ليت الإمام الحسن عليه السلام شُيّع سراً كما شُيّعت أمه
المؤلف: حامد صارم

كان الحسن بن علي بن أبي طالب عليهما السلام في زمانه أعبد الناس وأزهدهم وأفضلهم. وكان إذا ذهب إلى الحج سار طريق الحج ماشياً، وفي بعض الأحيان كان يتجه إلى مكة حافياً. وإذا ذكر الموت بكى، وإذا تذكر القبر جرت الدموع من عينيه، وإذا ذكر البعث من القبر وزمن الحشر اضطرب، وإذا ذكر الوقوف بين يدي الله أنَّ وأُغمي عليه.
وكان كلما قام إلى الصلاة ارتعدت أعضاء بدنه أمام الله تعالى. وما كان يتلو القرآن إلا إذا بلغ «يا أيها الذين آمنوا» قال: «لبيك اللهم لبيك». وكان ذاكراً لله تعالى في كل أحواله. وكان أصدق الناس وأفصحهم.
كسر شوكة بني أمية بكلمات فصيحة
قال كبار بني أمية لمعاوية، يريدون تحقير ذلك العظيم، اطلب من الحسن بن علي عليهما السلام أن يصعد المنبر ويعظنا حتى يظهر نقصه للناس.
وفي زمن كان سعي معاوية وهدفه محو اسم أمير المؤمنين، وكان سب أمير المؤمنين سيرة الأمويين، استدعى الإمام الحسن عليه السلام، ولكي يحرجه قال له: «اصعد المنبر، وقل كلمات، وعظنا». فصعد الإمام الحسن المجتبى عليه السلام المنبر، وحمد الله وأثنى عليه، ثم قال:
«أيها الناس! من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني فأنا الحسن بن علي بن أبي طالب عليهم السلام، وابن سيدة نساء العالمين فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله. أنا ابن خير خلق الله، أنا ابن صاحب الفضائل، وأنا ابن صاحب المعجزات والدلائل، أنا ابن أمير المؤمنين. أنا الذي دُفع عن حقه. أنا وأخي الحسين سيدا أهل الجنة. أنا ابن الركن والمقام. أنا ابن مكة ومنى. أنا ابن المشعر وعرفات.»
ثقلت كلمات الإمام الحسن عليه السلام على معاوية، ولكن لا حيلة فيما صنعه هو بنفسه؛ لأنه هو الذي طلب من الإمام الحسن عليه السلام أن يصعد المنبر ويعظ الناس. ولذلك، لكي يخلّ بكلامه وفي الوقت نفسه يكتم هزيمته، قال للإمام الحسن عليه السلام: «يا أبا محمد! دع هذا الكلام، وصف لنا الرطب!»
الإمام الحسن عليه السلام، كأبيه، أمير الكلام، وعالم بالعلوم الإلهية، ولا يخفى عليه شيء من عالم الوجود. فأجاب ذلك الطاغية قائلاً: «تنفخه الريح وتنميه، كناية عن تلقيح النخل حيث تُنقل النطفة من الشجرة الذكر إلى الأنثى، وتنضجه الحرارة، ويبرّده الليل ويجعله طرياً معطراً.»
ثم واصل كلامه وقال: «أنا ابن من كان مستجاب الدعوة. أنا ابن من كان شفيعاً مطاعاً. أنا ابن أول من ينفض التراب عن رأسه، ولعل المقصود أنه سيُحشر قبل كل أحد. أنا ابن من يطرق باب الجنة حتى يُفتح له. أنا ابن من قاتلت الملائكة معه في سبيل الله، وأُحلت له الغنيمة، و... ووقع خوفه في قلب العدو. أنا إمام خلق الله. أنا ابن رسول الله.»
واستمر ذلك العظيم في مثل هذه الكلمات حتى أظلمت الدنيا في عين معاوية، وعرفه أولئك الناس من أهل الشام وغيرهم ممن لم يكونوا يعرفون الإمام الحسن. ثم لما نزل الإمام عليه السلام عن المنبر، قال له معاوية: «إنك ترجو أن تكون خليفة، ولن تكون.»
فقال له الإمام الحسن: «الخليفة من يعمل بسيرة رسول الله وطاعة الرب. وليس الخليفة من يعمل بالجور ويعطل أحكام الله، ويتخذ الدنيا أباً وأماً له. إن ما تقوله هو مقام ملك يصيب شخصاً فينتفع به قليلاً، ثم يفارقه، وتغدو لذته وخيمة ويبقى له التعب والعناء، ويكون نظير ما يقول الله في القرآن، سورة الأنبياء، الآية ١١١: «وما أدري لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين». ثم أشار بيده إلى معاوية، وقام وذهب.
سخاء كريم أهل البيت
مع أن أعظم واقعة تاريخية في زمن الإمام الحسن عليه السلام كانت صلحه مع معاوية، ذلك الصلح الذي كان نتيجة عودة الأمة إلى الجاهلية بعد السقيفة، فلا ينبغي أن نغفل أن الإمام الحسن عليه السلام كان ذا فضائل ومناقب متعددة سجلها كتاب السيرة والمحدثون. ولعل أبرز خصائصه تظهر في لقب «كريم أهل البيت». فسخاء الإمام الحسن عليه السلام أمر مشهور بين الناس والمؤرخين، وقد اعترف به الموافق والمخالف.
روى محمد بن يوسف الزرندي، من علماء العامة، في كتاب نظم درر السمطين أن رجلاً أعطى الإمام الحسن عليه السلام رسالة كتب فيها حاجته. فقال له الإمام عليه السلام من دون أن يقرأ الرسالة: «حاجتك مقضية»؛ حاجتك مقضية! فقال شخص: يا ابن رسول الله، لو قرأت رسالته وعرفت حاجته ثم أجبت بحسب حاجته لكان حسناً. فأعطى الإمام عليه السلام جواباً عجيباً وجديراً بالقراءة، فقال: «أخشى أن يسألني الله عن ذل مقامه حتى أقرأ رقعته»؛ أخاف أن يؤاخذني الله تعالى على ذل مقامه حتى بمقدار الزمن الذي أقرأ فيه رسالته. إن عدم تكبر الإمام الحسن عليه السلام وسخاءه تجاه المحتاجين يحكيان عن خلق ذلك الإمام العظيم.
عدم تكبر الإمام الحسن عليه السلام وسخاؤه
رُوي عن ابن شهر آشوب أن الإمام الحسن عليه السلام مر يوماً بجماعة من المساكين وقد وضعوا قطعاً من الخبز اليابس على الأرض يأكلونها. فلما وقع نظرهم على الإمام دعوه، فنزل عن فرسه وقال: إن الله لا يحب المتكبرين. فجلس معهم وأكل من طعامهم، ثم طلب من جميع المساكين أن يأتوا إلى بيته لتناول الطعام، فأعد لهم أطعمة طيبة وألبسهم جميعاً ثياباً فاخرة.
لا يعود سائل خائباً أبداً
يحفظ التاريخ قصصاً كثيرة من عطاء الإمام الحسن عليه السلام. فمثلاً جاءه أعرابي يوماً وطلب المساعدة، فأمر الإمام أن يُعطى كل ما هو موجود، فوهب لذلك الأعرابي نحو عشرة آلاف درهم كانت موجودة. ولما سُئل الإمام نفسه: لماذا لا ترد سائلاً خائباً أبداً؟ قال: أنا أيضاً سائل على باب الله، وأريد أن لا يحرمني الله، وأستحيي، مع هذا الرجاء، أن أرد السائلين خائبين. والله الذي يفيض عليّ عنايته يريد مني أن أساعد الناس أيضاً.
كان الإمام الحسن عليه السلام بهذا المقدار من السخاء والكرامة والعطاء، وكان دائماً ملجأ ومأوى للمحرومين والمستضعفين في المجتمع. ذهب الإمام لزيارة معاوية، فقدم له معاوية وثيقة حمولة هدايا. وعند خروجه رأى غلاماً يهيئ نعليه، فأعطاه الإمام وثيقة تلك الحمولة.
أنا ابن فاطمة
دخل معاوية المدينة وجلس للقاء الناس والأشراف، وكان يعطي كل من يأتيه من خمسة آلاف إلى مئة ألف درهم صلة وجائزة. ودخل الإمام الحسن عليه السلام في النهاية وبعد الجميع. فقال معاوية: يا حسن، تأخرت، فلعلك أردت أن تنفد الأموال وأن تنسبني عند قريش إلى البخل. ثم قال: يا غلام، أعط الحسن بقدر كل ما أعطيناه اليوم. يا حسن، اعلم أنني أفعل هذا وأنا ابن هند. فقال الإمام الحسن عليه السلام: لا حاجة لي بهذا المال، ولذلك أرده إليك، وأنا ابن فاطمة بنت رسول الله.
وا مصيبتاه من هذا العدو الظالم!
وقف رجل أمام الإمام الحسن عليه السلام وقال: يا ابن أمير المؤمنين، بحق نعمه التي أنعم الله بها عليكم، خذ لي حقي من هذا العدو الظالم الذي لا يراعي احترام الشيوخ ولا يرحم الأطفال. فقال الإمام: من هو عدوك هذا حتى آخذ لك حقك منه؟ قال: الفقر والحاجة. فأطرق الإمام رأسه لحظة، ثم رفع رأسه وقال لخادمه: ائتني بكل ما عندنا من مال. فجاء بخمسة آلاف درهم كانت موجودة. فأعطاه الإمام كلها وقال: أسألك بالله، كلما جاءك هذا العدو الظالم فأسرع إليّ لطلب الإنصاف.
غصن ورد هدية لابن فاطمة الزهراء عليها السلام
أهدت جارية من جواريه له باقة ورد. فقال الإمام: أعتقتك في سبيل الله. فقيل له: لماذا فعلت ذلك؟ فقال: إن الله يقول في القرآن: أجيبوا التحية والبر بأحسن منها، وكان الأفضل من هدية باقة الورد أن أعتقها.
نعم! كان مشهوراً في جميع الكمالات، حتى قال الإمام الصادق عليه السلام عنه إن محبته كانت في قلوب المؤمنين والكافرين والأعداء. وهو، بحسب قول الإمام الصادق عليه السلام، كان محبوباً حتى في قلوب الكافرين، ومع ذلك سمع من كل من حوله، حتى من أصدقائه، كلمات جارحة كثيرة. وفي النهاية، سمّ معاوية ذلك الإمام مظلوماً ليمهد طريق خلافة يزيد. ومن بين أصحاب الكساء الخمسة، كان ذلك الإمام الرحمة وحده الذي شُيّع نهاراً ولم يُدفن سراً. فليت الإمام الحسن عليه السلام دُفن ليلاً مثل أمه فاطمة الزهراء عليها السلام؛ لأن الأمويين، بأمر قائدة فتن الجمل والبصرة، رشقوا تابوته المبارك بالسهام، ولم يتركوا شيئاً من الظلم والاعتداء على ذلك الكريم من بيت الكرامة.
المؤلف: حامد صارم
مقالات مشابهة
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد.