من التمسّك إلى وجوب الطاعة: تلخيصٌ بحثيّ للوجه الثاني من وجوه دلالة حديث الثقلين الستة والستين في «عبقات الأنوار» في نقد عبد العزيز الدهلوي
المؤلف: حامد صارم

يبدأ مير حامد حسين في الوجه الثاني من حديث الثقلين من المكانة التي رسمها الحديث نفسه للعترة: فالعترة، إلى جانب القرآن، هي الثقل الثاني ومتعلَّق تمسّك الأمة. ويستنتج من هذا البناء نفسه وجوبَ اتباعٍ وطاعةٍ غير مقيّدين بموضوع خاص، ثم يوصل السؤال إلى نقطة حاسمة: أيٌّ من مدّعي الخلافة يملك مثل هذا النص؟ وأيٌّ منهم قرين القرآن؟ وأيّ حديث متواتر دعا الأمة إلى التمسك بهم؟
الملخّص
هذه المقالة هي البحث الثاني في سلسلة تعيد، في مقالات مستقلة ووفق ترتيب «عبقات الأنوار»، صياغةَ وتحليلَ الوجوه الستة والستين التي عرضها مير حامد حسين الهندي في دلالة حديث الثقلين. وقد خُصِّص الوجه الأول، الذي سبق بحثه، لبيان دلالة التمسك على اتباع العترة والاقتداء بها ومرجعيتها الهداية. وتبحث المقالة الحالية الوجه الثاني وحده، كما ستُتابَع الوجوه اللاحقة كلٌّ في مقالة مستقلة؛ ولذلك لا ينبغي انتظار الإجابة عن جميع الإشكالات أو إثبات جميع اللوازم النظرية لنظرية الإمامة من وجه واحد. ومحور الوجه الثاني أن الأمر بالتمسك بالعترة، في بنية الحديث نفسها، غير مقيّد بموضوع خاص، وأن العترة، إلى جانب القرآن، إحدى الثقلين. ويوضح صاحب «عبقات» هذا الظهور الإطلاقي بتعابير «الاتباع» و«الاقتفاء» و«الاقتداء» و«واجب الاتباع» و«لازم الإطاعة»، ويستنتج من الطاعة والاتباع المطلقين بعد النبي ملازمتهما لمقام الإمامة. وإلى جانب هذا الضلع الإثباتي، يمتلك الوجه الثاني ضلعاً سلبياً قوياً: فبالنسبة إلى مدّعي الخلافة الآخرين، لا يوجد أمر مماثل بالتمسك والطاعة، ولم يُعرَّفوا بأنهم الثقل الثاني وقرين القرآن؛ كما لا يَرِد في نقل صاحب «عبقات» واحتجاجه ادعاءٌ صادر عنهم بمثل هذه المكانة، ولم يقبل أتباعهم مثل هذه المماثلة أيضاً. ولو ادّعى أحدٌ مثل هذا الادعاء، لما كان لديه نص متواتر مماثل لحديث الثقلين يؤيده. ومن هذا المنظور، يمثّل حديث الثقلين في منطق صاحب «عبقات» جواباً مباشراً على نفي أي نص على إمامة أهل البيت. كما تُبحث الشواهد الثلاثة المنقولة عن محمد معين السندي، ومحمد مبين اللكهنوي، ورشيد الدين الدهلوي، مع تعريف موجز، ونقل النص، وتيسير عبارته، وبيان نكتته المحورية.
الكلمات المفتاحية: حديث الثقلين؛ عبقات الأنوار؛ مير حامد حسين الهندي؛ عبد العزيز الدهلوي؛ التمسك؛ الإطلاق؛ وجوب الاتباع؛ الإمامة؛ الخلافة؛ الثقلان.
١. المقدمة: أين يقع هذا المقال في مشروع الوجوه الستة والستين؟
في جوابه عن الحكم الموجز الذي أصدره عبد العزيز الدهلوي بشأن حديث الثقلين، لا يقدّم مير حامد حسين الهندي جواباً واحداً مكثفاً، بل ينظّم ستةً وستين وجهاً مستقلاً. وهذه البنية مهمة لفهم «عبقات». فكل وجه يفصل جزءاً من الاستدلال ويتناول دعوى الدهلوي من زاوية جديدة. ومن ثم، لو جُمعت جميع لوازم الحديث، وجميع الإشكالات، وجميع الأجوبة في المقالة الخاصة بوجه واحد، لزالت حدود استدلالات صاحب «عبقات»، ولأُغفلت كذلك فلسفة الفصل بين الوجوه الستة والستين.
وبناءً على ذلك، بُحث الوجه الأول في مقال مستقل. وقد بيّن ذلك المقال أن «التمسّك بالعترة» في حديث الثقلين، بحسب فهم صاحب العبقات والشواهد التي ينقلها، ليس مجرد محبة أو احترام؛ بل يرتبط بالاهتداء والاقتداء والاتباع والأخذ بالعلم. وينطلق هذا المقال من النقطة نفسها، ويعيد كتابة الوجه الثاني فقط: فإذا كانت العترة متبوعة، فما مرتبة هذا الاتباع، وما نسبة هذه المرتبة إلى الإمامة؟
وسيُبحث الوجوه من الثالث إلى السادس والستين بالطريقة نفسها، في مقالات مستقلة. وبعد انتهاء المجموعة، يمكن أيضاً كتابة مقال شامل يضع جميع الوجوه جنباً إلى جنب، ويوضح نسبتها بعضها إلى بعض، ويجيب عن الإشكالات المتفرقة في مواضعها المناسبة، ويقيّم النتيجة التراكمية للوجوه الستة والستين. ولذلك، فإن اقتصار هذا المقال على الوجه الثاني ليس نقصاً؛ بل هو شرط للوفاء ببنية العبقات نفسها.
٢. كلام عبد العزيز الدهلوي ونقطة الدخول إلى الوجه الثاني
«وهذا الحديث أيضاً، وفقاً لمقتضى الأحاديث السابقة، لا مساس له بالمدّعى؛ إذ ليس من اللازم أن يكون المتمسّك به مرتبطاً بصاحب الزعامة الكبرى».
المصدر: عبقات الأنوار، ج ٢٠، ص ٢٦؛ صفحة الملف: ٣٧.
لا يرى الدهلوي ملازمةً بين «كونه متمسَّكاً به» و«الزعامة الكبرى»، ومن هذا الطريق يُخرج الحديث من بحث الإمامة. وكان الوجه الأول من العبقات يجيب عن أصل معنى التمسّك. أما الوجه الثاني فيتقدم خطوة أخرى: يقول صاحب العبقات إن ما طُرح في حديث الثقلين ليس تمسّكاً محدوداً وموضوعياً؛ فقد وُضعت العترة إلى جانب القرآن، وعُرض الأمر بالتمسّك بها على الأمة من غير ذكر قيد خاص. ثم يشرح هذا التمسّك نفسه بلغة الاتباع والطاعة، ويستنتج أن مثل هذه المكانة تلازم الخلافة والإمامة.
إذن ينبغي في هذا الوجه التفريق بين مستويين. الأول: دلالة الحديث على التمسك بالعترة وإطلاق هذه الدلالة؛ وهذا القسم يتصل بالبنية اللفظية للحديث نفسه. والثاني: النتيجة التي يستخلصها صاحب عبقات من هذا التمسك المطلق، ويعدّها ملازمة للإمامة. والخلط بين هذين المستويين يؤدي إلى تصور أن «الطاعة الشاملة» ليست إلا ملازمة بعيدة أو استنباطاً خارجياً من الحديث، في حين أن تقرير صاحب عبقات يثبت أصل الإطلاق من نفس الأمر بالتمسك ومن خلوّه من أي قيد، ثم تُثبت بعد ذلك الملازمة بين مثل هذه الطاعة ومقام الإمامة.
۳. النص الكامل للوجه الثاني في عبقات الأنوار
«الوجه الثاني: إثبات وجوب اتباع أهل البيت كاتباع القرآن ونقل كلمات الأكابر
الوجه الثاني: إنّه يتّضح ويظهر لأصحاب البصائر من هذا الحديث الشريف أنّ جناب الرسالة مآب صلّى الله عليه وآله وسلّم أوجب وألزم أمّته اتباعَ أهل بيته واقتفاءهم والاقتداء بهم، مثل اتباع القرآن المجيد والفرقان الحميد، وأوصل إتمام الحجّة إلى أعلى المراتب وأرفع الدرجات. ومن الظاهر جداً أنّ الذين يكون اتباعهم بعد جناب الرسالة مآب صلّى الله عليه وآله وسلّم واجباً ولازماً مثل اتباع القرآن لا يمكن أن يكونوا إلا الخلفاء والأئمّة. فظهر بلا ريب ولا شكّ أنّ أهل بيت ذلك الجناب، سلام الله عليه وعليهم، الذين أوجب نصّ هذا الحديث اتباعهم ولزوم طاعتهم مثل كتاب الله، كانوا الخلفاء الحقيقيين لجناب الرسالة مآب صلّى الله عليه وآله وسلّم والأئمّة المحقّقين لجميع أمّته، وكانت مرتبتهم أعلى بألف مرتبة من خلفاء الناس المصطنعين؛ لأنّ أحداً من العقلاء، بل ولا من السفهاء، لا يعدّ أحكام الخلفاء الثلاثة وسائر الخلفاء المتأمّرين واجبة الاتباع مثل أحكام القرآن، ولا يجعلهم أحد من المتعصّبين المتعنّتين قرناء القرآن المجيد وحلفاء الفرقان الحميد في لزوم الاتباع. ولو فرض أن ينهض أحد من الطغام بهذا الادّعاء، فأنّى يساعده نصّ خير الأنام صلوات الله عليه وآله الكرام بمثل هذا الحديث المتواتر بين الخاص والعام؟! والله وليّ الهداية في كلّ منزل ومقام.
«وإن كانت دلالة هذا الحديث الشريف على وجوب اتباع أهل البيت عليهم السلام، مثل وجوب اتباع القرآن المجيد، غير خافية على ناظر عبارات علماء أهل السنة الأعلام التي تقدّمت آنفاً، لكنّي أورد هنا بعض العبارات الأخرى لأزيد الناظر الخبير تبصّراً.»
المصدر: عبقات الأنوار، ج ۲۰، ص ۳۲ـ۳۳؛ صفحات الملف: ۴۳ـ۴۴.
۴. بازگردان دقیق و روان کلام صاحب عبقات
میرحامد حسین میگوید: از حدیث ثقلین برای اهل بصیرت روشن است که پیامبر اکرم، پیروی، دنبال کردن راه و اقتدا به اهلبیت خود را همانند پیروی از قرآن بر امت واجب و لازم کرده و با این بیان، حجت را به کاملترین صورت بر مردم تمام ساخته است. به نظر او، کسانی که پس از رسول خدا پیروی از آنان در مرتبهای همانند پیروی از قرآن واجب باشد، نمیتوانند کسانی جز خلفا و امامان حقیقی امت باشند. بنابراین اهلبیت، که به نص این حدیث مانند کتاب خدا واجبالاتباع و لازمالاطاعهاند، همان جانشینان حقیقی پیامبر و امامان راستین امتاند.
سپس میرحامد حسین جایگاه آنان را با مدعیان دیگر خلافت مقایسه میکند. میگوید هیچ عاقلی ـ بلکه حتی نادانان نیز ـ احکام خلفای سهگانه یا دیگر کسانی را که بر مسند خلافت نشستهاند، مانند احکام قرآن واجبالاتباع نمیداند؛ و حتی متعصبترین طرفداران آنان نیز ایشان را در لزوم پیروی، قرین قرآن و همراه فرقان معرفی نمیکنند. اگر فرض شود کسی از روی تعصب چنین ادعایی بکند، پرسش صاحب عبقات این است: کدام نص از پیامبر میتواند این ادعا را پشتیبانی کند و با حدیث ثقلین، که در میان خاص و عام متواتر است، برابری کند؟ او این بخش را با دعا برای هدایت الهی پایان میدهد.
در جمله پایانی نیز صاحب عبقات توضیح میدهد که هرچند دلالت حدیث ثقلین بر وجوب پیروی از اهلبیت همانند وجوب پیروی از قرآن، با توجه به سخنان علمای اهلسنتی که پیشتر نقل شده بود روشن است، باز هم برای روشنتر شدن مطلب و افزایش بصیرت خواننده، چند عبارت دیگر از عالمان اهلسنت میآورد. بنابراین نقلهای بعدی در عبقات دلیل تازهای جدا از اصل استدلال نیستند؛ شاهدانیاند که فهم صاحب عبقات از حدیث را در کلمات عالمان مخالف نیز نشان میدهند.
۵. هسته اثباتی وجه دوم
۵ـ۱. تفاوت دقیق وجه نخست و وجه دوم
كان الوجه الأول يتعلق بأصل العلاقة بين الأمة والعترة: هل يعني «التمسّك» مجرد المحبة والاحترام، أم يشمل أيضًا الاتباع والاقتداء والمرجعية الهداية؟ وبعد أن ثبت في الوجه الأول أن التمسّك بمعنى الاتباع والاقتداء، فإن الوجه الثاني لا يعيد فتح ذلك البحث من جديد. والسؤال الجديد هو: إلى أي مدى يكون هذا الاتباع إلزاميًا؟ وجواب صاحب العبقات واضح: «مثل اتباع وپیروی قرآن ... واجب و لازم»؛ أي: «كالاتباع واتباع القرآن ... واجب ولازم». ومن ثمّ، فإن الوجه الثاني يجعل مرتبة الإلزام ونطاقه موضوعًا له، لا أصل وجود الاتباع.
٥ـ٢. التمسّك المطلق؛ الدلالة اللفظية للحديث، لا ملازمة خارجية
النقطة المحورية في هذا الوجه هي أن التمسّك بالعترة لم يُقيَّد في بنية الحديث بموضوع خاص. ففي التعبير المشهور «ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا»، متعلَّق التمسّك هو الثقلان أنفسهما، ولا يرد في الجملة قيد من قبيل «في المحبة»، أو «في نقل الحديث»، أو «في المسائل الأسرية»، أو «في بعض الأحكام». وعليه، فإذا استُعمل «المنطوق» في مقابل مفهوم المخالفة أو ملازمة خارجية، فإن أصل الأمر بالتمسّك وعدم وجود قيد في متعلَّقه يُفهمان من المنطوق نفسه ومن ظهور الكلام في الإطلاق. وهذا الإطلاق ليس شيئًا أضافه المقال أو صاحب العبقات إلى الحديث بعد وروده.
البته لفظ الحديث هو «التمسّك»، لا لفظ «الطاعة». وقد بُحث ارتباط التمسّك بالاتباع والاقتداء في الوجه الأول، ويفترض صاحب العبقات النتيجة نفسها في الوجه الثاني. ومن ثمّ، فالأدق أن نقول: إن الحديث يطرح التمسّك بالعترة بصورة مطلقة؛ وبعد اتضاح المعنى الهدايتي للتمسّك، يشرح صاحب العبقات هذا الإطلاق في قوالب «الاتباع»، و«الاقتفاء»، و«الاقتداء»، و«واجب الاتباع»، و«لازم الطاعة». ولذلك فإن شمول الطاعة في منظومته الاستدلالية ينطلق من إطلاق التمسّك نفسه، لا من قياس خارج الحديث.
٥ـ٣. لماذا تستلزم مثل هذه الطاعة الإمامة؟
المرحلة التالية هي استدلال صاحب العبقات: إذا ألزم النبيُّ الأمةَ بعده باتباع جماعة، ولم يقيّد هذا الاتباع بموضوع خاص، ووضعهم في هذا المقام نفسه إلى جانب القرآن، فإن مثل هذا المقام ليس مرجعية جزئية ومحدودة. ولذلك يقول مير حامد حسين مباشرة إن الذين يكون اتباعهم بعد النبي «مثل اتباع القرآن واجب و لازم» «سوای خلفاء و ائمه نمیتوانند شد»؛ أي: «لا يمكن أن يكونوا غير الخلفاء والأئمة». والملازمة المدّعاة هنا هي بين «الطاعة والاتباع المطلقين بعد النبي» و«الإمامة»، لا بين كل نوع من الطاعة الواجبة والإمامة.
وعليه، فإن أمثلةً كطاعة الوالدين أو الأستاذ أو القائد لا تمثّل في الأساس صورة الاستدلال. فالطاعة لهم تُطرح في موضوع معيّن وبقيود واضحة، بينما في حديث الثقلين، العترة أحد الثقلين، وقد ورد التمسّك بها إلى جانب التمسّك بالقرآن من دون قيد موضوعي. ويرى مير حامد حسين أن هذا الاختلاف نفسه هو منشأ الانتقال من «وجوب الاتّباع» إلى «الخلافة والإمامة».
۵ـ۴. العترة، الثقل الثاني ونِدّ القرآن في بنية الحديث
العنصر الثاني المهم في الاستدلال ليس مجرّد وجوب التمسّك، بل كيفية وضع العترة في نصّ الحديث. فالنبي يتحدّث عن «الثقلين»: كتاب الله والعترة. وهكذا تُوضَع العترة في البنية الهداية للحديث إلى جانب القرآن، ويتعلّق الأمر بالتمسّك بكليهما. وتعبير «نِدّ القرآن» في هذا البحث يعني أنّ العترة، في تقسيم الثقلين وفي تكليف الأمّة بالتمسّك، هي الطرف الثاني إلى جانب كتاب الله.
ومن هنا تحديداً تكتسب عبارة «مثل اتّباع القرآن والاقتداء به» في كلام صاحب عبقات معناها. فهو لا يقول إنّ العترة عين القرآن أو مساوية له من كلّ جهة؛ بل يقول إنّ النبي وضعهما جنباً إلى جنب من حيث الجهة محلّ البحث، أي لزوم الاتّباع والتمسّك الهدايي. وهذا الموقع نفسه، في نظره، حاسم في بحث الإمامة.
۶. الضلع السلبي للوجه الثاني: هجوم مير حامد حسين على مدّعي الخلافة
إذا اختُزِل الوجه الثاني في مجرّد عبارة «أهل البيت واجبو الاتّباع»، فإنّ نصف استدلال مير حامد حسين يظلّ غائباً. فالجزء الثاني من كلامه مقارِن وسلبي بوضوح: فبعد إثبات مكانة العترة، يتوجّه صاحب عبقات إلى سائر مدّعي الخلافة ويسأل: أيّ واحد منهم يملك هذه المزايا النصّية؟ ويمكن تنظيم هذا الجزء في أربع نقاط.
٦ـ١. بشأن المدّعين للخلافة، لا يوجد أمرٌ مماثل بالتمسّك بهم وطاعتهم
في حديث الثقلين، أُمِرَت الأمة بالتمسّك بالقرآن والعترة. أمّا بشأن الخلفاء الثلاثة وسائر المدّعين للخلافة، فلا يوجد أيّ نصّ نبويّ مماثل يأمر الأمة بالتمسّك بهم أو اتّباعهم على نحو مماثل للقرآن.
يدور البحث حول نصٍّ في مستوى حديث الثقلين يجعل شخصًا أو جماعةً، بعد النبي، متعلَّقَ تمسّك الأمة الهدايي. وحجّة صاحب العبقات هي أنّ مثل هذا النص لم يُقدَّم بشأن المدّعين للخلافة. وهذا النص منحصر في أهل البيت.
٦ـ٢. المدّعون للخلافة ليسوا الثقل الثاني ولا قرين القرآن
يُستفاد الفرق الثاني من صياغة الحديث نفسها. فالعترة مع القرآن تُشكّلان «الثقلين»؛ أمّا الخلفاء الآخرون فلا حضور لهم في هذا التقسيم. ويعبّر مير حامد حسين عن هذه النقطة بعبارة شديدة الوضوح: «قرين القرآن المجيد وحليف الفرقان الحميد في لزوم الاتّباع». ومن وجهة نظره، فإنّ هذا الاقتران ليس امتيازًا تشريفيًا فحسب؛ بل هو علامة على المكانة الهدايية والمرجعية التي قرّرها الحديث للعترة. فإذا لم يكن المدّعي للخلافة قد وُضع في مثل هذه المكانة، فإنّ موقعه من حيث النص ليس مساويًا لموقع العترة.
٦ـ٣. لا هم ولا أتباعهم ادّعوا مثل هذا التماثل؛ وحتى الادّعاء الافتراضي لا يستند إلى نصٍّ متواتر
صاحب العبقات يستفيد في هذا القسم أيضًا من احتجاج تاريخي. فيقول إنّ عاقلًا لا يرى أحكام الخلفاء الثلاثة وسائر الحكّام واجبة الاتباع كأحكام القرآن، بل إنّ أشدّ أتباعهم تعصّبًا لا يعدّونهم، من حيث لزوم الاتباع، قرناءَ للقرآن. ويكشف هذا التعبير عن أنّ السنّة المنافسة نفسها، في نظره، لم تصغ مثل هذه المرتبة من الطاعة للخلفاء الذين تقبلهم.
ثمّ يغلق مير حامد حسين أيضًا احتمال ادّعاء خلاف ذلك: فحتى لو ادّعى أحد، بدافع التعصّب، مثل هذه المنزلة لهم، فعليه أن يقدّم نصًّا عن النبي يساوي حديث الثقلين في الدلالة والاعتبار. وعبارة «فأنّى يساعده نصّ خير الأنام ... بمثل هذا الحديث المتواتر بين الخاص والعام؟» تعبّر بدقّة عن هذا المطلب. وعليه، فالمسألة لا تقتصر على عدم وجود ادّعاء؛ بل إنّ عدم وجود سند نبوي متواتر يماثل حديث الثقلين هو أيضًا جزء من الجانب السلبي.
٦ـ٤. حديث الثقلين والردّ على أساس «عدم النصّ على الإمامة»
في إطار منازعة العبقات مع الرأي الذي ينكر وجود نصّ على إمامة أهل البيت، فإنّ الوجه الثاني يتجاوز في وظيفته إثبات فضيلة واحدة. فإذا كانت العترة إحدى الثقلين في النصّ النبوي، وكانت الأمة مأمورة بالتمسّك بها، ولم يكن لهذا التمسّك قيدٌ موضوعي، وقيس مقامها في لزوم الاتباع بالقرآن، فلا يمكن بعد ذلك القول بسهولة إنّه لا يوجد أيّ نصّ بشأن القيادة بعد النبي. وفي منطق صاحب العبقات، فإنّ هذا البناء الحديثي نفسه نصّ ظاهر وجليّ على أصل منصب هداية العترة وإمامتها.
ولا يعني هذا، بالطبع، أنّ الوجه الثاني وحده يثبت أسماء جميع الأئمة، وترتيبهم، وعصمتهم، وأفضليتهم، وجميع تفاصيل نظرية الإمامية. فتُبحث تلك المسائل في الوجوه الأخرى. والنقطة المحدودة لهذا الوجه هي أنّ ادّعاء «عدم النصّ» أو «انفصال الحديث الكامل عن الإمامة» لا ينسجم مع منطوق إطلاق التمسّك، وقرن العترة بالقرآن، ولزوم الاتباع. ومن هذه الجهة، فالحديث عند صاحب العبقات ليس مجرّد مؤيّد للإمامة؛ بل هو نصّ ظاهر وجليّ في أصل توجيه الأمة إلى المرجع والقائد بعد النبي.
٧. الشاهد الأوّل: محمّد معين السندي
كان محمد معين بن محمد أمين السندي عالماً حنفياً من أهل السنة، وصاحب كتاب «دراسات اللبيب في الأسوة الحسنة بالحبيب». ويكفي لهذا المقال أن نقدّم تعريفاً موجزاً به؛ فالمهم هنا هو العبارة التي ينقلها صاحب «عبقات» عنه بشأن كيفية التمسك بالعترة.
«فنظرنا فإذا هو مصرّح بالتمسّك بهم، وبأنّ اتباعهم كاتباع القرآن على الحق الواضح، وبأنّ ذلك أمر متحتّم من الله تعالى لهم، ولا يطرأ عليهم في ذلك ما يخالفه حتى الورود على الحوض، وإذا فيه حثّ بالتمسّك فيهما بعد الحثّ على وجه أبلغ؛ وهو قوله: فانظروا كيف تخلفوني فيهما!! فقلنا حديث مسلم حديث صحيح ظاهر في معنى، ففسّره على ذلك المعنى حديث حسن آخر، فثبت معناه نصّاً من النبي صلى الله عليه وسلم، فآمنا به في نظائره من صحاح الأحاديث، والحمد لله رب العالمين.»
المصدر: «عبقات الأنوار»، ج20، ص33؛ صفحة الملف: 44، نقلاً عن «دراسات اللبيب».
الصياغة الميسّرة والنقطة الرئيسية
يقول السندي: بالتدقيق في الحديث نرى أنه صرّح بالتمسك بأهل البيت، وأن اتباعهم كاتباع القرآن. وهذه المنزلة أمر حتمي من جانب الله، ولا يطرأ عليهم، إلى ورودهم على الحوض، شيء يخالف ذلك. وإضافة إلى ذلك، فإن عبارة «فانظروا كيف تخلفوني فيهما» تؤكد بصورة أبلغ التمسك بكلا الثقلين. ثم يوضح أن حديثاً صحيحاً يُظهر معنى، ويشرح حديث حسن آخر ذلك المعنى، وبذلك يثبت هذا المعنى عن النبي بصورة واضحة.
أما الوجه الثاني، فيمكن تلخيص العبارة كلها في جملتين: «اتباعهم كاتباع القرآن» و«أمر متحتّم من الله تعالى». فالتعبير الأول يقيس كيفية اتباعهم على اتباع القرآن، والثاني يبيّن لزوم ذلك وحتميته. وهذا القدر يخدم دعوى صاحب «عبقات» خدمة دقيقة.
٨. الشاهد الثاني: محمد مبين اللكهنوي
كان محمد مبين اللكهنوي من علماء أهل السنة الحنفية، وصاحب كتاب «وسيلة المآل». وينقل صاحب «عبقات الأنوار» عنه عبارةً تبيّن المسألة بوضوح، بلغة الطاعة والانقياد.
«أذكّركم الله في أهل بيتي»، وقد قال هذه الكلمة ثلاث مرات، يعني: اتقوا الله، واحفظوا حقوقهم، واجعلوا طاعتهم ومحبتهم شعاركم ودثاركم؛ فكما أن الامتثال لأحكام كتاب الله فرض، فكذلك طاعة أوامر أهل البيت والانقياد لها بالجوارح والأركان، وترسيخ محبتهم وعقيدتهم في القلب والجنان، واجب وفرض.
المصدر: «عبقات الأنوار»، ج ٢٠، ص ٣٣؛ صفحة الملف: ٤٤، نقلاً عن «وسيلة المآل».
الصياغة السلسة والنقطة الأساسية
يقول اللكهنوي: ذكّر النبي الأمة بالله بشأن حق أهل البيت؛ أي راعوا حقوقهم، واجعلوا طاعتهم ومحبتهم نهجكم الدائم. وكما أن العمل بأحكام كتاب الله واجب، فإن طاعة أوامر أهل البيت والانقياد لها عملياً واجب وفرض أيضاً، ويجب أن تكون محبتهم والاعتقاد بهم راسخين في القلب.
النقطة الأساسية في الوجه الثاني هي البنية المقارِنة للجملة: «كما أن الامتثال لأحكام كتاب الله من الفرض، فكذلك طاعة أوامر أهل البيت والانقياد لها ... واجب وفرض». هذا الشاهد يرفع التمسك من مستوى المحبة المجرّدة، ويشرحه في إطار طاعة عملية ملزمة، إلى جانب الامتثال للقرآن.
٩. الشاهد الثالث: رشيد الدين خان الدهلوي
كان رشيد الدين خان الدهلوي، العالم الحنفي وأحد تلامذة عبد العزيز الدهلوي، في أجواء المناظرة مع الإمامية. وهذه القربى الفكرية تجعل نقله مهمًّا لصاحب عبقات في مقام الاحتجاج. غير أن عبقات حذفت تتمة العبارة بلفظ «إلخ»، ولذلك ينبغي في التحليل الاكتفاء بالمقدار المنقول.
«هل يجيز عاقل أن أهل السنة، مع كونهم متشبثين بالثقلين، وبحكم الحديث: إنّي تارك فيكم الثقلين؛ يرون التمسك بالعترة الطاهرة مثل التمسك بالقرآن لازمًا...» إلخ.
المصدر: عبقات الأنوار، ج٢٠، ص٣٣؛ صفحة الملف: ٤٤، نقلًا عن إيضاح لطافة المقال.
الصياغة السلسة والنقطة الأساسية
يقول رشيد الدين: هل يستطيع عاقل أن ينكر أن أهل السنّة يتمسّكون بالثقلين، ويرون، استنادًا إلى حديث الثقلين، أن التمسّك بالعترة الطاهرة لازم كما أن التمسّك بالقرآن لازم؟ ويكفي لهذا المقال هذا القدر: فعالم من بيئة فكرية قريبة من عبد العزيز الدهلوي ينقل أصل «لزوم التمسّك بالعترة مثل التمسّك بالقرآن». ويستعمل صاحب العبقات هذه العبارة لبيان أن فهمه لمرتبة التمسّك ليس مجرد تعبير إمامي داخلي.
١٠. مكانة الشواهد الثلاثة في الوجه الثاني
لا يُراد للشواهد الثلاثة المذكورة أن تحلّ محلّ الاستدلال الأصلي. فاستدلال صاحب العبقات يبدأ من الحديث نفسه ومن كيفية ورود القرآن والعترة فيه. ولهذه النقول وظيفة تأييدية واحتجاجية: إذ يتحدث أحد النصوص عن «اتباعهم كاتباع القرآن» وعن أمر إلهي حتمي؛ ويصف لكهنوي طاعة أوامر أهل البيت، على نحو امتثال أحكام القرآن، بأنها «واجب وفرض»؛ وينقل رشيد الدين لزوم التمسّك بالعترة كما بالقرآن. وهذه النقاط الثلاث كافية لمقصود هذا الوجه، أما الشرح المطوّل لشخصياتهم أو للألفاظ الفرعية فيصرف تركيز المقال عن كلام مير حامد حسين.
١١. الخاتمة
يمكن تلخيص الوجه الثاني من عبقات الأنوار في حركة ذات جانبين. فعلى الجانب الإثباتي، يضع حديث الثقلين العترة إلى جانب القرآن بوصفها أحد الثقلين، ويدعو الأمة إلى التمسّك بهما معًا. وهذا التمسّك في نفس الحديث غير مقيّد بموضوع خاص. وبعد أن اتّضح في الوجه الأول المعنى الهدايتي للتمسّك وصلته بالاتباع والاقتداء، يشرح صاحب العبقات هذا الإطلاق نفسه بتعابير «اتباع»، و«اقتفاء»، و«اقتدا»، و«واجبالاتباع»، و«لازمالاطاعه». وهو يرى أن الطاعة والاتباع المطلقين المقرّرين للعترة بعد النبي وإلى جانب القرآن يلازمان مقام الإمامة؛ ولذلك يقول صراحة إن أصحاب مثل هذه المكانة لا يمكن أن يكونوا إلا الخلفاء والأئمة الحقيقيين.
وعلى الجانب السلبي، يقارن مير حامد حسين هذه المكانة بمدّعي الخلافة الآخرين. فلم يُقدَّم في شأنهم نصّ مماثل في التمسّك والطاعة؛ وليسوا الثقل الثاني ولا قرناء القرآن؛ وفي احتجاج صاحب العبقات لم يُنقل عنهم ادّعاء لمثل هذه المكانة، كما أن أتباعهم لم يعدّوا أحكامهم واجبة الاتباع كأحكام القرآن؛ ولو ادّعى أحد مثل ذلك، لما كان لديه حديث متواتر مماثل لحديث الثقلين لإثباته. وبذلك، لا يثبت الوجه الثاني فضيلة لأهل البيت فحسب، بل يبيّن التفوّق النصّي لمكانتهم على منافسيهم في الخلافة.
توضح هذه النقطة نفسها أيضًا جواب صاحب العبقات عن نفي النص على الإمامة. فإذا كانت العترة في النص النبوي قرينةَ القرآن في «الثقلين»، وكان التمسك المطلق بها قد أُلزم به الأمة، فلا يمكن عدّ الحديث منفصلًا عن الإمامة من أساسه. وفي منطق مير حامد حسين، فإن إطلاق التمسك وقرن العترة بالقرآن يشكلان نصًّا ظاهرًا جليًّا على أصل القيادة والمرجعية الملزِمة للعترة بعد النبي، وإن كان إثبات سائر لوازم هذه الإمامة وتفاصيلها، وفق هندسة العبقات، قد أُرجئ إلى الوجوه اللاحقة. ولم تُذكر شواهد أهل السنة الثلاثة إلا لتأييد هذه النواة.
المصادر والمراجع
1. مير حامد حسين الهندي، عبقات الأنوار في إمامة الأئمة الأطهار، ج20، قسم حديث الثقلين، ولا سيما صص 25–33 (صفحات الملف: 36–44).
2. نفحات الأزهار في خلاصة عبقات الأنوار، ج2، قسم «من وجوه دلالة حديث الثقلين»، ولا سيما ص249 (صفحة الملف: 293).
3. عبد الحي الحسني، الإعلام بمن في تاريخ الهند من الأعلام (نزهة الخواطر)، ذيل تراجم محمد معين السندي، ومحمد مبين اللكهنوي، ورشيد الدين الدهلوي؛ للتعريف المختصر بالأشخاص.
4. أساس النقول المحورية في المقال هو نص الوجه الثاني من عبقات الأنوار؛ كما أُوردت أقوال العلماء الثلاثة من أهل السنة استنادًا إلى نقل صاحب العبقات نفسه.
المؤلف: حامد صارم
مقالات مشابهة
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد.