تعامل موسى بن جعفر (ع) مع أحد أبناء عمر بن الخطاب
المؤلف: حامد صارم

أرسل الله تعالى قوانين الحياة وأوامره لهداية البشر في كتابه الشريف، القرآن، إلى الناس. والقرآن كتاب تكون هداية كل شخص مرهونة بالعمل به. لكنه كتاب يبيّن القانون فقط، أو بتعبير آخر هو «نظرية» الهداية. ومن هذه الجهة لم يكتف القرآن الكريم ببيان القانون.
ومن جهة أخرى، لا يمكن بيان قانون جامع لكل حالات ولحظات حياة الإنسان، لأن المواقف المختلفة التي يقع فيها الإنسان كثيرة جداً، ووضع قانون لكل هذه المواقف والظروف إن لم يكن مستحيلاً فهو بالغ الصعوبة. ومن هنا تظهر نقطتان في الهداية: الأولى عدم إمكان وضع قانون لكل حالات ومواطن حياة الإنسان، والثانية كون القانون نظرياً. وكيفية العمل بذلك القانون مسألة مهمة. ولهذا يجب أن يكون للقرآن مصداق عيني في الخارج.
يجب أن يكون للقرآن مصداق عيني
لن يتحقق أمر الهداية إلا إذا كان خارج القرآن مصداق عيني للقرآن، يستطيع هذا المصداق أن يبيّن جميع آيات القرآن الكريم وأوامره بصورة عملية، وفوق ذلك، في المواضع التي لم يتعرض لها القرآن أو لم يذكرها، يستطيع عمله وقوله أن يحدد طريق الهداية، ويبيّن أين رضا الله وغضبه، مثل شؤون الحياة المختلفة، من تفاصيل الحياة وأحكام الحرب وكيفية القضاء وغير ذلك.
ومن هنا يوجّه القرآن الكريم مخاطبيه إلى خارج نفسه، فيقول: «لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة». وهذا الأمر لا يختص بالنبي العظيم الشأن في الإسلام. فالله لم يهدِ أمة قط بالكتاب وحده فقط، بل كان الكتاب دائماً مع الأنبياء الهادين.
النبي الأكرم وعلي بن أبي طالب، صلوات الله عليهما، هما النموذج العملي للقرآن، وحياتهما وأعمالهما وسلوكهما للمسلمين كآية من القرآن نزلت من عند الله؛ لأنهما عملا بكل ما أمر الله به كما ينبغي، وما لم يكن في القرآن عملا فيه على النحو الذي فيه رضا الله.
سنة النبي هي قانون الحياة الوحيد
لا يخرج القرآن من كونه نظرية وقانوناً مجرداً إلا عندما يكون رسول الله والأئمة الأطهار هم الذين يلبسون تلك الآيات والأوامر ثوب العمل. ولو لم يكن أهل البيت (عليهم السلام) لما عُمل بأي آية من القرآن، كما ورد: «بنا عُبد الله».
لذلك، من أجل العثور على طريق الحياة الذي يرضاه الله، يجب التمسك بسنة النبي. ولا طريق إلى أفضل نوع من الحياة إلا سنة النبي وسنة أهل بيت النبي، فقد ورد في الروايات أن جميع أهل البيت كانوا عاملين بسنة النبي الأكرم. ومن هنا يجب القول إن كل واحد من المعصومين يظهر جلوة من جلوات رسول الله.
وعلى كل حال، كما أن القرآن يدعو إلى النبي لطلب الهداية، فإن النبي يدعو أيضاً إلى عترته حتى يكون القرآن إلى جانب عترة النبي، وإلا سيبقى أمر الهداية معطلاً.
موسى بن جعفر مرآة تامة للنبي
حضرة موسى بن جعفر (ع) أحد الأئمة الذين هم مرآة تامة لرسول الله، ويجب أن تكون سنته وسنة رسول الله قدوة ونموذجاً لكل شيعة ذلك الإمام الهمام. وقد قيل في وصف الإمام موسى بن جعفر (ع):
«كان أحسن الناس صوتاً بقراءة القرآن، وكان إذا قرأ القرآن حزن أو قرأ بصوت حزين، وكان الناس يبكون من تلاوته، وكان أهل المدينة يسمونه زين المتهجدين، وسمي بالكاظم لأنه كظم غيظه وصبر على ما لقيه من الظالمين، ولم يدع عليهم، حتى مات شهيداً في سجن الأعداء والظالمين وقيودهم» (١).
السخاء صفة ظاهرة للإمام السابع
كان السخاء من أبرز صفاته وخصاله. ومن المهم الالتفات إلى أن إحدى سياسات الظالم في زمانه كانت الضغط الاقتصادي على الشيعة. كان بنو هاشم ومحبو عترة النبي يعيشون في شدة وضيق. ومن يدّعون المحبة والولاء لأهل البيت يجب أن يتعلموا من هذه الصفة، وأن ينظموا حياتهم وعاداتهم ورسومهم وفق ما ورد عن أهل البيت.
وتزداد أهمية السخاء حين تواجه أغلبية الناس أو الطبقة المتوسطة في المجتمع مشكلة في إدارة معاشها. وقد ذكر المؤرخون والمحدثون الزهد والرحمة والسخاء من أبرز صفاته، وكتبوا عنه:
«كان أرحم الناس بأهله وقرابته، وكان يتفقد فقراء المدينة في الليالي ويرعاهم، ويحمل إليهم سلالاً فيها دنانير ودراهم وطحين وتمر، فيوصلها إليهم وهم لا يعرفون من أين تأتي ومن الذي يأتي بها».
وكان سخاؤه مشهوراً بين الجميع. يقول محمد بن عبد الله البكري:
«دخلت المدينة وكنت أريد أن أقترض مالاً فيها، فلم أجد سبيلاً وضاقت بي الحال. فقلت في نفسي: من الجيد أن أذهب إلى موسى بن جعفر (ع) وأخبره بمشكلتي. فذهبت إلى قرية نقمى حول المدينة، وكان له فيها مزرعة. فجاءني الإمام ومعه غلام يحمل غربالاً فيه قطع من لحم مشوي، ولم يكن فيه شيء غير ذلك. فأكل الإمام منه وأكلت معه. ثم سأل عن حالي، فقصصت عليه قصتي. فدخل البيت، وبعد قليل خرج وقال لغلامه: اذهب من هنا. ثم مد يده وأعطاني كيساً فيه ثلاثمئة دينار، ثم قام وذهب، فقمت وركبت راحلتي ورجعت» (٢).
ويقول الشيخ المفيد في هذا الشأن:
«قال جماعة من العلماء إن إحسان موسى بن جعفر (ع) وعطاءه كان من مئتي دينار إلى ثلاثمئة دينار، وكانت صرر موسى (ع) مضرب المثل» (٣).
الأعداء انحنوا أمام سخائه
لم يكن سخاؤه مختصاً بالأصدقاء والأقربين، بل كان أعداؤه أيضاً يستفيدون من مائدة نعمة ذلك العالم الرباني. وبلغ هذا السخاء حداً أجبر أعداءه الحاقدين على الاعتراف بفضله وتفوقه، بل بإمامته.
نُقل أن رجلاً في المدينة من أولاد عمر بن الخطاب كان يؤذي موسى بن جعفر (ع)، وكان كلما رآه شتمه وسب علياً (ع). فقال بعض أصحابه يوماً: ائذن لنا أن نقتل هذا الرجل الفاسد السيئ اللسان. فخالف الإمام ذلك بشدة ومنعهم منه، وسأل عن حال الرجل، فقيل له: إنه يزرع في مكان حول المدينة.
فركب الإمام وجاء إلى مزرعة الرجل، ودخل زرعه وهو على حماره. فصاح الرجل: لا تطأ زرعنا. واستمر الإمام راكباً حتى وصل إليه، فنزل وجلس عنده، وبدأ يلاطفه ويمازحه بوجه بشوش. فقال له: كم أنفقت على هذا الزرع؟ قال: مئة دينار. قال: وكم ترجو أن تحصل منه؟ قال: لا أعلم الغيب.
قال الإمام: قلت كم ترجو أن يصلك، ولم أقل كم سيصلك. قال: أرجو أن يعود عليّ منه مئتا دينار. فأخرج الإمام كيساً فيه ثلاثمئة دينار، وقال: خذ هذا، وزرعك يبقى لك على حاله، والله يرزقك منه ما ترجو.
قال الراوي: فقام الرجل وقبّل رأس الإمام وطلب منه أن يعفو عن إساءاته وشتائمه. فتبسم موسى بن جعفر (ع) ورجع. وبعد ذلك ذهب الإمام يوماً إلى المسجد، وكان ذلك الرجل جالساً، فلما وقع نظره على الإمام قال: «الله أعلم حيث يجعل رسالته». فاجتمع عليه أصحابه وقالوا: ما القصة؟ كنت تقول غير هذا في هذا الرجل. كلما رأيته كنت تشتمه وتسبه، فما الذي حدث حتى تغيرت تماماً وصرت تمدحه وتثني عليه؟
قال: هذا هو ما قلته الآن ولا أقول غيره. وبدأ يدعو لموسى بن جعفر (ع). فجادلوه، وكان يجيبهم بهذا النحو. فلما عاد الإمام إلى البيت قال للذين طلبوا منه الإذن بقتل الرجل: أي الطريقين كان أفضل، ما أردتم أنتم أم ما فعلت أنا؟ لقد أصلحت أمره بذلك المال الذي تعرفون، وبه خلصت نفسي من شره (٤).
فإذا كان يتعامل مع الأعداء بهذا الشكل، فكم ستكون محبته ورأفته بالأصدقاء والشيعة؟ وكم ستكون وظيفة الشيعة تجاه بعضهم ثقيلة؟ لا شك أن حرمة المؤمنين والشيعة عند أهل البيت فوق حد التصور والاعتقاد. وفي هذا الخصوص يتحمل خواص المجتمع أكبر مسؤولية. فقد كان موسى بن جعفر يرى حفظ حرمة الشيعة ومحبي علي بن أبي طالب (ع) ومقامهم ومنزلتهم من أهم واجبات كل شيعي.
حفظ كرامة المجتمع الشيعي مطلوب موسى بن جعفر
في شأن حفظ حقوق الشيعة واحترامهم رُوي عن الإمام السابع: روى بندار بن عاصم قال: قال موسى بن جعفر (ع) لعلي بن يقطين، وكان يتولى أمر هارون الرشيد: «يا علي، اضمن لي خصلة أضمن لك ثلاث خصال؛ اضمن لي أن لا ترى موالياً لنا إلا أكرمته، فأضمن لك ثلاثاً: لا يصيبك حر حديد، ولا غم سجن، ولا ذل فقر أبداً». قال: فكان لا يرى أحداً من محبي آل محمد (ع) إلا وضع خده له (٥)(٦).
هذه الرواية الشريفة تبيّن جيداً أهمية إكرام محبي أهل البيت وشيعتهم وتعظيمهم، وتوضح أي وظيفة عظيمة ومهمة لكل شيعي تجاه الشيعي الآخر. كان الهم المهم لموسى بن جعفر هو إكرام الشيعة. لذلك يجب على خواص المجتمع الشيعي أن يضعوا وحدة المجتمع الشيعي دائماً نصب أعينهم، وأن يتجنبوا بشدة إثارة الاختلاف بين الشيعة أو تأجيجه.
لا شك أن حل كثير من الخلافات، مع بساطته، مرهون بجهد خواص المجتمع الشيعي وكباره. والخلافات إذا استمرت بهذه الصورة قد تتحول في المستقبل إلى معضلة كبيرة. ومن هذه الخلافات تزامن ولادة موسى بن جعفر وشهادة الإمام الحسن (ع) في يوم واحد.
السابع من صفر، بحسب رواية، هو ولادة موسى بن جعفر، وبحسب رواية أخرى هو شهادة الإمام الحسن المجتبى (ع). والاختلاف بين الروايات طبيعة التاريخ والحياة في زاوية التقية. لكن المؤسف أن جماعة تؤكد ولادة موسى بن جعفر وتجعل ذلك اليوم يوم فرح وسرور، وجماعة تجعله يوم شهادة الإمام الحسن (ع) وتجعل ذلك اليوم يوم حزن ومصيبة وعزاء، وفي بعض المدن تنطلق في هذا اليوم مواكب العزاء لإقامة عزاء سبط النبي.
مع أن في كلا الطرفين أشخاصاً يحملون حباً شديداً لأهل العصمة والطهارة. فإقامة العزاء وإقامة مجالس الفرح والسرور كلاهما لإظهار الولاء والمحبة لعترة النبي. لكن هذا المظهر من الخلاف بلا شك غير مناسب لوجه التشيع ولبلد يكون المذهب الحق، مذهب الشيعة، مذهبه الرسمي. مع أن حل هذا الخلاف ربما لا يتوقف إلا على اجتماع عدد من العلماء المتخصصين في علم الحديث والرجال.
الهوامش
١. الإرشاد، ترجمة رسولي محلاتي، ج ٢، ص ٢٢٧، باب في ذكر شيء من فضائله ومناقبه وخصاله المرضية.
٢. المصدر نفسه، ص ٢٢٤.
٣. المصدر نفسه، ص ٢٢٦.
٤. المصدر نفسه، ج ٢، ص ٢٢٥.
٥. الآداب الدينية للخزانة المعينية مع ترجمة عابدي، الفصل الرابع عشر، ص ١٤٥.
٦. المصدر نفسه، الفصل الرابع عشر.
٢. المصدر نفسه، ص ٢٢٤.
٣. المصدر نفسه، ص ٢٢٦.
٤. المصدر نفسه، ج ٢، ص ٢٢٥.
٥. الآداب الدينية للخزانة المعينية مع ترجمة عابدي، الفصل الرابع عشر، ص ١٤٥.
٦. المصدر نفسه، الفصل الرابع عشر.
المؤلف: حامد صارم
مقالات مشابهة
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد.