قصة مثيرة عن تشيّع أم وابنها بمعجزة الإمام الرضا(ع)
المؤلف: حامد صارم

يقول محمد بن عمر النوقاني: في ليلة، بينما كنت نائماً في الظلام، استيقظت فجأة ورأيت في ناحية مشهد الإمام الرضا...
لم يُخلق الإنسان حراً ليرتكب كل ما تهواه نفسه، بل خُلق مكلّفاً بالتسليم أمام الإمام والسير إليه في هذه الدنيا. ومع أن تعبيري المختار والحر متقاربان، فبينهما فرق عميق وأساسي. فالإنسان الحر هو من فُوّضت إليه جميع الأمور، فيعيش كما يريد ويختار أي طريق واتجاه. أما الإنسان المختار فقد أعطاه الله القدرة على الاختيار، لكن ذلك لا يعني أن يختار كل ما يريده؛ بل هو مكلّف بالسير إلى الجهة التي أمر الله بها، وله أن يطيع أو يتمرد.
السير إلى الإمام تكليف جميع العباد
لذلك قال الإمام الصادق عليه السلام: «لا جبر ولا تفويض لكن أمر بين الأمرين»(١). فقد نفى الجبر وأبطل التفويض. والتفويض، بمعنى إيكال جميع الأمور إلى العباد ليعملوا كيف شاؤوا، باطل. والأمر بين هذين الأمرين هو الاختيار، ومعه يكون الجميع مكلّفين بالسير إلى الإمام الذي عيّنه الله.
الناس فريقان: فريق يسير نحو الإمام فينجو، وفريق يتمرد على أمر الله فيهلك.
إن أعظم امتحان إلهي في عالم الوجود هو السير إلى الإمام الذي عيّنه الله. ولذلك نقرأ في الزيارة الجامعة الكبيرة مخاطبين الأئمة المعصومين: «...والباب المبتلى به الناس من أتاكم نجا ومن لم يأتكم هلك...»؛ فأنتم أهل البيت باب يُبتلى الناس به، فمن أقبل إليكم نجا ومن لم يقبل هلك.

بركات هجرة الإمام الرضا عليه السلام إلى طوس
نهض بعض الناس لمخالفة أهل البيت عناداً وبغضاً، عن علم وعمد. واستمروا في لجاجتهم مع علمهم بأن عاقبتهم النار. ولم يعرف آخرون الحق، كما أن الجائرين والظالمين لم يسمحوا بأن تشملهم الهداية. وأجبروا الأئمة الطاهرين على التقية كيلا تصل كلماتهم النورانية إلى جميع البلاد الإسلامية. لذلك أثبت الشيعة حقانية أهل البيت وسط مشقات كثيرة.
أدت هجرة الإمام الرضا عليه السلام القسرية إلى خراسان إلى عدم تحقق هذه المؤامرة في زمانه؛ إذ أتاحت رحلته لكثيرين أن يلتقوا به عن قرب، ويطلبوا منه الحديث عن آبائه الطاهرين والنبي الأكرم، كما أن معجزاته الكثيرة المسجلة في هذه الرحلة أوصلت حقانية أهل البيت إلى أسماع أناس كثيرين، فاهتدت جماعات كبيرة وعرفت طريق الحق.
الصلة الوثيقة بين التوحيد والإمامة
في نيسابور، حين طلب محدثو تلك الديار من الإمام الرضا عليه السلام رواية حديث، روى حديثاً عن الصلة الوثيقة بين الإمامة والتوحيد. وفيه يعلن أن التوحيد بلا إمامة الأئمة الطاهرين والإمام الرضا لا فائدة فيه، وأن دخول حصن التوحيد الحصين والأمن من العذاب الإلهي والانتساب إلى أهل التوحيد مشروط بقبول إمامة الأئمة، وخصوصاً الإمام الرضا. واشتهر الحديث بـ«سلسلة الذهب» لأن رواته من الإمام الرضا إلى الله تعالى هم الأئمة المعصومون ورسول الله الأكرم.
ومن اللافت أن الشيعة كانوا يُقتلون جماعياً على يد هارون في وقت قريب جداً من سفر الإمام الرضا إلى طوس. فقد نُهبت بيوت بني هاشم في المدينة في عهد هارون، حتى بيت الإمام الرضا نفسه. وساد خنق شديد البلاد الإسلامية، واستشهد كثير من السادة لمجرد انتسابهم إلى النبي. ثم تغيرت سياسة بني العباس بعد مدة قصيرة، فدعوا الإمام الرضا إلى ولاية العهد بسبب مكرهم وحيلتهم.
وفي هذه الرحلة نقل الإمام الرضا رواية عالية المضمون عن الإمامة، وعرّف قبول الإمامة شرطاً لكلمة «لا إله إلا الله». وقد بيّن علي بن موسى الرضا عليه السلام هذه الحقيقة أمام حشد من محدثي نيسابور: من لم يقبل إمامة أهل البيت فليس له توحيد في الحقيقة، وموته يكون على الكفر.
وهذه الرواية موجودة بصيغ أخرى في مجاميع الحديث الشيعية والعامة: «من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية»(٢). غير أن الإمام بيّنها بوضوح وتأكيد أكبر؛ فذكر الحديث أولاً حديثاً قدسياً عن جبرئيل وعن الله، ثم جعل الإمامة شرطاً لكلمة «لا إله إلا الله». وكان نشر هذه الروايات من بركات سفره.
كأنما في كل مدينة وطئها الإمام الرضا بقدمه المباركة بدأ شعاع من شمسه المتألقة يضيء ذلك المكان، فيهدي كثيرين حُرموا نعمة الهداية بسبب جور أئمة الجور.
إشعاع الوجود المقدس للإمام الرضا عليه السلام في مرو
تنوّرت نيسابور بحديث: «سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: سمعت جبرئيل يقول: سمعت الله جل جلاله يقول: لا إله إلا الله حصني، فمن دخل حصني أمن عذابي. فلما مرت الراحلة نادانا: بشروطها وأنا من شروطها»(٣). ولم يقتصر تجلي الإمام الرضا على نيسابور؛ فقد ألقى الإمام الثامن في مرو خطبة غراء عن الإمامة، وأزال ظلمات الجهل والتعصب بنور كلماته الإلهية. وبيّن بالاستدلال بالقرآن أن الإمامة مقام لا يمكن أن يتحقق بالانتخاب والاختيار البشري، بل لا بد أن تكون بتعيين إلهي. وكل من أحال الخلافة إلى الانتخاب أو الشورى أو الإجماع ارتكب أكبر خطأ، لأنه لم يعرف مقام الإمامة؛ وإحالة أمرها إلى الشورى واختيار الناس إنكار لكلام الله المجيد، وإنكار كلام الله كفر.
تشكيل الشورى والرجوع إلى الإجماع يعني أن الله سكت عن هذا الأمر. وتشكيل السقيفة يعني أن الله ترك حكم هذه القضية للناس ولم يبيّن فيها حكماً وتركهم لأنفسهم.
يبيّن الإمام الرضا بطلان هذا الاعتقاد باستدلال لطيف من القرآن، ويقول إن من يعتقد أن الله لم يبيّن حكماً في الإمامة فقد أنكر القرآن في الحقيقة. وعند وصول الإمام الرضا، في يوم جمعة، جرى نقاش بين الناس عن الإمامة.
يقول عبد العزيز بن مسلم: دخلت على سيدي ومولاي الرضا صلوات الله عليه، فأخبرته بحديث الناس عن الإمامة في المسجد الجامع. فتبسم الإمام الرضا ثم قال: «يا عبد العزيز، جهل القوم وخدعوا عن دينهم. إن الله تعالى لم يقبض نبيه من أمته حتى أكمل له الدين وأنزل عليه القرآن، فيه تفصيل كل شيء، وبيان الحلال والحرام والحدود والأحكام وكل ما يحتاج إليه الناس. وقال في كتابه: «ما فرطنا في الكتاب من شيء»(٤). وفي آخر عمر النبي، في حجة الوداع، نزل: «اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً». فأمر الإمامة من تمام الدين، ولم يفارق النبي الدنيا حتى بيّن للأمة معالم دينهم وأوضح لهم الطريق... فما ترك شيئاً تحتاج إليه الأمة إلا بيّنه لها. فمن زعم أن الله لم يكمل الدين فقد رد كتاب الله، ومن أنكر كتاب الله فهو كافر...»
الإمامة من المسائل الضرورية للناس
في صدر هذه الخطبة الطويلة جداً يبيّن الإمام أن الله أكمل الدين، وأن الإمامة والخلافة بعد النبي جزء من الدين. ولما كان الله قد أكمل الدين وأتم نعمته، فلا بد أن يكون قد بيّن وفسر هذه المسألة الضرورية المهمة التي يحتاج إليها الخلق دائماً؛ وإلا كان الدين ناقصاً وكان كلام الله في إكمال الدين كذباً.
ولا سيما أن أكبر الخلافات وأشد الحروب دموية بعد النبي كانت حول الإمامة وخلافة النبي. ثم يقال مع ذلك إن أمراً بهذه الأهمية، أدى الخلاف فيه إلى حروب وفتن كبرى، لم يضع الله له حكماً. فمن يعتقد أن الله ورسوله لم يبيّنا حكماً في الإمامة والخلافة بعد النبي وسكتا، يقول في الحقيقة إن الدين ناقص في هذا الموضع؛ ومن يعد دين الله والقرآن ناقصين يكذب آيات إكمال الدين وإتمامه والآيات التي تقول إن كل شيء موجود في القرآن، ومكذب القرآن كافر.
وببيان بسيط جداً، وبالاستناد إلى آيات القرآن التي يدعي المخالفون التمسك بها، بيّن الإمام العقيدة الحقة في الخلافة، وأعلن أن كل من جلس على كرسي الخلافة بالشورى أو الإجماع غاصب ومنكر ومكذب للقرآن. وكانت هذه الخطبة من بركات سفر الإمام الرضا النوراني إلى طوس، وبقيت ذخيرة من علوم أهل البيت عن شأن الإمام ومقامه. ومع أن سفره كان نتيجة ظلم المأمون، فقد أتاح له أن يبيّن الحق كما هو في مدن ومجالات مختلفة.
عدم انقطاع نور الإمام الرضا بعد الشهادة
استمرت آثار وبركات وجود الإمام الثامن علي بن موسى الرضا عليه السلام إلى اليوم بعد شهادته؛ لأن الموت والحياة لا فرق بينهما للإمام، وأنوار الهداية تصدر منه في كل حال. وضريحه العظيم الشريف اليوم قبلة قلوب الشيعة ومحبي ذلك العظيم، وهو يضيء المجتمع الشيعي ويهدي كثيراً من الضالين إلى طريق الحق. وفي كل زمان تظهر من ذلك المشهد الشريف معجزات وكرامات تقوي قلوب الشيعة وتتم الحجة على منكري إمامة الإمام الرؤوف.
الهداية بواسطة قبر الإمام الرضا الشريف
يقول محمد بن عمر النوقاني: «في ليلة، بينما كنت نائماً، وفي ليلة مظلمة حالكة، استيقظت فجأة ونظرت إلى ناحية مشهد الإمام الرضا عليه السلام. فرأيت نوراً خرج من مضجعه الشريف وارتفع حتى ملأ مشهده، وأضاء كل مكان كأنه صار نهاراً.
كنت حينئذ أشك في إمامة الإمام الرضا عليه السلام، ولم أكن معتقداً بها ولا أراه إماماً محقاً. فحدثت أمي بهذه الواقعة، وكانت هي أيضاً من مخالفي الإمامة. فقالت: «ليس بشيء، وهذا من عمل الشيطان.»
وفي ليلة أخرى كانت أظلم وأشد ظلمة من الأولى، رأيت مثل ذلك النور وقد امتلأ المشهد به. فأخبرت أمي وأحضرتها إلى المكان الذي كنت فيه لترى ما أرى، فرأت هي أيضاً ما كنت أراه.
فعظّمت هذا الأمر وحمدت الله لأني رأيت هذه المعجزة، لكن أمي لم تؤمن به. وقصدت زيارة حرم الإمام الرضا. فلما وصلت كان باب الحرم مقفلاً. فناجيت الله وقلت: اللهم إن كان الحق مع الإمام الرضا فليُفتح هذا الباب. ثم دفعته فانفتح. فقلت في نفسي: لعل الباب كان مفتوحاً؛ فأغلقته بإحكام حتى احتاج فتحه إلى مفتاح. ثم قلت: إن كان الحق مع الرضا فليفتح الباب، فدفعته فانفتح. فدخلت وزرت وصليت، وهُديت إلى الدين الحق...»(٥)
وهذا نموذج آخر للهداية بالإمام الرضا بعد شهادة الإمام الرؤوف. فوجوده المقدس لا يزال يشع نوراً، لكن عمي القلوب لا يرون نور الله في تلك البقعة الشريفة وموضع تردد الملائكة. ونور هدايته يشمل محبيه في حياته وبعد شهادته.
والإمام في كل حال، في الحياة وبعد الشهادة، كما قال الإمام الرضا في خطبة مرو: «نور في الظلمات؛ الإمام بدر منير وسراج مضيء ونجم هادٍ في الغياهب والظلمات.»(٦)
الهوامش
١. الكافي، ج١، ص١٦٠، باب الجبر والقدر والأمر بين الأمرين.
٢. بصائر الدرجات، ص٥١٠، باب النوادر في الأئمة؛ والكافي، ج١، ص٣٧٧، باب من مات وليس له إمام...
٣. بحار الأنوار، ج٣، ص٧، باب ثواب الموحدين والعارفين...
٤. ترجمة المرحوم فيض الإسلام.
٥. عيون أخبار الرضا(ع)، ج٢، ص٢٧٩.
٦. الكافي، ج١، ص١٩٨، باب نادر جامع في فضل الإمام وصفاته.
المؤلف: حامد صارم
مقالات مشابهة
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد.