هل كان معاوية وراء مقتل علي؟ تحليل العلاقة الدموية بين بني أمية واليهود في قتل أمير المؤمنين

شهوة السلطة: وادي الهلاك والدمار في التاريخ الإسلامي
إن شهوة السلطة والحكم هي أكبر وادٍ يسوق الناس إلى الهلاك والدمار. فباستثناء المعصومين ومن هم تحت أمرهم، فإن كل من يخطو نحو السلطة والحكم يدخل حتماً هذا الطريق الخطر والمدمر؛ لأن الميل إلى السلطة شديد إلى حد يجعل أصحابها عمياً وصماً وبكماً. فلا يرون ولا يسمعون ولا يقولون إلا ما يحقق الوصول إلى السلطة وحفظ الحكم.
في مثل هذا الوضع، يجب إقصاء كل من يظهر معارضاً، ولو كان أخاً أو أماً لصاحب السلطة. وفي هذا الطريق لا تهم ديانة أو عقيدة للوصول إلى الحكم والسلطة؛ فالمهم هو الخلافة والهيمنة وحدهما. إن نار شهوة السلطة التي لا تنتهي حارقة وقاتلة إلى درجة أنها تدمر كل شيء، حتى الدين والإنسانية؛ لأن أرواح الأبرياء والشرفاء لا قيمة لها أمام هذه النار القاسية.
وفي التاريخ الإسلامي، يظهر هذا الأمر بوضوح في سياسات وأفعال بعض الحكام الذين لم يتخلوا عن السلطة بأي ثمن، ولو كان الثمن سفك الدماء وانتهاك حقوق المسلمين.
معاوية: راكب جهل الناس، قاتل الخلافة وعدو الحقيقة
يستعمل أصحاب السلطة دائماً كل طاقتهم لتقديم أنفسهم بوصفهم أصلح الناس للحكم والخلافة. كما أن جهل الناس هو دائماً أفضل أداة لبلوغ هذا الهدف. نعم، فقد ركب معاوية جهل الناس، وبشهوة السلطة والحكم، فلم يكتفِ بسفك الدماء ووطء حقوق المسلمين للوصول إلى السلطة، بل حارب الله صراحة. ومع ذلك، فإن كثيرين ممن يسمون أنفسهم أهل التوحيد ويقرعون طبول التدين يعدون معاوية من كبار الدين، ويصرون اقتداءً به على قتل المسلمين وسفك دمائهم؛ غافلين عن أن معاوية من أكثر الحكام الظالمين سفكاً للدماء وشيطانية على وجه الأرض. لم يكن في معاوية عقل؛ بل وضع مكان العقل «النكراء» والشيطنة. (١)
معاوية قاتل عثمان
كان معاوية من المنتفعين بالسقيفة ومن ثمرة خلافة الحكام الثلاثة السابقين، وقد بذل كل جهده لبلوغ الخلافة. ولم يكن راضياً حتى بحكم الشام. وكانت نار شهوة السلطة فيه متأججة إلى حد أنه لم يرحم حتى حليفه عثمان بن عفان، وهو من بني أمية، فأرسله عمداً إلى الموت. وقد قال أمير المؤمنين عليه السلام له في رسالة: «فَوَاللهِ ما قَتَلَ ابنَ عَمِّكَ غَيرُكَ» (٢)؛ أي: ما قتل ابن عمك غيرك.
قصّر معاوية في نصرة عثمان حتى قتل. وكتب البلاذري في الأنساب: «فعل معاوية ذلك لكي يقتل عثمان ويدعو الناس إلى نفسه». (٣) قتل معاوية عثمان حفاظاً على السلطة ووصولاً إليها. وكان عثمان حاجزاً في طريق حكمه، فأزيل بهذه الحيلة. ولكن خلافاً لتوقعه أن يتولى شؤون المسلمين بعد خلافة عثمان، بايع الناس علي بن أبي طالب، وبدأت الخلافة الظاهرية للإمام علي عليه السلام.
هل كان معاوية قاتل الإمام علي عليه السلام؟
كانت البيعة لأمير المؤمنين علي عليه السلام على خلاف رغبة معاوية. وكان قد أضمر أمل الخلافة بقتل عثمان، فدخل هذه المرة ميدان السياسة بمكر وخديعة المطالبة بدم عثمان، وأشعل حربين كبيرتين طلباً لدمه.
وفي النهاية استشهد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب في محراب المسجد على يد «أشقى الآخرين». والمشهور أن ابن ملجم، قاتل الإمام علي عليه السلام، كان من بقايا الخوارج، وأنه استشهد الإمام انتقاماً للنهروان وباتباع نظرية وشعار «إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ». لكن مع شيء من التأمل، يبدو أن معاوية وعمرو بن العاص هما المتهمان الرئيسيان والواقِفان وراء استشهاد الإمام علي عليه السلام.
من الضروري الالتفات إلى النقاط الآتية:
- كان معاوية قطعاً يسعى إلى قتل الإمام علي عليه السلام، لأن نار شهوة السلطة وحلم الخلافة دفعته إلى قتل عثمان رغم أن عثمان كان من حلفائه. وكان معاوية يفر دائماً من الحرب المباشرة مع الإمام علي. وفي صفين، ولتجنب المواجهة المباشرة، رفع المصاحف على الرماح وطرح التحكيم. وتزداد أهمية ذلك حين نعلم أن الإمام علي استشهد وهو يعد لحرب ضد معاوية؛ ومن ثم كان اغتياله الحل الوحيد لمعاوية لمواجهته. وكانت الاغتيالات السرية جزءاً من سيرة بني أمية، إذ كانوا مهرة في الاغتيالات المعقدة والخفية. واعتمد معاوية وحزب بني أمية دائماً على سياسة الاغتيال. ومن كلماته المشهورة بعد اغتيال مالك الأشتر: «وَلِلَّهِ جُنودٌ مِنَ العَسَلِ»، أي إن لله جنداً من العسل.
الاغتيالات السرية: سيرة بني أمية لإزالة الخصوم ودور معاوية في قتل الإمام علي
اتخذ معاوية لتحقيق أهدافه وحلم الخلافة طريقاً واحداً: اغتيال أمير المؤمنين علي عليه السلام. فلم يكن لديه حل آخر غير الإزالة الجسدية للخصوم. ولم يقتصر ذلك على الإمام علي، بل ظهر على نطاق واسع في التاريخ السياسي لبني أمية. فقد اعتمد بنو أمية، ولا سيما في عهد معاوية، الاغتيال أداةً رئيسية لبلوغ أهدافهم السياسية، وأزالوا خصومهم السياسيين في كثير من الأحيان بالمؤامرات الخفية. وفي هذا السياق قُتل أشخاص مثل كعب بن أبي سفيان وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وزياد بن أبيه بالسم والتسميم.
لكن أهم نموذج لهذه الاغتيالات الخفية هو استشهاد مالك الأشتر، الذي استشهد بيد معاوية وبالسم. كما عانى الإمام الحسن المجتبى عليه السلام مؤامرة مشابهة للتسميم والاستشهاد.
لم تكن طريقة التخفي والاغتيال هذه معروفة في عهد معاوية فحسب، بل عرفت منذ بدء تاريخ بني أمية بوصفها إحدى وسائلهم المعتادة لإقامة السلطة وحفظها. ومن هذا المنطلق، فإن دراسة شخصية ابن ملجم، قاتل الإمام علي عليه السلام، ولا سيما في صلته بمعاوية، تظهر بوضوح أنه كان يمكن أن يؤدي دور أحد المنفذين لأمر معاوية في هذه الجريمة التاريخية. وتقوى هذه النظرية بسوابق الاغتيالات السياسية ونهج بني أمية في إزالة الخصوم.
ابن ملجم: قاتل أم عميل سري؟ تناقضات سلوكية وصلات خفية
لا تذكر التقارير التاريخية أن لابن ملجم بيتاً في الكوفة. ولا تذكر له فيها أهلاً أو زوجة أو ولداً، لا قبل موته ولا بعده. وكان في بيت قطام أو الأشعث.
يشتهر الخوارج بكثرة العبادة؛ فهم عُبّاد وزهاد بلا بصيرة. لكن لا يظهر في ابن ملجم أثر للزهد أو العبادة، والسلوكيات التي سجلها التاريخ عنه تجعله أشبه بالأمويين منه بالخوارج. فقد شرب الخمر مع قطام في بيتها ليلة القدر (٤)، وكان يرتدي الحرير حين هاجم الإمام عليه السلام (٥)، وزنى بقطام في ليلة من شهر رمضان. ومن المشهور عن الخوارج شدة زهدهم؛ فهم يعدون ارتكاب الكبيرة حراماً، ويرون قتل مرتكبها واجباً إن لم يتب.
كيف يمكن لمن يعتقد أن مرتكب الكبيرة كافر خارج من الدين أن يشرب الخمر في رمضان بجرأة، ويزني، ويلبس الحرير المحرم على الرجال؟ لقد أعطى ابن ملجم قطام في الليلة التي زنى بها مئة ألف درهم فضة (٦). ويظهر من هذا الخبر أن في يده أموالاً كثيرة، وأنه أنفقها في ليلة واحدة بلا تردد، في حين أنه في وقعة الجمل، عندما قسم أمير المؤمنين بيت مال البصرة بين المسلمين، أصاب كل واحد منهم خمسمئة درهم فضة.
ابن ملجم: من الخوارج أم عميل أموي؟ تحليل الدوافع الدنيوية والصلات الخفية في قتل الإمام علي
من الواضح أن دافع ابن ملجم إلى هذه الجريمة الكبرى لم يكن بلوغ المقامات الأخروية والجنة، بل كان يطلب المطامع الدنيوية تماماً. ومن يطلب حياة الآخرة ثم يقدم على هذه الجريمة، ينبغي له في الأصل أن يكون في تلك الليلة أشد زهداً وتضرعاً. وواضح أن ابن ملجم طمع في نيل أموال كثيرة من طريق استشهاد الإمام علي عليه السلام؛ ولذلك ينبغي القول إنه لم يكن من الخوارج. وتؤيد ذلك كلمة أمير المؤمنين، إذ لما وقع السيف على رأسه الشريف قال: «قَتَلَنِي ابْنُ الْيَهُودِيَّةِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُلْجَمٍ الْمُرَادِيُّ» (٧). وفي رواية يقول النبي للإمام علي: «إِنَّ قَاتِلَكَ شِبْهُ الْيَهُودِيِّ بَلْ هُوَ يَهُودِيٌّ» (٨).
خلف مؤامرات بني أمية: هل نفذ ابن ملجم مهمة يهودية؟
ثمة سؤالان مهمان أمامنا: ١. كيف كانت علاقة ابن ملجم وبني أمية باليهود؟ ٢. ممن كان ابن ملجم يتوقع الجائزة، وكيف حصل على كل هذا المال؟
إذا أجيب عن السؤال الثاني اتضح الأول أيضاً. فعندما نعرف العلاقة العميقة للأمويين باليهود قبل الإسلام وفي زمن النبي وبعد استشهاد النبي، ونتذكر تعاون هاتين الجماعتين المعاديتين في المؤامرات والقتل، يتضح أن ابن ملجم كان مأموراً من بني أمية واليهود.
كان رسول الله صلى الله عليه وآله يدعو إلى قراءة القرآن والتمسك به وترك التوراة والإنجيل، بينما كان عمر (٩) يسعى دائماً إلى قراءة التوراة لأنه كان يعرف العبرية، وكان النبي ينهاه عن قراءتها. ويقول أبو هريرة إن أهل الكتاب كانوا يقرؤون التوراة بالعبرية ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام، فقال النبي: لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم، وقولوا: «آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ» (١٠). وبصرف النظر عن أن هذه الرواية ليست في مصدر شيعي معتبر، فإن كثرة صلة اليهود ببعض المسلمين واضحة منها. ويقول عمر إنه سأل النبي عن تعلم التوراة (١١)، ويقول في موضع آخر: «يا رسول الله، إن أهل الكتاب يقولون أحاديث تأخذ بقلوبنا وقد اهتممنا بكتابتها». ومن المهم جداً أن من يمنع كتابة الأحاديث النبوية يهتم بكتابة أحاديث اليهود. ويكتب السيوطي أن عمر كان يذهب إلى اليهود ويسمع منهم التوراة (١٢). وتحتاج دراسة علاقة بني أمية باليهود إلى بحث مستقل، لكن يكفي أن هذه العلاقة كانت متغلغلة في بني أمية وحلفائهم منذ زمن النبي، حتى إن عمر استشار كعب الأحبار في خلافته في آخر ساعات عمره، فطرح كعب عثمان أو معاوية لتولي الخلافة بعد عمر (١٣).
مؤامرة اليهود وبني أمية ضد أمير المؤمنين: حقيقة خفية
كان لليهود وبني أمية منذ زمن بعيد حقد عميق وقديم على أمير المؤمنين علي عليه السلام. فقد كان الإمام علي هو الذي طوى في ميدان الحرب، بقوته الإلهية وشجاعته، صفحات المتجبرين من قريش وبني أمية، مثل طارق وأبي جهل. وحين كان النبي صلى الله عليه وآله يفتح حصون اليهود واحداً بعد آخر، كانت يد أمير المؤمنين هي التي أذلت كبار اليهود وساقتهم إلى الهلاك. ومن الطبيعي، مع هذه الخلفية، ألا يكون تواطؤ هاتين الجماعتين للقضاء عليه أمراً مستبعداً.
وفي خضم هذه التطورات، كان ابن ملجم، وهو من أهل مصر، على صلة وثيقة بعمرو بن العاص. وكان عمرو بن العاص، الذي كانت بيده سلطة مصر آنذاك، قد استخدم ابن ملجم حتى معلماً لأطفال مصر. ومن ثم تقوى بشدة فرضية أن ابن ملجم، الذي يحتمل أنه جاء إلى الكوفة بأمر خاص من عمرو بن العاص ومعاوية، لم تكن له مهمة خاصة بقتل الإمام علي عليه السلام فحسب، بل كلف بها في وقت كان الإمام يستعد فيه للحرب مع معاوية.
وأخيراً، بالنظر إلى جميع الشواهد والقرائن المطروحة في هذا البحث، يمكن القول بثقة إن معاوية، في ظل سياساته وباستخدام أيديه الخفية، ارتكب أعظم جريمة في التاريخ الإسلامي. وربما كان إسناد ابن ملجم إلى الخوارج غطاءً لعلاقته المباشرة ببني أمية وأهداف معاوية؛ إذ أظهر التاريخ دائماً أن النواصب كانوا يسمون كل مخالف «خارجياً» بأي ذريعة للوصول إلى السلطة.
الخاتمة
عند بحث سؤال ما إذا كان ابن ملجم أو معاوية هو قاتل الإمام علي عليه السلام، يمكن القول بوضوح إن معاوية يُعرف بوصفه العامل الرئيسي في قتله. ومع أن ابن ملجم معروف بالمنفذ المباشر، فإن الشواهد التاريخية والسياسية تدل على أن معاوية، باستعمال سياسات بني أمية السرية والإرهابية، ولا سيما في زمن خلافته، أدى الدور الرئيسي في تدبير هذه الجريمة. ويظهر التاريخ أن بني أمية لم يساوموا خصومهم قط لحفظ السلطة، وأن إزالتهم جسدياً بالمؤامرات المعقدة والاغتيالات الخفية كانت من أساليبهم الشائعة. كما أن صلة ابن ملجم الوثيقة بعمرو بن العاص ومعاوية تدل على أنه ربما كان مكلفاً بمهمة خاصة لهذا الفعل.
إن الخلفية التاريخية للحقد والعداء الشديدين لبني أمية واليهود على الإمام علي عليه السلام، إلى جانب أفعال معاوية في قتل عثمان والمطالبة بدمه والسياسات الدموية للوصول إلى الخلافة، تدل بقوة أكبر على أن معاوية هو المتهم الرئيسي في هذه الجريمة. وإن وقوع ابن ملجم في كبائر مثل شرب الخمر والزنا في شهر رمضان، وفي ظرف كان ينبغي له دينياً أن يظهر فيه الزهد والتضرع، شاهد على أنه لم يكن من الخوارج فحسب، بل كان على الأرجح مرتبطاً بالأيدي الخفية لبني أمية ومهماتهم للقضاء على الإمام علي عليه السلام.
وفي النهاية، يبدو أن معاوية، باستعمال جهل المسلمين وإثارة الفرقة بينهم، وخاصة عبر تياراته الخفية، نجح في طريقه إلى الخلافة بأي ثمن، حتى بسفك الدماء والاغتيال، في ارتكاب أعظم جريمة في التاريخ الإسلامي، وفي دفع أهدافه بواسطة شخصيات مثل ابن ملجم.
الهوامش: مقتبس من كتاب «هل قتل معاوية علياً»، نجاح الطائي. ١. أصول الكافي، ج ١، ح ٣. ٢. الغدير، ج ٩، ص ١٤٩. ٣. شرح ابن أبي الحديد، نقلاً عن الغدير، ج ٩، ص ١٥٠. ٤. المناقب، ابن شهر آشوب، ج ٢، ص ١٩٥. ٥. بحار، ج ٤٢، ص ٢٢٩. ٦. التذكرة، سبط ابن الجوزي، ص ١٨٥؛ والمناقب، ابن شهر آشوب، ج ٣، ص ٩٥. ٧. بحار الأنوار، ج ٤٢، ص ٢٨٣، باب ١٢٧. ٨. بحار الأنوار، ج ٤٢، ص ١٩٧، باب ١٢٦. ٩. مع أن عمر لم يكن من بني أمية، فإنه كان من حلفائهم، إذ جعل الشام في أيديهم واختار عثمان خليفة له. ١٠. البخاري، ج ٥، ص ١٥٠. ١١. كنز العمال، ج ١، ص ٣٧٠، ح ١٦٢٦. ١٢. أسباب النزول للسيوطي، ج ١، ص ٢١. ١٣. شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد، ج ٣، ص ١١٥.
المؤلف: حامد صارم
مقالات مشابهة
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد.