من الذي صلّى على جسد السيدة المعصومة (ع)؟
المؤلف: حامد صارم

دخل جماعة من أهل الري على الإمام الصادق (ع) فقالوا: نحن من أهل الري. فقال الإمام: «مرحبا بإخواننا من أهل قم». فأكّد الشيعة أنهم من أهل الري، فأجاب الإمام: «مرحبا بإخواننا من أهل قم». وكرّروا مراراً أنهم من أهل الري، فكان يكرّر الجواب نفسه. ثم قال (ع): «إن لله حرماً وهو مكة، وإن لرسول الله حرماً وهو المدينة، وإن لأمير المؤمنين حرماً وهو الكوفة، وإن لنا حرماً وهو مدينة قم، وستدفن فيها في المستقبل سيدة من أهل بيتنا تسمى فاطمة، فمن زارها وجبت له الجنة». ويقول الراوي إن الإمام الصادق (ع) قال هذه الرواية قبل ولادة الإمام موسى بن جعفر (ع)، والد فاطمة المعصومة.
قدسية قم بسبب وجود فاطمة المعصومة
تتمتع مدينة قم بأهمية من جهات متعددة، وإن توجيه الإمام الصادق (ع) الأنظار إليها دليل في نفسه على ذلك. وكما مضى في هذه الرواية الشريفة، فإن من أهم وجوه شرف قم حضور سيدة مكرمة من أهل بيت العصمة والطهارة فيها.
إن إقامة السيدة المعصومة (ع) في مدينة قم أوجبت بركات معنوية عظيمة لهذه المدينة، حتى إن الإمام الصادق (ع) قارن قم، في كلامه النوراني، بمكة والمدينة والنجف. وكما تنزل بركات الله تعالى ونِعَمه المعنوية في مكة والمدينة، تنزل هذه البركات أيضاً على قم.
ببركة وجود رسول الإسلام الكريم في المدينة، سمّى الإمام الصادق (ع) تلك المدينة حرم النبي، وسمّى قم، بسبب حضور سيدة مكرمة فيها، حرم أهل البيت. وعلى الرغم من أن هذا يبيّن مقاماً وشأناً عظيمين للسيدة المعصومة (ع)، فلا ينبغي استبعاده في حق تلك السيدة الكريمة؛ إذ يمكن العثور على نظيره في شأن أبناء آخرين من أهل البيت، مثل السيد عبد العظيم الحسني، الذي قال الإمام الهادي (ع) عنه: «زيارته تعدل ثواب زيارة الإمام الحسين (ع)».
إن قيمة السيدة المعصومة (ع) وعظمتها بلغت حداً حوّلت معه صحراء قم إلى وادٍ مقدس، وجعلت زيارتها سبباً لدخول زائري تلك السيدة المكرمة الجنة.
ما معنى وجوب الجنة؟
إن بيان الإمام الصادق (ع) بشأن زيارة تلك السيدة بالغ الأهمية. فهو يقول في تتمة هذا الحديث إن الجنة تجب لزائر السيدة فاطمة المعصومة. وقد نقل هذا المضمون عن أئمة معصومين آخرين بصور مختلفة. وقال الإمام الرضا (ع) في شأنها: «من زارها عارفاً بحقها فله الجنة».
الله تعالى خالق عالم الوجود، وهو الذي أوجد جميع المخلوقات. ولا يستطيع إنسان ولا قانون أن يفرض على الله «وجوباً». فالله غير محكوم بقانون يجعل شيئاً واجباً عليه؛ لكن هذه الرواية تقول إن من زار السيدة المعصومة وجبت له الجنة. فهل يجب على الله أن يدخل زائر السيدة المعصومة الجنة؟
كيف يجب على الله، وهو المالك المطلق ليوم القيامة، أن يدخل زائر السيدة المعصومة (ع) الجنة؟ نعم، لا يستطيع أحد أن يوجب شيئاً على الله تعالى، إلا أن الله أوجب الرحمة على نفسه فقال: «كتب على نفسه الرحمة»؛ فهو الإله الذي أوجب الرحمة على نفسه.
إذن، ما أوجبه الله على نفسه بإرادته هو الرحمة، ولا شيء غير الرحمة واجب عليه. فإذا أخبر الإمام الصادق (ع) أن الجنة تجب لزائر السيدة فاطمة المعصومة، فمعناه أن المرقد الشريف النوراني لتلك السيدة المكرمة موضع نزول الرحمة الإلهية، وأن زائرها مستحق لأن تشمله الرحمة الإلهية. ولذلك فإن قم، الحرم الملكوتي لتلك الكريمة من أهل البيت، موضع لرحمة الرب، وتلك السيدة المكرمة وآباؤها الطاهرون مظاهر للرحمة الإلهية على الأرض.
جعل الله تعالى أحد موائد رحمته في مكة، وأخرى في المدينة والنجف، وفي قم أيضاً، التي قيل فيها: «حرمنا أهل البيت»، يجري بحر الرحمة الإلهية. فمن وصل إلى قم في هذه الدنيا ونال شرف زيارة السيدة المعصومة (ع)، فقد أدخل نفسه في بحر الرحمة الإلهية، وهذه الرحمة تجعل الجنة واجبة له.
تطهير زائر السيدة المعصومة من الذنوب
من المستحيل أن يدخل إنسان مثقل بالذنوب والعصيان والتمرد على ربه الجنة؛ لأن الجنة منزل الأطهار. وحتى إن دخل مذنب الجنة، فلا بد أن يتطهر قبل دخول ذلك المقام المقدس، مسكن الأنبياء وأصفياء الله. فبعض الناس يتطهرون في القيامة بشفاعة أهل البيت، وبعضهم تتساقط ذنوبهم بالعذابات وشدائد سكرات الموت ويوم الحشر؛ أما زائر كريمة أهل البيت، فاطمة المعصومة (ع)، فإن الجنة تجب له بزيارة تلك السيدة الجليلة. وكيف يمكن أن تجب الجنة لشخص ويبقى مذنباً؟ لذلك ينبغي القول إن زائر فاطمة المعصومة (ع) يتطهر من الذنوب ببركة زيارة تلك السيدة السماوية، ثم تجب له الجنة.
إرث السيدة المعصومة من السيدة الزهراء (ع)
إن المقام والمنزلة الرفيعين لفاطمة المعصومة (ع) إرث ورثته من أمها فاطمة الزهراء (ع). وكما قال الإمام الصادق (ع) في شأن أم السيدة المعصومة وأمه هو، الصديقة الشهيدة، إنما سميت فاطمة لأن شيعتها سيبعدون عن نار جهنم، قال في شأن السيدة المعصومة أيضاً: «من زارها وجبت له الجنة».
نعم، كما ورثت تلك السيدة المكرمة من أمها الصديقة الشهيدة (ع) الفضل والفضيلة والشرف والكرامة والطهارة والعصمة، فقد ورثت منها أيضاً الشجاعة ورفع صوت مظلومية المظلوم الذي نُسي في السقيفة.
في زمن أحاطت فيه ظلمة المدينة، وتراجع الناس إلى الوراء، وقُيّدت يد هارون ذلك الزمان، ضحّت الصديقة الشهيدة بنفسها وبطفلها ذي الأشهر الستة دفاعاً عن الغدير؛ ذلك الغدير الذي كانت رسالته إتمام القضاء على عبادة الأصنام، ومن ترك الدنيا بلا عهد وميثاق الغدير ودّعها بموت الجاهلية والنفاق.
هزّ صراخها أسس صانعي الأصنام من سلالة السقيفة، وكشف مكرهم للباحثين عن الحق والحقيقة، فقالت: «أنسيتم قول رسول الله يوم غدير خم: من كنت مولاه فعلي مولاه، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: أنت مني بمنزلة هارون من موسى»؟
وبعد سنوات، كانت فاطمة المعصومة (ع) هي التي رفعت، في أجواء خنق العباسيين وحكم هارون والمأمون السفّاك، صرخة أمها الشهيدة المظلومة، وروت احتجاج فاطمة الزهراء (ع) لأهل زمانها.
ولم يقتصر هارون على استشهاد موسى بن جعفر (ع)، بل استشهد على يديه كثير من الشيعة ومحبّي أهل البيت والسادة المنتسبين إلى هذا البيت، لمجرد أن جدهم أمير المؤمنين علي (ع). ولم يكن المأمون أقل من هارون، إلا أن تزوير المأمون وجرائمه كانا أكثر دهاءً.
نقل رواية السيدة المعصومة في كتب العامة
نقلت هذه الرواية فواطم بني هاشم واحدة بعد أخرى؛ فالراوية اسمها فاطمة، ومن رويت عنها اسمها فاطمة: فاطمة بنت موسى بن جعفر، عن فاطمة بنت الإمام الصادق، عن فاطمة بنت الإمام الباقر، عن فاطمة بنت الإمام السجاد، عن فاطمة بنت الإمام الحسين، وهي عن أم كلثوم، عن فاطمة الزهراء الصديقة الشهيدة (ع). وقد جعل السند الفريد لهذه الرواية بعض محدثي أهل العامة ينقلونها أيضاً، وبذلك أوصلت هذه الرواية حقانية أمير المؤمنين علي (ع) إلى أسماع جميع المسلمين.
سبعة عشر يوماً في قم
خرجت لزيارة أخيها علي بن موسى الرضا (ع) قاصدة طوس، لكنها تعرضت في الطريق لهجوم جلادي المأمون، فلم تستطع متابعة سفرها، فغيّرت مسارها نحو قم.
عاشت السيدة المعصومة سبعة عشر يوماً في قم، ثم فارقت الدنيا بعد هذه المدة القصيرة. وبعد غسلها وتكفينها وصلاة موسى بن خزرج عليها، دُفن جسد السيدة المعصومة الطاهر في موضع يسمى بابلان، وكان من أملاك موسى بن خزرج، وجُعل على قبرها ظل من البواري، إلى أن بنت زينب بنت محمد بن علي الرضا (ع) قبة على قبر تلك السيدة المكرمة.
عند دفن تلك السيدة المكرمة، اختلف أهل قم فيمن يستحق أن يضع جسد فاطمة الطاهر في القبر. واتفقوا جميعاً على استدعاء خادم مسن جداً اسمه قادر ليتولى ذلك، فأرسلوا في طلبه. وفي هذه الأثناء جاء فارسان من جهة الصحراء وقد غطيا وجهيهما. فلما اقتربا من جسد فاطمة المعصومة، نزلا عن فرسيهما، وصليا عليها، ودفنا جسد فاطمة، ثم خرجا من القبر وركبا فرسيهما ومضيا. ولم يعرف أحد من كان هذان الفارسان.
المؤلف: حامد صارم
مقالات مشابهة
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد.