تشييد المطاعن: تحليل علميّ لدحض دعوى شرعية الخلفاء الأوائل (٥) (المطاعن والإمامة)
المؤلف: حامد صارم

مباني استحقاق الإمامة في الفكر الشيعي الإمامي: دور مفهوم المطاعن في نقد شرعية غير المنصوص عليهم
ملخص المقال
يتناول هذا المقال تبيين مباني استحقاق الإمامة في الكلام الشيعي الإمامي، مع التأكيد على الأصول الثلاثة الأساسية: العصمة، والعلم اللدني، والنص الإلهي. ثم يحلل مفهوم المطاعن بوصفه مؤشراً لقياس عدم تحقق هذه الشروط في مدّعي الخلافة غير المنصوص عليهم. وبالاستناد إلى آراء المرحوم السيد محمد قلي في كتاب «تشييد المطاعن»، يبيّن المقال أن علماء الشيعة، بعد إثبات النبوة، تناولوا بصورة منهجية نقد شرعية الخلفاء الأوائل بالاعتماد على الشروط الثلاثة للإمامة. وفي هذا الإطار، لا تمثل المطاعن مجرد انتقادات تاريخية، بل هي أداة عقلية وكلامية لإثبات عدم أهلية الذين وصلوا إلى الخلافة عن طريق التغلب أو الإجماع البشري. كما يبيّن المقال، بالإحالة إلى رأي السيد المرتضى والاستفادة من مصادر المخالفين، أن هذا المنهج يمكنه إثبات عدم شرعية الحكام غير المنصوص عليهم حتى وفق المعايير المذهبية الداخلية لأهل السنة. وفي النهاية، تؤدي المطاعن، بوصفها ركناً استدلالياً في المنظومة الكلامية الشيعية، دوراً مؤثراً في تثبيت حقانية إمامة أمير المؤمنين علي (ع).
الكلمات المفتاحية: الإمامة، الاستحقاق، العصمة، العلم الإلهي، التعيين الإلهي، المطاعن، التغلب، الاتفاق، الكلام الشيعي، السيد محمد قلي، تشييد المطاعن.
المقدمة
من أكثر المباحث محورية في النظام العقدي للشيعة الاثني عشرية مسألة الإمامة بوصفها استمراراً للرسالة النبوية وقيادةً للمجتمع الإسلامي بعد رحيل النبي الأكرم (ص). وفي تبيين هذه المنزلة الخطيرة، أكد علماء الشيعة دائماً ثلاث خصائص ضرورية لا تنفك عن الإمام: العصمة من كل ذنب وخطأ، والعلم اللدني والإلهي بجميع المعارف والأحكام، والتعيين والنص الإلهي من جانب الله تعالى وإبلاغه بواسطة النبي (ص). وتشكل هذه الشروط أساس اعتقاد الشيعة بـ«استحقاق» الإمامة، وتقف في مقابل الآراء القائمة على «التغلب» و«الاتفاق» في تعيين قائد المجتمع الإسلامي.
إلى جانب إثبات هذه الشروط للإمام المنصوص عليه من الله، يحتل مفهوم «المطاعن» مكانةً خاصة في علم الكلام الشيعي. فعندما يُتحدَّث عن «مطاعن الخلفاء» أو «الطعن في الحكام»، لا يُراد بذلك مجرد بيان انتقادات تاريخية، بل الهدف الرئيس هو إظهار فقدان شروط استحقاق الإمامة في الأشخاص الذين وصلوا إلى الخلافة من دون نص إلهي وعن طريق الغلبة أو الإجماع غير المعياري. إن طرح المطاعن في المؤلفات الكلامية الشيعية هو، في الواقع، استدلال على عدم أهلية هؤلاء الأشخاص لتولي مقام نيابة النبي (ص) وهداية الأمة الإسلامية.
بيان أركان استحقاق الإمامة في علم الكلام الشيعي
١. مباني استحقاق الإمامة في علم الكلام الشيعي: يرى علماء الشيعة، استناداً إلى الأدلة العقلية والنقلية، أن الإمامة منصب إلهي وامتداد للنبوة؛ ولذلك يجب أن يكون المتصدي لهذا المنصب متحلياً بصفات تمكّنه من أداء دور الهداية والقيادة المعصومة للمجتمع الإسلامي. وهذه الصفات الضرورية هي:
- - العصمة: يجب أن يكون الإمام مصوناً من كل ذنب صغير وكبير، عمداً وسهواً، لكي تكون أقواله وأفعاله حجةً على الأمة ومصونةً من كل انحراف. وهذه الصفة ضامنة لثقة الأمة بقائدها واتباعها له في جميع الشؤون الدينية والدنيوية.
- العلم اللدني والإلهي: يجب أن يكون الإمام عالماً علماً كاملاً بجميع المعارف الإلهية والأحكام الشرعية ومصالح الأمة. وهذا العلم عطاء إلهي، ينتقل إلى الإمام عن طريق الوحي أو الإلهام، ويغنيه عن الرجوع إلى غيره في أمر الهداية.
- التعيين والتنصيب الإلهي (النص): لما كانت الإمامة منصباً إلهياً، وجب أن يكون تعيين الإمام أيضاً من جانب الله تعالى وعن طريق النبي الأكرم (ص). والإيمان بالنص يقف في مقابل النظريات القائمة على الاختيار أو الإجماع البشري في تعيين القائد، ويؤكد المشروعية الإلهية للإمامة.
مفهوم المطاعن: معيار لقياس استحقاق الإمامة
٢. مفهوم المطاعن بوصفه مؤشراً على فقدان استحقاق الإمامة: يؤكد المرحوم السيد محمد قلي، في بداية كتاب «تشييد المطاعن» وببيان بليغ، المنهج المستمر لعلماء الشيعة في تبيين شروط استحقاق الإمامة بعد إثبات نبوة النبي (ص). ويصرح بأن الإمامة حق إلهي، قائم على الجدارة الذاتية والتعيين الإلهي، لا على مجرد الغلبة والقوة أو الإجماع. وهذه العبارة المحورية تبيّن بوضوح مكانة بحث المطاعن في المنظومة الفكرية الشيعية.
إنّ طرح المطاعن في الكتب الكلامية الشيعية هو، في الحقيقة، تقديمٌ للمستندات الدالّة على فقدان الشروط الثلاثة للاستحقاق في الأشخاص الذين تَكأوا بغير حقّ على منصّة الخلافة. وهذه المطاعن ليست مجرّد انتقادات سطحية، بل هي أدلّة متينة على عدم عصمتهم، وعدم امتلاكهم العلم الإلهي الشامل، وعدم تعيينهم من قِبل الله تعالى. وقد أظهر علماء الشيعة، من خلال الدراسة الدقيقة للتاريخ والروايات، أنّ سلوك هؤلاء الحكّام وأقوالهم كانت مخالفة للخصائص الضرورية للإمام؛ ومن ثمّ، لم تكن لهم مشروعية إلهية لقيادة الأمة الإسلامية.
نفي الأسس غير الإلهية في تعيين الإمامة: رفض منهجي التغلّب والاتفاق
٣. نفي منهجي التغلّب والاتفاق في تعيين الإمامة: في مقابل أساس استحقاق الإمامة، توجد آراء قائمة على «التغلّب» (الوصول إلى السلطة بالقوة والغلبة) و«الاتفاق» (تعيين القائد عن طريق الإجماع البشري). ويرى علم الكلام الشيعي، استناداً إلى الأدلة العقلية والنقلية، بطلان هذين المنهجين في تعيين الإمام وقائد المجتمع الإسلامي. فالإمامة منصب إلهي لا يكون تعيينه إلا من جانب الله تعالى؛ ولذلك، لا التغلّب والقوة ولا الإجماع يمكن أن يكونا أساساً لمشروعيتها.
إنّ بيان الشروط الثلاثة لاستحقاق الإمامة، وهي العصمة والعلم والتعيين الإلهي، في علم الكلام الشيعي يوفّر إطاراً واضحاً لفهم مكانة مفهوم المطاعن وأهميته. فالمطاعن، في هذا المنظور، ليست مجرد انتقادات تاريخية، بل هي شواهد على فقدان هذه الشروط الضرورية لدى مدّعي الخلافة غير المنصوصة، وبذلك تثبت عدم مشروعيتهم من منظور علم الكلام الشيعي. وسيجري في ما يأتي من هذه المقالة بحث نماذج من المطاعن ودورها في تبيين الرؤية الشيعية لمسألة الإمامة.
تبيين مفهوم المطاعن في إثبات عدم استحقاق غير المنصوص عليهم
يتناول المرحوم السيد محمد قلي، بعد تبيين شروط استحقاق الإمامة، الدور المحوري لمفهوم «المطاعن» في إثبات فقدان هذه الشروط في غير أمير المؤمنين عليٍّ (عليه السلام). ويقول: «ثم إنهم، بالاستناد إلى الآيات القرآنية والأحاديث النبوية وآثار الصحابة وأقوالهم، يثبتون أن جميع الشروط المذكورة كانت مجتمعة في ذات مجمع الحسنات، حضرة أمير المؤمنين وإمام المتقين ويعسوب الدين وخليفة رسول رب العالمين، علي بن أبي طالب عليه السلام.» (تشييد المطاعن، ج ١)
تدلّ هذه العبارة على أنّ علماء الشيعة، بعد إثبات الشروط العامة للإمامة، يثبتون بالاستناد إلى النصوص الدينية والشواهد التاريخية تحقّق جميع هذه الشروط في الشخصية المقدسة لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام). فالعصمة، والأعلمية، والتنصيص من جانب الله تعالى، هي خصائص اجتمعت على نحو كامل في شخصية ذلك الإمام الفريدة.
في المتون الكلامية الشيعية، يتناول بحث «المطاعن» دراسةَ ونقدَ خصائص وأعمال بعض الشخصيات في صدر الإسلام التي كان لها دور في مسألة الإمامة والخلافة. ويقول المرحوم السيد محمد قلي في هذا الشأن: «ثم إنهم يعمدون إلى إثبات انتفاء الشروط الثلاثة عن ثلاثة أشخاص، فبإثبات انتفاء هذه الشروط يبيّنون عدم وجود هذه الشروط الثلاثة في أولئك الثلاثة. ويُسمّى هذا السعي لإثبات انتفاء الشروط الثلاثة عن أولئك الثلاثة: المطاعن».
وبناءً على هذا البيان الدقيق لصاحب «تشييد المطاعن»، فإنّ «المطاعن» تعني إثبات انتفاء الشروط الثلاثة للإمامة، وهي العصمة والأعلمية والنصب الإلهي، في ثلاثة أشخاص، أي الخلفاء الثلاثة. ويكشف هذا التعريف بوضوح عن طبيعة وهدف طرح بحث المطاعن في علم الكلام الشيعي.
إثبات فسق الخلفاء: مقاربة تتجاوز عدم العصمة في نقد الأهلية للإمامة
يتناول المرحوم السيد محمد قلي الموسوي في كتاب «تشييد المطاعن» الشروط اللازمة للإمامة، ويثبت عدم وجود هذه الشروط في الخلفاء الثلاثة. ويقول: «ثم إنهم يعمدون إلى إثبات انتفاء الشروط الثلاثة عن ثلاثة أشخاص، ويسمّون ذلك بالمطاعن. ويثبتون أكثر ذلك على وجه يوجب الحكم بفسق أولئك الثلاثة، لكي تثبت أيضاً، وفق قواعد أهل السنة الذين ينكرون اشتراط العصمة في الإمامة، عدم أهليتهم للإمامة».
يكشف هذا النهج عن استراتيجية دقيقة اتخذها علماء الشيعة في نقد أهلية الخلفاء للإمامة. ففي هذه الطريقة، يُثبت أولاً، بالاستناد إلى المصادر الإسلامية المعتبرة، عدم تحقّق الشروط الأساسية للإمامة، مثل العصمة والأعلمية والنصب الإلهي، في الخلفاء الثلاثة. ثم يُثبت فسقهم بتقديم شواهد موثقة.
ومن النقاط الجديرة بالاهتمام في هذه الاستراتيجية موافقتها للمباني الكلامية لأهل السنة. ونظراً إلى أن أهل السنة لا يعدّون العصمة شرطاً لازماً للإمامة، فإن إثبات فسق الخلفاء يُطرح مانعاً حاسماً من تولّي المناصب الدينية وقيادة المجتمع الإسلامي. وبعبارة أخرى، حتى وفقاً لآراء أهل السنة، لا يكون الفاسق أهلاً للإمامة. ومن ثمّ صُمّم هذا المنهج المزدوج لإثبات عدم أهلية الخلفاء الثلاثة للإمامة إثباتاً استدلالياً قاطعاً، من المنظور الشيعي ومنظور أهل السنة معاً.
ويثبت هذا المنهج، باستثماره المباني المشتركة بين المذاهب الإسلامية واستناده إلى المصادر المقبولة لدى الطرفين، عدم أهلية الخلفاء للإمامة إثباتاً ذكياً، كما يكشف عن العمق العلمي ودقة نظر علماء الشيعة في المباحث الكلامية.
نقد أهلية الخلفاء للإمامة: المنهج الاستدلالي لعلماء الشيعة في إثبات فقدان شروط الإمامة
ولتأييد هذا المنهج الاستدلالي، ينقل المرحوم السيد محمد قلي الموسوي الكنتوري في كتاب «تشييد المطاعن لكشف الضغائن» عن السيد المرتضى علم الهدى في كتاب «الشافي في الإمامة». ويرى السيد المرتضى في هذا الكتاب أن منهج النقد (طريقة الطعن) في إثبات عدم أهلية الآخرين للإمامة منهج واضح موثوق لدى علماء الشيعة المتقدمين. ويشير إلى أنه في نقد أهلية أبي بكر للإمامة، استُند ــ فضلاً عن عدم العصمة ــ إلى نقصه في كثير من العلوم الدينية، وأن هذا الدليل أقوى.
ثم يشير السيد المرتضى إلى الفوائد المتعددة لهذا المنهج النقدي:
- ١. إبطال الاعتقاد بالعدالة المطلقة للصحابة: يعتقد أهل السنة أن جميع الصحابة عدول. وإثبات فسق وفجور بعض الصحابة من كتب أهل السنة يبطل هذا الاعتقاد.
٢. إضعاف الاستناد إلى إجماع الصحابة: يستند أهل السنة في صحة خلافة أبي بكر إلى إجماع الصحابة. وإثبات المطاعن في بعض الصحابة يضعف هذا الاستدلال.
٣. نقد تعميم آيات مدح المهاجرين والأنصار على جميع الصحابة: يعمم أهل السنة آيات مدح المهاجرين والأنصار على جميع الصحابة. وإثبات فسق بعض الصحابة، بل وعدم إيمان بعضهم، يبطل هذا التعميم.
٤. رد الأحاديث الموضوعة في فضائل الصحابة: روى المتعصبون الأمويون والمروانيون أحاديث كثيرة في فضائل الصحابة، يلزم منها تصديق جميع الصحابة وعدم نقد أفعالهم. وإثبات فسق وفجور وقبائح بعض الصحابة يكشف بطلان هذه الأحاديث.
بحسب رؤية السيد محمد قلي الراحل ونقل السيد المرتضى، فإن مفهوم «المطاعن» في الفكر الشيعي ليس مجرد بيان نقاط الضعف التاريخية أو الانتقادات السطحية للحكام الأوائل، بل هو منهج استدلالي ومنظّم لإثبات فقدان الشروط الضرورية للإمامة—العصمة والعلم والنص الإلهي—في غير أمير المؤمنين عليّ (عليه السلام). ويتخذ هذا المنهج بهدف نفي مشروعية الخلافة المغتصبة وتثبيت استحقاق إمامة الإمام المنصوص عليه من الله، كما يثبت، حتى وفق المباني الكلامية للمخالفين، عدم أهليتهم لقيادة الأمة الإسلامية.
مصاديق المطاعن وأثرها في سلب المشروعية
وفي متابعة البحث حول أهمية المطاعن، نتناول بعض مصاديقها وأثرها في سلب مشروعية الحكام غير المنصوص عليهم. وقد حاول الدهلوي في موضع من كتابه تبرير الأخطاء المحتملة للحكام الأوائل، إذ ادعى أن ارتكاب عشرة إلى اثني عشر خطأ خلال العمر علامة على عظمة الشخص، وأن ارتكاب هذا العدد من الأخطاء يومياً حتى في إدارة بيت يمكن التغاضي عنه.
ويركّز السيد محمد قلي الراحل، رداً على هذه النظرة المتساهلة، على النقطة الأساسية القائلة إن بعض الأخطاء ليست من جنس الأخطاء العادية، بل تترتب عليها نتائج وخيمة كالكفر. ويصرّح، مشيراً إلى جريمة «كشف بيت فاطمة سلام الله عليها» و«إيذاء البنت الوحيدة للنبي (صلى الله عليه وآله)»: «هذا خطأٌ إذا ارتكبه شخص، فكل ما يفعله بعد ذلك خطأ». لأن ارتكاب مثل هذه الأخطاء العظيمة يُخرج الإنسان من دائرة الإيمان ويجعل كل عمل لاحق له فاقداً للاعتبار.
ويستند السيد محمد قلي الراحل أيضاً إلى رواية من كتاب «إزالة الخفاء» للشاه ولي الله الدهلوي (والد عبد العزيز الدهلوي)، وفيها يقول سلمان الفارسي لعمر: «إذا أنفقت درهماً واحداً من مال المسلمين في غير موضعه، فأنت لست خليفة النبي بعد ذلك، بل أنت ملك». ثم يستنتج السيد محمد قلي بحزم: «وإذا كان الخليفة يخرج عن صلاحية الخلافة بوضع أقل من درهم في غير الحق، فكيف لا تُسلب أهلية الإمامة بصدور ١٠-١٢ عملاً من أكبر الكبائر وأشنع الشنائع؟» ويبيّن هذا الاستدلال القوي أن حتى الخطأ الصغير في التصرف بالأموال العامة يضع مشروعية الخلافة موضع تساؤل، فكيف بارتكاب الكبائر والأعمال الشنيعة.
ثم يشير محمد قلي الراحل إلى أحد أخطاء أبي بكر البارزة التي لا يُتصوّر لها أي دفاع: «ومن جملة أخطاء أبي بكر التي يذكرها علماء الشيعة في أوائل مطاعنهم فيه أنه، مع أنه كان يقرّ بالحق أحياناً (ففي بعض الأوقات كان أبو بكر يقر بالحق ويتكلم بالحق)، كان يقول: أنا لست خليفةً (أنا لست خليفة)، بل أنا خالفة». وقد كرر هذا الأمر كثيراً: «أنا لست خليفة، أنا خالفة».
ويستدلّ لتأييد هذا المطلب بكتاب «كنز العمال»: «قال ابن الاعرابی روی اعرابی جاء الی ابی بکر فقال انت خلیفة رسول الله صلی الله علیه و آله قال لا. فقال فما انت؟ قال أنا خالفه بعده.» وتنقل هذه الرواية أن أعرابياً خاطب أبا بكر فقال: «أأنت خليفة رسول الله؟» فأجاب أبو بكر: «لا». فسأله الأعرابي: «فمن أنت إذن؟» فقال أبو بكر: «أنا خالفه، أي جالس» (أي: جلست في هذا الموضع). ويرى المرحوم محمد قلي، مع تأكيده على هذا الإقرار من أبي بكر، أنه اعتراف منه بأن لقب «خليفة رسول الله» لقب كاذب في حقه.
ثم يشير إلى تناقض في سلوك أبي بكر: «و در نامه ها که به اطراف فرستاده، نوشت "من ابی بکر خلیفة رسول الله" (وقتی نامه می نوشت خودش را با این لقب معرفی می کرد).» ويُظهر هذا التناقض الواضح أن أبا بكر أقرّ في كلامه بعدم أهليته لمنصب الخلافة، لكنه في الممارسة وفي المراسلات الرسمية كان يعرّف نفسه بلقب «خليفة رسول الله». ومن منظور الفكر الشيعي، تُعدّ هذه الازدواجية السلوكية دليلاً آخر على عدم صدقه وعدم أهليته لتولي مقام الإمامة.
النتيجة
تُظهر دراسة آراء عبد العزيز الدهلوي في تبرير أداء الحكام الأوائل، والأجوبة الحاسمة والمستدلة للمرحوم السيد محمد قلي، أن مفهوم «المطاعن» في الفكر الشيعي يؤدي دوراً أساسياً في بيان عدم استحقاق الخلافة لغير أمير المؤمنين علي (عليه السلام). فالمطاعن ليست مجرد بيان للأخطاء التاريخية، بل هي شواهد على فقدان هؤلاء الأفراد لشروط الإمامة الضرورية: العصمة، والعلم الإلهي، والتنصيب الإلهي. ويُستند إلى الأخطاء الفادحة التي لا يمكن إنكارها، والإقرارات الضمنية بعدم الأهلية، والتناقضات السلوكية، كلّها لإثبات هذه الدعوى. وبذلك يؤكد الفكر الشيعي، بالاستناد إلى مباني استحقاق الإمامة ونقد أداء المدعين غير المنصوص عليهم، حقانية الإمامة الإلهية والبلافصل لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام).
قائمة المصادر
- «تشييد المطاعن»، السيد محمد قلي النيشابوري اللكهنوي؛ «إزالة الخفا عن خلافة الخلفا»، شاه ولي الله الدهلوي؛ «كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال»، علاء الدين علي بن حسام الدين المتقي الهندي؛ «الشافي في الإمامة»، السيد المرتضى علم الهدى.
المؤلف: حامد صارم
مقالات مشابهة
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد.