الإمام الرضا(ع) أحبط جميع مؤامرات المأمون
المؤلف: حامد صارم

حين دخل الإمام الرضا(ع) مرو، أُقيم له استقبال مهيب على خلاف رغبة المأمون؛ وقد سجّلت المصادر التاريخية تقارير كثيرة عن مناظرات الإمام(ع) والمأمون. ولم يبيّن الإمام(ع) الإمامة والولاية في كلماته فحسب، بل أظهر للمشتاقين جوانب من أعماقهما أيضاً.
على امتداد تاريخ البشر، من بداية خلق آدم إلى اليوم، سعى قوم كان شعارهم في مقابل دعوة حجج الله: «سمعنا وعصينا» (البقرة: ٩٣)، إلى القضاء على الأنبياء وحجج الله؛ لكنهم غافلون عن أن إرادة الله غالبة على كل الإرادات: «يد الله فوق أيديهم».
اقتضت إرادة الله أن تكون النار روضة لخليله، وأن ينشق البحر لكليمه، وأن تعرج روحه، السيد المسيح، إلى السماء، وأن تُحفظ نفس حبيبه في الغار خلف خيوط العنكبوت.
إن أناساً حقيرين أنجاساً باعوا إنسانيتهم بثمن بخس ولم يُبقوا من وجودهم إلا حيوانية مفترسة، قد انصرفوا بعد شهادة النبي(ص) (بحار الأنوار، ج ٢٢، ص ٢٣٩، والتحريم: ٣) إلى معاداة ولاية علي بن أبي طالب(ع) والأئمة المعصومين(ع).
استخدم مخالفو حجج الله سياسات شيطانية مختلفة ومعقدة جداً لإطفاء نور ولاية أهل البيت(ع)، إذ لم يكن بوسعهم أن يحكموا الناس بمجرد قتل الأئمة(ع) وأصحابهم واستشهادهم. ولذلك كانت أهم أدواتهم لإقامة حكمهم الظالم الغاصب وإدامته هي تجهيل الناس، لأن قتل الأئمة ومحاربتهم كان أمراً متعذراً عليهم.
اغتُصب حق السيدة فاطمة(س) بذريعة أن الأنبياء لا يورّثون، وكان أهل الشام يتعجبون من استشهاد أمير المؤمنين(ع) في المحراب: أكان يصلي أيضاً؟ وبمساعدة هذا الجهل أرسلهم معاوية سنين إلى الحرب مع الإمام، وأخيراً في كربلاء عدّ بعضهم، من شدة الجهل، قتل دم الله عبادة. وكان هذا الجهل أكبر مشكلة للأئمة(ع) مع أهل زمانهم، وما زال كذلك؛ كما يقول الإمام المهدي(عج): «قَدْ آذَانَا جُهَلَاءُ الشِّيعَةِ وَحُمَقَاؤُهُمْ وَمَنْ دِينُهُ جَنَاحُ الْبَعُوضَةِ أَرْجَحُ مِنْهُ»؛ أي إن جهال الشيعة وحمقاهم ومن كان جناح البعوضة أرجح من دينه وعلمه يؤذوننا أهل البيت. (بحار الأنوار، الباب ١٠، نفي الغلو في النبي والأئمة)
أهم سياسة وأخطرها استُخدمت، ولعل آثارها باقية إلى اليوم، هي مشروع وسياسة «الإقصاء العلمي لأهل البيت» من المجتمع. فقد بذل الجهال كل جهدهم لاغتصاب المرجعية العلمية لأهل البيت ومنع هذه الشموس الطالعة من الإشعاع، وحين لم ينجحوا لجؤوا إلى الإقصاء الجسدي وقتل أولياء الله.
كم اشتكى المعصومون وأئمة الهدى من الناس لعدم استفادتهم من ينابيع معرفة أهل البيت المتدفقة، وحذّروا من هذه السياسة المشؤومة بألفاظ مؤثرة جداً. ولعل من العجيب أن الأئمة قالوا: نحن «بئر معطلة» (الحج: ٤٥)، أي بئر مغلقة ومختومة. والمعنى أنهم بئر مملوءة بالماء العذب لإرواء الظمآنين، لكن الناس قلّ رجوعهم إليها حتى صارت كالبئر المعطلة.
وقالوا في موضع آخر: «ترك الناس النهر العظيم، أي النهر الكبير جداً، واكتفوا لرفع عطشهم بمصّ الزبد حول أفواههم». فسُئلوا: «ما النهر العظيم؟» فقالوا: «نحن أهل البيت النهر العظيم.»
أو خاطبوا الحسن البصري فقالوا: «اجتز شرق العالم وغربه؛ فالعلم الصحيح عندنا نحن أهل البيت فقط.»
ومن كانت له أدنى معرفة بأحاديث الشيعة يقرّ بأن روايات كثيرة من هذا القبيل موجودة، وتدل على أن أعظم ظلم وقع على أهل البيت، أو من أعظمه، هو نسيان مقامهم العلمي؛ وهو ظلم لا يقل عن اغتصاب الخلافة إن لم يزد عليه.
استخدم فراعنة وسامريون كل عصر، بحسب مواقعهم السياسية، حِيلاً مختلفة للوصول إلى هذا الهدف، وشرح كل واحدة منها يحتاج إلى كتاب مفصل؛ ومنها منع نقل الحديث النبوي وكتابته، ووضع الحديث في فضائل المنافقين والطلقاء، ومنع تفسير القرآن، وإنشاء مدرسة الرأي والاجتهاد في مقابل أهل البيت، وصناعة شخصيات علمية وهمية وكاذبة ككعب الأحبار والحسن البصري وأبي حنيفة وقتادة، الذين كان جهلهم يتضح لطالبي الحق غالباً في احتجاجاتهم مع الأئمة.
ومنها حصر الأئمة في منازلهم ومنع الناس من الاتصال بأهل البيت؛ فكان بعض الأصحاب أحياناً يصلون إلى الإمام في هيئة الباعة الجوالين ويطرحون أسئلتهم، فيجيبهم الإمام متظاهراً بشراء السلع.
لكن هذه السياسة اتُبعت في زمن ثامن الحجج(ع) بطريقة أخرى. ففي وقت كانت الشيعة تواجه فيه مسألة الواقفية وكان بعض الشيعة ينكرون إمامة الإمام الرضا(ع)، سلك فرعون زمان الإمام الرضا(ع) طريقاً غير طريق أسلافه ودبّر مؤامرتين خطيرتين، وكلتاهما في الحقيقة حرب ناعمة. ومن الواضح أن الحرب الناعمة صامتة وزاحفة، وأثرها أكبر وأعم وأبقى. ولولا علم الإمام الإلهي لوصل إلى هدفه المشؤوم ولم يبقَ للشيعة أثر. كانت خطته الأولى المواجهة العلمية مع الإمام(ع)، والثانية سفر الإمام القسري.

المؤامرة الأولى
حين ينحرف الناس في فهمهم الديني، تقتضي وظيفة الإمام أن يتحرك ويسد طريق الانحراف. ومن هنا نرى أنه في عصر الإمام الرضا(ع)، حين بلغت عوامل الانحراف الفكري ذروتها، وجدت ترجمة كتب الأجانب، ولا سيما الأفكار الفلسفية الإلحادية التي بدأت قبل سنوات، طريقها إلى المجتمع. وكانت الجماعات الكلامية تروّج أفكارها بشدة للدفاع عن موقعها وإثبات أحقيتها، كما أدت الحرية التي منحها العباسيون للناس في مجال الأفكار الأجنبية دورها؛ فأثمر مجموع هذه العوامل اضطراباً فكرياً للمسلمين.
اتخذ الإمام الرضا(ع) إجراءات لإزالة هذه الانحرافات، منها السفر إلى مراكز نشر هذه الأفكار، كالبصرة، ومناظرة أنصار المدارس والأفكار المختلفة.
ظهرت في ذلك العصر فرق ومذاهب مختلفة، ونتجت شبهات وإشكالات متنوعة من احتكاك المسلمين بعقائد وآراء أهل الكتاب وبعلماء اليونان. وكان ذلك لأن المأمون كان ميالاً فكرياً إلى مذهب الاعتزال، وفي مدرسة الاعتزال يحتل العقل مكانة مفرطة، ويجري أكبر قدر من تعليل الشرع وبيانه على أساس القياس العقلي.
التجأت هذه المدرسة الفكرية إلى الفلسفة اليونانية لإظهار نفسها وإبراز قوتها العلمية. وقد أدى ميل المأمون إلى الإقبال على ترجمة كتب المنطق والفلسفة؛ ويقول الدكتور أحمد فريد رفاعي في كتاب «عصر المأمون»: «لم يُعمل إلى عصر المأمون شيء في ترجمة الكتب الفلسفية اليونانية.»
في الواقع، أراد المأمون، برواج الأفكار المختلطة المصنوعة من الأوهام وأفكار فلاسفة اليونان، أن يقلل من رواج الاهتمام بالمقام العلمي للأئمة الذي صار ملحوظاً خصوصاً بعد الإمام الباقر(ع) والإمام الصادق(ع). ولذلك أرسل رسولاً إلى حاكم صقلية المسيحي وطلب منه أن يرسل إليه مكتبة صقلية الغنية بالكتب الفلسفية. فجمع الحاكم أعيان الدولة وطرح عليهم طلب المأمون. فقالوا له: «أرسل الكتب إليه. فوالله، ما دخل هذا العلم بلداً إلا أفسد أهله». فاستصوب الحاكم هذا القول وعمل به.
المؤامرة الثانية
بذل الظالم العباسي السابع كل جهده ليطفئ، في ظنه، شمس الإمامة الطالعة بهذه الهجرة القسرية؛ لكن على خلاف رغبة ذلك العباسي، استُقبل الإمام الرضا، عالم آل محمد(ع)، استقبالاً عجيباً في المدن الواقعة على الطريق، وأزال الإمام بمعجزات كثيرة غبار الغفلة والجهل عن أعين كثير من طالبي الحق. ويمكن القول إنه أظهر في كل مدينة أو قرية معجزة، وقد ورد شرحها في الكتب المطولة.
لكن أهم جزء من سفر الإمام الرضا(ع) التاريخي والنوراني كان دخوله مرو. ظهرت من ذلك الإمام معجزات كثيرة في مرو والمدن الواقعة في الطريق، فثبتت إمامته لمن شهدها؛ غير أن بيان المطالب العلمية القيمة وشرحها، ولا سيما في مباحث الإمامة، ينبغي عده معجزة عظيمة منه. ومن أكبر معجزات الإمام الرضا(ع) في مرو معجزاته العلمية، وهي حية إلى اليوم وتطلب من يناضل في هذه الساحات العلمية.
تشهد التاريخ أنه في عصر الإمام الرضا(ع) نشاهد مرة أخرى إحياء المعارف الدينية؛ فلم يكن الإمام الرضا(ع) صاحب حركة وجهد عظيمين في مباحث التوحيد فقط، بل كان يفضح المدعين الكاذبين في بيان منزلة الإمامة وإثبات شؤونها فضحاً يجعل الجميع يضعون أصابع الدهشة على أفواههم.
ويمكن رؤية ذلك بوضوح في جلسات المناظرة التي أقامها المأمون، زعماً منه الباطل، لتحطيم المقام العلمي للإمام(ع).
إن مسألة الإمامة، التي تحمل على جناحيها عالماً من المعرفة والمحبة، تفجرت في مدينة مرو من شفتي الإمام الرضا(ع) المباركتين كعين صافية بين أتباع المذاهب المختلفة من المسلمين وغير المسلمين، وبيّن فيها مدى واسع من حقيقة الإمامة.
حين دخل الإمام الرضا(ع) مرو، أُقيم له استقبال مهيب على خلاف رغبة المأمون. ولحسن الحظ سجّلت المصادر التاريخية تقارير كثيرة عن الأحداث التي وقعت للإمام في مرو، ويشكّل كثير منها المناظرات والحوارات بين الإمام(ع) والمأمون.
المعجزة العلمية للإمامة في كلام الرضا
يقول عبد العزيز بن مسلم: «كنا مع الإمام الرضا(ع) في مدينة مرو. وفي أول دخولنا المدينة اجتمعنا يوم جمعة في المسجد الجامع. وفي ذلك اليوم بحثنا موضوع الإمامة وتحدثنا عن اختلاف الناس الكثير فيها. ثم وصلت إلى الإمام وعرضت عليه حديث الناس في هذا الأمر. فتبسم الإمام وأملى رواية نفيسة». وهي رواية تبين أوصاف الإمام وخصاله وخصائص الإمامة الإلهية، وتثبت بوضوح أن هذا المقام لا يليق إلا بالمصطفين الذين اختارتهم يد عناية الحق للإمامة، وأن هذا الاصطفاء الإلهي لا يصدق إلا على أئمة الشيعة الاثني عشر.
لم يبيّن الإمام(ع) الإمامة والولاية فحسب، بل أظهر للمشتاقين جوانب من أعماقهما. وما أجمل هذه الخطبة حين يتحدث شمس الشموس عن شمس سماء الولاية، فيشبه الإمام بشمس تبسط شعاعها على العالم وهي في أفق عالٍ؛ فلا تصل يد أحد إليها لرفعة مقامها، ولا تقوى عين على رؤيتها لشدة نورها.
مضامين هذا الحديث لا تحتاج إلى سند، لأنه لا يستطيع أحد غير الإمام المعصوم أن يقدم تعريفاً كاملاً وعميقاً كهذا لمقام الإمامة.
بيّن الإمام علي بن موسى الرضا(ع) في هذا الكلام الشريف مقام الإمام ومنزلته، وعدد نحو خمسة وثمانين وصفاً من أوصاف الإمام وخصائص الإمامة، واستند إلى آيات من القرآن ففسر تلك الآيات الشريفة في الحقيقة. الإمام هو الإنسان الكامل الذي يحيّر العقل التفكر في مقامه، ويذهل الذهن الالتفات إلى كماله؛ بل إن الإمام أعلى وأسمى من هذا الحد والمقياس. ولذلك يليق بكل شيعي أن يدرس هذا الحديث، ولو مرة واحدة في عمره، ويسير في أعماقه.
المصادر:
كتاب عصر المأمون، فريد رفاعي
سفينة البحار، حرف الميم، كلمة مطران
أصول الكافي، كتاب الحجة، باب نادر جامع في فضل الإمام
عيون أخبار الرضا
المؤلف: حامد صارم
مقالات مشابهة
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد.