طفولة الجواد الأئمة: معجزة خالدة
المؤلف: حامد صارم

إن إمامة الإمام الجواد(ع) تجلٍّ للإمامة التي بيّنها الله في القرآن.
لم تكن إمامة جواد الأئمة نتيجة صراعات سياسية بين المتسلطين والطامعين في السلطة. ولو كانت كذلك، لاستحال أن يسبق طفل في الخامسة من عمره أهل الخبرة في ميدان المنافسة السياسية؛ وهو ميدان يكثر فيه مدّعو الرئاسة والطامعون في القوة.

بلغ إبراهيم الخليل(ع) مقام الإمامة في شيخوخته بعد ابتلاءات شديدة. فقد رفعه الله تعالى، بعد مقام النبوة والرسالة، إلى مقام الإمامة وخاطبه قائلاً: «إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً». ومن الواضح أن الآية الكريمة لا تجعل للناس أي دور في أمر الإمامة. فجعل هذا المقام والتنصيب له عمل إلهي محض؛ لأن الإمامة عهد إلهي يبلغه الله تعالى لمن يستحقه. ولعظمة هذه المنزلة ورفعة هذا المقام، طلب إبراهيم(ع) هذا المقام لذريته فقال: «وَمِنْ ذُرِّيَّتِي»، فاستثنى الله الذرية الظالمة في إجابة هذا الدعاء: «لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ». وقد استجيب دعاء إبراهيم بشأن ذرية منزّهة عن كل ظلم طوال حياتها، ووصل هذا العهد الإلهي، أي الإمامة، إلى بعض ذرية إبراهيم(ع).
إمامة الشيعة إمامة قرآنية
وعليه، فإن القراءة الشيعية للإمامة منطبقة تماماً على منطق القرآن الكريم وإطاره. فالله في القرآن الكريم يعرّف خصائص «الإمام»، ويرشدنا إلى حد كبير إلى مصداق «الإمام»، وإن كان البيان الواضح والصريح لمصداقه يحتاج إلى الرجوع إلى النبي.
يرى الله تعالى في آيات القرآن أن الإمام شخص غير ظالم على الإطلاق؛ فمنذ ولادته إلى لحظة بلوغه مقام الإمامة لا يرتكب خطأً، ولا تصدر منه زلة، ولا يصدر عنه ذنب. وبلسان الروايات، لا يكون الإمام إلا معصوماً. وفي الوقت نفسه تقترن به الشجاعة والعلم. كما أن الله علّم «الإمام» الكتاب، ومنحه الحكمة، وجعل طاعته واجبة.
ومن جهة أخرى، فإن الشخص الذي منحه الله هذه الصفات لا يُخاطَب بـ«الإمام» ولا يبلغ مقام الإمامة إلا إذا جعله الله تعالى لهذا المقام.
لذلك، فإن الإمامة القرآنية التي يؤمن بها الشيعة لها جانبان مهمان: أحدهما خصائص «الإمام»، وهي صفات فريدة يمنحها الله لشخص مخصوص؛ والآخر «جعل» الله. وبعبارة أخرى، فإن من امتلك الصفات الرفيعة، مثل عدم الظلم والعلم والشجاعة والحكمة وغيرها، لا يتولى منصب الإمامة إلا حين يجعله الله تعالى إماماً.
الشيعة مذهب يقوم أصله وفرعه على القرآن الكريم وبيانات النبي الأكرم(ص). ولذلك، ووفقاً لتعاليم القرآن الكريم، يبحثون في كل عصر وزمان عن الإمام الذي جعل الله تعالى له الإمامة. فالشيعة يطلبون من جهة دليلاً يثبت أن مدعي الإمامة نال هذا المقام من الله تعالى، ويعدّون مدعي الإمامة من جهة أخرى شخصاً قادراً على الإجابة الصحيحة عن الأسئلة التي يطرحها الشيعة.
لذلك لا تختلف الإمامة، من جهتي العلم والتعيين الإلهي، عن النبوة. فكما أن تعيين النبي بيد الله، فإن تعيين الإمام أيضاً لا يكون إلا باختيار الله تعالى.
إمام في سن الطفولة
هذه الحقيقة جارية في جميع أئمة الشيعة، وجميع الشيعة يحملون هذا الاعتقاد في أئمتهم كافة. غير أن هذا الاعتقاد تجلّى بصورة أوضح بكثير في زمن إمامة الإمام الجواد(ع). فقد كانت إمامة الأئمة السابقين في أعمار متقدمة، وكان من المعقول عرفاً عند المخالف والمؤالف أن يتولى قيادة مذهب شخص بالغ عاقل ذو علم كثير. أما في نظر المخالفين، فكان من المستحيل أن يتولى قيادة مذهب التشيع طفل لم يبلغ العاشرة، وهو مذهب يضم فقهاء كباراً ومتكلّمين بارعين، وقد سبق غيره في الميادين العلمية ومجالس المناظرة. وكان هذا المذهب، قبل إمامة الإمام الجواد(ع) بمدة يسيرة، قد ألزم جميع الأديان والمذاهب المنافسة الهزيمة في مجالس المناظرة وأظهر عجزهم عن الإجابة عن الأسئلة والإشكالات، كما كان وارثاً لكم هائل من الكتب المؤلفة في علوم مختلفة على أيدي كبار الشيعة. وكان هذا المذهب يقوده الآن من لم تمر عليه أكثر من تسعة ربيعات من عمره.
وكان داخل الشيعة أيضاً شبكة عظيمة من الوكلاء تربط جميع الشيعة في أنحاء البلاد الإسلامية بمؤسسة الإمامة. ولا شك أن شبكة الوكالة لم تكن تستطيع العمل علناً، بل كان يجب أن تدار بحيث تحفظ أرواح الشيعة وتؤدي، في الوقت نفسه، دور إحدى أدوات قيادة المجتمع الشيعي. وقد تولى الإمام الجواد(ع) في طفولته قيادة هذه الشبكة العظيمة وإدارتها.
وتكمن أهمية المسألة في أنه تولى، في الخامسة من عمره، أي في زمن إمامة الإمام الرضا(ع)، إدارة شبكة الوكالة وهدايتها. ومن الواضح أن قيادة مجتمع تحتاج إلى أرضية قوية جداً داخل المجتمع حتى تحظى قيادة شخص بقبول عام من أفراده. وفي عالم اليوم تمهّد جميع الأحزاب والمؤسسات السياسية كثيراً لقيادة شخص معين وتسعى إلى إيجاد مكانة له في المجتمع. ومن هذه الزاوية، كانت قيادة الشيعة عبر شبكة الوكالة ذات أهمية بالغة.
إمامة بمنزلة الأنبياء
أعلن الإمام الرضا(ع) إمامته مراراً في حياته، وكتب إليه رسالة حين كان في المهد، فشفى الإمام الجواد(ع) حامل الرسالة، وكان رجلاً أعمى.
وحين اعترض بعضهم على إمامة طفل صغير السن، واستصعبوا أن يضع الله عهد الإمامة على عاتق طفل صغير، كان الإمام الرضا(ع) يردهم إلى القرآن، حيث يقول تعالى في شأن يحيى: «يا يَحْيى خُذِ الْكِتابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا»؛ أي يا يحيى خذ الكتاب بقوة، وقد آتيناه الحكم، أي الحكمة، في طفولته. نعم، إن الإمامة التي يؤمن بها الشيعة لها منزلة الأنبياء، ولا تتحقق بالمودة ولا بالقهر والغلبة.
لم تكن إمامة جواد الأئمة نتيجة صراعات سياسية بين المتسلطين والطامعين في السلطة. ولو كانت كذلك، لاستحال أن يسبق طفل في الخامسة من عمره أهل الخبرة في ميدان المنافسة السياسية؛ وهو ميدان يكثر فيه مدّعو الرئاسة والطامعون في القوة.
دليل حقانية الشيعة
إن إمامة إمام في سن مبكرة ومناظرته لأكبر فقيه في بلاط المأمون تدلان في حد ذاتهما على المنافسة الشديدة التي استهدفت التشكيك في إمامته. لكن الله تعالى يجعل من ينصبه إماماً وارثاً لعلوم الأنبياء والأئمة السابقين. ولذلك افتضح يحيى بن أكثم، الشيخ المدعي للفقاهة في الجهاز العباسي، أسوأ افتضاح في مجلس واحد، حتى إن الخليفة العباسي والعباسيين، وهم أعداء قسم لمؤسسة الإمامة وقد تلطخت أيديهم بدماء كثير من أئمة الشيعة، اعترفوا بأنهم حقيرون ضئيلون أمام علم هذا الطفل.
نعم، إن إمامة الإمام الجواد(ع) وثيقة حقانية المذهب الشيعي. فإمامته في الثامنة من عمره، ومناظرته العلمية، وأجوبته العلمية للفقهاء الكبار والمتكلمين البارعين من الشيعة، وتحديه العلمي للمفكرين في زمن بلغت فيه حركة ترجمة الكتب اليونانية ذروتها، أظهرت أن إمامته سماوية وأن المذهب الشيعي مذهب متصل بالسماء بواسطة إمامه.
إمامته من السماء
أيّ المذاهب المدعية تستطيع أن تقدم إماماً مثل الإمام الجواد(ع)؟ إماماً يخضع له جميع علماء عصره بخشوع وهو في الخامسة من عمره أو دونها؟ لقد كشفت طفولة جواد الأئمة(ع) حقانية دعوى الشيعة أكثر فأكثر: دعواهم أن أمر الإمامة إلهي.
إن إمامة الإمام الجواد(ع) تجلٍّ للإمامة التي بيّنها الله في القرآن؛ إمامة لا يعلم إلا الله من ينبغي أن يتولى منصبها، ولم يجعل الله للناس اختياراً في تعيينها، وهي إمامة قائمة على العلم والشجاعة.
ولعل هذا الأمر البالغ الأهمية هو سبب عدم قدرة التيار المنحرف للواقفة على الاستمرار؛ لأن الشيعة الاثني عشرية تتبع إماماً تتجلى إلهية أمره وتظهر بوضوح تام، إمامة كل لحظة منها معجزة، كتكلم المسيح في المهد. وقد بلغ وجه إعجازها من الوضوح حداً لا يبقي مجالاً للشك في إلهيتها. ولذلك لم يستطع الذين توقفوا عند إمامة موسى بن جعفر(ع) إنكار إمامة طفل في صغره.
وعليه، فإن إمامة جواد الأئمة في طفولته، إلى جانب إظهارها أن إمامة الشيعة قائمة تماماً وبالمئة بالمئة على القرآن وأنها جعل وإرادة مباشران من الله تعالى، تبطل جميع المنافسين الفكريين للمجتمع الشيعي. وهي خط بطلان على أتباع السقيفة والواقفة وكل فكر يعدّ مؤسسة الإمامة في الشيعة مؤسسة غير إلهية.
المؤلف: حامد صارم
مقالات مشابهة
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد.