أفلم يكن بيت فاطمة، سلام الله عليها، بيتَ الوحي؟
المؤلف: حامد صارم

من الحقيقة النورانية للصدّيقة الكبرى إلى تحريف مصائب فاطمة في التاريخ الرسمي للخلافة
فاطمة (عليها السلام)، كلمة الله ومشكاة نوره
إنَّ ريحانةَ النبيّ، الصدّيقةَ الكبرى فاطمةَ سلامُ الله عليها، لها في جميع مراتب الوجود مقاماتٌ سامية ومناقب لا نظير لها. وهي ذلك النور الذي تجلّى في بدء الخلق مع أول مخلوقٍ إلهي، النبيّ الأعظم (ص) وأمير المؤمنين (ع)؛ إذ رأى آدم (ع) اسمها على ساق العرش، فأقسم على الله بحقّها وبحقّ أبيها وزوجها وأبنائها، فقُبلت توبته. وفاطمة (س) هي إحدى «كلمات» الله التي تتجلّى في الآية: «فَتَلَقّی آدَمُ مِن رَبِّهِ کَلِماتٍ فَتابَ عَلَیهِ…»؛ حيث قال آدم: «اللهم بحقّ فاطمه و أنت فاطر السّماوات و الأرض…». وريـحانة رسول الله (ص) هي تلك المشكاة المباركة التي يضيء بها مثل نور الله في السماوات والأرض: «… مَثَلُ نُورِهِ کَمِشکاةٍ…».
فاطمة (عليها السلام)، أبعد من اسم؛ سرٌّ على أفق ليلة القدر
والحقيقة أنّه لا يصحّ الاكتفاء في بيان شأنها بالعبارة الموجزة: «فاطمة، فاطمة است»؛ لأنّ فاطمة ليست اسماً فحسب. فهي المنصورة والزهراء؛ تلك السيدة التي لُقّبت بـ«البتول»، واشتهرت على لسان النبيّ الأكرم (ص) بـ«أمّ أبيها». وحضرة الزهراء (سلام الله عليها) هي سيدة نساء العالمين، الأوّلين والآخرين؛ وقد قيل فيها: «فُطِمَ شیعتُنا عن معرفتها»؛ أي إنّ حتى شيعتنا قد حُجبوا عن إدراك حقيقة وجودها. فمن ذا الذي يستطيع أن يعرف فاطمة الزهراء (س) كما هي؟ فإنّ من عرفها أدرك حقيقة ليلة القدر؛ وما أجمل ما قال الله تعالى: «وَ ما أدرَاکَ ما لَیلَةُ القَدر»؛ وما أدراك ما ليلة القدر؟
السيدة فاطمة عليها السلام، شعاعٌ من نور النبي (ص)
إنّ الوجود القدسي لفاطمة الزهراء عليها السلام جزءٌ لا ينفصل من نور النبي الأكرم (ص)، كما قال رسول الله نفسه: «فاطِمَةُ بَضعَةٌ مِنّی؛ فاطمة بضعةٌ من وجودي، فمن آذاها فقد آذاني». فكلُّ قلبٍ يضع شوكةً في طريقها يكون، في الحقيقة، قد تجرّأ على حرمة رسول الله، ويشمله هذا الوعيد الإلهي: «إِنَّ الَّذینَ یُؤذونَ اللهَ وَ رَسولَهُ لَعَنَهُمُ اللهُ فِی الدُّنیا وَ الآخِرَةِ وَ أَعَدَّ لَهُم عَذاباً مُهِیناً» (الأحزاب، ٥٧).
وعلى هذا الأساس، فإنّ كلَّ ما يحمل لون الأذى أو انتهاك الحرمة لفاطمة الزهراء عليها السلام يُعَدّ، في ميزان القرآن، أذًى لله ورسوله، ويحمل اللعنة والابتعاد عن رحمته. ولبيان حساسية هذه الحرمة، يذكّر القرآن الكريم بآداب الحضور بين يدي النبي: «یَا أَیُّهَا الَّذینَ آمَنوا لا تَرفَعوا أَصواتَکُم فَوقَ صَوتِ النَّبِیِّ وَ لا تَجهَروا لَهُ بِالقَولِ کَجَهرِ بَعضِکُم لِبَعضٍ أَن تَحبَطَ أَعمالُکُم وَ أَنتُم لا تَشعُرون» (الحجرات، ٢)؛ يا أيها الذين آمنوا، لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي، ولا تجهروا له بالقول كما يجهر بعضكم لبعض، فتُحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون.
وفي آيةٍ أخرى، تُصان حرمة بيته على هذا النحو: «یَا أَیُّهَا الَّذینَ آمَنوا لا تَدخُلوا بُیوتَ النَّبِیِّ إِلّا أَن یُؤذَنَ لَکُم…» (الأحزاب، ٣)؛ لا تدخلوا بيوت النبي بغير إذن.
فإذا كان رفع الصوت في محضر رسول الله يستتبع الخوف من حبوط الأعمال، وكان الدخول إلى بيته من غير إذن مخالفاً لأمر الرب، فإلى أيّ حدّ ينبغي صون حرمة قلب وبيت فاطمة عليها السلام ـ وهي بضعةٌ من جسد النبي وأمانة نوره؟
النار على بيت فاطمة عليها السلام، نارٌ على بيت الوحي
إنَّ جميع هذه الآداب والتحذيرات تجري أيضاً بشأن ريحانة رسول الله، السيّدة الصدّيقة الكبرى (سلام الله عليها)، فإنّ دارها دار النور وبيت الوحي. فتأمّل الآن: إذا كان مجرّد رفع الصوت في محضر النبيّ (ص) يوجب الخوف من حبوط جميع الأعمال، وكان الدخول إلى بيته بغير إذنٍ يُعَدّ من إيذاء رسول الله، فما حال من يلقي الحطب خلف باب دار فاطمة (س)، ويُعِدّ النار، ويهدّد مع جماعةٍ بإحراق بيت ابنة النبيّ؟
أفيكون اليد التي تضع النار على باب بيت الوحي قد ذاقت يوماً طعم الإيمان بالوحي؟ وهل يحمل قلب صاحبها أدنى حرمةٍ أو قيمةٍ للنبيّ الذي كان يعدّ هذا البيت حرمه؟ والحقيقة أنّ مثل هذه الجرأة لا تصدر إلا عن قلبٍ ممتلئٍ بالحقد والبغض على رسول الله (ص) وذِكره الباقي.
في أرضٍ يبقى فيها وجه الحقّ مستوراً، يكون اتخاذ القرار كالمشي في الظلام؛ عسيراً، بل ومتعذّراً أحياناً. والشيطان دائماً بالمرصاد ليخفي الحقّ ويُظهر الباطل للناس في لباس الحقّ؛ وأعظم خداعه أن يُري السواد بلون النور. وفي مثل هذا الميدان، فإنّ من يكشف القناع عن وجه الباطل إنما يضع كأس الهداية في يد البشر جرعةً بعد جرعة. إنّ السيّدة الصدّيقة الطاهرة (سلام الله عليها) لم تكن متعطّشةً للألم والمصيبة، بل شربت المرارات جرعةً بعد جرعة لتذيق الناس حلاوة الهداية جرعةً بعد جرعة؛ حتى إذا رُفعت الحجب، لم يكن لأحدٍ يوم القيامة حجّةٌ على الله يقول بها: «لم نعرف الطريق.»
نعم، إنّ فاطمة (س) باعتراضها، وبصرختها المدوّية التي أطلقتها في وجه انحراف الأمّة، أوقدت سراج الهداية. وقد نزعت عن إبليس زمانها رداء الخداع الذي كان يرتديه، لكي ينكشف وجهه الحقيقي للجميع؛ وليعلموا أنّ من كان يتحدّث رياءً عن خير الأمّة وصلاحها لم يكن قد آمن بالنبوة في أعماق قلبه قطّ. فلو كان في روحه ذرّةٌ من الإيمان بالنبيّ والوحي، لما كان للتهديد بإحراق بيت الوحي معنىً في قاموس سلوكه.
التحريف لتبرئة المجرم
إنّ الذين أدركوا حقيقة هذه الوقائع، لكنهم اختاروا الطريق المعوجّ وسخّروا أقلامهم لخدمة جبهة النفاق، لا يطيقون أبداً أن تصل وقائع فاطمة ومصائبها إلى حاضر التاريخ ومستقبله واضحةً مكشوفةً بلا حجاب. ولذلك، وبناءً على تعصّباتهم المذهبية ودفاعاً عن الشخصيات المحبّبة إليهم، لم يدوّنوا إلا تلك الأجزاء من الحوادث التي تصرف سهم الاتهام عن نظام الخلافة، ولا توجّه قلب القارئ إلى حقّانية سلوك أمير المؤمنين (ع) والسيّدة فاطمة الزهراء (س).
في هذا المسار، إمّا أن كثيرًا من الأحداث والمصائب الفاطمية — كحادثة ضرب السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) وإيذائها — قد مُحيت تمامًا من صفحات التاريخ، وإمّا رُويت في صورة محرّفة وباهتة. وفي بعض الموارد، لم يكن ما كتبه المؤرخون المتعصبون إلا ظلًّا خافتًا للحقيقة المرّة للواقع؛ كواقعة إحراق بيت فاطمة (عليها السلام)، التي اختُزلت، بدل الاعتراف الصريح بالإحراق، إلى مجرد «التهديد بالإحراق».
ومع ذلك، فإن تلك الأقوال القليلة التي وصلتنا من بين ثنايا هذا التعتيم والتحريف، تشكّل وحدها برهانًا راسخًا على حقانية الفكر الشيعي؛ وهو برهان تثمر دلالته إثبات عدم أهلية الغاصبين للخلافة، وكشف عدم إيمانهم العميق بحقيقة الوحي، وإظهار استخفافهم بالآيات الكثيرة التي نزلت في شأن آل رسول الله (عليه السلام). ومن هنا، نتوجّه في بحث المصائب الفاطمية، ولا سيما قضية «التهديد بإحراق بيت الوحي»، إلى بعض المصادر المعتبرة لدى أهل السنة، لكي نسمع شهادة التاريخ من ألسنتهم أنفسهم.
دراسة التهديد بإحراق بيت الوحي في مصادر أهل السنة
ومن ناقلي هذا الهتك العظيم للحرمة ابنُ قتيبة الدينوري. فهو يكتب في تقريره: إن الخليفة الأول سأل عن جماعة امتنعوا عن بيعته واجتمعوا حول أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، فأرسل الخليفة الثاني إليهم لإكراههم على البيعة. فجاء الخليفة الثاني إلى باب بيت علي (عليه السلام) وناداهم، فلم يسمع جوابًا. عندئذ طلب الحطب وأقسم: «والذي نفسي بيده، لئن لم تخرجوا لأحرقنّ البيت على من فيه». فقيل له: «وإن كانت فاطمة (عليها السلام) في هذا البيت؟» فكان الجواب: «حتى لو كانت فيه». وفي النهاية، خرج الجميع من البيت إلا عليًّا (عليه السلام) وبايعوا. (١)
ولم يُسجَّل هذا التهديد الصريح بإحراق بيت فاطمة (عليها السلام) في كتاب «الإمامة والسياسة» وحده؛ بل إن التصريحات والتقارير التي تؤيد وقوع هذه الحادثة تُرى أيضًا في مصادر معتبرة أخرى لمدرسة الخلفاء. ومن ثمّ، لا يبقى شك في أصل «تهديد الخليفة الثاني بإحراق بيت فاطمة الزهراء (عليها السلام)»، وتندرج هذه الواقعة في عداد الحوادث القطعية التي لا يمكن إنكارها في التاريخ الإسلامي. والعجيب أن هذه التصريحات قد سُجّلت في مؤلفاتٍ تُعدّ نسبتها إلى مؤلفيها ثابتة وغير قابلة للإنكار حتى لدى أهل السنة أنفسهم. (٢)
التهديد بإحراق بيت الوحي يعني إنكار الوحي
مع أنّ بعض الروايات لم تتحدث إلا عن «التهديد بإحراق بيت الوحي»، ولم تذكر صراحةً إضرام النار في بيت فاطمة الزهراء (عليها السلام)، فقد اتخذ بعضهم هذه النقطة ذريعةً لئلا يلطخوا مرتكب هذه الجريمة بعارها، وليبرّئوه. غير أنّه ينبغي الالتفات إلى هذه الحقيقة: فحتى لو جعلنا هذا القدر الأدنى الذي نقله المؤرخون المتعصبون معياراً لنا، فإنه يكفي لكشف عدم أهلية من يهدد بإحراق أصل بيت الوحي.
وهذا القدر اليسير الذي وصلنا من مصادر المخالفين يكفي لإثبات انتهاك حرمة ابنة رسول الإسلام الكريمة (صلى الله عليه وآله)، وهي سيدة من المصاديق الفريدة لآية التطهير ومن أسمى تجليات آية المودة. وبعبارة أوضح، فإن من يقف على باب بيت فاطمة (عليها السلام) ويقول: «ولو كانت فاطمة في البيت لأحرقته»، لا يمكن أن يكون له أدنى نصيب من الإيمان الحقيقي بالقرآن والوحي. ومع ذلك، لا نكتفي بهذا المقدار، بل نقلب صفحةً صفحةً كتب أهل السنة بحثاً عن قرائن أوضح على إحراق باب بيت السيدة الزهراء (سلام الله عليها).
قرائن إحراق باب بيت فاطمة (عليها السلام)
- ١- يكتب «البلاذري (٣)، المتوفى سنة ٢٢٤»: «أرسل الأول في طلب علي ليأخذ منه البيعة، فلم يبايع؛ فجاء الثاني (٤) وفي يده فتيلة (٥).» (٦)
- ٢- يكتب «أبو الفداء (٧)، المتوفى سنة ٧٣٢»: «أقبل الثاني بقبس من نار ليحرق البيت.» (٨)
- وكذلك نقرأ في رواية «ابن عبد ربّه، المتوفى سنة ٣٢٨»: «أقبل بقبس من نار ليحرق البيت على أهله.» (٩).
شواهد من المصادر على إحراق باب بيت فاطمة عليها السلام
يكتب «ابن أبي الحديد المعتزلي، المتوفى سنة ٦٥٦»(١٠): «أمّا حادثة إضرام النار... فلم ينقلها إلا الشيعة؛ وإن كانت جماعة من «أهل الحديث» قد رووا ما يشبهها أيضاً.»(١١)
وتابعاً لرأي ابن أبي الحديد المعتزلي، نشير إلى ما كتبه أحد الفقهاء والمتكلمين الإمامية المشهورين: يكتب «ذو المجدين، السيد المرتضى علم الهدى قدس سره، المتوفى سنة ٤٣٦» في جواب «القاضي عبد الجبار، المتوفى سنة ٤١٥»: «لقد أوضحنا أن خبر إضرام النار قد نقله أيضاً جماعة من الرواة غير الشيعة ـ الذين لا يُتَّهَمون عند أهل السنة ـ.»(١٢)
الهوامش:
١. نقلاً عن: الإمامة والسياسة، ج ١، ص ١٢. ٢. ومن هذه المصادر: ١ـ «أنساب الأشراف» (تأليف: البلاذري، المتوفى سنة ٢٧٩)، ج ١، ص ٥٨٦، رقم ١١٨٤، طبعة مصر. ٢ـ «تاريخ الأمم والملوك» (تأليف: الطبري، المتوفى سنة ٣١٠)، ج ٢، ص ٤٤٣، طبعة بيروت. ٣ـ «العقد الفريد» (تأليف: ابن عبد ربّه، المتوفى سنة ٣٢٨)، ج ٥، ص ١٣ـ١٤، طبعة بيروت، ١٤٠٤ ق (= ج ٣، ص ٦٤، طبعة مصر، ١٣٥٣ ق). ٣. يكتب «الذهبي، المتوفى سنة ٧٤٨» عنه: كان حافظاً لأحاديث كثيرة، عارفاً بالتاريخ، وشخصاً عالماً. (تذكرة الحفّاظ، ج ٣، ص ٨٩٢) ٤. وفي وصف كيفية «مجيء عمر» نقرأ: أقبل عمر إلى بيت علي ليحرق البيت بمن فيه. راجع: «روضة المناظر» (تأليف: ابن شحنة، المتوفى سنة ٨٨٢)، المطبوع في هامش كتاب «الكامل» (تأليف: ابن الأثير، المتوفى سنة ٦٣٠)، ج ١١، ص ١١٣، طبعة الأفندي، ١٣٠١ ق (= ج ٧، ص ١٦٤). ٥. الفتيلة حبل مفتول يُشعَل لإيقاد النار. ٦. أنساب الأشراف، ج ١، ص ٥٨٦. ٧. يكتب «الذهبي، المتوفى سنة ٧٤٨» عنه: المؤيد ]عماد الدين، أبو الفداء، إسماعيل بن علي[ كان كريماً، فاضلاً، عالماً بالأحكام. (سير أعلام النبلاء، ج ٢٣، ص ٢٧٤) ٨. المختصر في أخبار البشر، ج ١، ص ١٥٦. ٩. العقد الفريد، ج ٥، ص ١٣. ١٠. صرّح «الذهبي، المتوفى سنة ٧٤٨» بكون «ابن أبي الحديد» معتزلياً، فكتب: فَإنَّ الْعِزَّ مُعْتَزِلیٌّ. كان عزّ الدين ]عبد الحميد بن هبة الله، المشهور بابن أبي الحديد[ معتزلياً. (سير أعلام النبلاء، ج ٢٣، ص ٢٧٤) ١١. شرح نهج البلاغة، ج ٢، ص ٢١. ١٢. الشافي في الإمامة، ج ٤، ص ١١٩.
المؤلف: حامد صارم
مقالات مشابهة
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد.