتابي هذا إلى قيام قائم آل محمد عليهم الصلاة والسلام والتحية والإكرام مرجعاً للأفاضل الكرام ومصدراً لكل من طلب علوم الأئمة الأعلام ومرغماً للملاحدة اللئام....»؛ أي آمل أن يجعل الله سبحانه بفضله هذا الكتاب مرجعاً للفضلاء والعلماء إلى قيام قائم آل محمد عليهم السلام، ومصدراً لكل من يطلب علوم أهل البيت، وسبباً لإرغام الملحدين اللئام.

المجلسي، المُحيي المظلوم للثقافة الشيعية

المجلسي أعظم من أن يمكن تصويره في مثل هذه المقالة القصيرة، ومع ذلك فهو من أكثر الشخصيات مظلومية في مجتمعنا العلمي والثقافي.
ومن جملة ما وقع من الظلم على المجلسي الاتهامات الباطلة التي وُجهت إليه، ومع شديد الأسف تحولت هذه التهم والأكاذيب إلى حقائق في أذهان كثير من الناس، بل وحتى بعض طلاب العلم.
ومن هذه التهم اتهامه بخلط الحق بالباطل، والصواب بالخطأ، في بحار الأنوار. ويصوّرون الأمر كأن المرحوم المجلسي جمع الأحاديث مغمض العينين، وأن غايته الوحيدة كانت التأليف وجمع الأحاديث، ولذلك توجد في الكتاب أخطاء كثيرة. حتى إن بعض المفكرين كتب: «إن غرض المجلسي من جمع بحار هو حفظ هذه الأحاديث لا بيان صحتها وعدم صحتها، ولذلك سماها بحاراً. فالبحر كما يضم الدر والجوهر لا يخلو من الخزف، وعلى خبير الجواهر أن يفصل الدر عن الخزف». ولكن، مع بالغ الأسف، لم ينتبه هذا الكاتب إلى أن اسم كتاب المجلسي ليس بحاراً فقط، أي البحار، بل اسمه «بحار الأنوار، جامع درر أخبار الأئمة».
وتدعي مجموعة أخرى أن المرحوم المجلسي صرح في مقدمة كتابه بأنه جمع في بحار الأحاديث الموثوقة وغير الموثوقة. والحال أن المجلسي لم يكتب قط في مقدمة بحار ولا في أي موضع آخر كلاماً كهذا أو شبيهاً به، بل يكتب في المقدمة:
«يا إخواني في الدين ويا أصدقاء الأئمة الطاهرين عليهم السلام! إن كنتم صادقين في إظهار مودتكم، فأسرعوا إلى المائدة التي بسطتها، وخذوها بأيدي الإقرار واليقين، وتمسكوا بها بوثوق واطمئنان ...»
«إخواني! أبشركم بكتاب جامع للمقاصد، ذي نكات لا نظير لها لم يأت الزمان بمثل حسنها ووضوحها، ونجوم أشرقت من أفق الغيب ولم تر عيون العباد مثل ضيائها وإشراقها؛ وهو رفيق مشفق لا يُذكر له قبل هذا مثيل في الصدق والوفاء.... ولما كان هذا الكتاب مشتملاً على أنواع العلوم والحكم والأسرار، ومغنياً عن مراجعة جميع الكتب، سميته «بحار الأنوار»، أي بحار النور، جامع درر أخبار الأئمة الأطهار عليهم السلام.» (٥)

عناية المجلسي الخاصة باعتبار أحاديث بحار الأنوار

لم يكن المجلسي محدّثاً ساذجاً سطحياً ومجرد راوٍ، بل كان عالماً ناقداً خبيراً بالحديث يميّز الصحيح من السقيم. وشرح ذلك يحتاج إلى فرصة أخرى، لكن يكفي التنبيه إلى أن المجلسي لم يكن بصدد جمع الأحاديث فحسب؛ إذ كان يعد بعض الكتب ساقطة عن درجة الاعتبار فلا ينقل منها، ولم يكن يثق تماماً ببعض الكتب الأخرى، ولذلك لم ينقل منها إلا الروايات التي يملك دليلاً على اعتبارها، مثل موافقتها لآيات القرآن والأحاديث المعتبرة الأخرى. ومن أمثلة ذلك ما كتبه في المقدمة عن كتاب مصباح الشريعة: «في كتاب مصباح الشريعة مطالب توقع العاقل الخبير في الشك. وأسلوبه لا يشبه سائر كلمات وأحاديث وآثار أهل البيت عليهم السلام. وينقل الشيخ الطوسي في كتاب مجالسه بعض روايات مصباح الشريعة هكذا: روى لنا جماعة عن أبي المفضل الشيباني بإسناده عن شقيق البلخي، عن رجل من أهل العلم روى له. وتدل هذه الطريقة في النقل على أن مصباح الشريعة كان موجوداً عند الشيخ وفي عصره، وكان يروي منه، لكنه لم يكن مطمئناً إليه اطمئناناً تاماً، ولم تثبت عنده نسبة رواياته إلى الإمام الصادق عليه السلام؛ لأن سنده ينتهي إلى الصوفية، أي شقيق البلخي، ولذلك فهو مشتمل على اصطلاحات وتعبيرات الصوفية، ومبني على الرواية عن مشايخهم وعن الذين يعتمد عليهم الصوفية في رواياتهم.» (٦)
وتوجد في مقدمة بحار تعبيرات من هذا القبيل عن بعض الكتب. ولذلك كان المرحوم المجلسي يولي عناية وتدقيقاً لكون روايات كتاب بحار الأنوار الشريف مطمئناً إليها وموثوقاً بها. فلا يصح، بدعاوى واهية، التشكيك في اعتبار بحار الأنوار أو الانتقاص من قيمة العمل العظيم للمرحوم المجلسي. (٧)

الهوامش

١- النساء، ١٣.
٢- عن عبد الله بن عمرو، قال: كنت أكتب كل شئ أسمعه من رسول الله صلى الله علیه ]وآله [وسلم أريد حفظه، فنهتني قريش عن ذلك، وقالوا: تكتب ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في الغضب والرضى؟ فأمسكت حتى ذكرت ذلك لرسول الله صلى الله علیه ]وآله [وسلم، فقال: أكتب، فوالذي نفسي بيده ما خرج منه إلا حق. تهذيب الكمال، المزي، ج ٣١، ص ٣٩.
٣- الكافي (طبعة الإسلامية)، ج ١، ص ٥٧.
٤- «أنه كان دأب قدماء أصحابنا المعاصرين لهم عليهم السلام إلى وقت المحمدين الثلاثة في مدة تزيد على ثلاثمائة سنة ضبط الأحاديث وتدوينها في مجالس الأئمة، والمسارعة إلى إثبات ما يسمعونه خوفاً من تطرق السهو والنسيان». الحدائق الناضرة، المحقق البحراني، ج ١، ص ٩.
٥- بحار الأنوار، ج ١، ص ٥.
٦- بحار الأنوار، ج ١، ص ٣٢.
٧- لا يعني هذا أن المرحوم المجلسي كان معصوماً. فلكل باحث حق التحقيق أو النقد، حتى في كتاب المرحوم المجلسي، بشرط أن يكون باحثاً لديه إلمام مقبول بمباني التوثيق وتاريخ الحديث الشيعي وأحاديث الشيعة.
المؤلف: حامد صارم
فهرس المحتويات
  1. تدبير الرسول في حفظ الدين وصيانته
  2. تدوين الكتب في عصر الأئمة الطاهرين عليهم السلام
  3. الكتاب: رأس مال عظيم للشيعة
  4. العلامة المجلسي، مُحيي الكتب والثقافة الشيعية الأصيلة
  5. المجلسي، المُحيي المظلوم للثقافة الشيعية
  6. عناية المجلسي الخاصة باعتبار أحاديث بحار الأنوار
  7. الهوامش
الوسوم:احیای-کتب-شیعهبزرگداشت-مجلسیتالیفتدوین-کتب-در-زمان-ائمهعلامه-مجلسیعلامه-مجلسی-احیاگر-شیعهنبأالعظیمنبا العظیمنقش-کتاب-در-انتقال-فرهنگکتاب-سرمایه-عظیم-شیعهکتابت

مقالات مشابهة

اليوم: اليوم الذي ابتسمت فيه السماء (الجزء الثاني) — اليوم: عزّة الدين، عظمة الإيمان، الهوية الخالدة
فيديو
26 مرداد 1405 ه‍.ش
اليوم: اليوم الذي ابتسمت فيه السماء (الجزء الثاني) — اليوم: عزّة الدين، عظمة الإيمان، الهوية الخالدة
المؤلف: حامد صارم
الإمامةالتفسيرغديرالقرآن الكريمفيديوأربعة عشر بريئا عليهم السلام
#حامد صارم#غدیر#نبأالعظیم
کتاب الله و عترتی یردا علی الحوض
21 مرداد 1405 ه‍.ش
تحليل نقدي لاعتراضات ابن تيمية على حديث الثقلين وتقييم ردود مير حامد حسين في عبقات الأنوار
المؤلف: حامد صارم
الإمامةالحديثعبقات الأنوارغديرالوهابيةالكتب الشيعيةالكتب الكلامية
#wp-tag-1562#wp-tag-1563#حامد صارم

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد.

ابوبکر گفت حتی برای یک عقال هم می جنگم و قنل عام می کنم
16 مهر 1404 ه‍.ش
تشييد المطاعن: تحليل علمي في ردّ دعوى مشروعية الخلفاء الأوائل (١٤) — القتيل المستند إلى القرآن؛ القاتل المتعطش للسلطة والمنغمس في الشهوات
المؤلف: حامد صارم
الأشرار وأعداء أهل البيت عليهم السلاممطاعن-ابوبکربن-ابی-قحافهنقد الأفكارالوهابية
#ان-صلاتک-سکن-لهم#تشیید-المطاعن#تشیید-المطاعن-لکشف-الضغائن