تشييد المطاعن: تحليل علمي في ردّ دعوى مشروعية الخلفاء الأوائل (٣) (التلازم بين الإمامة والمطاعن)

تلازم العصمة والعلم في الإمامة الشيعية ومكانة المطاعن في نقد مشروعية الخلافة
الملخص
في النظام الكلامي للتشيع، تستلزم الإمامة، بوصفها الركن الأساسي للهداية الدينية، ثلاث خصائص جوهرية: العصمة، والعلم، والتعيين الإلهي. وتتناول هذه المقالة، مع بيان فلسفة هذه الشروط الثلاثة وضرورتها، العلاقة المنطقية والوظيفية بينها، وتبيّن أن فقدان أيٍّ منها يوقع نظام الهداية في الدين في الاضطراب. كما تُحلَّل، في ضوء مقدمة كتاب أصول الكافي، مسألة التمييز بين العبادة الجاهلة والعبادة العالمة، ويُبيَّن دور علم الإمام وعصمته في صحة الهداية الدينية. ويختص القسم الأخير من المقالة بتحليل مفهوم المطاعن في كلام الإمامية، إذ يستند، مع الاتكاء على نقد كتاب تحفة اثنا عشرية ودراسة تاريخية لأداء الخلفاء الأوائل، إلى المطاعن بوصفها دليلاً على بطلان إمامتهم وإثبات الخلافة بلا فصل لأمير المؤمنين (ع). وتسعى هذه المقالة، بالاستفادة من المنهج العقلي-النقلي، إلى إعادة قراءة أساس الإمامة مرتكزاً على أصول راسخة.
الكلمات المفتاحية:
- الإمامة؛ العصمة؛ علم الإمام؛ المطاعن؛ تحفة اثنا عشرية

المباني الكلامية للإمامة في التشيع: بيان الشروط الثلاثة الأساسية
في المنظومة العقدية الشيعية، يقوم مفهوم الإمامة على ثلاثة أركان أساسية: العصمة، والعلم اللدني، والتعيين الإلهي. ويؤدي الإمام، بوصفه شخصية تتولى المهمة الجسيمة المتمثلة في هداية الأمة الإسلامية، مكانة لا يمكن إنكارها أو كتمانها في البنية الدينية. ولما كانت أوامر الإمام وأفعاله ملزمة شرعاً لأتباعه، فإن توجيهاته تُعَدّ منسجمة مع إرادة الله تعالى ورضاه. وبناءً على ذلك، فإن ضرورة اجتناب الإمام كلَّ خطأ في أمر الهداية أمر بديهي قائم على أسس عقلية راسخة. فإذا كان الهادي الذي يتولى مهمة الإرشاد سبباً في الضلال، كان وجود مثل هذه الهداية نقضاً للغرض، وأمراً عبثياً عديم الأثر من الناحية الوظيفية.
بيان ضرورة العلم في العبادة: دراسة الآراء المطروحة في أصول الكافي
ومن منظور آخر، تناولت مقدمة كتاب أصول الكافي الشريف هذه المسألة في إطار بحث تأسيسي حول إمكان العبادة الجاهلة في مقابل العبادة العالمة. وفي هذا البحث المفصل يُطرح السؤال الجوهري: هل يمكن أن تقع عبادة الله تعالى عن جهل ومن دون الاتكاء على العلم، أم أن العلم والمعرفة شرطان لازمان لصحتها وقبولها؟ وبمراجعة موجزة للاستدلالات الواردة في هذه المقدمة، نصل إلى النتيجة النهائية القائلة إن قبول صحة العبادة الجاهلة يعني أن يقوم الإنسان بالأعمال العبادية من دون يقين ومن دون الاستناد إلى مصادر علمية معتبرة. وقد يشمل ذلك ابتداع أساليب عبادة اعتباطية، أو اقتباس العبادة من مصادر تفتقر إلى الاعتبار العلمي أو من مصادر عرضة للخطأ. كما يمكن تصور خطأ المصادر غير المعتبرة ناشئاً عن عوامل مثل الجهل، أو النسيان، أو غلبة الأهواء النفسانية بغية تحصيل المنافع الشخصية والترويج للبدع العبادية الخاطئة. ويمكن مشاهدة مصاديق ذلك في ابتداع وترويج بعض أساليب العبادة المخالفة للسنة والتعاليم الإلهية، والتي تُبرَّر تحت عنوان «نِعْمَ البدعة». والبدعة في الاصطلاح الديني هي كل استحداث في الدين يخالف إرادة الله وسنة النبي (ص). ومن ثم فإن العبادة الجاهلة، سواء كانت ابتداعاً شخصياً، أو تقليداً للمبتدعين، أو تعلماً من الجاهلين، أو اقتباساً من مصادر يحتمل فيها الخطأ، سواء كان ناشئاً عن النسيان أو الهوى النفسي أو غير ذلك من العوامل، تواجه إشكالات أساسية.
والسؤال المطروح الآن هو: هل العبادة الجاهلة صحيحة ومقبولة عند الله تعالى؟ فإذا قلنا بصحة هذه العبادة، بمعنى أن الله يقبل العبادة الناشئة عن الجهل وعدم المعرفة ويجعل لها ثواباً، ولا يكون ثمة فرق بين العبادة العالمة والعبادة الجاهلة، فسيُعَدّ مقام كلتا العبادتين ومنزلتهما متساويين. وهذا التساوي يثير بدوره سؤالاً: ما الإشكال في عدم التمييز بين العبادة الجاهلة والعبادة العالمة؟ والجواب عن ذلك يكمن في أنه إذا عُدَّ كل تحرك وفعل، من دون سند علمي ومجرداً على أساس تصور الشخص، عبادةً يقبلها الله، في حين أن العبادة ينبغي أن تقوم على العلم وأن تُستمد من مصادر موثوقة يثبت فيها الرضا الإلهي، فإن تسوية هذين النهجين تترتب عليها لوازم وآثار وخيمة تمس النظام الديني.
ومن أهم هذه اللوازم إلغاء بعثة جميع الأنبياء وإنزال الكتب السماوية وجعلهما عبثاً. ذلك أن الوظيفة الأساسية للإمام والنبي هي هداية البشر إلى طريق الحق وإنذارهم من سبل الضلال. فإذا لم يكن ثمة فرق بين السلوك في مسار الهداية الإلهية وسلوك الطرق المنحرفة، وكان الطريقان ينتهيان إلى مقصد واحد، لكان وجود الإمام والنبي، اللذين تقع على عاتقهما مهمة تمييز الحق من الباطل، أمراً عبثياً لا فائدة منه. وبعبارة أخرى، إذا كانت العبادة الجاهلة والعبادة العالمة متساويتين في القيمة والثواب، لكانت جهود الأنبياء والأوصياء في بيان الطريق الصحيح للعبادة والنهي عن البدع عملاً عبثياً مخالفاً للحكمة الإلهية. وسبحان الله أن يُنسب فعل جاهل إلى الذات الإلهية المقدسة.
تلازم العصمة والعلم في الإمامة: ضرورة لهداية الأمة المعصومة
وعليه، فإن الاستدلال المتقدم، الذي يمكن الاطلاع عليه بالتفصيل في مقدمة كتاب الكافي الشريف، يؤكد أن الإمام يتصف بخصلتين أساسيتين لا تنفكان عنه: العصمة والعلم. وهاتان الخصلتان مرتبطتان ومتلازمتان ارتباطًا وثيقًا. ومعنى ذلك أن أجوبة الإمام عن أسئلة الأمة يجب بالضرورة أن تكون قائمة على علمه الإلهي. ومع ذلك، فإن العلم وحده لا يكفي لاضطلاع الإمام بدوره الهدايي، بل لا بد أيضًا من ضمان عصمته من الخطأ والنسيان والسهو. وهذا الضمان، الذي يستدعي مفهوم العصمة، يعد من ضرورات الإمامة.
وخلاصة القول: إذا كان الإمام، مع افتراض اتصافه بالعلم، فاقدًا لضمان العصمة، فإن احتمال وقوع الخطأ أو الغلط أو النسيان أو السهو في أجوبته يبقى قائمًا. وفي هذه الفرضية، ينحرف الهدى الذي تطلبه الأمة والطريق الذي ينبغي لها أن تسلكه، ويقع في الخطأ. ونتيجة لذلك، تصبح العبادة القائمة على هذا الهدى عبادةً جاهلة. فإذا كان الله تعالى يعد العبادة الجاهلة مساوية للعبادة العالمة ويقبلها، فإن فلسفة وجود النبوة والرسالة والإمامة وضرورتها تصبح موضع سؤال، ويغدو دور الهادي بوصفه دليلًا إلهيًا لغوًا وعديم الفائدة. وإذا كانت العبادة ستقع عن جهل، ولم يكن لسلوك الطريق الخاطئ فرق عن سلوك الطريق الصحيح، فإن وجود شخص بوصفه هاديًا يحذر الأمة من الانحراف ويهديها إلى الحق سيكون عبثًا بلا معنى وفاقدًا للحكمة. وبالنظر إلى البيانات المتقدمة، تثبت هاتان القاعدتان المهمتان، وهما ضرورة العصمة والعلم للإمام، ثبوتًا قطعيًا راسخًا.
ضرورة التعيين الإلهي للإمام المعصوم العالم: نقد الآراء المخالفة في كتاب تشييد المطاعن
كما بُيّن بإيجاز فيما سبق، فإن اتصاف الإمام بخصيصتي العصمة والعلم الأساسيتين أمر ضروري لا مناص منه. وإذا سُلّم بهذا الافتراض، وهو أن الإمام يجب أن يكون معصومًا وعالمًا، برز السؤال الجوهري: من هو المرجع الذي يعيّن مثل هذه الشخصية؟ والاستدلال القاطع في هذا المجال هو أن تعيين الإمام المعصوم العالم يجب أن يكون من جانب الله تعالى. ووجه ذلك أن عامة البشر لا يملكون أي أداة أو معيار موثوق لتشخيص الإحاطة العلمية والعصمة الحقيقية لشخص ما في جميع أبعاد الدين. فتشخيص العصمة، بمعنى السلامة من الجهل والنسيان والخطأ والسهو، خارج عن القدرات البشرية. فهل عامة الناس قادرون على معرفة شخصية تتصف بالخصائص المذكورة؟ وهل يملكون أداةً لذلك؟ الجواب بالنفي. ولا سيما في أمر العصمة، إذ لا يمكن أن يكون ظاهر الأشخاص وحده معيارًا للحكم. وتتأكد أهمية هذه النقطة بالنظر إلى وجود المنافقين في الأمة الإسلامية، وهو ما صرّح به القرآن والمصادر التاريخية لدى الفريقين. فالمنافق شخص له ظاهر إسلامي ومسالم، بل يعد نفسه مصلحًا. وفي هذه الظروف، لا يمكن لعامة الناس تمييز المنافق من غير المنافق، إلا إذا جعل الله تعالى أو النبي الأكرم (ص) علامات ومعايير محددة لذلك. ومن ثم، فإن فقدان الأدوات اللازمة لتمييز المنافق من غير المنافق، ولتعيين المعصوم من غير المعصوم، من جهة، وضرورة عصمة الإمام، من جهة أخرى، لا يتركان إلا حلًا منطقيًا واحدًا: وهو أن تكون الإمامة بالتعيين الإلهي. وعلى هذا الأساس، نوقشت ثلاث خصائص جوهرية وشروط أساسية للإمامة: العصمة، والتفوق العلمي والأخلاقي، والتعيين الإلهي. وقد أُثيرت هذه المباحث لأن موضوع البحث الحاضر هو دراسة كتاب «تشييد المطاعن» في نقد كتاب «تحفة اثنا عشرية». وقد تناول كتاب «تحفة اثنا عشرية» في اثني عشر بابًا نقد عقائد الشيعة والطعن فيها، وانحرف في هذا النقد على نطاق واسع عن الأصول والمناهج العلمية، ولم يستفد من قاعدة الإلزام، وأقدم على نشر الأكاذيب والاختلاق المنهجي المتعمد. وقد أُلّف كتاب «تشييد المطاعن» في نقد الباب العاشر من كتاب «تحفة اثنا عشرية». وكان الباب العاشر من «تحفة اثنا عشرية» يسعى إلى رد المطاعن التي أثارها متكلمو الشيعة ومحدثوهم بشأن الحكام الأوائل، الذين اغتصبوا، بحسب اعتقاد الشيعة، حق أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع). وسعى كتاب «تحفة اثنا عشرية» إلى تبرير هذه المطاعن وردها. لكن المرحوم محمد قلي، والد المرحوم مير حامد حسين الهندي، عزز هذه المطاعن في موضعها بكتابته «تشييد المطاعن»، واستدل على وجودها. وفيما يأتي نتناول تعريف مفهوم «المطاعن». ولبيان معنى المطاعن، أشرنا إلى الشروط الثلاثة الأساسية للإمامة: العصمة، والتفوق العلمي والأخلاقي، والتعيين الإلهي. وعلى هذا الأساس، فإن كل قول أو تقرير يدل على عدم اتصاف من يدعي مقام الإمامة أو خلافة النبي (ص) بالعصمة، سواء أكان ذلك من فعله أم قوله، أو يدل على وجود أخطاء فيه، ولا سيما الأخطاء الكبيرة، أو كل قول أو فعل أو عمل يكشف عن جهله بالمسائل التي يجب أن يكون الإمام عالمًا بها بوصفه هاديًا للمجتمع وخليفة للنبي (ص)، المبيّن للقرآن، يؤكد أن مثل هذا الشخص غير جدير بالجلوس على مسند الإمامة.
المطاعن بوصفها دليلًا على عدم أهلية مدّعي الخلافة وإثبات الإمامة بلا فصل لأمير المؤمنين (ع)
وبذلك يتضح مفهوم المطاعن. فالمطاعن لا تعني الشتم والسباب، بل كل قول يدل على فقدان العصمة أو الجهل وعدم العلم لدى من يدعي الإمامة يعد من المطاعن. وهذه الأقوال أدلة مهمة على عدم صلاحية مثل هذا الشخص لتولي مقام الإمامة وخلافة النبي (ص) وهداية المجتمع والأمة الإسلامية. وهذا هو تعريف المطاعن.
والآن، بعد فهم مفهوم المطاعن، يطرح هذا السؤال: ما الغاية والهدف من طرح علماء الكلام الشيعة للمطاعن في الكتب الكلامية؟ في بحث الإمامة، يوجد منهجان أساسيان. أولهما: تقديم الأدلة التي تثبت الخلافة بلا فصل لأمير المؤمنين (ع) بعد النبي (ص). وتنقسم هذه الأدلة نفسها إلى عدة أقسام: الأدلة العقلية التي تحكم بأن أمير المؤمنين (ع) ينبغي أن يكون الخليفة بلا فصل للنبي (ص)؛ والأدلة القرآنية، وتشمل آيات القرآن الكريم التي تبيّن مقام أمير المؤمنين (ع) ومنزلته ومكانته الرفيعة (والتي يعبّر عنها المتكلمون الشيعة بآيات الولاية)؛ والأدلة النقلية والروائية. وتنقسم الأدلة النقلية أيضاً إلى قسمين: الروايات المنقولة في الكتب الشيعية المعتبرة، والروايات الموجودة في كتب المخالفين التي تكون معتبرة، من منظورهم هم أيضاً، وغالباً متواترة.
وعليه، توجد أربعة أصناف من الأدلة لإثبات الخلافة بلا فصل لأمير المؤمنين (ع): دلالة العقل (مثل كتاب الألفين للعلامة الحلي، الذي يشتمل على ألف دليل عقلي وألف دليل نقلي لإثبات خلافة أمير المؤمنين (ع))، وآيات القرآن (آيات الولاية)، والروايات المعتبرة في المصادر الشيعية، والروايات المعتبرة والمتواترة عند مخالفي الشيعة (مثل حديث الغدير: «من كنت مولاه فهذا علي مولاه»، وحديث الطير، وحديث: «أنا مدينة العلم وعلي بابها»، وغيرها كثير، وقد تكلّم السيد مير حامد حسين بالتفصيل عن هذه الروايات وبحث بحثاً مفصلاً في سندها وتواترها ودلالتها). وقد سلك المتكلمون الشيعة مساراً محدداً لإثبات خلافة أمير المؤمنين (ع) على أساس هذه الأدلة العقلية والنقلية. ويختص هذا القسم بالأدلة الإثباتية للخلافة بلا فصل لأمير المؤمنين (ع)، وتفصيلها موجود في الكتب الكلامية.
ولكن، بالإضافة إلى هذه الأساليب الإثباتية، يوجد منهج آخر أيضاً. فعندما ندرك، بناءً على ضرورة العقل، أن الإمام يجب أن يكون معصوماً وعالماً ومنصوصاً عليه من الله، فإن الشيعة، بين المدعين لهذا المنصب، يعتقدون أن أمير المؤمنين (ع) هو الخليفة بلا فصل للنبي (ص). وعليه، فإن أحد أساليب البحث والاستدلال هو إثبات الخلافة بلا فصل لأمير المؤمنين (ع) بالنسبة إلى رسول الله (ص) من خلال الأدلة العقلية والنقلية الإثباتية التي سبق بيانها بالتفصيل.
والمنهج الثاني هو أن الشيعة يعدّون الإمام علياً (ع) الخليفة بلا فصل لرسول الله (ص)، في حين أن جميع الفرق المخالفة للشيعة يكون أول اختلافها وأهمه في أن الخليفة بلا فصل لرسول الله (ص) هو شخص يدعى أبا بكر. وجميع مخالفي الشيعة يعتقدون بذلك، ويقولون بترتيب الخلفاء على النحو الآتي: أبو بكر، ثم عمر بن الخطاب، ثم عثمان، وأخيراً أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) بوصفه الخليفة الرابع. وبعده يقع الاختلاف في ترتيب الخلفاء؛ فبعضهم يعدّ معاوية خليفة، وبعضهم يعدّ يزيد خليفة أو لا يعدّه كذلك. أما في شأن الخلفاء الثلاثة الأوائل، فجميع الفرق المخالفة للشيعة متفقة.
ومن طرق إثبات الخلافة بلا فصل لأمير المؤمنين (ع) بيان أن المدعين للخلافة والزعامة، كالأشخاص الثلاثة المذكورين، لا تتوافر فيهم شروط الإمامة، وهي العصمة والعلم. ومعنى ذلك نقل القضايا التاريخية القطعية الموجودة في كتب المخالفين، والتي تدل على أخطاء هؤلاء الأشخاص وزلاتهم؛ وهي أخطاء لا يعود معها من الممكن قبولهم أئمة معصومين، وقادة للأمة، وهادين للمجتمع. وتكشف هذه الأخطاء عن فقدانهم العصمة. وكذلك فإن نقل أفعالهم وأقوالهم وآرائهم التي تظهر جهلهم دليل على عدم أهليتهم للإمامة أيضاً، لأن شرط الإمامة هو العصمة والعلم. ولذلك، إذا ثبت أن هؤلاء الأشخاص لا صلاحية لهم للإمامة، لزم منه إثبات صلاحية أمير المؤمنين (ع) للإمامة.
ومن الواضح أنه عندما يدور الأمر بين خيارين، «أ» و«ب»، ويتبين أن أحدهما («ب») باطل قطعاً، فإن العقل يحكم بأن الخيار الآخر («أ») صحيح. وفي مسألة الخلافة بلا فصل للنبي (ص)، لم يُطرح في مجموع الأمة الإسلامية، غير أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) وأبي بكر، خيار ثالث بوصفه الخليفة بلا فصل. ولذلك لا يوجد إلا احتمالان: إما أن يكون أمير المؤمنين (ع) هو الخليفة بلا فصل، أو يكون أبو بكر. فإذا ثبت بالبراهين القطعية أن خلافة أبي بكر باطلة، حكم العقل بأن خلافة أمير المؤمنين (ع) صحيحة.
وعليه، فإنّ المطاعن نفسها تُعَدّ برهانًا على إثبات الخلافة بلا فصل لأمير المؤمنين (ع). ومن المنظور الشيعي، تحتلّ المطاعن مكانةً مهمّة، وهي في حدّ ذاتها دليلٌ لإثبات خلافة أمير المؤمنين (ع). وإنّ حذف أيٍّ من المطاعن، أو إغفاله، أو عدم البحث فيه، لأيّ جهةٍ أو سببٍ كان، هو في الحقيقة حذفُ برهانٍ من براهين إثبات ولاية أمير المؤمنين (ع) وخلافته، وهذا أمرٌ مذموم وخطأٌ كبير. وبذلك يتّضح الارتباط الوثيق والمهم بين الإمامة والمطاعن.
الخاتمة
بيّنت هذه الدراسة، التي تهدف إلى تبيين المباني الكلامية للإمامة في المنظومة الاعتقادية الشيعية، أنّ الشروط الأساسية الثلاثة، وهي العصمة والعلم والتعيين الإلهي، تُعَدّ أركانًا لا تنفصل لمنصب الإمامة. ويدلّ التحليل العقلي والنقلي لهذه الشروط على أنّ الإمامة، عند غياب أيٍّ من هذه العناصر، تفقد وظيفتها في الهداية الدينية وتصاب باختلال معرفي وبنيوي. وقد أظهر الفحص التفصيلي لروايات أصول الكافي وتقويم مفهوم العبادة الجاهلة مكانة العلم والعصمة في ضمان صحة الهداية الدينية.
ثمّ، من خلال تقديم مفهوم «المطاعن» بوصفه أداةً في الاستدلالات الكلامية الشيعية، جرى تحليل دوره في نقد مشروعية الخلفاء الأوائل وبيان بطلان خلافة غير المعصومين. وللمطاعن مكانة خاصة في المنظومة الاستدلالية لعلماء الإمامية، لا بوصفها أداةً لإثارة التشنّج والاختلاف، بل باعتبارها معيارًا معرفيًّا لقياس أهلية الإمام. وقد أظهر تحليل المنهج النقدي لكتاب «تحفة اثنا عشرية» والردّ المستدلّ في كتاب «تشييد المطاعن» أنّ المنهج العقلي والنقلي، معًا، يمكن أن يوفّرا أرضيةً لإثبات الإمامة بلا فصل لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع).
وفي الختام، ترى المقالة أنّ إعادة القراءة المفهومية الدقيقة للإمامة، مع التأكيد على الأصول الكلامية الثلاثة والاستفادة من مصادر الفريقين، يمكن أن تفتح طريقًا جديدًا للدفاع العلمي الراسخ عن أصل الإمامة في الفضاء المعاصر لعلم الكلام الإسلامي.
المؤلف: حامد صارم
مقالات مشابهة
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد.